لطالما شكّل روجهلات (كردستان إيران) ساحةً أساسيةً من ساحات السياسة الكردية، حتى وإن كان مركز الثقل في التعبئة قد انتقل في أوقات مختلفة إلى العراق أو تركيا أو سوريا. وكثير من التنظيمات الناشطة هناك اليوم تأسست قبل قيام الجمهورية الإسلامية نفسها، وتمكنت من البقاء رغم موجات متكررة من القمع والمنفى. وفي 22 فبراير/شباط 2026، أعلنت خمسة من أبرز الأحزاب الكردية الإيرانية، وهي الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني (PDKI)، وحزب الحرية الكردستاني (PAK)، وحزب الحياة الحرة الكردستاني (PJAK)، وخبات، وكومله، تأسيس ائتلاف القوى السياسية لكردستان إيران بوصفه جبهةً مشتركةً جديدة. وفي بيانها التأسيسي، التزمت هذه الأحزاب بالعمل من أجل إسقاط الجمهورية الإسلامية، وضمان حق الأكراد في تقرير المصير ضمن إطار سياسي ديمقراطي في روجهلات. وبعد ذلك بوقت قصير، دمّرت الضربات الجوية الأميركية والإسرائيلية كثيراً من المنشآت العسكرية والأمنية في أنحاء كردستان إيران. وبالنسبة إلى المراقبين في روجهلات وما حولها، بدا التوقيت بعيداً كل البعد عن كونه مصادفةً، إذ جرى النظر على نطاق واسع إلى إنشاء جبهة كردية موحدة وإلى الإضعاف المفاجئ للبنية التحتية التابعة للدولة بوصفهما تطورين مترابطين، وسرعان ما تصاعدت التوقعات بأن القوات الكردية قد تتحرك للسيطرة على مدن رئيسية.
غير أن الواقع على الأرض أقل خطيةً بكثير مما توحي به السرديات الشائعة. فالتقارير المحلية تشير إلى أنه، على الرغم من أن الضربات الجوية ألحقت أضراراً جسيمة بالبنية التحتية العسكرية والأمنية في عدد من البلدات الكردية، فإن النظام الإيراني لم يُفرَّغ من الداخل بأي حال من الأحوال. فما تزال شبكات الاستخبارات، والإداريون المحليون، وما تبقى من القوات الأمنية، تواصل أداء وظائفها، ولا يزال النظام قادراً على ضبط الحياة اليومية وحركة الناس. وفي الوقت نفسه، تجنّب الائتلاف الكردي الجديد حتى الآن الإقدام على محاولة مبكرة للسيطرة على الأرض، إدراكاً منه لافتقاره إلى خط جبهة واضح وإلى ضمانات دولية ثابتة. وقد ردّت طهران بالفعل كما لو أن هجوماً أوسع بات وشيكاً، فاستهدفت مقارّ ومعسكرات الأحزاب الكردية الإيرانية داخل إقليم كردستان العراق بالصواريخ والطائرات المسيّرة، في إشارة إلى أن أي محاولة لتحويل الاضطراب الحالي إلى سيطرة كردية فعلية ستُواجَه بالقوة.
ويقول ترامب إن على الأكراد الإيرانيين أن «ينهضوا»، وقد لمح حتى إلى أن على الولايات المتحدة أن تساعد في رسم ملامح من سيخلف القيادة الحالية في طهران. لكن هذا النوع من الخطاب يبدو بالنسبة إلى الأكراد أقلَّ شبهاً بدعوة وأكثر شبهاً بتحذير. فهم سمعوا مثل هذا الكلام من قبل، ويعرفون أنهم، ما إن تغادر الكاميرات، هم الذين يُتركون لمواجهة العواقب. ولهذا تصر شخصيات مثل شاناز إبراهيم أحمد، السيدة الكردية الأولى في العراق، على القول: «هذه ليست حربنا»، وترفض أن يُزج بالأكراد ضمن خطط واشنطن. وفي الوقت نفسه، تطلق إيران الصواريخ والطائرات المسيّرة على عدد من دول الخليج، وعلى إسرائيل، وحتى على قبرص، بما يعطل الحياة اليومية ويؤكد أنها ما تزال تملك خيارات للتصعيد تتجاوز حدودها بكثير. ولا تمتلك كردستان أي دفاع جوي. ومن شأن أي اصطفاف كردي علني مع حملة تقودها الولايات المتحدة ضد طهران أن يجعل البلدات في كل من روجهلات وإقليم كردستان العراق أهدافاً سهلةً ومكشوفةً. وفي هذا السياق، تبدو إشارات ترامب المتكررة إلى الأكراد أقل شبهاً ببداية جبهة كردية حقيقية، وأكثر شبهاً بمحاولة لصنع أوراق ضغط على عدة مسارات في آن واحد. فالولايات المتحدة لا تبدي رغبة كبيرة في خوض حرب برية في إيران، ليس أقلها أن الطبيعة الجبلية للأراضي الإيرانية غير ملائمة للعمليات الواسعة للمشاة. وحتى المحللون المتعاطفون يصفون حملة تقوم على الضربات الجوية والعقوبات والضغط، بأهداف نهائية غامضة ومن دون خطة واضحة للخروج.
إن تضخيم الحديث عن الميليشيات الكردية على المستوى الرئاسي، والسماح لوسائل إعلام أميركية وإسرائيلية بنشر تقارير عن هجمات برية من إقليم كردستان العراق إلى غرب إيران، يساعد على توجيه رسالة مفادها أن الجناح الغربي لإيران يظل هشاً بصورة دائمة، وذلك على أمل أن يدفع تمرد داخلي طهران نحو نهج أكثر قرباً من الغرب في المفاوضات. وفي الوقت نفسه، يضع ذلك ضغطاً إضافياً على تركيا، إذ إن خطة أميركية لتسليح الأكراد الإيرانيين توصف بالفعل في الصحافة التركية بأنها تضع أردوغان في «موقف مستحيل»، فيما تعلن أنقرة صراحةً أنها «تتابع عن كثب» حزب الحياة الحرة الكردستاني (PJAK) وغيره من الجماعات. وإذا كان ثلاثة ملايين كردي سوري يعيشون في جيوب منفصلة قد كفوا لإرباك السياسة الخارجية التركية، فإن احتمال أن يحقق نحو عشرة ملايين كردي في جزء أكثر ترابطاً وأكثر استراتيجيةً من إيران تقدماً على الأرض يمثل كابوساً حقيقياً بالنسبة إلى أنقرة. ومن خلال المبالغة في تصوير الديناميات الكردية، تستطيع واشنطن أن تُبقي إيران وتركيا معاً في حالة اختلال توازن، بينما تظل تأمل في التعامل مع نخب دول قائمة وقابلة للتوظيف في المنطقة، بدلاً من تحمّل تبعات الانهيار الكامل للنظام.
وعلى نطاق أوسع، فإن الحرب ستلحق الضرر في المقام الأول بالصين، والهند، ودول الاتحاد الأوروبي، التي تتلقى معظم احتياجاتها من الهيدروكربونات من منطقة الخليج. ففي عام 2025، لم تكن قطر تؤمن سوى 30% من احتياجات الصين من واردات الغاز الطبيعي المسال، و45% من احتياجات الهند، وتقريباً كامل احتياجات باكستان النفطية. أما الاتحاد الأوروبي، فيتلقى منتجات نفطية وغازية تشكل أكثر من 75% من وارداته من دول مجلس التعاون الخليجي، في حين لا تتجاوز هذه النسبة بالنسبة إلى الولايات المتحدة 7% فقط (EU-GCC Relations (2024)). وستبقى الولايات المتحدة في منأى شبه كامل عن الضرر، لأنها لا تستورد كميات كبيرة من الهيدروكربونات من المنطقة، وإن كانت ستضطر إلى التعامل مع تضخم مستورد. وقد يكون ذلك نعمة مقنّعة، إذ إن هذه الأزمة قد تدفع المستثمرين إلى دعم الدولار الأميركي من خلال شراء أذونات الخزانة، بما يساعد الولايات المتحدة على إعادة تمويل عجزيها التوأمين، المالي والتجاري. ومع ذلك، وبالنظر إلى أن الصين تُعد واحدة من أكبر زبائن النفط الإيراني، فإن الحملة الحالية ضد طهران تحمل أيضاً بُعداً أوسع، إذ تمثل خطوة استباقية للحد من النفوذ الصيني على طرق الطاقة والتجارة التي تمر عبر الخليج وشرق المتوسط والمنطقة الأوسع، وفي الوقت نفسه تقويض الإنتاج الصناعي الصيني.
وفي هذه الصورة، يواجه الأكراد خطر أن يُنظر إليهم مرة أخرى بوصفهم مقاتلين مفيدين يُستبعدون عندما يحين وقت الجلوس إلى طاولة التفاوض بشأن تقاسم الغنائم. وإذا اختاروا العمل مع واشنطن، فسيحتاجون إلى خطة أوضح بكثير مما كان عليه الحال في الماضي، توضّح كيف تنسجم مطالبهم بالحكم الذاتي مع الاستراتيجية الأميركية الكبرى. ومن ثم، فإن القضية بالنسبة إلى الأكراد لا تتمثل ببساطة في ما إذا كانت هذه لحظة فرصة، بل في نوع الفرصة التي تمثلها. فالانفتاحات السياسية قد تظهر فعلاً، لكنها نادراً ما تستمر من دون استراتيجية، وأوراق قوة، وواقعية إقليمية. ويقف روجهلات مرة أخرى في قلب صراع أوسع يشمل إيران، والولايات المتحدة، وتركيا، والصين على نحو متزايد. وقد يصبح الأكراد بالفعل عاملاً مهماً في هذا الصراع، لكن ما لم يتمكنوا من تحويل أهميتهم العسكرية إلى ضمانات سياسية، فإنهم يواجهون مرة أخرى خطر التعامل معهم بوصفهم أصلاً تكتيكياً لا فاعلاً سياسياً له مصالح ورهانات في الجغرافيا السياسية للمنطقة.
