يمكن أن تكون السياسة قاسية، حتى على الحكام السلطويين، ولا سيما عندما يضطرون إلى خوض انتخابات. ففي ليلة واحدة، تحول أوربان من رمز للشعبويين اليمينيين المتطرفين إلى رجل مهزوم لا يخطط حتى لشغل مقعده في البرلمان.
غالباً ما يُتَّهم السياسيون الليبراليون بأنهم يعيشون داخل فقاعات معزولة، وأنهم يفشلون في فهم الناخبين العاديين، ويرتشفون قهوة الصويا الفاخرة. وأحياناً تكون هذه الانتقادات في محلها، لكنها في الغالب لا تعدو أن تكون أداة دعائية لتشويه أحد جانبي الطيف السياسي. والحقيقة أن أي سياسي يمكن أن يقع في فخ فقاعة أيديولوجية خاصة به، ولا سيما إذا طال بقاؤه في السلطة واعتقد أنه بنى نظاماً يستحيل أن يخسر فيه.
وهذا بالضبط ما حدث لرئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان. فقد حكم هذا الشعبوي اليميني المتطرف البلاد لمدة عشرين عاماً، ستة عشر منها بشكل متواصل. وفي المجر، أحكم حزب فيدس الذي يقوده السيطرة على المؤسسات وعلى جزء واسع من وسائل الإعلام، على أمل أنه صاغ نظاماً انتخابياً يجعل خسارة السلطة أمراً غير وارد.
وتراجعت البلاد بشكل مطرد في مؤشرات الديمقراطية، وحرية الصحافة، وسيادة القانون. ورغم كل ذلك، أصبحت المجر في عهد أوربان بمثابة نموذج سياسي لبعض أوساط اليمين المحافظ. فتحول رئيس وزراء دولة في أوروبا الوسطى يقل عدد سكانها عن عشرة ملايين نسمة إلى نجم في دوائر حركة «ماغا» اليمينية المتطرفة في الولايات المتحدة، وهي علاقة عمل على ترسيخها لسنوات عبر استثمارات مالية كبيرة.
وقد غضّ أنصاره الطرف حتى حين واصل أوربان لقاءه المنتظم بالدكتاتور فلاديمير بوتين بعد الغزو الشامل لأوكرانيا، أو حين فتح الأبواب أمام النفوذ الصيني في المجر. وعلى الرغم من مليارات اليوروهات التي تلقتها البلاد من الاتحاد الأوروبي، فإن مسؤولي الاتحاد والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي هم من تحولوا إلى أهداف للدعاية الانتخابية الشرسة التي أطلقتها حكومة بودابست.
غير أن أوربان وقع في فخ فقاعة المؤامرات الخاصة به، حيث كان العالم، في نظره، يُدار من قبل جورج سوروس، و«أيديولوجيا مجتمع الميم»، والمهاجرين. لكن هذه الهجمات الأيديولوجية على أعداء متخيلين لم تستطع إخفاء حقيقة أساسية. فبينما كان المقربون من رئيس الوزراء يزدادون ثراءً، كان المجريون العاديون يحملون معهم ورق المرحاض إلى المستشفيات. وحتى استطلاعات الرأي المؤيدة للحكومة، التي توقعت فوز فيدس، لم تتمكن من تغيير هذه الحقيقة.
وقال عالم السياسة المجري زولتان غابور سوتش-زاغوني: «في الواقع، لم يكن هذا النظام يحقق أداءً جيداً. فالتعليم، والرعاية الصحية، والاقتصاد، كلها في حالة مزرية. لكن طوال فترة طويلة، على الأقل خلال السنوات الاثنتي عشرة الأخيرة، كان هذا الواقع محجوباً بواجهة موهومة صنعتها أموال الاتحاد الأوروبي. وقد جعل ذلك فيدس يبدو ناجحاً جداً. لكن بعد عام 2022، توقف تدفق تلك الأموال، فانكشفت فجأة كل نقاط الضعف البنيوية وكل الأضرار التي تسبب بها النظام. وحتى ذلك الحين، كان نظام أوربان يبدو أقوى بكثير مما كان عليه في الحقيقة».
وبعيداً عن حقيقة أن حزب فيدس التابع لأوربان واجه أخيراً منافساً حقيقياً تمثل في حزب «تيسا» بقيادة بيتر ماغيار، فقد كانت عضوية المجر في الاتحاد الأوروبي عاملاً حاسماً في هزيمة النظام. إذ قامت المفوضية الأوروبية بتجميد نحو 17 مليار يورو مخصصة لبودابست بسبب انتهاكات سيادة القانون والتهديدات التي طالت المصالح المالية للاتحاد. وشعر الاقتصاد المجري والشعب المجري بوطأة ذلك. وتشير كل المعطيات إلى أن حكومة أوربان فكرت في اتخاذ إجراءات متطرفة لتجنب الهزيمة الانتخابية. لكن الموجة التي جرفتها كانت أكبر من أن تُقاوَم، كما أن الأجهزة الأمنية لم تكن بالكامل إلى جانبها، وكان الاتحاد الأوروبي سيرد بالتأكيد بقسوة على أي محاولة لتقويض الانتخابات.
يمكن أن تكون السياسة قاسية، حتى على الحكام السلطويين، ولا سيما عندما يضطرون إلى خوض انتخابات. ففي ليلة واحدة، تحول أوربان من رمز للشعبويين اليمينيين المتطرفين إلى رجل مهزوم لا يخطط حتى لشغل مقعده في البرلمان. وقالت خبيرة الشعبوية التشيكية بيترا غواستي: «لا أعرف إن كان يريد أن يمضي ما تبقى من حياته في موسكو، لكن ذلك يعتمد على ما إذا كانت لديه بدائل أفضل».
لقد خانه حدسه السياسي في النهاية. فتحالفه مع عالم دونالد ترامب وفلاديمير بوتين ظل صالحاً داخل حركة «ماغا» في الولايات المتحدة، لكنه أصبح عبئاً ساماً بالنسبة إلى كثير من شركائه الأوروبيين، والأهم من ذلك بالنسبة إلى المجريين أنفسهم. وقد قوبلت الزيارة التي قام بها نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس قبل الانتخابات في المجر بالسخرية لا أكثر. ولم تكن هناك أدنى فرصة لأن ينجح الجمهوريون في تحويل ناخب واحد إلى صف أوربان. وكان ينبغي أن يكون هذا واضحاً لأي شخص يتابع التطورات في المجر ولو بقدر يسير من الانتباه.
لقد أمضى أوربان وقتاً طويلاً في تعليم الشعبويين اليمينيين كيف يستولون على السلطة ويحتفظون بها. وما زال «دليله العملي» يحتفظ بأهميته. ففي بلدان مثل سلوفاكيا، وتشيكيا، وإيطاليا، نشهد محاولات للسيطرة على الإعلام والمؤسسات، وهجمات على مراكز القوة المستقلة والمنظمات غير الحكومية، وتسخير القيم المحافظة لأغراض سياسية. كما أن خوارزميات وسائل التواصل الاجتماعي ما تزال تجعل هذه الأساليب فعالة إلى حد بعيد.
لكن أوربان يمثل أيضاً مثالاً على أن هذا قد لا يكون كافياً للناخبين عند نقطة معينة. فقد يطالبون في نهاية المطاف بأكثر من مجرد الاستقطاب الدائم للمجتمع. وقد يطالبون بقدر أقل من الفساد، وبحوكمة أفضل، وبسياسة خارجية أكثر شفافية.
ويواجه الشعبويون، وخاصة في دول الاتحاد الأوروبي حيث ما تزال الديمقراطية قائمة وحيث تراقب مؤسسات الاتحاد جودتها، معضلة حقيقية. فهل ينبغي لهم أن يكونوا أكثر تطرفاً من أوربان؟ أم أن الدرس الأهم من المجر ومن ستة عشر عاماً من حكم فيدس يمكن تلخيصه على أفضل وجه في المقولة المنسوبة إلى أبراهام لنكولن: يمكنك أن تخدع بعض الناس طوال الوقت، ويمكنك أن تخدع كل الناس بعض الوقت، لكنك لا تستطيع أن تخدع كل الناس طوال الوقت؟
وفي الواقع، يبدو حالياً أن السياسة على طريقة أوربان قد تجد موطئ قدمها التالي في أوروبا عبر نايجل فاراج في المملكة المتحدة، وهي دولة تقع، على نحو لافت، خارج الاتحاد الأوروبي.
وماذا عن أوربان، وحركة «ماغا»، والرئيس الأميركي دونالد ترامب؟ من المثير حقاً أن يصبح رئيس وزراء دولة متوسطة الحجم في أوروبا الوسطى، داخل الولايات المتحدة شديدة الانغلاق على ذاتها سياسياً، رمزاً مهماً بالنسبة إلى بعض الأوساط فيها. غير أن أوربان استثمر كثيراً من المال في تلك العلاقة. وإذا جف هذا المصدر، فإن السياسي المجري سيصبح أقل إثارة للاهتمام بكثير بالنسبة إلى اليمين المحافظ المتطرف في أميركا. وقد يظل أوربان لفترة قصيرة أخرى قادراً على جذب الانتباه في فعاليات مثل CPAC، لكنه قد ينتقل سريعاً من متحدث رئيسي إلى مشهد جانبي غير مرغوب فيه خارج أوقات الذروة. ففي النهاية، هناك أمر واحد مؤكد: ترامب لا يحب الخاسرين.
شارك هذا الموضوع:
- المشاركة على Telegram (فتح في نافذة جديدة) Telegram
- المشاركة على WhatsApp (فتح في نافذة جديدة) WhatsApp
- المشاركة على Threads (فتح في نافذة جديدة) سلاسل
- المشاركة على LinkedIn (فتح في نافذة جديدة) LinkedIn
- شارك على فيس بوك (فتح في نافذة جديدة) فيس بوك
- المشاركة على X (فتح في نافذة جديدة) X
- إرسال رابط بالبريد الإلكتروني إلى صديق (فتح في نافذة جديدة) البريد الإلكتروني
Related
ملاحظات وهوامش
Andrej Matišák
أندريه ماتيشاك هو مراسل السياسة الخارجية لصحيفة برافدا السلوفاكية اليومية ومنشئ بودكاست Global Agora.
