إحدى أبرز العقبات أمام أي اتفاق دائم بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية والولايات المتحدة هي التباين في خطوطهما الحمراء الاستراتيجية. ففي حين سعت واشنطن، على مدى العقدين الماضيين، بصورة متواصلة إلى إدراج قدرات إيران الصاروخية، وقدراتها العسكرية، ونفوذها الإقليمي ضمن جدول أعمال المفاوضات، اعتبرت طهران هذه المجالات مكوّنات غير قابلة للتفاوض من أمنها الوطني وقدرتها على الردع، ورفضت مناقشتها. وكانت النتيجة مأزقًا مستمرًا، لم يقتصر أثره على عرقلة الاتفاقات الأوسع فحسب، بل أسهم، ولا سيما خلال العام الماضي، في تصاعد التوترات وحتى في خطر المواجهة العسكرية. ومن ثم، فإن السؤال المحوري هو ما إذا كان هناك مسار ممكن لتجاوز هذا المأزق، مسار لا يفرض على إيران التنازل عن خطوطها الحمراء الأساسية، ولا يتجاهل في الوقت نفسه مخاوف الطرف الآخر.
قد يكون الجواب في الخبرة التاريخية للحد من التسلح بين القوى الكبرى. فخلال الحرب الباردة، وعلى الرغم من التنافس الأيديولوجي والسياسي والعسكري غير المسبوق، أدركت الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي تدريجيًا أن سباق التسلح المنفلت قد يهدد أمن الطرفين معًا. ونتيجة لذلك، ظهرت سلسلة من اتفاقيات الحد من التسلح، كان من أبرزها محادثات الحد من الأسلحة الاستراتيجية (SALT)، ومعاهدة القوات النووية متوسطة المدى (INF)، ومعاهدة خفض الأسلحة الاستراتيجية (START). ولم تكن هذه الاتفاقيات مصممة لإزالة القدرات العسكرية للطرف المقابل، بل لتحقيق توازن بين الحفاظ على الردع وكبح التصعيد غير المنضبط في سباق التسلح. وبعبارة جوهرية، كان المبدأ الأساسي هو أن الأمن المستدام لا يتحقق من خلال القضاء على قوة الخصم، بل من خلال تنظيم التنافس وإدارة الخلافات.
ويمكن لهذه التجربة أن تقدم دروسًا قيّمة للعلاقات الإيرانية-الأميركية. فعلى الرغم من أن البيئة الاستراتيجية في الشرق الأوسط تختلف بشكل كبير عن السياق العالمي للحرب الباردة، فإن المبدأ الكامن يظل قائمًا: من الممكن الدخول في نقاشات بشأن القدرات العسكرية من دون التخلي عن الردع. وفي مثل هذا الإطار، لن تتركز المفاوضات على وجود القوة العسكرية بحد ذاته، بل على نطاقها وحدودها. وكما ركزت اتفاقيات الحد من التسلح بين القوى الكبرى على مجالين، هما الكمّ والنوع في التسليح، فإن أي آلية محتملة بين إيران والولايات المتحدة يمكن أن تتناول بالمثل المؤشرات الكمية والنوعية. فالكمّ يشير إلى عدد الأنظمة والمنصات، في حين يشمل النوع خصائص مثل المدى، والدقة، والقوة التدميرية، وغيرها من السمات التقنية. والأهم من ذلك أن هذه القيود لا يكون لها معنى إلا إذا جرى الحفاظ على مبدأين أساسيين: استدامة الردع، والحفاظ على توازن القوى الإقليمي.
وبالنسبة إلى إيران، يكتسب هذان المبدآن أهمية خاصة. فعلى مدى العقود الماضية، أصبحت القدرات الصاروخية الإيرانية أداتها الأساسية للردع الوطني. وقد تطورت هذه القدرات في بيئة اتسمت بتقييد الوصول إلى أنظمة التسليح المتقدمة، وبالوجود العسكري الأميركي الكثيف في المنطقة المحيطة. ولذلك، فإن أي نقاش بشأن القيود المحتملة يجب أن ينطلق من الحفاظ على الردع الإيراني. وبالمثل، يجب ألا يختل توازن القوى الإقليمي. فالقيود التي تُصمَّم بحيث يتحمل طرف واحد فقط الكلفة بينما يجني الطرف الآخر المكاسب، لن تكون فقط غير قابلة للاستدامة، بل قد تصبح مصدرًا لعدم استقرار جديد.
الترجمة العربية:
يبرز تحدٍّ محوري في الكيفية التي تنظر بها الولايات المتحدة إلى عملية التفاوض. إذ يبدو أن جزءًا مهمًا من الحسابات الاستراتيجية في واشنطن يتأثر بمنطق يُوصَف في نظرية الألعاب باسم «لعبة الدجاج». وفي هذا السيناريو، يحاول كل طرف إقناع الطرف الآخر بالتراجع في اللحظة الأخيرة من خلال تصعيد الضغوط. ولا يتحقق النجاح هنا عبر التسوية، بل عبر إظهار استعداد أكبر لتحمل المخاطر. ويمكن تفسير السلوك الأميركي تجاه إيران في السنوات الأخيرة إلى حد كبير من خلال هذا المنظور. فحتى خلال فترات استمرار المفاوضات، فرضت واشنطن في الوقت نفسه عقوبات جديدة، وصعّدت الضغوط الاقتصادية، وزادت حضورها العسكري في المنطقة، وعززت تحالفات الردع في مواجهة إيران. ويعكس هذا النهج افتراضًا كامنًا لدى بعض دوائر صنع القرار الأميركي، وهو أن الجمهورية الإسلامية ستضطر في نهاية المطاف إلى التراجع عن بعض خطوطها الحمراء لتجنب تصاعد الأزمة.
وتكمن مشكلة هذا التصور في أنه قد يقود إلى سوء تقدير. فإذا افترض الطرفان أن الآخر سيتراجع في اللحظة الأخيرة، فإن خطر المواجهة غير المقصودة يزداد. وقد أثبتت تجربة الحرب الباردة أن الاستقرار الاستراتيجي لا ينشأ من الضغط الأحادي، بل من الاعتراف المتبادل بوقائع القوة وحدودها. ومن ثم، فإن الجمع بين الضغوط العسكرية والاقتصادية وبين التفاوض في الوقت نفسه يوصل رسالة مفادها أن الهدف هو الإكراه لا التوصل إلى اتفاق متوازن ومستدام. وفي هذا السياق، يمكن أن توفر آلية مقترحة تقوم على قيود عسكرية متفق عليها بشكل متبادل عدة مزايا لإيران. أولًا، يمكن أن تمنع حالات الجمود التفاوضي. فعندما يصر الطرف الآخر على إثارة القضايا الصاروخية والأمنية، تستطيع طهران أن ترد لا بالرفض المطلق، بل بطرح إطار بديل يحافظ على الردع ويُبقي في الوقت نفسه قنوات الحوار مفتوحة. ثانيًا، يمكن لمثل هذه المبادرة أن تعزز مكانة إيران الدولية. فالاتفاقيات الخاصة بالحد من التسلح جرى التفاوض عليها تاريخيًا في الأساس بين القوى الكبرى. ومن ثم فإن مشاركة إيران في مثل هذه الحوارات، بغض النظر عن النتيجة النهائية، ستعني اعترافًا بثقلها الاستراتيجي في حسابات الأمن الإقليمي.
ومع ذلك، فإن هذا النهج لا يخلو من التحديات. وأبرزها ضمان الالتزام. فقد أظهر انسحاب الولايات المتحدة من خطة العمل الشاملة المشتركة (JCPOA) أن حتى الاتفاقات الرسمية يمكن أن تتأثر بالتطورات السياسية الداخلية. ولذلك، ينبغي أن تتضمن أي آلية جديدة ضمانات قابلة للإنفاذ وترتيبات فعالة للمراقبة. وعلاوة على ذلك، فإن تحقيق توافق داخلي بين القيادات السياسية والدبلوماسية والعسكرية في إيران بشأن نطاق الانخراط وحدوده يُعد أمرًا أساسيًا قبل طرح أي مقترح. فقرارات تحديد المجالات التي يمكن أن تخضع لقيود، ونوع التنازلات التي ينبغي المطالبة بها، ليست مسائل تقنية فحسب، بل ترتبط مباشرة بالأمن القومي والمصالح بعيدة المدى.
وفي النهاية، فإن نجاح أي مبادرة دبلوماسية يعتمد على شرطين أساسيين: التوافق الداخلي والانسجام مع الوقائع الدولية. وإذا توفّر هذان الشرطان، فإن هناك خيارًا عمليًا يتجاوز ثنائية المقاومة المطلقة والتنازل الأحادي، خيارًا يقوم على إدارة التنافس، والحفاظ على الردع، وصون التوازن. وتبيّن التجارب التاريخية أن حتى أعمق النزاعات الأمنية لا تجعل الحوار مستحيلًا. والسؤال الأساسي ليس ما إذا كانت إيران والولايات المتحدة تختلفان، بل ما إذا كان الطرفان مستعدين لوضع قواعد لإدارة هذا الخلاف بدلًا من محاولة إجبار الآخر على التراجع. وإذا وُجد هذا الاستعداد، فإن تجاوز مأزق الخطوط الحمراء ينتقل من مجرد طموح إلى إمكانية ملموسة في السياسة الدولية.
