بعد أكثر قليلًا من 100 يوم على حصار مضيق هرمز الناتج عن الحرب الأميركية–الإسرائيلية ضد إيران، التي بدأت في 28 فبراير/شباط، لا تزال أسعار النفط الخام تسلك مسارًا شديد التقلب. وقد تجاوزت الخسائر التراكمية في الإمدادات من المنتجين الخليجيين بالفعل مليار برميل، مع خروج أكثر من 14 مليون برميل يوميًا فعليًا من السوق، في صدمة عرض غير مسبوقة.
ويُعد العجز التراكمي في المخزونات تاريخيًا. فبحسب تقرير سوق النفط الصادر عن وكالة الطاقة الدولية في مايو/أيار 2026، انخفضت المخزونات العالمية من النفط بمقدار 129 مليون برميل في مارس/آذار، و117 مليون برميل في أبريل/نيسان، وهو ما يمثل أسرع سحب من المخزونات تم تسجيله على الإطلاق. وقد يصل إجمالي العجز النفطي إلى 900 مليون برميل بحلول سبتمبر/أيلول 2026، فيما سيتطلب إعادة بناء المخزونات المستنزفة فائضًا يناهز مليون برميل يوميًا على مدى السنوات الثلاث المقبلة.
ويعيش العالم واحدة من أكبر اضطرابات الطاقة في التاريخ، وهي، بسبب حجمها ومدتها، ستخلّف تداعيات خطيرة على المديين القصير والطويل. ولا تكمن المشكلة الكبرى في أسعار المنتجات النفطية، بل في ندرتها.
كان مضيق هرمز، أو بالأحرى كان، نقطة اختناق رئيسية في تجارة النفط العالمية. فحوالي 20% من إنتاج النفط العالمي وإمدادات الغاز الطبيعي المسال كانت تمر عبره. وعلى الرغم من أن معظم النفط العابر لهرمز كان متجهًا إلى آسيا، ولا سيما الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية، فإن جزءًا مهمًا منه كان يصل أيضًا إلى أوروبا.
أما فيما يتعلق بإمدادات الغاز الطبيعي المسال، فإن جنوب آسيا يواجه اضطرابات هائلة، إذ إن 99% من واردات باكستان من الغاز الطبيعي المسال تأتي من قطر والإمارات العربية المتحدة، كما تأتي 72% من واردات بنغلادش و53% من واردات الهند من المصدر نفسه.
وفي ما يتعلق بوقود الطائرات، تستورد آسيا تقريبًا كل الكيروسين الذي تستخدمه من الخليج العربي، بينما يحصل الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة على ما يقرب من نصف وارداتهما من وقود الطيران من المنطقة نفسها.
وفي هذا المنتج، لا تكمن المشكلة في السعر فقط، بل في الندرة المادية أيضًا. فمع إغلاق هرمز، تصبح الإمدادات غير متاحة، كما لا يمكن تخزين وقود الطائرات بسهولة.
وبسبب نقص المواد الخام، ارتفعت أسعار النفط بمتوسط 50% عالميًا، في حين تضاعفت أسعار وقود الطائرات. وقد تؤدي هدنة إلى بعض الانخفاضات السعرية، لكن احتمال العودة إلى المستويات الأصلية يظل ضعيفًا جدًا، فيما يعرف بـ«تأثير الصاروخ والريشة».
ومن المتوقع استمرار ارتفاع الأسعار، وإن كان ربما ليس بالشدة نفسها التي شهدتها أزمات النفط في سبعينيات القرن الماضي. وفي الواقع، يشهد العالم بالفعل تدميرًا للطلب على المستوى العالمي. وقد بدأت هذه العملية مع ارتفاع أسعار النفط، التي تعمل عمليًا كضريبة مباشرة على الأسر والشركات. فمن خلال تقليص القدرة الشرائية، تخفض هذه الزيادات الطلب على السلع والخدمات الأخرى، مما قد يؤدي إلى تباطؤ اقتصادي. ويزيد من ذلك تراجع التفاؤل وفقدان الثقة العامة في الاقتصاد.
ومن المتوقع أن يكون انخفاض الطلب بمقدار 1.5 مليون برميل يوميًا خلال الربع الثاني من عام 2026 أشد انكماش منذ التراجعات التي سُجلت أثناء جائحة كوفيد-19 واندلاع الحرب في أوكرانيا.
ومع استمرار النقص وارتفاع الأسعار، من المتوقع أن يمتد تراجع الطلب بشكل أكبر. كما تُراجع توقعات الإنتاج الصناعي والاستثمار نحو الانخفاض، في حين تنعكس الأسعار المرتفعة بصورة متزايدة في توقعات التضخم.
وسيؤدي ارتفاع قيمة الدولار الأميركي، المدفوع بتوقعات زيادة أسعار الفائدة وارتفاع التضخم، إلى تشجيع المستثمرين على التحول نحو سندات الدين الأميركية. ومن المرجح أن يبقى الدولار القوي معنا، لأن أوروبا وآسيا ستواصلان دفع أسعار أعلى مقابل الطاقة التي تستوردانها.
ولا يقتصر الضرر الناجم عن الهجمات على منشآت إنتاج النفط والاضطرابات اللوجستية، بل يمتد أيضًا إلى قطاعات أخرى.
ففي قطاع الطيران والسياحة، أدى ارتفاع أسعار الوقود وتراجع عمليات المطارات في الشرق الأوسط إلى انخفاض الطلب.
أما في قطاع السيارات، فقد ارتفع الطلب في أوروبا على السيارات الكهربائية، ولا سيما المستعملة منها، بمعدلات تراوحت بين 40% و70%. غير أن شركات السيارات الأوروبية كانت قد أجرت سابقًا تخفيضات كبيرة في خططها المتعلقة بالتحول إلى المركبات الكهربائية.
