notebook computer with national flag of morocco. Source: Shutterstock

المغرب في عصر الذكاء الاصطناعي: هل يتحول إلى جسر رقمي بين إفريقيا وأوروبا؟

لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد تطور تقني داخل المختبرات أو الشركات التكنولوجية الكبرى، بل أصبح عنصرًا بنيويًا يعيد تشكيل موازين القوة بين الدول. فالتنافس العالمي اليوم لم يعد يتمحور فقط حول الموارد الطبيعية أو الممرات التجارية، بل حول البيانات، ومراكز الحوسبة، والرقاقات الإلكترونية، والبنية التحتية الرقمية التي تشكل أساس الاقتصاد الجديد.

وتشير تقديرات صناعية إلى أن حجم الاستثمار العالمي في مراكز البيانات قد يتجاوز 2 تريليون دولار خلال السنوات المقبلة، نتيجة الطلب المتزايد على الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية.

في هذا السياق، يبرز سؤال استراتيجي حول موقع المغرب داخل هذا التحول: هل يمكن أن يتحول إلى جسر رقمي يربط بين إفريقيا وأوروبا؟

المغرب بين الموقع الجغرافي والوظيفة الرقمية

يتمتع المغرب بموقع جغرافي استثنائي عند ملتقى أوروبا وإفريقيا، لا يفصله عن القارة الأوروبية سوى مضيق جبل طارق الذي يبلغ عرضه حوالي 14 كيلومترًا. لكن هذا القرب لم يعد يُقرأ فقط كميزة جغرافية، بل كعنصر في “الجغرافيا الرقمية” التي تربط تدفق البيانات والبنية التحتية العالمية.

كما أن ارتباط المغرب المتزايد بالعمق الإفريقي عبر الاستثمارات المالية والتجارية يعزز موقعه كحلقة وصل بين شمال وجنوب المتوسط.

مسار التطور: من البنية الرقمية إلى اقتصاد الرقائق

لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد برمجيات، بل أصبح يعتمد على بنية مادية كثيفة تشمل مراكز البيانات والرقاقات المتقدمة وأنظمة الطاقة. وتشير تقارير تقنية إلى أن مراكز البيانات الحديثة للذكاء الاصطناعي تتطلب ما بين 100 إلى 500 ميغاواط لكل منشأة حسب الحجم.

في هذا الإطار، يبرز الحضور المتزايد للشركات الأمريكية الكبرى، وعلى رأسها NVIDIA، التي أصبحت المورد الأساسي عالميًا لرقاقات الذكاء الاصطناعي المستخدمة في تدريب وتشغيل النماذج التوليدية. هذه الرقاقات لم تعد مجرد مكون تقني، بل أصبحت عنصرًا استراتيجيًا يعيد تشكيل خريطة الاستثمار العالمي في مراكز البيانات.

كما يرتبط اسم NVIDIA وعدد من الشركاء الدوليين بتحالفات تعمل على تطوير مراكز بيانات ضخمة في مناطق استراتيجية، من بينها المغرب، ضمن مشاريع تعتمد على أحدث أجيال المعالجات المخصصة للحوسبة الفائقة والذكاء الاصطناعي التوليدي.

ويعكس هذا التحول انتقال المغرب من مرحلة استقطاب التكنولوجيا الرقمية إلى مرحلة أكثر تقدمًا، تتمثل في احتمال استضافة البنية التحتية العالمية التي يقوم عليها الذكاء الاصطناعي.

أوروبا والمغرب: شراكة رقمية تتجاوز التعاون التقليدي

 

تشكل أوروبا اليوم حوالي 20% من القدرة العالمية لمراكز البيانات، لكنها تواجه ضغطًا متزايدًا على شبكات الطاقة، خصوصًا في بعض الدول الأوروبية التي أصبحت فيها مراكز البيانات تستهلك جزءًا متزايدًا من الكهرباء الوطنية.

هذا الواقع يدفع الاتحاد الأوروبي إلى البحث عن شركاء في الضفة الجنوبية للمتوسط لتخفيف الضغط وتوسيع البنية الرقمية. ويبرز المغرب كخيار استراتيجي بفضل موقعه القريب واستقراره النسبي وتطوره التدريجي في الرقمنة.

وتُعد فرنسا من أبرز الفاعلين في هذا المجال من خلال مبادرات الذكاء الاصطناعي الأوروبية وشراكاتها المتزايدة مع المغرب في مجالات الابتكار الرقمي وتطوير الكفاءات. كما يندرج المغرب ضمن إطار التعاون الرقمي مع الاتحاد الأوروبي الذي يشمل الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني والحوسبة السحابية.

وتشارك دول أوروبية مثل إسبانيا وإيطاليا وفنلندا في مشاريع مرتبطة بالحوسبة المتقدمة والذكاء الاصطناعي، ما يعزز موقع المغرب ضمن شبكة رقمية أوروبية أوسع.

الشركات العالمية: من الاستثمار إلى البنية التحتية

لم يعد حضور الشركات العالمية في المغرب مرتبطًا فقط بالاستثمار الاقتصادي، بل أصبح يتجه نحو بناء البنية التحتية للذكاء الاصطناعي.

فمراكز البيانات الحديثة تستهلك طاقة ضخمة تتراوح بين 100 و150 ميغاواط بشكل مستمر لكل منشأة كبرى، ما يجعل اختيار الموقع قرارًا استراتيجيًا بامتياز.

وفي هذا السياق، يُطرح المغرب كموقع جاذب بفضل توفر الطاقة المتجددة، خاصة مشاريع الطاقة الشمسية والرياح، إضافة إلى الربط البحري عبر الكابلات الدولية والقرب من السوق الأوروبية.

الطاقة: العنصر غير المرئي في سباق الذكاء الاصطناعي

يُعد الذكاء الاصطناعي من أكثر القطاعات استهلاكًا للطاقة في العصر الحديث. وتشير التقديرات إلى أن مراكز البيانات قد تستهلك نحو 1% من الكهرباء العالمية بحلول عام 2030، مع اتجاه تصاعدي مرتبط بالتوسع المستمر في تطبيقات الذكاء الاصطناعي.

هذا يجعل الطاقة المتجددة عنصرًا حاسمًا في جذب الاستثمارات الرقمية، وهو ما يعزز موقع المغرب الذي يستثمر في مشاريع كبرى للطاقة الشمسية والرياح ضمن استراتيجيته الوطنية للتحول الطاقي.

إفريقيا: السوق الرقمية الصاعدة

تشهد إفريقيا نموًا متسارعًا في استخدام الخدمات الرقمية، خصوصًا في مجالات الدفع الإلكتروني والتجارة الإلكترونية والخدمات الحكومية الرقمية. وتشير التقديرات إلى أن عدد مستخدمي الإنترنت في إفريقيا تجاوز 570 مليون مستخدم مع توقعات باستمرار النمو خلال السنوات المقبلة.

في هذا السياق، يمكن للمغرب أن يلعب دور الوسيط الرقمي بين الابتكار العالمي والأسواق الإفريقية الصاعدة، عبر ربط البنية التحتية الرقمية بالطلب المتزايد على الخدمات الذكية.

التحديات البنيوية: بين الطموح الرقمي والواقع المؤسسي

 

رغم هذا التحول، يواجه المغرب مجموعة من التحديات البنيوية التي ستحدد مدى قدرته على الانتقال من موقع جغرافي متميز إلى فاعل مؤثر في اقتصاد الذكاء الاصطناعي العالمي.

فإلى جانب البنية التحتية والطاقة، يبقى رأس المال البشري العامل الأكثر أهمية في هذا التحول. وقد شهد المغرب خلال السنوات الأخيرة تطورًا ملحوظًا في منظومة التكوين الرقمي، من خلال مؤسسات ومبادرات أكاديمية متقدمة، من أبرزها مدرسة 1337 للبرمجة، إضافة إلى جامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية (UM6P) التي أصبحت من أبرز المراكز الأكاديمية والبحثية في مجالات التكنولوجيا والابتكار والذكاء الاصطناعي. غير أن التحدي ما يزال قائمًا في ما يتعلق بتعزيز البحث العلمي، وزيادة الاستثمار في الابتكار، والحد من هجرة الكفاءات نحو الخارج، خاصة أن اقتصاد الرقائق والذكاء الاصطناعي يقوم أساسًا على المعرفة والخبرة والبحث والتطوير.

كما أن المغرب لا يتحرك في فراغ، بل في بيئة إقليمية تشهد تنافسًا متزايدًا. فالإمارات العربية المتحدة استثمرت بشكل مبكر وكبير في الذكاء الاصطناعي والحوسبة المتقدمة، بينما تواصل المملكة العربية السعودية تعزيز موقعها عبر مشاريع ضخمة ضمن رؤية 2030. كما تعمل مصر على توسيع بنيتها الرقمية مستفيدة من حجم سوقها المحلي، في حين تبرز جنوب إفريقيا وكينيا كمراكز تكنولوجية مؤثرة داخل القارة الإفريقية. ومع ذلك، يتمتع المغرب بمزيج من المزايا يصعب توفرها مجتمعة في دولة واحدة، تشمل القرب الجغرافي من أوروبا، والانفتاح الاقتصادي على إفريقيا، والاستقرار النسبي، وتطور البنية التحتية للطاقة المتجددة والاتصالات.

ويبقى السؤال الأكثر أهمية مرتبطًا بطبيعة الدور الذي يسعى المغرب إلى لعبه خلال السنوات المقبلة. فهل سيقتصر دوره على استضافة مراكز البيانات والبنية التحتية التي تخدم أسواقًا أخرى؟ أم أنه سيتجه نحو بناء منظومة متكاملة تشمل البحث العلمي، والشركات الناشئة، وتطوير البرمجيات، والحلول القائمة على الذكاء الاصطناعي؟ في المدى القريب، تبدو فرص المغرب قوية ليصبح منصة إقليمية للبنية التحتية الرقمية، لكن تحوله إلى قوة مؤثرة في اقتصاد الذكاء الاصطناعي سيعتمد على قدرته على الاستثمار في التعليم والابتكار وبناء منظومة قادرة على إنتاج المعرفة التكنولوجية وليس فقط استهلاكها أو استضافتها.

من جسر جغرافي إلى جسر رقمي

لا يبدو أن موقع المغرب في عصر الذكاء الاصطناعي سيتحدد فقط عبر تطوير بنيته التحتية، بل عبر قدرته على إعادة تموضعه داخل الشبكات الرقمية العالمية.

فبين أوروبا وإفريقيا، وبين الطاقة والبيانات، وبين الموقع الجغرافي والتحول الرقمي، يظل السؤال مفتوحًا: هل يتحول المغرب من ممر جغرافي تقليدي إلى جسر رقمي فعلي في الاقتصاد العالمي الجديد، أم أن المنافسة المتسارعة ستجعل هذا الهدف أكثر تعقيدًا مما يبدو اليوم؟

إن الإجابة عن هذا السؤال لن تتوقف على الموقع الجغرافي وحده، بل على قدرة المغرب على تحويل الفرص الحالية إلى مشروع طويل الأمد يجمع بين البنية التحتية، والطاقة، والبحث العلمي، والابتكار، ورأس المال البشري.

 

First published in: World & New World Journal
Hind Al-Subai Al-Idrissi

Hind Al-Subai Al-Idrissi

صحفية وباحثة. فازت بالجائزة الأولى لأفضل تحقيق استقصائي في شمال إفريقيا لعام 2019 من قبل مركز المادة 19 الدولي للصحافة والإعلام (JMIC) في جامعة أوسلو متروبوليتان في النرويج.

اترك رد