مقدمة:
يُعرَف العالم حالياً تسع دول نووية مؤكّدة، هي: الولايات المتحدة، وروسيا، وبريطانيا، وفرنسا، والصين، والهند، وباكستان، وكوريا الشمالية، و”إسرائيل”. وعند تتبّع الإيقاع التاريخي لانتشار هذا السلاح، نجد أنّ بدايته كانت مع الولايات المتحدة سنة 1945، ثم الاتحاد السوفييتي (روسيا حالياً) بعد أربعة أعوام، تلتها بريطانيا بعد ثلاثة أعوام، ثم فرنسا بعد ثمانية أعوام، فالصين بعد أربعة أعوام، ثم الهند بعد عشرة أعوام، و”إسرائيل” بعد خمسة أعوام، ثم لحقت بها باكستان سنة 1998 بعد 19 عاماً، لتكون كوريا الشمالية بعد ثمانية أعوام هي آخر دولة في العالم تعلن عن امتلاكها سلاحاً نووياً سنة 2006.
وبذلك، فإنّ انتشار السلاح النووي من دولة واحدة إلى تسع دول استغرق نحو 61 عاماً، بمعدل إيقاع امتلاك يصل إلى دولة جديدة كلّ 7.6 أعوام تقريباً. لكنّ منذ سنة 2006 إلى الآن، أي على مدى نحو عشرين عاماً، لم تنضم أيّ دولة جديدة إلى المجموعة النووية، ما يعني أنّ التوقّف عن الانضمام للدول النووية مضى عليه فترة تعادل نحو ثلاثة أضعاف معدّل فترات الانتشار السابقة.
وكانت دولة جنوب إفريقيا هي الدولة الوحيدة التي أعلنت، بعد انهيار النظام العنصري سنة 1991، عن امتلاكها لستّ قنابل نووية من خلال التعاون الوثيق مع “إسرائيل”، لكن النظام الجديد الذي قاده نيلسون مانديلا Nelson Mandela قام بتفكيكها، فأصبحت هي الدولة الأولى التي تتخلى عن برنامج التسلح النووي طواعية، لكن دولاً ثلاث أخرى هي أوكرانيا وكازخستان وبيلاروسيا نقلت الترسانة النووية التي كانت على أراضيها قبل تفكك الاتحاد السوفييتي إلى روسيا، واكتمل النقل سنة 1996.[2]
كما تجدر الإشارة إلى أن هناك خمس دول (ألمانيا، وإيطاليا، وبلجيكا، وتركيا، وهولندا) فيها أسلحة نووية، لكنها تأتمر بأوامر قيادة عسكرية أمريكية، إضافة لدولة أخرى هي بيلاروسيا، التي تتبع أسلحتها النووية للقيادة العسكرية الروسية.[3]
من جانب آخر، فإن التوجّه للطاقة النووية كبديل مستقبلي للنفط، أصبح أكثر انتشاراً، وقد ورد في تقرير صادر عن الوكالة الدولية للطاقة الذرية International Atomic Energy Agency في آب/ أغسطس 2025 بعنوان “الوضع الدولي وآفاق الطاقة النووية 2025” أن 37 دولة تعمل على تطوير برامج للطاقة النووية، كما أعربت نحو 20 دولة أخرى عن اهتمامها بإدراج الطاقة النووية ضمن مصادر الطاقة المستقبلية لديها،[4] وهو ما ينطوي على احتمال متزايد لغواية “عسكرة” البرامج النووية، لا سيما في الدول التي تمتلك الإمكانيات من ناحية، وتستشعر التهديد الأمني لها من قوى أخرى من ناحية أخرى، كما هو الوضع في الحالة الإيرانية.
أولاً: البرنامج النووي الإيراني:
تدلّ أدبيات البرنامج النووي الإيراني على أنّ هنري كيسنجر Henry Kissinger، مستشار الأمن القومي ووزير الخارجية الأمريكي الأسبق، دعم في سبعينيات القرن العشرين، برنامجاً نووياً سلمياً طرحه شاه إيران ابتداء من سنة 1957 في إطار مبادرة “الذرة من أجل السلام “، ويستهدف البرنامج في آفاقه النهائية بناء 23 مفاعلاً نووياً، وجرت مفاوضات أمريكية مع إيران بين سنتي 1974 و1976 تركّزت حول إدارة المخاطر، وخصوصاً تقييد قدرات إعادة المعالجة للمواد النووية لضمان الاستخدام السلمي ومنع سباق تسلح نووي إقليمي، ووقّع كيسنجر مذكرة بقيمة 6.4 مليار دولار لبيع ما بين ستة إلى ثمانية مفاعلات نووية أمريكية لإيران، وكان هذا جزءاً من شراكة اعتمدت فيها الولايات المتحدة على إيران كقوة مهيمنة في الخليج العربي بموجب مبدأ نيكسون Nixon Doctrine.[5] لكن قيام الثورة الإيرانية سنة 1979 دفع كيسنجر للتحول في موقفه، وأصبح من أبرز الداعين لإلغاء البرنامج النووي الإيراني، لأنه يرى فيه كما قال سنة 2013 “تهديداً كبيراً للاستقرار الإقليمي”.[6]
ومن الضروري التنبّه إلى التباين بين التقديرات المستقبلية المدفوعة بأغراض سياسية ودعائية، وبين التقديرات المستقبلية التي تحاول دراسة معطيات الواقع ومؤشراته وتفاعلاته لتحديد السيناريوهات وآفاقها المستقبلية. ويمكن اعتبار تنبؤات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو Benjamin Netanyahu نموذجاً صارخاً للنمط المدفوع بدوافع دعائية ولا تستند إلى أيّ أسس علمية، فقد أورد نتنياهو تنبؤات متلاحقة حول موعد إنتاج إيران للقنبلة النووية، هي أقرب للتنبؤات العشوائية المدفوعة بدوافع التحريض، كما يتضح في الجدول التالي:[7]
جدول رقم 1: تنبؤات نتنياهو لامتلاك إيران القنبلة النووية

ومن الواضح أنّ الفارق بين التنبؤ الأول والتنبؤ الأخير لنتنياهو يمتدّ من سنة 1995 إلى سنة 2026، أي مسافة زمنية فاصلة تصل إلى أكثر من ثلاثين عاماً، وهو ما يعزّز أنّها تنبؤات “دعائية” لا تقوم على أيّ أساس علمي، مما لا يجعلها سنداً علمياً لأي تحليل مستقبلي، ناهيك عن أنّ الأمر لم يثبت حتى هذه اللحظة.
ثانياً: سيناريوهات البرنامج النووي الإيراني:
مرّ البرنامج النووي الإيراني بعدد من المراحل،[8] وقد أشرنا لبداياته في فترة شاه إيران في منتصف السبعينيات، ومع قيام الثورة وخلال عامها الأول (1979-1980)، توقف التعاون الغربي وخصوصاً الألماني (سيمنز Siemens) مع إيران، وتمّ التخلّي عن بناء مفاعل بوشهر Bushehr، كما أدّت الحرب الإيرانية العراقية (1980-1988) إلى مزيد من الأضرار للبنية التحتية القائمة، مما تسبب في توقف البرنامج. وبقيت النشاطات السرية في البرنامج النووي الإيراني، مثل العلاقة مع مجموعة عبد القدير خان الباكستانية وبعض الجهات في الأرجنتين وغيرها، مستمرة إلى ما بعد وفاة قائد الثورة آية الله الخميني Ayatollah Khomeini. ونُشرت لاحقاً تقارير لمنظمة مجاهدي خلق عن نشاطات سرية نووية إيرانية، الأمر الذي دفع إيران إلى الإعلان عن برنامجها النووي “السلمي”، خصوصاً بعد اتهامات بيل كلينتون Bill Clinton لها سنة 1995 بأنها تسعى لإنتاج قنابل نووية.
وفي سنة 2002، كشفت جماعة معارضة إيرانية (منظمة مجاهدي خلق) عن منشآت سرية لتخصيب اليورانيوم في مدينة نطنز، ومنشأة أخرى للماء الثقيل في مدينة أراك، مما أثار جدلاً دولياً ومحاولات تحقّق من صحة الادعاءات، وهو ما ترتّب عليه فرض عقوبات دولية، خصوصاً غربية، على إيران، امتدت خلال الفترة 2003-2015. ثم دخلت إيران في مفاوضات مكثفة مع مجموعة 5+1 (الولايات المتحدة، والمملكة المتحدة، وفرنسا، والصين، وروسيا، وألمانيا)، وواجهت عقوبات متعدّدة من مجلس الأمن الدولي. وفي سنة 2015، تمّ توقيع اتفاق خطة العمل الشاملة المشتركة التي تتضمن موافقة إيران على الحد من قدرتها على التخصيب ومخزوناتها مقابل رفع العقوبات.
لكن وصول دونالد ترامب Donald Trump للرئاسة الأمريكية دفع إلى إعلانه في سنة ٢٠١٨ عن انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي، والعمل على الشروع في حملة “الضغط الأقصى” على إيران، وهو ما دفع إيران لاستئناف تخصيب اليورانيوم بمستويات عالية، ووصلت نسبة نقاوته إلى ٦٠٪. ومنذ تلك اللحظة حتى الآن (٢٠٢٦)، تواصل إيران تطوير برنامجها النووي،[9] وتشير التقارير إلى استمرار تخصيب اليورانيوم بمستويات عالية، لكن ذلك غير مثبت بشكل قطعي. وقد ركّز البرنامج، حسب التقارير الغربية خصوصاً، على إتقان دورة الوقود النووي، التي يمكن أن تخدم كلّاً من الطاقة المدنية والتطبيقات العسكرية المحتملة، تحت إشراف منظمة الطاقة الذرية الإيرانية Atomic Energy Organization of Iran (AEOI).
استناداً إلى ما سبق، يمكن تحديد أربعة سيناريوهات للبرنامج النووي هي:
اولا سيناريو التفكيك.
ثانيا سيناريو العتبة النووية: استمرار البرنامج بوضعه القائم حالياً.
ثالثا سيناريو العسكرة: انضمام إيران للنادي النووي.
رابعا سيناريو البجعة السوداء.
إنّ الترجيح بين هذه السيناريوهات غير منفصل عن الأبعاد الأخرى المؤثرة على البرنامج النووي الإيراني، ذلك يعني أن النظر لمستقبل المشروع النووي الإيراني بين الاتهام بالنزوع الإيراني لعسكرة البرنامج، وبين تأكيد إيران على “سلمية البرنامج” يجب أن لا يقتصر التحليل على الجانب “التقني” فقط، بل لا بدّ من تضمين التحليل أبعاداً أخرى، مثل: مستقبل توازنات الردع الدولية والإقليمية، ومستقبل النظام السياسي الإيراني، ووزن الولايات المتحدة واهتمامها في الشرق الأوسط، والدور الإسرائيلي في التعاطي مع البرنامج النووي الإيراني، إلى جانب بنية النظام الدولي المستقبلي وتحولاته.
ولكلِّ بُعدٍ من هذه الأبعاد مؤشراته الفرعية وتداعياته، بل والتأثير على بعضها البعض من خلال مصفوفة التأثير المتبادل Cross-Impact Matrix.
ويمكن عرض مؤشرات فرعية لكل من السيناريوهات الأربعة التي أشرنا لها على النحو التالي:[10]
اولا سيناريو التفكيك:[11]
أي أن تتخلى إيران عن برنامجها النووي (بغض النظر عن طبيعته العسكرية أو السلمية) على غرار ما جرى في ليبيا أو جنوب إفريقيا أو بعض جمهوريات الاتحاد السوفييتي، بالرغم من التباين في طبيعة التفكيك بين هذه النماذج، لكن ما يجمعها هو التخلي عن البرنامج كلياً أو عن كل ما يثير الشبهة في التوجه الاستراتيجي للمشروع.
ولعل المؤشرات الحالية والمستقبلية التي تدل على احتمالات هذا السيناريو تتمثّل في الآتي:
أ تراجع إيران عن مستويات تخصيب اليورانيوم الحالية والمعلنة (من 20-60%)، والالتزام بنسبة تخصيب لا تتجاوز 3.67%، وهي النسبة المطلوبة كوقود للمفاعلات النووية المدنية لتوليد الكهرباء، والتي تم اعتمادها في الاتفاق النووي الإيراني المعروف (5+1) مع الولايات المتحدة سنة 2015، وبهذا تكون إيران بقبول هذه النسبة المنخفضة بعيدة جداً عن النسبة المطلوبة لصنع أسلحة نووية (التي تتطلب تخصيباً يصل إلى مستوى يتجاوز 90%).
ب تفعيل نشاط مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية في المرافق الخاصة بالبنية التحتية للمشروع النووي الإيراني، مع السماح لهم بالوصول إلى أيّ منشأة نووية، وكذلك إلى مخزونات اليورانيوم المخصب.
ج الانتقال الإيراني من “تجميد” النشاط النووي إلى “تفكيك” بنية البرنامج خصوصاً ذات النزوع العسكري، مع إبقاء الولايات المتحدة الربط بين التفكيك (لا التجميد) وبين رفع العقوبات الاقتصادية عن إيران.
د التحول في الاستراتيجيات الكبرى لإيران من خلال:
تنامي الجناح المعتدل في السلطة السياسية على حساب الجناح المتشدد.
تراجع وزن الحرس الثوري في رسم الاستراتيجيات الكبرى للدولة.
التحول الجيوستراتيجي الإيراني من التركيز على إقليم الشرق الأوسط إلى التركيز على تنمية روابطه وعلاقاته مع آسيا الوسطى والقفقاس.
انخفاض التوتر بين الولايات المتحدة وإيران، خصوصاً في الموضوعات ذات الاهتمام المشترك.
التركيز على التمسك بالفتوى الدينية التي تحرم إنتاج الأسلحة النووية، وهو ما يعطي النظام تبريراً عقائدياً للاستجابة للتكفيك.
متغيّرات كابحة للسيناريو:[12]
إن المؤشرات السابقة لن تحدث في بيئة متناغمة لإنجاز مؤشرات السيناريو، بل هناك متغيرات كابحة ستضعف احتمالات التحولات المطلوبة في بيئة السيناريو مثل:
أ إنّ التراجع عن المشاريع الاستراتيجية الكبرى تقود إلى اهتزاز صورة الدولة داخلياً ومكانتها الدولية خارجياً، وهو أمر يؤثر على الدولة في مستويات تفاعلاتها الداخلية والخارجية، فالتراجع يشجِّع المعارضة على مزيد من النشاط ضدّ النظام، ويعزز آمال الخصوم ببدء انكفاء الدولة عن مشاريعها الاستراتيجية.
ب إنّ السياق التاريخي الذي عرضناه في بداية هذه الدراسة يشير إلى أن نتائج التخلي عن البرنامج النووي لم تفرز نتائج سياسية أو اقتصادية أو عسكرية ذات دلالة كبرى، بل إن النموذج الليبي (زمن معمر القذافي) أو العراقي (زمن صدام حسين) يشير إلى تداعيات سلبية تماماً، بينما العناد الكوري الشمالي انتهى إلى تحقيق ردع واضح.
ج إنّ القوى العلمية والنخب السياسية المساندة للمشروع لن تتقبل تفكيك منشآت كبرى تم الإنفاق عليها بمبالغ هائلة، بل إن فكرة الردع النووي تمثل قوة جذب مهمة للاستمرار في المشروع لحماية النظام السياسي.
ثانيا. سيناريو العتبة النووية: استمرار البرنامج بوضعه القائم حالياً:
يمكن تحديد هوية البرنامج النووي الإيراني الحالي بأنه برنامج “العتبة النووية Nuclear Threshold”، وهو ما يعني “امتناع” الدولة عن تصنيع قنبلة نووية بالرغم من “امتلاكها” مقومات نووية تتمثل في البنية التحتية، والتقنيات، والخبرات العلمية، والمواد الانشطارية اللازمة لإنتاج سلاح نووي في فترة زمنية قصيرة، ويميل قدر غير يسير من الباحثين إلى أن إيران تقف عند هذه المرحلة.
وتتمثّل مؤشرات هذا السيناريو في الآتي:[13]
أ استمرار التخصيب إلى حدود 60% وامتلاك مخزون من هذا المستوى في أماكن “غير معروفة يقيناً”.
ب قدرة إيران على الانتقال من مستوى معين إلى مستوى أعلى في البرنامج النووي، يجعلها أكثر قدرة على بلوغ الإنتاج العسكري دون الوصول إليه.
ج شعور إيران بأن احتمالات التلكؤ الأمريكي في الاستجابة للأهداف الإسرائيلية القصوى بالغزو لإيران على غرار ما جرى في العراق يتأرجح مع ميل أكبر للتراجع، وهو ما يجعل الضغوط على إيران أقل.
د الشعور الإيراني بأن التمسك بالوضع الراهن في البرنامج، يعزز القدرة التفاوضية لإيران في الحصول على مكاسب أكبر من النواحي السياسية والاقتصادية بل والعسكرية.
هـ توظيف الغموض النووي الاستراتيجي من خلال تقليص قدرة وكالة الطاقة الذرية على التفتيش التام والمفتوح على كل ما يتعلق بالبرنامج.
و استغلال إيران بتكريس اعتقاد دولي بأن إيران لن تتخلى عن برنامجها، ولكنها قد تسمح باحتوائه.
ز نزوع الولايات المتحدة لاحتواء البرنامج، بدلاً من الدخول في حرب برية واسعة ومكلفة.
ح الاعتقاد الإيراني بأنّ الرئيس الأمريكي ترامب أدرك أنّ جهوده ضدّ إيران لم تُحقّق النتائج المرجوّة، كما أنّ إيران قادرة على تحمّل العامين والنصف المتبقيين من ولايته.
مؤشرات كابحة للسيناريو:[14]
أ بروز مؤشرات على أن المساندة الروسية والصينية لإيران في مجال برنامجها النووي تحديداً لا يذهب إلى المدى الذي تأمله إيران حتى الآن، خصوصاً مع إعلان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين Vladimir Putin استعداد بلاده لاستقبال اليورانيوم الإيراني المخصب من خلال نقله من إيران، وهو الموقف الذي كرره بوتين خلال التفاوض بين الطرفين الأمريكي والإيراني بعد وقف إطلاق النار في أيار/ مايو 2026.
ب أعباء العقوبات الاقتصادية وتكاليف المواجهات العسكرية وتراجع معدلات الاستقرار السياسي في إيران تشكل عوامل ضاغطة للاستجابة للتوجهات الأمريكية.
ثالثا سيناريو العسكرة: انضمام إيران للنادي النووي:
يقوم هذا السيناريو على مؤشرات عدة أهمها:[15]
أ قدرة إيران على الوصول إلى درجة تخصيب تصل إلى 90%، وهو المعدل المطلوب لإنتاج سلاح نووي.
ب التضييق على نشاطات مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية أو وقف نشاطاتهم على التراب الإيراني.
ج النقاش داخل إيران حول الانسحاب من معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية.
د استمرار الجانب السري في نشاطات وكالة الطاقة الإيرانية.
هـ زيادة وتيرة إنتاج أجهزة الطرد المتطورة من ناحية، وتوزيعها جغرافياً في أماكن متباعدة وسرية من ناحية ثانية.
و طرح النقاش حول إعادة النظر في الفتوى الدينية بخصوص القنبلة النووية، أو إعادة تأويلها بالفصل بين الامتلاك والاستخدام، وحصر تأويل الفتوى في نطاق “الاستخدام” للسلاح النووي لا في نطاق “التملك”.
ز استمرار الضغوط الأمريكية والإسرائيلية وغيرها على إيران يزيد من قلق النظام من احتمالات انهياره، مما يجعله في حاجة لردع استراتيجي.
ح وجود قدر من القناعة لدى شريحة من النخبة الإيرانية بأن النموذج الكوري الشمالي يمثل حالة تعزز أهمية التسلح النووي لضمان الأمن القومي للدولة.
كوابح السيناريو:
تتمثّل الكوابح في هذا السيناريو في:
أ القلق من احتمال التعرض لهجوم عسكري شامل، خصوصاً من الولايات المتحدة أو دول غربية أخرى أو من “إسرائيل”.
ب القلق من تداعيات دفع دول إقليمية للسعي لإنتاج السلاح النووي (تركيا أو مصر أو السعودية) مما يزيد من أعباء عدم الاستقرار الإقليمي.
ج أدت الهجمات الإسرائيلية والأمريكية على مرافق البرنامج النووي وعلى أبرز العلماء الإيرانيين إلى إضعاف البرنامج في جوانب متعددة.
رابعا سيناريو البجعة السوداء:
يتمثل هذا السيناريو في وقوع حدث “ضعيف الاحتمال لكنه عالي التأثير إذا وقع”، ويمكن تصور بعض احتمالات ذلك في الاحتمالات التالية، التي تتضمن عوامل مساعدة أو كابحة:[16]
أ فوضى عارمة تؤدي إلى انهيار النظام السياسي الإيراني.
ب تحوّل كبير في توجهات المرشد والقيادة السياسية والعسكرية نحو مزيد من التشدد.
ج وصول قيادة جديدة تتخلى عن البرنامج.
د التعرض الإيراني لضربة عسكرية هائلة وعميقة التأثير.
هـ اكتشاف برامج سرية داخل إيران أو خارجها تتضمن وجود قنابل نووية لدى إيران مخزنة في خارج إيران، أو في مناطق إيرانية لم يتم اكتشافها.
و تحول إيجابي عميق في العلاقات الأمريكية الإيرانية.
ز انهيار الوزن الأمريكي في سياسات المنطقة، وحلول قوى دولية تملأ الفراغ الأمريكي.
ثالثاً: الموازنة بين السيناريوهات:
من المهم بداية أن نتوقف قليلاً عند نموذج القياس الذي طوره معهد أمريكي تحت اسم “عداد غايغر للتهديد الإيراني Iran Threat Geiger Counter”،[17] وهو نموذج يجمع بين بُعدين هما: التهديد العام الإيراني للولايات المتحدة وحلفائها من ناحية، واحتمالات امتلاك إيران للقنبلة النووية من ناحية ثانية. أي أن النموذج يعتمد مؤشرين هما النزعة العدائية للدولة والقدرة التقنية. وتمّ تقسيم مؤشرات النموذج إلى 6 فئات، متساوية الوزن، وأعطى لكل مؤشر من هذه المؤشرات 30 نقطة، مما يعني أن التهديد المطلق هو 180 نقطة. وتمّ توزيع مستويات التهديد إلى منخفض جداً، منخفض، متوسط، أعلى من المتوسط، مرتفع، ثمّ خطر عالي جداً.
أما المؤشرات المعتمدة للقياس ومؤشراتها الفرعية فهي:
اولا الأفعال العدائية: دعم جماعات مسلحة، وإصدار التهديدات، وتوتير بيئة الإقليم.
ثانيا الخطاب العدائي: تصريحات المسؤولين، وتبرير امتلاك الردع النووي، وتكرار الحديث عن زوال “إسرائيل”.
ثالثا غياب الشفافية في التعامل مع وكالة الطاقة الذرية الدولية: تقييد حركة المفتشين الدوليين، ومواقع نووية سرية، وإنتاج أجهزة طرد دون مراقبة.
رابعا سرعة الاختراق النووي: تقليل الوقت لإنتاج كمية كافية من اليورانيوم عالي التخصيب.
خامسا امتلاك قدرات نووية حساسة: أجهزة الطرد، والتخصيب العالي، والمعرفة التقنية، وتطور البنية الصناعية النووية.
سادسا ما بعد الاختراق: الأبحاث العلمية النووية، وتصميم الرأس النووي، والتفجير الداخلي، التصغير بما يتلاءم مع الصاروخ، والاختبارات الهندسية.
نتائج التقرير: أعطي التقرير المؤشرات المركزية الستة النتائج التالية (العلامة من 30):
• الأعمال العدائية: 20.
• الخطاب العدائي: 29.
• غياب الشفافية: 24.
• سرعة الاختراق النووي: 30.
• امتلاك القدرات الحساسة: 27.
• ما بعد الاختراق: 27.
• المجموع هو: 157 من 180، أي ما يعادل 87.2%.
لكن هذا النموذج يصدر عن معهد معروف بعلاقاته مع مؤسسات منع انتشار السلاح النووي مما يجعله ميالاً لقدر من تضخيم التهديد الإيراني، كما أنّ التقارير الاستخبارية تبقى موضع مناقشة في مدى مصداقيتها، إلى جانب إعطاء مؤشر النوايا وزناً يتساوى مع القدرات التقنية، وهو أمر قد يقود للمبالغة في دلالات التصريحات “اللفظية”، خصوصاً في أثناء الأزمات.
غير أن البعد التقني يبدو أكثر دقة في النموذج لأنه يعتمد على تقارير الوكالة الدولية للطاقة النووية (مثل نسب التخصيب، ومخزون اليورانيوم، وأجهزة الطرد، ومستويات التفتيش).
إنّ نموذج “عداد غايغر” يجمع بين البيانات التقنية والتحليل الاستراتيجي والتقدير السياسي، مما يستلزم اعتباره مؤشراً مهماً ودالاً دون المبالغة في دقة قياسه.
من جانب آخر، لا بدّ من دراسة التفاعل والتأثير المتبادل بين مؤشرات السيناريوهات مع بعضها، فبعضها يعزز غيره أو يضعفه، كما أنّ أوزان المؤشرات تتباين في دورها في تشكيل مسارات الظاهرة موضوع الدراسة. وتدلّ التفاعلات بين المؤشرات على النتائج التالية خلال الفترة الممتدة من الآن (2026) وحتى 2030 (مع تحييد سيناريو البجعة السوداء مرة وإدخالها في التحليل مرة أخرى):
اولا إن السيناريو الأقل احتمالاً هو تفكيك البرنامج النووي والتخلي عن هذه الاستراتيجية، فهو يقع في معدل احتماله بين 5-10%.
ثانيا إن الإعلان عن إنتاج القنبلة النووية والانسحاب من معاهدة منع انتشار السلاح النووي سيبقى في حدود 35-40%.
ثالثا إبقاء البرنامج الحالي مع بعض التكتيكات التي تعززه هو الاحتمال الأقوى، ويبقى معدل احتماله في حدود 60-65%.
لكنّ النسب المحتملة المشار لها تبقى أسيرة البجعة السوداء، فقد تُعزز هذه البجعة احتمالاً دون الآخر (إذا وقعت)، لكن ذلك كله قد يعزز النزوع الإيراني إلى الغموض الاستراتيجي القائم على أساس دفع الخصوم إلى التصرف على أساس احتمال امتلاك إيران السلاح النووي دون القدرة على القطع بوجوده الفعلي أو عدمه.
ذلك يعني أننا نستبعد سيناريو التفكيك، ونُرجِّح المراوحة المشروطة بين “الالتزام بالعتبة النووية” من ناحية والتهديد بالانتقال إلى امتلاك القنبلة النووية من ناحية ثانية. ويُمثّل التهديد الخارجي (خصوصاً الأمريكي والإسرائيلي) المحرك المركزي Driver للانتقال التمهيدي، الذي سيبدأ بالإعلان عن التخصيب لليورانيوم إلى درجة 90%، وهو ما هدّد به الناطق الرسمي للجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية الإيرانية في البرلمان الإيراني إبراهيم رضائي Ebrahim Rezaei،[18] وهو ما يعزز الانتقال المشروط من العتبة النووية إلى القنبلة إلى مستوى 80%.
إنّ تنامي المخاطر الأمنية على إيران ستعزز موقف الحرس الثوري والتيار المتشدّد في القوى السياسية الإيرانية، إلى جانب نخبة من العلماء الإيرانيين، في منظمة الطاقة النووية الإيرانية،[19] في الانتقال باتجاه سيناريو القنبلة النووية.
