خلال الشهر الماضي، لوحظ ارتفاع ملحوظ في شدة الحرب الجوية ضمن العدوان الروسي على أوكرانيا. فقد تميزت الضربات التي وقعت في منتصف مايو/أيار وأواخره، وكذلك في بداية يونيو/حزيران، باستخدام أعداد أكبر بكثير من الطائرات المسيّرة والصواريخ من جانب روسيا في الهجمات المنفردة، الأمر الذي أدى إلى مزيد من الدمار وارتفاع عدد الضحايا.
وفي الوقت نفسه، تباطأت المكاسب الإقليمية الروسية على الأرض بشكل واضح، بل إن بعضها تراجع نتيجة هجمات أوكرانية مضادة ناجحة.
غير أن التحول في شدة الحرب الجوية هو ما يصنع العناوين الرئيسية، وذلك لسبب وجيه. فقد كانت هجومـان روسيان متتاليان في 13 و14 مايو/أيار الأكبر من نوعهما في الحرب حتى الآن.
وبعد عشرة أيام، أصابت ضربة مماثلة كييف ومدناً أوكرانية أخرى. وبعد أسبوع من ذلك، شنت روسيا هجوماً واسع النطاق آخر.
لكن التركيز على الضربات الروسية فقط يحجب نمطاً مهماً يتمثل في تزايد فعالية الرد الأوكراني.
فقد أعقب الهجوم الروسي الأول في مايو/أيار ضربات أوكرانية على منطقة موسكو. أما الهجوم الثاني، فقد تلاه قصف أوكراني على سانت بطرسبورغ في 3 يونيو/حزيران، قبل وقت قصير من انطلاق منتدى سانت بطرسبورغ الاقتصادي الدولي الذي كان من المقرر أن يبدأ هناك برئاسة فلاديمير بوتين.
وفي الوقت نفسه، كثّفت أوكرانيا أيضاً ضرباتها على شبه جزيرة القرم وعلى خطوط الإمداد الروسية الحيوية المؤدية إلى شبه الجزيرة، التي تحتلها موسكو بصورة غير قانونية منذ عام 2014.
وتمثل هذه السلسلة من الضربات الجوية الروسية والأوكرانية دورة انتقامية عالية الكثافة. فأوكرانيا ترد على ضربة روسية، ثم تستخدم موسكو ذلك لتبرير ضربتها الواسعة التالية، وهكذا دواليك.
وما هو جديد هنا يتمثل في أمرين: حجم الضربات الروسية، مع استخدام أعداد أكبر من الطائرات المسيّرة والصواريخ مقارنة حتى بذروة الهجمات في أواخر 2025، وتسارع وتيرة هذه الضربات المتبادلة.
ولم تعد الهجمات الأوكرانية في عمق الأراضي الروسية مجرد أعمال رمزية، بل أصبحت شديدة الفعالية، وهو ما دفع روسيا إلى اتهام أوكرانيا بشن حملة إرهابية، في محاولة لصرف الانتباه عن استهدافها المنهجي هي للبنية التحتية المدنية.
كما أن الضربات الروسية، من حيث مستوى الدمار والخسائر في صفوف المدنيين، تبدو أيضاً أكثر فعالية من السابق، فيما تبدو الدفاعات الجوية الأوكرانية أقل كفاءة. لكن هذا صحيح جزئياً فقط. إذ إن معدل اعتراض أوكرانيا للطائرات المسيّرة لا يزال مرتفعاً. غير أن العدد الأكبر من الطائرات المسيّرة التي تنشرها روسيا يعني أنه، من حيث الأعداد المطلقة، يصل عدد أكبر من المسيّرات إلى أهدافه.
كما نشرت روسيا أيضاً عدداً أكبر من الصواريخ في ضرباتها الأخيرة، وهي أسلحة تجد أوكرانيا صعوبة أكبر في اعتراضها، ليس أقلّه بسبب استنزاف مخزونها من أنظمة الدفاع المضاد للصواريخ مع مرور الوقت، وبسبب تراجع الدعم الأميركي منذ عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض في يناير/كانون الثاني 2025.
كما أن التحويل الأخير للصواريخ الاعتراضية الأميركية إلى المجهود الحربي الأميركي في الشرق الأوسط أدى أيضاً إلى تقليص مخزونات أنظمة الدفاع هذه المتاحة لكييف.
هل يمكن الحفاظ على هذه الوتيرة؟
لقد وُضعت روسيا، بذلك، أمام فرصة تستغلها بلا رحمة. لكن إلى أي مدى يمكن أن يستمر هذا النمط الحالي؟
من المرجح أن يكون حجم الهجمات وتواترها خلال الأسابيع الأربعة الماضية أكبر من قدرة روسيا على الحفاظ عليه إلى أجل غير مسمى. فعلى الرغم من أن الضربات في أواخر مايو/أيار وبداية يونيو/حزيران ظلت كبيرة من حيث الحجم، فإنها لم تشمل العدد نفسه من الذخائر الذي شهدته الموجة الأولى.
