أولاً: مشكلة إشارات الدول
عندما تحتاج الدول إلى خوض الحروب، فإنها غالباً ما تستخدم منهجية بسيطة لكنها فعّالة، وقد أثبتت نجاحها مراراً وتكراراً. تقوم هذه الدول بإرسال إشارات متعددة عبر مختلف الوكالات والمؤسسات توحي بأنها لن تلجأ إلى الحرب، بينما تكون في الواقع تُحضّر قوة عسكرية جدية في الخفاء بهدف مباغتة الخصم.
لنأخذ مثال 24 فبراير 2022، حين شنت روسيا هجوماً على أوكرانيا.
ولفهم ما حدث لاحقاً، يجدر بنا العودة إلى ما كانت تقوله الأوساط الخبيرة في الأشهر التي سبقت ذلك التاريخ. فقد كانت تقريباً كل المنصات الكبرى تنشر تحليلات متتالية، حيث اجتمع خبراء الأمن والعلوم السياسية على استنتاج واحد: روسيا لن تغزو أوكرانيا. اختلفت مبرراتهم، لكن الثقة في هذا الاستنتاج كانت عالية.
أحد التحليلات أشار إلى أن حرباً شاملة في أوكرانيا «لا تنسجم حقاً مع الطريقة التي استخدم بها الكرملين القوة الصلبة في ألعابه الجيوسياسية. فالأمثلة في جورجيا وسوريا وليبيا و(حتى الآن) أوكرانيا تُظهر أنه يتبع سياسة منخفضة التكلفة» (الجزيرة، 2022). تحليل آخر رأى أن بوتين «لن يعطي الضوء الأخضر للجيش الروسي لغزو أوكرانيا»، وأن «الادعاءات المعاكسة من المسؤولين الغربيين غير مفيدة» (Modern Diplomacy، 2021). أما تحليل ثالث فقد قدم قائمة بالأسباب التي تجعل الغزو الروسي الشامل أمراً غير مرجح (BBC News، 2022).
لم تكن هذه آراء هامشية، بل صدرت عن مؤسسات تمتلك أقساماً متخصصة في السياسة الخارجية، وتعتمد على محللين ذوي خبرة طويلة في المنطقة. ومن المهم الإشارة إلى أن بعض المحللين وأجهزة الاستخبارات، بما في ذلك جهات في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، قدّروا بالفعل احتمال التصعيد بشكل جدي في الأسابيع التي سبقت الغزو. وبالتالي، فإن الفشل الذي نناقشه هنا لم يكن عمىً شاملاً، بل كان فشلاً في الإجماع العام السائد.
لكن هذا الإجماع كان خاطئاً، وفهم السبب يتطلب فحص الإطار التحليلي الذي أنتجه، وما الذي كان يمكن أن يراه إطار مختلف.
يعتمد هذا المقال على إطار يُعطي الأولوية للقيود البنيوية، والخطوط الحمراء المعلنة، ووضعية القوات على الأرض القابلة للملاحظة، بدلاً من النوايا المُعلنة. وهو لا يعتبر ما تقوله الدول بلا قيمة، لكنه يراه أقل المدخلات موثوقية، ويجادل بأن المجتمع التحليلي، في الحالتين المدروستين هنا، قد عكس هذا الترتيب.
ثانياً: لماذا كان المحللون مخطئين بشأن روسيا
الحرب ليست أداة سياسية معزولة. بل هي تعبير عن الأيديولوجيا والهوية والذاكرة المؤسسية والمصلحة البنيوية. إن فهم كيفية ذهاب دولة إلى الحرب يتطلب قراءة عقيدتها وتاريخها وإدراكها للتهديد، لا بياناتها الصحفية.
لقد جعل التراكم التدريجي للظروف البنيوية من التصعيد العسكري الروسي الكبير ضد أوكرانيا أمراً مرجحاً بدرجة عالية قبل وقت طويل من فبراير 2022. فقد كانت هذه الظروف تتشكل لسنوات، ولم يكن أيٌّ منها خافياً أو غامضاً، كما أنها لم تتطلب معلومات استخباراتية سرية لملاحظتها.
تمثلت القضية الأساسية في توسع حلف شمال الأطلسي (الناتو). فقد أوضحت روسيا مراراً وبشكل صريح أنها ترى في التوسع شرقاً تهديداً مباشراً لأمنها. أما احتمال انضمام أوكرانيا إلى الحلف، بما يعنيه ذلك من تموضع البنية التحتية العسكرية للناتو مباشرة على حدود روسيا، فلم يكن مسألة قابلة للتفاوض، بل كان أمراً مستحيلاً بنيوياً ضمن العقيدة الاستراتيجية الروسية. وقد ظل هذا الموقف ثابتاً لأكثر من عقد قبل الغزو.
كما كانت لروسيا مصالح إقليمية ملموسة في شبه جزيرة القرم ومنطقة دونباس، مستندة إلى عوامل إثنية وتاريخية ولوجستية، لم تكن قيادتها تخفيها. إن الافتراض بأن روسيا ستستوعب هذه الضغوط إلى أجل غير مسمى بينما تقترب أوكرانيا من الاندماج الغربي، كان في الواقع قراءة متفائلة مغلّفة بلباس التحليل.
تمثّل الخطأ التوافقي بين المحللين في منح وزن مفرط للتصريحات الروسية، مقابل إهمال نسبي لوضعيتها الفعلية ومصالحها البنيوية. فالقوى الكبرى تستخدم عادة الغموض الاستراتيجي واللغة المدروسة لإخفاء نواياها العملياتية. لم تكن روسيا تكذب تقنياً عندما قالت إنها لن تغزو أوكرانيا، إذ إنها ما زالت منذ فبراير 2022 تصف ما قامت به بأنه “عملية عسكرية خاصة” وليس حرباً. وهذا التمييز قانوني وبلاغي مقصود. لكن اعتبار ذلك دليلاً على ضبط النفس الحقيقي كان خطأ المحللين، لا خداعاً روسياً.
أوضح مؤشر كان عندما أعلنت روسيا عن مناورات عسكرية مشتركة مع بيلاروسيا. وقد تم التعامل مع هذا الإعلان على أنه أمر روتيني إلى حد كبير. غير أن حشد هذا الحجم من القوات على الحدود تحت غطاء تدريب عسكري، ثم إعادة نشرها في عمليات قتالية، ليس تكتيكاً جديداً. فحجم القوات وتموضعها لم يكن متسقاً مع مجرد تدريب مؤقت. وعند قراءة هذا المؤشر في ضوء المصالح الاستراتيجية الروسية الموثقة وعقيدتها القائمة، كان يشير بقوة إلى عمل عسكري وشيك.
كما أن الوتيرة المستمرة لعمليات الاستطلاع والمراقبة والاستخبارات (ISR) التي نفذتها الولايات المتحدة وحلفاؤها في المنطقة كانت مؤشراً علنياً آخر يسير في الاتجاه ذاته. إلا أن هذا المؤشر لم يحظَ باهتمام كافٍ في التحليلات العامة.
ثالثاً: نموذج إيران: الفشل البنيوي والاستعداد العسكري
سار المسار المؤدي إلى العمل العسكري ضد إيران وفق نمط بنيوي مشابه لما حدث مع روسيا في عام 2022، مع اختلاف في طريقة التنفيذ. ففي حين استخدمت روسيا المناورات العسكرية كغطاء تموضعي، قامت الولايات المتحدة وإسرائيل بإجراء التحضيرات العسكرية بالتوازي مع عملية دبلوماسية كانت، بالنظر إلى المواقف المعلنة للطرفين، غير مرجّح بنيوياً أن تؤدي إلى اتفاق. أما ما إذا كانت هذه العملية قد صُممت لتحقيق تلك النتيجة منذ البداية، فهو مسألة نوايا لا يحسمها الدليل المتاح. لكن ما يثبته هذا الدليل هو وجود عدم توافق بنيوي وجدول زمني عملياتي متوازٍ.
لم تكن نقطة الخلاف الجوهرية غامضة. فقد أصرت الولايات المتحدة، تحت ضغط إسرائيلي مستمر، على إدراج برنامج إيران للصواريخ الباليستية ضمن أي اتفاق نهائي. في المقابل، كان موقف إيران من هذه المسألة واضحاً لسنوات. فالصواريخ الباليستية تمثل طبقة الردع التقليدية الأساسية لإيران. وفي بيئة تهديد تشمل التفوق الجوي الإسرائيلي، والوجود البحري الأمريكي الكبير في الخليج، وغياب تكافؤ عسكري تقليدي موثوق، فإن التخلي عن هذه القدرة إلى جانب برنامج التخصيب لم يكن تنازلاً يمكن لإيران تقديمه دون أن تصبح غير قابلة للدفاع استراتيجياً.
وقد صرّح وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي بوضوح أن برنامج الصواريخ “لم يكن يوماً، ولن يكون أبداً، جزءاً من جدول أعمال المحادثات النووية” (Manara Magazine, 2026). كما أكد الأمين السابق للمجلس الأعلى للأمن القومي، الأدميرال علي شمخاني، أن قدرات الصواريخ الباليستية “خط أحمر لن يُطرح على طاولة التفاوض أبداً” (Fox News, 2026a). وكانت هذه قيوداً بنيوية ومعلنة بالكامل.
كانت إسرائيل تدرك ذلك، وكذلك الولايات المتحدة. إن إدراج مطلب الصواريخ ضمن إطار التفاوض يعني أن المحادثات كانت تدور حول عدم توافق غير قابل للحل. وقد أكد محللون مستقلون ذلك بقولهم إن “الخطوط الحمراء المعلنة من الطرفين كانت غير متوافقة، مما يجعل فشل المفاوضات أمراً مرجحاً منذ البداية” (USC Dornsife, 2026).
في مارس 2025، أرسلت إدارة ترامب رسالة إلى المرشد الأعلى علي خامنئي حددت فيها مهلة 60 يوماً للتوصل إلى حل دبلوماسي. وقد قُدمت هذه الرسالة علناً على أنها مبادرة، لكنها عملياً كانت أقرب إلى إنذار نهائي نظراً للإطار الزمني المفروض. تلت ذلك خمس جولات من المحادثات غير المباشرة بوساطة عمان بين أبريل ومايو 2025. وقد تحقق تقدم جزئي في مسار التخصيب النووي، بينما لم يحدث أي تقدم في مسألة الصواريخ. وغادر كبير المفاوضين الأمريكيين ستيف ويتكوف الجولة الخامسة من محادثات روما مبكراً، مشيراً إلى جدول رحلاته (Al Jazeera, 2025). وأشار الوسيط العماني إلى وجود “بعض التقدم، لكنه غير حاسم” (Euronews, 2025).
في 13 يونيو 2025، وقبل يومين من موعد الجولة السادسة، شنت إسرائيل ضربات استباقية على منشآت نووية إيرانية وقادة عسكريين وشخصيات رئيسية. وقد أدى ذلك إلى اندلاع ما عُرف لاحقاً بـ”حرب الاثني عشر يوماً”. وفي 21 و22 يونيو، استهدفت الولايات المتحدة منشآت نووية إيرانية في فوردو ونطنز وأصفهان. وردت إيران بضرب قاعدة جوية أمريكية في قطر في 23 يونيو، قبل أن يُعلن وقف إطلاق النار في اليوم ذاته.
استؤنفت جولة ثانية من المفاوضات غير المباشرة في عمان وجنيف خلال أوائل عام 2026. وفي 17 فبراير، صرّح ترامب للصحفيين بأنه يعتقد أن إيران ترغب في التوصل إلى اتفاق (USC Dornsife, 2026). لكن بحلول 26 فبراير، انهار هذا التفاؤل بشكل واضح.
في 27 فبراير 2026، أعلن وزير الخارجية العماني بدر البوسعيدي عن تحقيق اختراق، حيث وافقت إيران على عدم تخزين اليورانيوم المخصب وعلى الخضوع الكامل لرقابة الوكالة الدولية للطاقة الذرية. وقد حظي هذا الإعلان بتغطية واسعة.
لكن في الساعة 1:15 صباحاً من يوم 28 فبراير 2026، بدأت عمليتا “الغضب الأسطوري” (Epic Fury) و”الأسد الزائر” (Roaring Lion). فقد شنت الولايات المتحدة وإسرائيل ضربات منسقة على ما لا يقل عن تسع مدن إيرانية، مستهدفة القيادة والمنشآت العسكرية ومواقع إنتاج الصواريخ والبنية التحتية النووية (CENTCOM, 2026). وقُتل المرشد الأعلى علي خامنئي في الضربة الأولى (BBC News, 2026). وأعلن ترامب عن الضربات عبر منشور على وسائل التواصل الاجتماعي في الساعة 2:00 صباحاً بتوقيت شرق الولايات المتحدة، دون مخاطبة الكونغرس باستثناء إخطار “عصابة الثمانية” (CSIS, 2026a).
وقد صدر إعلان الاختراق العماني قبل أقل من 24 ساعة من بدء الضربات، ليصبح غير ذي صلة تماماً بالأحداث. وظل مطلب الصواريخ الشرط غير المحلول طوال العملية. وسواء كانت العملية الدبلوماسية تهدف إلى إثبات استنفاد جميع الخيارات، أو كانت هذه النتيجة مجرد انعكاس لقرار اتُّخذ مسبقاً، فإن التبرير العلني للإدارة عكس هذا الإطار بدقة. فقد أُعلن عن تنازل حقيقي في مسألة التخصيب، ثم تم تجاهله خلال دورة إخبارية واحدة فقط، وهي نقطة لم تحظَ بالقدر الكافي من التحليل رغم أهميتها.
الحشد العسكري: ماذا كشفت تقارير المصادر المفتوحة
لم يكن الحشد العسكري الذي سبق الضربات خافياً. بل لم تتم قراءته بشكل صحيح، وغالباً ما اعتُبر مجرد وسيلة للضغط على إيران من أجل قبول المفاوضات.
بحلول منتصف فبراير 2026، أفادت فرق تتبع المصادر المفتوحة بوجود أكثر من 85 ناقلة وقود وأكثر من 170 طائرة شحن أعيد تموضعها في المنطقة (PBS NewsHour, 2026). كما وصل ما لا يقل عن 20 طائرة تزويد بالوقود من طراز KC-135 إلى قاعدة العديد الجوية في قطر، وهو ارتفاع كبير مقارنة بالمستويات الاعتيادية (Middle East Forum, 2026). وتم نشر مجموعتي حاملات طائرات، تقودهما الحاملة USS Abraham Lincoln وUSS Gerald R. Ford، في المنطقة، وهو ما يمثل أكبر تركيز بحري أمريكي مُعلن في الشرق الأوسط منذ عام 2003 (CSIS, 2026b). وفي 24 فبراير، غادرت إحدى عشرة مقاتلة من طراز F-22 قاعدة لاكنهيث الجوية في المملكة المتحدة متجهة إلى قاعدة عوفدا الجوية في جنوب إسرائيل، وهو ما أكدته بيانات تتبع الرحلات ومراقبو الطائرات، في أول نشر عملياتي لطائرات قتالية أمريكية داخل قاعدة إسرائيلية (The War Zone, 2026; Fox News, 2026b; Air and Space Forces Magazine, 2026). وفي 26 فبراير، أكدت صور الأقمار الصناعية مغادرة جميع السفن البحرية الأمريكية مراسيها في مقر الأسطول الخامس في البحرين، وهي خطوة سبق اتخاذها في يونيو 2025 قبل عملية Midnight Hammer. كما خفّضت البحرية الأمريكية عدد أفرادها في مقر الأسطول الخامس إلى أقل من 100 عنصر من الطاقم الأساسي (Middle East Monitor, 2026; Fox News, 2026c). وارتفع عدد طائرات التزويد بالوقود التابعة لسلاح الجو الأمريكي في مطار بن غوريون إلى أربع عشرة طائرة، مما منح أجنحة الطائرات على الحاملات مدى كافياً للوصول إلى أهداف داخل إيران (The War Zone, 2026). كما أكدت بيانات تتبع الرحلات تحرك أكثر من 150 طائرة نحو أوروبا والشرق الأوسط بعد تعثر المحادثات النووية (Washington Post, 2026).
إن طائرات التزويد بالوقود جواً ليست مجرد استعراض للقوة، بل هي ضرورة عملياتية لتنفيذ حملات ضربات مستمرة على مسافات بعيدة. ويشير هذا الحجم من الطائرات، إلى جانب وجود مجموعتي الحاملات وثلاثة أنواع من القاذفات الاستراتيجية وتقليص الأفراد غير الأساسيين في القواعد الخليجية، إلى وضع عملياتي هجومي وليس دبلوماسياً.
وقد أكد المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي، العميد إيفي دفرين، لاحقاً في مقابلة مع Fox News أن العملية سبقتها أشهر من الخداع الاستراتيجي. وقال: “لقد كان خداعاً استراتيجياً وعملياتياً. لعدة أشهر طويلة كان هناك خداع، ولذلك تفاجأوا”. كما حرص مسؤولون كبار على الحفاظ على مظاهر الروتين في الليلة التي سبقت الضربة، لضمان عدم إظهار صور الأقمار الصناعية أي حالة استعداد غير اعتيادية في المواقع الرئيسية (Fox News, 2026d). ويستند هذا التوصيف إلى تصريحات رسمية بعد تنفيذ الضربة، وينبغي قراءته في هذا الإطار، لكنه يتسق مع النمط العملياتي والأدلة المتاحة من المصادر المفتوحة.
كما يستحق إعلان وزير الخارجية ماركو روبيو عن زيارته إلى إسرائيل وقفة خاصة. فقد أُعلن عنها في 27 فبراير 2026، وهو نفس يوم الحديث عن تقدم في مفاوضات عُمان، وتم تفسيرها على أنها قد تشير إلى “جدول زمني أطول لأي ضربة محتملة” (PBS NewsHour, 2026). إلا أن الزيارة لم تحدث، وبدأت الضربات في صباح اليوم التالي.
إن التشابه بين هذا الحدث وإعلان روسيا عن مناوراتها عام 2022 هو تشابه بنيوي. ففي الحالتين، تم تفسير حدث علني على أنه مؤشر على تأجيل العمل العسكري. وفي الحالتين، تزامن هذا الحدث مع المرحلة النهائية من التحضير للعمل العسكري. والدرس هنا ليس أن الإعلانات الدبلوماسية تُستخدم دائماً كغطاء، بل أنها لا يمكن اعتبارها دليلاً على غياب الاستعداد العسكري عندما تشير مؤشرات الانتشار العسكري إلى العكس.
رابعاً: ما الذي يخبرنا به هذا عن سلوك الدول
الدرس المستفاد من الحالتين ليس أن الحرب حتمية أو أن الدبلوماسية مجرد مسرحية. بل إن الدرس أكثر دقة وأكثر إزعاجاً: النوايا المعلنة هي أقل الإشارات موثوقية بالنسبة للمحلل الجيوسياسي. وبدلاً من ذلك، فإن الإشارات التي يجب مراقبتها فعلياً هي التالية.
تُظهر المصالح الهيكلية ما تحتاجه الدولة فعلياً، على عكس ما تدّعي أنها تريده. فقد كانت روسيا بحاجة إلى منطقة عازلة وإلى استبعاد الناتو من مستقبل أوكرانيا. أما الولايات المتحدة وإسرائيل فسعتا إلى تحقيق نتائج تتمثل في الإزالة الفعلية لقدرات إيران النووية والصاروخية الباليستية. ولم يكن أي من هذين الهدفين قابلاً للتحقيق من خلال الأطر التفاوضية التي عُرضت علناً، ولذلك تم السعي لتحقيقهما في نهاية المطاف عبر الوسائل العسكرية.
تشير الخطوط الحمراء للخصوم إلى المجالات التي يكون فيها التحرك مقيداً هيكلياً بغض النظر عن مستوى الضغط. فقد كان برنامج إيران للصواريخ الباليستية غير قابل للتفاوض، كما تم التأكيد عليه علناً وبشكل متكرر من قبل مسؤولين كبار على مدى عدة سنوات. ولم يكن إدراج هذا الملف ضمن اتفاق نهائي موقفاً يمكن تليينه تدريجياً، بل كان تعارضاً هيكلياً يجعل التوصل إلى اتفاق على هذا الأساس أمراً شبه مستحيل.
يكشف تموضع القوة عن أماكن تركّز القدرات الفعلية، وليس حيث توحي التصريحات بأن الاهتمام موجه. فقد أشارت كثافة ناقلات الوقود، ومجموعات حاملات الطائرات، وأنواع القاذفات، وسحب الأفراد غير الأساسيين من القواعد في الخليج إلى استعدادات هجومية قبل وقت طويل من الضربة الأولى.
تميل التحولات في الخطاب الرسمي إلى أن تكون إشارة متأخرة. فالانتقال من “نحن منخرطون في محادثات مثمرة” إلى “لقد استنفدنا جميع الخيارات الدبلوماسية” غالباً ما يدل على أن القرار قد تم اتخاذه وأن التبرير العلني يجري إعداده. وقد ظهر هذا النمط بوضوح في كلتا الحالتين محل الدراسة.
إن الفجوة بين التصريحات العلنية والواقع العملياتي القابل للملاحظة تُعد بحد ذاتها مؤشراً تشخيصياً. فقد تحدثت روسيا عن تدريبات، بينما تحدثت الولايات المتحدة عن دبلوماسية. وكانت هذه التصريحات صحيحة من الناحية الضيقة للغاية، لكنها مضللة عملياً في كل الجوانب.
لقد أخفق المحللون الذين استندوا في توقعاتهم إلى النوايا المعلنة في كلتا الحالتين. أما الإطار التحليلي الذي يستند إلى المنطق الهيكلي، وتموضع القوة القابل للملاحظة، والخطوط الحمراء الموثقة، فقد قدم صورة أكثر وضوحاً — حتى دون الوصول إلى معلومات سرية — مقارنةً بالإجماع العام السائد.
خامساً: التداعيات طويلة الأمد
حققت الضربات عدداً من أهدافها الظاهرة، لكنها لم تعالج الظروف التي جعلت اندلاع الصراع أمراً مرجحاً منذ البداية.
قُتل علي خامنئي في 28 فبراير 2026. وخلال الأيام العشرة الأولى من العمليات، تم استهداف أكثر من 5000 موقع وفقاً لوزارة الدفاع الأمريكية (2026). وبحلول أوائل مارس، قُتل نحو 40 مسؤولاً إيرانياً رفيع المستوى بحسب بيانات الجيش الإسرائيلي (Aviation Week، 2026). كما دُمّرت سفن بحرية إيرانية، وتعرضت مواقع إطلاق الصواريخ الباليستية لضربات أضعفتها، واستُهدفت البنية التحتية النووية في عدة مواقع مرة أخرى.
وردّت إيران عبر عملية “الوعد الصادق 4″، بإطلاق صواريخ وطائرات مسيّرة استهدفت قواعد أمريكية في عدة دول خليجية وكذلك داخل الأراضي الإسرائيلية (Recorded Future، 2026). وأُغلق مضيق هرمز فعلياً أمام حركة الملاحة التجارية، مما أدى إلى أكبر عملية سحب معلنة للاحتياطيات النفطية الاستراتيجية في تاريخ وكالة الطاقة الدولية، بلغت 400 مليون برميل، بهدف استقرار الإمدادات العالمية (Iran International، 2026a).
في 8 مارس، انتخبت مجلس خبراء القيادة مجتبى خامنئي، نجل المرشد الأعلى الراحل، كمرشد أعلى ثالث لإيران (NPR، 2026). ووصفه ترامب بأنه “ضعيف”، مشيراً إلى أن أي قائد يتم اختياره دون موافقة أمريكية “لن يستمر طويلاً”. وفي 17 مارس، تأكد مقتل علي لاريجاني، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، في ضربة أمريكية-إسرائيلية. وأقر المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني نفسه بوفاته، مشيراً إلى أنه قُتل مع ابنه وعدد من مساعديه (Al Jazeera، 2026c؛ Bloomberg، 2026).
حتى وقت كتابة هذا النص، لم يظهر مجتبى خامنئي في أي تسجيل مرئي أو صوتي علني. وكان أول بيان له، الصادر في 12 مارس، قد قُرئ عبر مذيع في التلفزيون الرسمي إلى جانب صورة ثابتة له (Iran International، 2026b). وادعى وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث في مؤتمر صحفي بالبنتاغون في 13 مارس أن مجتبى “مصاب وربما مشوه”، دون تقديم أدلة (Al Jazeera، 2026b). كما صرح ترامب بأنه “يسمع أنه ربما ليس على قيد الحياة” (Fox News، 2026e). في المقابل، أكد وزير الخارجية الإيراني أن المرشد الجديد “بصحة ممتازة” و”يسيطر على الوضع”. ويُظهر السجل العام في هذه المرحلة روايتين رسميتين متناقضتين من حكومات تعاملت مع المعلومات بشكل استراتيجي طوال الصراع، ولا ينبغي قبول أي منهما دون تمحيص.
لقد تراجعت القدرة الصاروخية الباليستية، وهي عنصر التفوق غير المتكافئ الذي جعل التوصل إلى تسوية تفاوضية أمراً صعباً منذ البداية، لكنها لم تُقضَ عليها بالكامل. وقد انخفض معدل إطلاق الصواريخ الإيرانية مع بداية مارس، وهو ما يتوافق مع استنزاف المخزون وربما الحفاظ على القدرات لصراع طويل الأمد (Recorded Future، 2026). ومع ذلك، فإن المعرفة التقنية اللازمة لإعادة بناء هذه القدرات لم تُدمّر. بل إن الحوافز السياسية لتطوير ردع نووي بشكل سري قد ازدادت، إذ إن قيادة فقدت سلفها في ضربة مشتركة أمريكية-إسرائيلية لديها أسباب منطقية للسعي إلى امتلاك قدرة ترفع تكلفة تكرار مثل هذه الضربات.
ومع دخول الصراع أسبوعه الرابع، اتسع نطاقه الجغرافي والاقتصادي إلى ما يتجاوز بكثير حزمة الضربات الأولية. فقد وثق مشروع بيانات مواقع وأحداث النزاعات المسلحة نحو 2300 حدث صراعي منفصل في 29 محافظة من أصل 31 محافظة إيرانية، وكانت طهران الأكثر تعرضاً للقصف (Al Jazeera، 2026d). وبحلول أوائل مارس، أطلقت إيران أكثر من 500 صاروخ باليستي وبحري ونحو 2000 طائرة مسيّرة منذ 28 فبراير، حيث استهدفت نحو 60% منها مواقع أمريكية إقليمية و40% إسرائيل (Al Jazeera، 2026d).
كما اخترقت الضربات الإيرانية الدفاعات الإسرائيلية في الجنوب، حيث سقطت صواريخ في مدينتي ديمونا وعراد، مما أدى إلى إصابة أكثر من 100 شخص في واحدة من أبرز مراحل التصعيد (Al Jazeera، 2026e). واعتبر الحرس الثوري الإيراني ضربات ديمونا رداً مباشراً على الهجمات الأمريكية-الإسرائيلية على منشأة نطنز النووية، وأعلن قائد القوات الجوية في الحرس الثوري، مجيد موسوي، أن “سماء إسرائيل باتت بلا دفاع” (Al Jazeera، 2026e).
وظل مضيق هرمز مغلقاً فعلياً، مع احتجاز أكثر من 3000 سفينة تجارية وارتفاع أسعار النفط الخام بنحو 45% لتتجاوز 110 دولارات للبرميل منذ بدء الحرب. وردّت إدارة ترامب برفع مؤقت للعقوبات عن النفط الإيراني المحمّل بالفعل على الناقلات، في محاولة لتخفيف الضغط على الأسواق، بالتزامن مع تهديدها بـ”ضرب وتدمير” محطات الكهرباء الإيرانية إذا لم يُعاد فتح المضيق بالكامل خلال 48 ساعة (NPR، 2026؛ CNN، 2026c).
كما استهدفت طائرات مسيّرة إيرانية مصفاة ميناء الأحمدي في الكويت، وهي واحدة من أكبر منشآت التكرير في المنطقة، في موجتين منفصلتين (Al Jazeera، 2026f). وسمحت المملكة المتحدة باستخدام قواعدها العسكرية من قبل الولايات المتحدة لتنفيذ ضربات على مواقع الصواريخ الإيرانية، فيما وافقت دول E3 على دعم إجراءات دفاعية عسكرية متناسبة عند الحاجة (Al Jazeera، 2026d).
وفيما يتعلق بوتيرة العمليات وإنهاء الحرب، صرح ترامب في 21 مارس أن الولايات المتحدة “قريبة جداً من تحقيق أهدافها” وتدرس “خفض العمليات”، مع استبعاده في الوقت نفسه أي اتفاق لوقف إطلاق النار مع إيران (NPR، 2026). واعتبر محللون أن لجوء الولايات المتحدة إلى استخدام مروحيات أباتشي وطائرات A-10 في بعض المهام مؤشر على تدهور كبير في قدرات الدفاع الجوي الإيراني (NPR، 2026).
غير أن التناقض بين إعلان نية خفض العمليات وبين توسيع قائمة الأهداف يعكس النمط ذاته الذي اتبعه هذا الصراع: خطاب رسمي واتجاه عملياتي يسيران في اتجاهين مختلفين في الوقت نفسه. ولا يزال من غير الواضح ما إذا كان ذلك يمثل مخرجاً حقيقياً من التصعيد أم تمهيداً لمرحلة جديدة.
لقد أدت الضربات إلى إزالة شخصية محورية وإضعاف بنية تحتية رئيسية، لكنها لم تغيّر التناقض الاستراتيجي الأساسي الذي أدى إلى فشل المفاوضات. وما زالت هذه المعضلة قائمة تحت قيادة جديدة ذات حوافز سياسية مختلفة وموقف علني لم يتضح بعد.
الخامس: الخلاصة
الحجة المطروحة في هذه المقالة ليست أن الحروب يمكن التنبؤ بها دائماً من حيث توقيتها الدقيق أو طبيعتها الكاملة، بل إن الإجماع السائد بين الخبراء فشل مراراً في توقع الحروب، ليس بسبب غياب المؤشرات، وإنما لأن الإطار التحليلي السائد أعطى وزناً خاطئاً لعوامل غير مناسبة.
تُعدّ النوايا المعلنة أقل المتغيرات موثوقية في التنبؤات الجيوسياسية، ومع ذلك فهي الأكثر جذباً للاهتمام. قالت روسيا إنها مناورات، وقالت الولايات المتحدة إنها دبلوماسية. في كلا الحالتين، قدّم تحليل المصالح البنيوية، والخطوط الحمراء الموثقة، والوضع العسكري الملموس، والفجوة بين الخطاب الرسمي والواقع العملياتي، صورة أكثر دقة من سنوات طويلة من الخبرة الإقليمية التي ركزت على التصريحات العلنية.
إن حالتي روسيا-أوكرانيا وإيران ليستا إخفاقين معزولين، بل تعكسان انحيازاً منهجياً نحو النوايا المعلنة على حساب القيود البنيوية. هذا الانحياز قد يكون مريحاً للحكومات التي تدير التصورات العامة خلال مرحلة التحضير للعمل العسكري، لكنه مكلف لمن يحاولون التنبؤ بما سيحدث لاحقاً.
أما النتيجة الأكثر أهمية فتتعلق بالنموذج ذاته. إن الاستخدام المتزامن للعملية الدبلوماسية والتحضير العسكري، بحيث تعمل العملية الدبلوماسية كأداة لإدارة الوقت وتبرير علني، أصبح الآن نمطاً موثقاً وقابلاً للتكرار. لقد نجح في عام 2022، ونجح مجدداً مرتين خلال أربع سنوات، في 2025 و2026. ولا يوجد سبب بنيوي يمنع استخدامه مرة أخرى في ساحات أخرى من قبل أطراف لاحظت نجاحه.
السؤال المطروح أمام المحللين وصنّاع القرار ليس ما إذا كانت لديهم إمكانية الوصول إلى المعلومات الصحيحة، إذ إن كثيراً من المعلومات ذات الصلة كانت متاحة علناً في كلتا الحالتين. بل السؤال هو ما إذا كانوا قد طبقوا الإطار التحليلي المناسب. وطالما ظل الجواب السائد هو الاعتماد على ما تقوله الحكومات واعتباره دليلاً أساسياً، فإن الصراع القادم سيصل أيضاً كمفاجأة لمعظم أولئك الذين تتمثل مهمتهم في استباقه.
이 대
