3 December 2025, Bahrain, Manama: GCC member states flags standing together, symbolizing regional cooperation, diplomacy, and political alliance

دول الخليج: وحدة جغرافية وتجزؤ سياسي

منذ عام 1981، وهو العام الذي تأسس فيه مجلس التعاون لدول الخليج العربية، كثيراً ما سمع العالم العربي، ولا يزال يسمع، وإن بوتيرة أقل اليوم، شعارات من قبيل: «خليجنا واحد». وكذلك، كلما واجهت منطقة الخليج أزمة، تتساءل العناوين الإعلامية البارزة بصورة متكررة: «ما هي السياسات الخليجية؟»، أو «كيف ستواجه دول الخليج هذا التحدي؟»، أو «ما الذي سيكون عليه الرد الخليجي؟». وهذه الصياغات، والعديد من العناوين المشابهة لها، تكون في كثير من الأحيان مضللة ولا تعكس المشهد السياسي الفعلي. وقد انتشر هذا التصور أيضاً إلى روسيا، حيث أصبح شائعاً بين المختصين والخبراء في شؤون الشرق الأوسط.

ومن الناحية الجغرافية، إذا كان المقصود بمصطلح «دول الخليج» هو البلدان المطلة على الخليج، فإن إيران هي أيضاً دولة خليجية كبرى وأصيلة. أما إذا كان المقصود بالمصطلح الإشارة حصراً إلى الدول العربية، فإن العراق أيضاً يمتلك منفذاً على الخليج، وإن كان عبر ساحل قصير نسبياً. غير أن الاستخدام العملي لمصطلح «دول الخليج» يشير فقط إلى الدول العربية الست: السعودية، وعُمان، والإمارات العربية المتحدة، والكويت، وقطر، والبحرين. وهذا صحيح جغرافياً من حيث إن الدول الست جميعها تمتلك سواحل على الخليج، لكنه يظل حقيقة جزئية فقط، لأن المصطلح سياسي أكثر منه جغرافياً. فهو يعكس تقارب الرؤى بين مجموعة من الدول الساحلية التي اختارت أن تؤسس فيما بينها منظمة إقليمية تعاونية. وفي الوقت نفسه، أصبح الخطاب العام السعودي يشعر بتزايد عدم الارتياح إزاء وصف المملكة العربية السعودية بأنها مجرد دولة خليجية.

دول الخليج: وحدة جغرافية وتجزؤ سياسي

ويعود هذا الانزعاج السعودي إلى أسباب تبدو منطقية تماماً. فالمقارنة بين السعودية وبين الدول الخمس الأخرى الأعضاء في مجلس التعاون مجتمعة تكشف حجم الاختلال البنيوي داخل هذا التكتل. إذ تستأثر السعودية وحدها بنحو 80 في المئة من إجمالي مساحة دول المجلس، في حين لا تتجاوز المساحة المجمعة للدول الخمس الأخرى 20 في المئة.

وعلى الصعيد الديموغرافي، تحتضن السعودية نحو 20 إلى 21 مليون مواطن من أصل ما يقارب 28 مليون مواطن خليجي، وهو ما يمثل قرابة ثلاثة أرباع السكان المواطنين الأصليين في دول المجلس. أما اقتصادياً، فيبلغ الناتج المحلي الإجمالي السعودي نحو 1.1 تريليون دولار أميركي، في مقابل ما يقدّر بنحو 1.1 إلى 1.3 تريليون دولار أميركي للدول الأعضاء الخمس الأخرى مجتمعة. وبمعنى آخر، فإن الاقتصاد السعودي وحده يكاد يعادل حجم اقتصادات بقية دول المجلس مجتمعة.

ولا يقتصر هذا التفاوت على المؤشرات الكمية فحسب، بل يمتد أيضاً إلى المجال الجيوسياسي الحيوي. فالسعودية هي الدولة الوحيدة في مجلس التعاون التي تمتلك ساحلاً طويلاً على البحر الأحمر يمتد لنحو 1,800 كيلومتر، إضافة إلى ساحلها على الخليج.

كما أنها الدولة الخليجية الوحيدة التي لها حدود برية مباشرة مع اليمن، وإن كانت عُمان تشاركها في ذلك، وهي أيضاً الدولة الوحيدة التي لها حدود مباشرة مع العراق، وإن كانت الكويت تشاركها هذا الامتداد. وإلى جانب ذلك، تمتد شمالاً نحو المجال الاستراتيجي المشرقي عبر الأردن، فيما تطل حدودها البحرية على كل من مصر والسودان على الضفة الأفريقية من البحر الأحمر.

وتاريخياً، وعلى الرغم من أن حضارات قديمة نشأت بالفعل في بعض الدول الأعضاء الأخرى، فإن معظمها ظل محدود النطاق ومتقطع الأثر، بما يشبه ماضياً لا يرتبط بالحاضر إلا بصورة فضفاضة. أما السعودية، فبعد توحيد الحجاز مع بقية أراضيها في عام 1926، اكتسبت عمقاً تاريخياً حياً ومستداماً بحكم احتضانها أقدس مقدسات الإسلام وممارستها تأثيراً مباشراً على أكثر من ملياري مسلم في العالم.

ومع ذلك، تبقى عُمان استثناءً نسبياً بوصفها أبرز النظائر الحضارية في الخليج، بالنظر إلى إرثها التاريخي باعتبارها مركز إمبراطورية بحرية امتدت يوماً من شرق أفريقيا إلى شبه القارة الهندية.

وفي ضوء كل ما سبق، فإن وصف السعودية بأنها مجرد «دولة خليجية» يبدو تبسيطاً كبيراً لكيان تتجاوز محدداته الجوهرية الجغرافيا الضيقة للخليج، لتشمل أبعاداً تاريخية وجيوسياسية واقتصادية وبشرية أوسع بكثير.

وقد انعكست هذه الحقيقة الجغرافية، مقرونةً بالفوارق الكبيرة في المساحة، والوزن السكاني، والعمق التاريخي، والنفوذ السياسي، على المجال السياسي نفسه. ونتيجة لذلك، يمكن النظر إلى الدول الأعضاء في مجلس التعاون على أنها منقسمة سياسياً إلى أربع كتل رئيسية.

فالكتلة الأولى تمثلها السعودية، التي تحتفظ برؤيتها الإقليمية الخاصة وبشراكاتها العسكرية مع دول مثل باكستان. وفي مقابلها تقف الإمارات العربية المتحدة، التي طورت شراكة استراتيجية مع الهند، الخصم الرئيسي لباكستان، كما تحتفظ بعلاقات متميزة مع إسرائيل، التي لا تقيم معها السعودية أي علاقات دبلوماسية رسمية.

أما الكتلة الثالثة فهي قطر، التي تنتهج خطاً سياسياً مستقلاً إلى جانب تموضع إقليمي متقارب مع تركيا. وفي الوقت نفسه، حافظت عُمان باستمرار على معاييرها ورؤيتها الخاصة في القضايا الأمنية والجيوسياسية. أما الكويت والبحرين، فقد تأرجحتا عموماً بين الاصطفاف مع السعودية، أو الاصطفاف مع الإمارات، أو محاولة التوسط بين الطرفين.

وبناءً على ذلك، فقد ظل مجلس التعاون، من الناحية العملية، ومنذ تأسيسه، مجمداً إلى حد كبير عند مستوى إنجازات محدودة، مثل حرية التجارة والتنقل والإقامة بين الدول الأعضاء، من دون أن ينجح في التحول إلى إطار أوسع وأكثر تكاملاً.

وحتى القيادة العسكرية الموحدة للمجلس، المعروفة عادة باسم قوة درع الجزيرة، لم تؤدِّ دوراً بارزاً يُذكر سوى في التعامل مع الاضطرابات التي شهدتها البحرين عام 2011، في أعقاب الثورات الملوّنة التي اجتاحت المنطقة. كما أنها لم تُظهر دوراً فعالاً في الحرب الأميركية-الإسرائيلية الجارية ضد إيران.

دول الخليج: وحدة جغرافية وتجزؤ سياسي

وقد كشفت هذه الحرب أيضاً عن وجود تحدٍّ استراتيجي مشترك يتمثل في إيران، ولكن من دون أن يؤدي ذلك إلى بلورة سياسة جماعية واضحة لكيفية التعامل معها. فما تزال مواقف الدول الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي متباينة بين من يفضلون التفاوض المباشر والتفاهمات مع إيران، ومن يدعون إلى المواجهة العسكرية، ومن يرون أن الحذر واعتماد أعلى درجات ضبط النفس هو المسار الأنسب.

وقد شكّل تأسيس مجلس التعاون الخليجي عام 1981 أول خروج عن الإطار الشامل لجامعة الدول العربية، التي كانت قد تأسست عام 1945. وفي ذلك الوقت، بدا أن الجامعة لم تعد تضطلع بالدور نفسه، وأن كل مجموعة إقليمية فرعية داخل العالم العربي بات عليها أن تحذو حذو الدول الخليجية الست من خلال إنشاء تكتلها الخاص.

دول الخليج: وحدة جغرافية وتجزؤ سياسي

وقد تعزز هذا الانطباع بفعل أن مجلس التعاون الخليجي لم يسعَ إلى إبرام تفاهمات أو اتفاقات مع بقية الدول العربية بوصفه تكتلاً عربياً جامعاً. بل إنه صاغ لنفسه هوية سياسية واجتماعية متميزة، وقدرة عسكرية خاصة، ورؤية منفصلة للأمن القومي. وقد دفع ذلك بدول المغرب العربي إلى إنشاء كيانها الإقليمي الخاص عام 1989 تحت اسم اتحاد المغرب العربي، الذي ضم ليبيا، وتونس، والجزائر، والمغرب، وموريتانيا. وفي الوقت نفسه، تشكل مجلس التعاون العربي، الذي ضم مصر، والعراق، والأردن، واليمن، بعدما بدأت هذه الدول تشعر بعزلة متزايدة في ظل تشكل اصطفافات إقليمية جديدة. غير أن أياً من التنظيمين لم يدم. فقد أعاقت الأول الخلافات المزمنة بين الجزائر والمغرب، بينما انهار الثاني في أعقاب غزو صدام حسين للكويت.

ومع ذلك، عندما واجهت المنطقة أكبر تحدٍّ لها منذ الاستقلال، والمتمثل في عدوان دولة عربية على دولة عربية أخرى، اتضح أن أياً من هذه الكيانات الإقليمية لم يكن قادراً على أن يحل محل جامعة الدول العربية. فقد أثبتت الجامعة وحدها قدرتها على توفير الغطاء السياسي الشرعي للتحالف الدولي الذي قادته الولايات المتحدة لتحرير الكويت من الاحتلال الذي فرضه صدام حسين عام 1990.

وهذا يقودنا إلى ما يمكن وصفه بـ «لحظة الحقيقة» الراهنة، حيث يبدو مجلس التعاون الخليجي عاجزاً عن صياغة موقف سياسي أو عسكري مشترك، في حين تعاني جامعة الدول العربية من شلل عميق وعجز مؤسسي. وينبع هذا الوضع من إهمال الجامعة منذ عام 1990، وقد تفاقم ذلك بفعل ظهور منظمات إقليمية منافسة في وقت مبكر، وغياب أي جهد جاد لتعديل ميثاقها، والفشل في إرساء قواعد مؤسسية ملزمة للأمن العربي الجماعي.

وفضلاً عن ذلك، وبسبب ضعف استعداد الغالبية الأوسع من الدول العربية للالتزام بأي إطار فعلي للعمل المشترك، جرى مراراً الالتفاف على القضايا الأساسية من خلال سجالات شعبوية حول مقر الجامعة أو جنسية أمينها العام، وهو اختزال بائس للأسباب الحقيقية للمشكلة.

وأخيراً، يبدو أن مجلس التعاون الخليجي يقف أمام مفترق حاسم: فإما أن يتجه نحو تطوير إطاره الحالي إلى اتحاد فدرالي حقيقي تحت قيادة السعودية، بوصفها الدولة الأكبر والأكثر قدرة بين أعضائه، وإما أن يتراجع تدريجياً إلى حالة من التهميش الاستراتيجي. وعلى أي حال، وإلى أن يتضح ما إذا كان مثل هذا التحول سيتحقق، فإن الواقع ما يزال يعكس سياسات متباينة، وأحياناً متعارضة، بين الدول الأعضاء، بما ينفي فكرة وجود «سياسة خليجية» موحدة فعلاً.

ومن شأن هذا الفهم أن يكون ذا قيمة واضحة للمحللين، والباحثين، وصنّاع القرار في روسيا، الساعين إلى تقييم مواقف الدول الست بصورة أقرب إلى الواقع السياسي منها إلى الصياغات الإعلامية، مع تجنب هدر الجهد الناجم عن افتراض وجود تنسيق جماعي متماسك.

وبناءً على ذلك، قد يكون من الأجدر لروسيا أن تتعامل مع دول الخليج بوصفها فاعلين منفردين، لا بوصفها كتلة متماسكة، ولا سيما في ظل تنامي المصالح المشتركة مع عدد منها، وعلى الأخص السعودية، والإمارات العربية المتحدة، وقطر، سواء في تنسيق أسواق الطاقة أو في مجال التعاون الاقتصادي.

وقد تكون روسيا أيضاً في موقع ملائم لتشجيع إطار من التفاهم مع إيران، بدلاً من ترك المنطقة تنزلق إلى صراع أوسع. فالتصعيد العسكري الأخير، بما في ذلك التدخل إلى جانب إسرائيل، لم يؤدِّ إلا إلى تعميق الأزمة، وتهديد الأمن البحري في مضيق هرمز، وخلق تداعيات مباشرة على تدفقات الطاقة إلى الأسواق الآسيوية.

First published in: Russian International Affars Council (RIAC) Original Source
Ahmed Dahshan

Ahmed Dahshan

رئيس تحرير مركز الدراسات العربية الأوراسية (CAES)

Leave a Reply