Flags of America, Israel and Iran and military drones. War between US-Israel and Iran concept.

قراءة في المسارات المحتملة للحرب الإسرائيلية الأمريكية على إيران

تَتَّسمُ مسارات العدوان الإسرائيلي الأمريكي على إيران ومآلات الحرب بحالة عالية من الغموض و”اللا يقين”ـ وما زالت الخلاصة الكلية للمعطيات تميل أكثر إلى عدم توقع نهاية سريعة للحرب، وإلى الدخول في حالة استنزاف. غير أن الهدف الأمريكي الحقيقي من الحرب، والمزاج السياسي للرئيس ترامب يلعبان دورا مهما في تقصير أو إطالة أمد الحرب؛ كما يلعب تماسك نظام الحكم في إيران وقدرته على التحمُّل، وقدرته على مواصلة الحرب بكفاءة وفاعلية وقوةِ تأثير، دورا مهما في تحديد اتجاهات الحرب.

عوامل تدفع باتجاه إطالة الحرب:

1– قدرة الإسرائيليين والأمريكان على تحقيق الأهداف الاستراتيجية للحرب، وعلى رأسها ضرب البرنامج النووي الإيراني، وفرض معاييرهما؛ وإضعاف النفوذ الإيراني الإقليمي ودورها في دعم خط المقاومة. وفي المقابل، سترفض إيران وقف الحرب ما لم تردع أعداءها، وتحافظ على نظامها السياسي، وتحصل على ضمانات بعدم الاعتداء عليها مرة أخرى. وهو ما يعني إطالة أمد الحرب بسبب الفجوة الكبيرة بين الطرفين.

2- إن “تحقيق الردع” هو معيار أساسي لدى الأطراف المتحاربة، وأي تراجع أو فشل في ذلك سيُفسر ضعفا وفشلا.. وهو ما قد يعني الاستمرار في الحرب للحفاظ على “الصورة”، ما لم توجد مخارج كريمة أو تحفظ ماء لهذه الأطراف.

3- الأوضاع الداخلية في دولة الاحتلال والولايات المتحدة وإيران، واستغلال الحرب لتعزيز “الشرعية” والهروب من الأزمات الداخلية؛ قد يَصبُّ في إطالة الحرب، إلا إذا تصاعدت الضغوط الشعبية باتجاه وقف الحرب، عندما ترتفع تكاليفها في مقابل الإنجازات المحتملة.

4- احتمالات توسُّع الحرب إقليميا وعالميا بشكل مباشر أو غير مباشر، بانخراط أطراف متضررة أو مستفيدة من الحرب، ويدخل في ذلك دول الخليج والصين وروسيا والدول الأوروبية؛ سواء لإخضاع إيران، أم لاستنزاف أمريكا والكيان الإسرائيلي، أم لفتح مضيق هرمز وضمان تدفق النفط والغاز والبضائع.. وغيرها؛ بحيث يخرج الأمر عن السيطرة، ويصبح طول الحرب أمرا واقعا.

5- ربط إيران الحرب بالمسار اللبناني وإدخال حزب الله في أي ترتيبات قادمة، بما يضمن عدم نزع أسلحته، وعودة المهجَّرين، والتوقف الإسرائيلي عن استباحة الأرض والأجواء اللبنانية؛ في مقابل الإصرار الإسرائيلي الأمريكي على نزع أسلحة الحزب، ووضع الضمانات والمعايير الأمنية الإسرائيلية أساسا لأي حل مستقبلي مع لبنان؛ وهو ما قد يطيل أمد الحرب قبل الوصول إلى معادلة مقبولة من الأطراف جميعا.

عوامل تدفع باتجاه تقصير أمد الحرب:

1- ارتفاع تكاليف الحرب البشرية والاقتصادية والعسكرية خصوصا لدى الأمريكان والإسرائيليين.

2- استمرار إغلاق مضيق هرمز، وانعكاساته الكبيرة على الاقتصاد العالمي، وخصوصا إمدادات النفط والغاز؛ وفشل الأمريكان وحلفائهم في السيطرة على المضيق.

3- انكشاف القبة الحديدية الإسرائيلية، وتراجع فاعلية الصواريخ الاعتراضية لدى الاحتلال، ومنظومات الدفاع الأمريكية في المنطقة، بما يعطي الإيرانيين مجالا أعلى للضغط وإجبار الأمريكان والإسرائيليين على خفض سقف مطالبهم.

4- الضغوط الدولية لوقف الحرب، خصوصا من الصين وروسيا والاتحاد الأوروبي ودول البريكس.

5- توازن الردع، ووصول الطرفين إلى قناعة بعدم القدرة على تحقيق الحسم وفرض الشروط.

6- إصرار إيران على برنامجها النووي، وتسريع وصولها “للعتبة النووية”، بما يفرض شروطا جديدة للعبة.

7- تراجع الأمريكان فيما يتعلق بالهدف الحقيقي من الحرب، والتراجع عن فكرة إسقاط النظام، والتعامل بواقعية أكثر من الملفين النووي والصاروخي الإيراني؛ وفضّ الشراكة مع الإسرائيليين فيما يتعلق باستمرار الحرب، أو الاستمرار كأداة لتحقيق الأهداف الإسرائيلية من الحرب.

8- تماسك النظام الإيراني وقدرته على الصمود، ومتابعة تنفيذ ضربات نوعية ضدّ الأمريكان والإسرائيليين؛ وانفتاح إيران على تفاهمات إقليمية خصوصا مع دول الخليج، لضمان أمن المنطقة واستقرارها، والمحافظة على ثرواتها ومصالحها الاستراتيجية.

9- رغبة دول المنطقة، وخصوصا دول الخليج، في وقف الحرب، وفي التفاهم مع الإيرانيين ضمن معادلة إقليمية عربية إسلامية، والطلب من الأمريكان وقف الحرب، ووقف استخدام أرضها ومجالها الجوي في الحرب.

المسارات المحتملة:

لا يبدو إسقاط النظام في إيران أمرا واقعيا ولا احتمالا ممكنا في المدى المنظور، وبغضّ النظر عن وسائل الدعاية الأمريكية والإسرائيلية، و”الكليشيهات” المتكررة عن تحقيق إنجازات كبرى؛ فإن القراءة الواقعية تشير إلى قدرة إيران على ترتيب أوراقها وتماسك نظامها واستمرار فاعليتها العسكرية، كما أن النظام ما يزال يتمتع بقاعدة دعم شعبي واسعة سواء لأسباب عقائدية أيديولوجية مرتبطة بطبيعة النظام، لأسباب متعلقة بالقومية الإيرانية الفارسية التي يستفزها العدوان الخارجي، وتتجاوز تناقضاتها الصغيرة في مواجهة التناقض الأكبر مع العدو الأمريكي الإسرائيلي، والتجربة التاريخية تؤيد ذلك. ثم إن حجم إيران الجغرافي (مليون و648 كيلومترا مربعا، تساوي أكثر من 4,530 ضعف مساحة قطاع غزة) مع صعوبة حصارها، يظهر مؤشرا واضحا على الصعوبة الهائلة في محاولة إخضاع النظام الإيراني.

ولأن الطرفين الإسرائيلي والأمريكي يرفضان أن يخرجا مهزومين أو بصورة الفشل المكشوف، خصوصا مع عقلية نتنياهو وحكومته ذات الطبيعة القومية والأيديولوجية الدينية المتطرفة؛ فإن أمد الحرب قد يطول ما لم تتوفر مخارج مناسبة.

وستلعب العوامل المشار إليها أعلاه دورها في إطالة أو تقصير أمد الحرب؛ غير أن المحصلة العامة ما زالت تصب أكثر في استمرار حالة الاستنزاف، أو التحول إلى حرب إقليمية باردة، مع استمرار حالة الغليان، والإبقاء على “حافة الانفجار” قائما.

وثمة عوامل قد تُسرع في نهاية الحرب، لكنها قد تتسبَّب في الوقت نفسه بنتائج معاكسة أو في تعقيد المشهد بدرجة أكبر، مثل استخدام الأمريكان والإسرائيليين لوسائل دمار أكبر كالقنابل النووية التكتيكية، أو إعلان إيران الدخول في “النادي النووي”.

كما ستلعب الطبيعة المتقلّبة لترامب، وشخصيته النرجسية ورغبته في عقد الصفقات، وأجواء الانتخابات النصفية للكونغرس الأمريكي، دورها في تحديد الهدف الأمريكي؛ إما في محاولة تسجيل نقاط في “قصقصة” أجنحة إيران، خصوصا في الملفات النووية والصاروخية وفي النفوذ الإقليمي، أو في المضي قدما في محاولة حسم الصراع. غير أن المعطيات المتاحة تشير بشكل أكبر إلى نزوع ترامب إلى أهداف “واقعية” يمكن تحقيقها من خلال التفاوض، بعد الاعتراف عمليا بعدم القدرة على إسقاط النظام. وإذا ما تمكنت إيران من تقديم أداء عسكري قوي في الأسابيع القادمة، فإن ذلك سيصبُّ أكثر في دفع الأمريكان إلى مزيد من الواقعية والبراجماتية في التعامل مع إيران.

First published in: Al-Zaytouna Centre for Studies and Consultations Original Source
أ. د. محسن محمد صالح

أ. د. محسن محمد صالح

هو أردني من أصل فلسطيني، من مواليد سنة 1960. وحاصل على شهادة الدكتوراه في التاريخ الحديث والمعاصر سنة 1993. وهو أستاذ دكتور في تاريخ العرب الحديث والمعاصر، متخصص في الدراسات الفلسطينية تاريخياً وسياسياً واستراتيجياً، ولديه اهتمام خاص بالواقع السياسي الفلسطيني، وبشؤون القدس، والتيار الإسلامي الفلسطيني، والمقاومة الفلسطينية، والتاريخ الفلسطيني الحديث والمعاصر. يشغل منصب المدير العام لمركز الزيتونة للدراسات والاستشارات منذ سنة 2004 وحتى الآن، كما يشغل منصب مستشار علمي لمجلس كلية الآداب والعلوم الإنسانية في جامعة طرابلس في لبنان منذ بداية سنة 2019 وحتى الآن. وقد شغل سابقاً منصب رئيس قسم التاريخ والحضارة في الجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا، كما عمل مدرساً في الجامعة نفسها في الفترة 1994-2004. كذلك تولّى سابقاً منصب المدير التنفيذي لمركز دراسات الشرق الأوسط في عمّان خلال الفترة 1993-1994. نال المرتبة الأولى في جائزة بيت المقدس للعلماء المسلمين الشبان سنة 1997، كما حصل على جائزة الامتياز في التدريس من الجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا سنة 2002. صدر له 17 كتاباً، من أبرزها: التيار الإسلامي في فلسطين 1917-1948، والقوات العسكرية والشرطة في فلسطين 1917-1939 (رسالة دكتوراه)، ودراسات منهجية في القضية الفلسطينية، والقضية الفلسطينية: خلفياتها التاريخية وتطوراتها المعاصرة، وحقائق وثوابت في القضية الفلسطينية (الحقائق الأربعون في القضية الفلسطينية)، والمسار التائه للدولة الفلسطينية، والطريق إلى القدس. وقام بإعداد وتحرير 20 كتاباً آخر بالتعاون مع باحثين، وتشمل هذه الأعمال سلسلتين من أبرز مصادر المعلومات الفلسطينية ذات الطبيعة المرجعية، هما سلسلة مجلدات الوثائق الفلسطينية التي صدر منها 7 مجلدات خلال الفترة 2005-2011، وسلسلة مجلدات اليوميات الفلسطينية التي صدر منها 10 مجلدات خلال الفترة 2014-2023. وكتب 25 دراسة نُشرت فصولاً في كتب أكاديمية، كما نُشر له الكثير من الدراسات العلمية المُحكَّمة في مجلات علمية، أو على شكل كتب، أو على شكل فصول في كتب. وشارك أيضاً في مراجعة وتحرير وتدقيق الموسوعة الفلسطينية الميسرة (رئيس التحرير عبد العزيز السيّد)، حيث كتب المادة العلمية لـ 71 عنواناً، وقام بالتحرير العلمي لـ 160 عنواناً آخر. كما قام بالتحرير العلمي والإشراف على إعداد وإصدار 106 مجلدات وكتب. وتشمل هذه الأعمال سلسلة التقرير الاستراتيجي الفلسطيني التي صدر منها 13 مجلداً خلال الفترة 2005-2023، وهي من أبرز الدراسات الفلسطينية ذات الطبيعة المرجعية. وإضافة إلى ذلك، قام بالتحرير العلمي لـ 93 مجلداً وكتاباً آخر، تشمل سلسلة كتب أولست إنساناً (13 كتاباً)، وسلسلة كتب تقرير معلومات (30 كتاباً)، والكثير من الكتب الأخرى، منها: منظمة التحرير الفلسطينية: تقييم التجربة وإعادة البناء، وأوضاع اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، ودراسات في التراث الثقافي لمدينة القدس، والسلطة الوطنية الفلسطينية: دراسات في التجربة والأداء 1994-2013، وحركة المقاومة الإسلامية (حماس): دراسات في الفكر والتجربة، وAmerican Foreign Policy & the Muslim World. وقدّم 143 ورقة عمل ومداخلة في مؤتمرات محلية ودولية. وهو مدرب متخصص، عمل أكثر من 60 دورة في فن إعداد التحليل السياسي، وفن إعداد التقدير الاستراتيجي (تقدير الموقف)، والتَّشكُّل السياسي للعالم المعاصر واتجاهاته المستقبلية (عين النّسر)، والمدخل إلى إنشاء مراكز الدراسات والتفكير، والقضية الفلسطينية، والمشروع الصهيوني. وهو المحرر العلمي لسلسلة “أوراق علمية” التي صدر منها 172 ورقة عن مركز الزيتونة حتى حزيران/ يونيو 2025، كما أنه المحرر العلمي لسلسلة التقدير الاستراتيجي لمركز الزيتونة، الذي صدر منه 141 تقديراً. وتولى أيضاً رئاسة تحرير نشرة فلسطين اليوم الإلكترونية منذ 1/5/2005 حتى 31/7/2016، وهي نشرة إخبارية إلكترونية يومية صدر منها 4,007 عدداً حتى تاريخه. كما تولى رئاسة، والإشراف على، 82 مؤتمراً وحلقة نقاش خلال الفترة 2003 – حزيران/ يونيو 2025، وخصوصاً تلك التي تولى مركز الزيتونة تنظيمها. وهو كاتب دائم، خصوصاً في الشأن الفلسطيني، في الصحافة والمواقع الإخبارية البارزة، حيث نُشر له أكثر من 370 من المقالات العلمية والتحليلات السياسية وتقديرات الموقف. كذلك أُجريت معه نحو 523 مقابلة تلفزيونية وإذاعية وصحفية.

Leave a Reply