الملخص
لا يُعدّ الاستبعاد المالي مجرد عرض من أعراض الفقر، بل هو محرّك رئيسي لانعدام الأمن. تقدّم هذه الورقة تحليلاً يراعي النوع الاجتماعي للترابط بين أزمات الاستبعاد المالي والهشاشة المناخية وانعدام الأمن في الدول المتأثرة بالنزاعات في منطقة الساحل، بما في ذلك النيجر ومالي وبوركينا فاسو وتشاد ونيجيريا والسنغال.
وبينما يتطلب الانتقال العادل والمرن نحو الاستدامة مواءمة الأسواق المالية مع الأهداف البيئية والاجتماعية، تفشل سياسات تمويل المناخ في الوصول إلى الفئات الأكثر هشاشة، وخاصة النساء والفتيات اللواتي يتأثرن بشكل غير متناسب بتغير المناخ، مما يؤدي إلى تفاقم الهشاشة النظامية في المنطقة بدلاً من الحد منها. وتهدف هذه الورقة إلى تحليل الفجوة بين السياسات والتطبيق، حيث يتبين أن تمويل المناخ الدولي غير كافٍ ومبني في الغالب على الديون بدلاً من المنح.
تعتمد هذه الورقة منهجاً مختلطاً؛ حيث يتضمن التحليل النوعي مراجعة منهجية لمصادر ثانوية ذات صلة تشمل الأدبيات الأكاديمية وتقارير المنظمات غير الحكومية والمذكرات السياساتية والتقارير الإخبارية، بهدف تحديد الروابط السببية بين تأثيرات المناخ والهشاشة المرتبطة بالنوع الاجتماعي وديناميات الأمن المتغيرة. أما التحليل الكمي، فسيعتمد على قاعدة بيانات الشمول المالي العالمية التابعة للبنك الدولي (Global Findex) لقياس الفجوة بين الجنسين في امتلاك الحسابات المالية واستخدام الخدمات المالية الرقمية في الدول محل الدراسة. كما سيتم استخدام مؤشر مبادرة نوتردام العالمية للتكيف (ND-GAIN) لرسم خريطة مناطق الهشاشة المناخية المرتفعة مقابل انخفاض الشمول المالي، إضافة إلى استخدام بيانات ACLED لربط الاستبعاد المالي بعدد وشدة حوادث النزاع المسجلة في المنطقة.
وتهدف هذه الورقة إلى الإسهام في موضوع التمويل الأخضر الشامل من خلال تقديم أدلة تجريبية حول السياسات الحالية واقتراح إطار جديد لتمويل مناخي يراعي النوع الاجتماعي.
الكلمات المفتاحية: النوع الاجتماعي، تمويل المناخ، الاستبعاد المالي، الانتقال العادل، انعدام الأمن البشري، منطقة الساحل.
المقدمة
تقف منطقة الساحل عند مفترق طرق حاسم، حيث تتقاطع أزمات حادة من الهشاشة المناخية، والضعف الاجتماعي والاقتصادي المتكرر، وانعدام الأمن الناتج عن أنشطة الجماعات المتطرفة العنيفة في المنطقة (Cepero et al, 2021). وقد حددت الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (IPCC) هذه المنطقة كنقطة ساخنة عالمية، حيث ترتفع درجات الحرارة فيها بمعدل يفوق المتوسط العالمي بمقدار 1.5 مرة، مع تزايد اضطراب أنماط هطول الأمطار (IPCC, 2014).
في السنوات الأخيرة، شكّلت التقلبات المناخية تهديداً مباشراً لسبل العيش الزراعية والرعوية في المنطقة، مما أدى إلى تضخيم الهشاشة الاجتماعية والاقتصادية القائمة مثل الفقر، وأسهم في تصاعد مستمر لدورات النزوح والصراع (Cepero et al, 2021).
وتُعد المنطقة اليوم من بين الأفقر والأكثر تدهوراً بيئياً في العالم نتيجة لهذه التحديات، حيث يعيش أكثر من 40% من السكان تحت خط الفقر (Alliance Sahel, 2025a). ويجعل هذا الاضطراب البيئي من الصعب للغاية على الأسر التكيّف مع الصدمات المتكررة، مما يؤدي إلى استمرار الفقر وزيادة مخاطر عدم الاستقرار.
ويعمل تغير المناخ في منطقة الساحل كمضاعف للتهديد وليس سبباً مباشراً للنزاع؛ إذ يؤدي الضغط البيئي إلى تضخيم الهشاشة القائمة. وقد أشارت بعض الدراسات إلى أنه عامل يزيد من تفاقم المشكلات المجتمعية الأساسية المرتبطة بسبل العيش اليومية، بما في ذلك تدهور مصادر الرزق، والنزوح الجماعي، وندرة الموارد (Crawford, 2015).
تعتمد منطقة الساحل بشكل كبير على الزراعة والرعي، حيث يعتمد أكثر من 90% من السكان على الزراعة المطرية والرعي كمصدر رئيسي للعيش، خاصة في المناطق المتأثرة بانعدام الأمن (Alliance Sahel, 2025a). وقد أدى التدهور الواسع للأراضي الزراعية والانكماش الحاد للمسطحات المائية نتيجة الحرارة الشديدة والجفاف المطول إلى تأثيرات عميقة على الاقتصادات المحلية (Alliance Sahel, 2025b).
وتُسهم هذه الظروف في تسهيل تجنيد الجماعات المسلحة في المنطقة، حيث تنضم النساء والفتيات أحياناً إلى هذه الجماعات بشكل طوعي، ثم يتعرضن للاستغلال نتيجة المظالم بين المجتمعات، مما يغذي انعدام الأمن على نطاق أوسع (ICG, 2016). وبدلاً من التركيز على مفهوم “حروب المناخ” (De Sherbinin et al, 2015)، تسعى هذه الورقة إلى استكشاف كيفية تفكيك الضغوط البيئية للبُنى الاجتماعية والاقتصادية، وجعل المجتمعات المهمّشة أكثر عرضة للاستغلال والصراع.
وفي منطقة الساحل، تشير البيانات إلى أن النساء والفتيات يتحملن العبء الأكبر من أزمات المناخ والنزاع (OECD, 2020).
تنقسم هذه الورقة إلى ثمانية أجزاء. يبدأ الجزء الأول بالمقدمة، يليه توضيح المفاهيم الأساسية التي تشرح المفاهيم الرئيسية لتمويل المناخ، والتمويل الأخضر الشامل، والانتقال العادل. ويلي ذلك الجزء الخاص بمراجعة الأدبيات، والذي يحدد الفجوات القائمة في دراسة تمويل المناخ والهشاشة المرتبطة بالنوع الاجتماعي. ويعتمد الإطار النظري على مفهوم الأمن البشري لشرح الروابط بين الاستبعاد المالي وانعدام الأمن البشري. بعد ذلك يأتي قسم المنهجية الذي يوضح الأساليب المستخدمة في هذا البحث وحدود الدراسة. ويركّز الجزء السادس على المناقشة، حيث يوضح كيف يعمل الاستبعاد المالي كمحفّز لانعدام الأمن البشري، مع تسليط الضوء على أوجه القصور في سياسات تمويل المناخ. أما الجزء السابع فيتناول دلالات النتائج على إصلاح السياسات استناداً إلى أهم ما توصلت إليه الدراسة، وأخيراً تختتم الورقة بخاتمة.
ومن خلال الفحص النقدي لنواقص سياسات تمويل المناخ من منظور يراعي النوع الاجتماعي في الشمول المالي، تسهم هذه الدراسة في الأدبيات عبر تقديم فهم أكثر عمقاً لما يتطلبه الانتقال العادل والمرن بالفعل. فهي تتجاوز التركيز التقليدي على عدم الاستقرار الاقتصادي الكلي لتبرز كيف أن غياب الوصول إلى الأدوات المالية الأساسية على مستوى الأسر والمجتمعات يقوّض مباشرة القدرة على التكيّف، وبالتالي يغذي الأزمات الاجتماعية والأمنية.
التوضيحات المفاهيمية
تمويل المناخ
وفقاً لـ Wong (2016)، يُعرف تمويل المناخ بشكل عام بأنه التدفقات المالية التي تعبّئها الدول الصناعية نحو الدول النامية لدعم جهود التكيف مع تغير المناخ والتخفيف من آثاره. وتختلف صناديق المناخ بحسب الاحتياجات والمواقع، إذ يشير المفهوم بشكل واسع إلى الموارد المالية التي تُصرف من مستويات مختلفة، سواء محلية أو دولية أو عابرة للحدود، ومن مصادر عامة أو خاصة أو بديلة، بهدف دعم أو معالجة قضايا تغير المناخ (Wong, 2016).
ويُعد مفهوم تمويل المناخ محورياً في اتفاق باريس لعام 2015، حيث يحدد هذا الاتفاق التزام المؤسسات الدولية والدول المتقدمة بتوفير الموارد المالية لمساعدة الدول النامية على تنفيذ أهداف المناخ (UNFCC, 2021). وفي منطقة الساحل، على سبيل المثال، يؤدي تمويل المناخ وظيفتين مترابطتين أساسيتين، هما التخفيف، أي الإجراءات التي تهدف إلى تقليل انبعاثات غازات الدفيئة لإبطاء وتيرة الاحترار العالمي، والتكيف، الذي يشمل الجهود الرامية إلى تعزيز قدرة البنية التحتية والمجتمعات والاقتصادات والنظم البيئية على الصمود، بما يمكنها من التكيف مع الآثار السلبية الحالية والمتوقعة لتغير المناخ.
ومن المهم الإشارة إلى أن تمويل المناخ أصبح في السنوات الأخيرة مسيّساً بسبب الخلافات والتوترات بين الدول المتقدمة والنامية، حيث يتم تقديم معظم أموال التكيف على شكل قروض ميسّرة بدلاً من منح، مما يؤدي إلى تقليص الميزانيات العامة وتراجع الإنفاق الاجتماعي في الدول الأقل نمواً سعياً لسداد هذه القروض. ويترتب على هذا الانخفاض في الإنفاق الاجتماعي آثار سلبية على النساء، مما يزيد من عدم المساواة بين الجنسين.
وعليه، فإن كفاية تمويل المناخ وتركيبته، سواء كان في شكل قروض أو منح، خاصة فيما يتعلق بتقديمه لأغراض التكيف في الدول الهشة بمنطقة الساحل، تمثل محور النقد الرئيسي في هذه الورقة.
التمويل الأخضر الشامل
ظهر مفهوم التمويل الأخضر الشامل (Inclusive Green Finance – IGF) كنهج يجمع بين الشمول المالي والتمويل الأخضر بهدف مساعدة الفئات الهشة على التكيف مع صدمات تغير المناخ والتخفيف من آثارها داخل مناطقها، مع تعزيز اقتصاد منخفض الكربون (Alliance for Financial Inclusion, 2022).
وقد تم تطوير هذا النهج في إطار التنمية المستدامة لسد الفجوة بين المناخ والفقر في الدول المتأثرة. إذ تمكّن سياسات التمويل الأخضر الفئات المحرومة مثل الأسر ذات الدخل المنخفض والمشروعات الصغيرة والمتوسطة من الوصول إلى خدمات مالية خضراء، مثل التأمين المرتبط بالمناخ والائتمان الأخضر، مما يساعدها على إدارة المخاطر المناخية، والحصول على تقنيات مستدامة، والمساهمة في التنمية الاقتصادية والرفاه الاجتماعي. ويُعد هذا النهج من السياسات الناشئة ذات الأولوية في العديد من الدول، حيث كانت بابوا غينيا الجديدة أول دولة تعتمد هذه السياسة في عام 2023، تلتها دول أخرى مثل مصر وفيجي وبنغلاديش (Novak, 2025).
ورغم أن التمويل الأخضر الشامل لا يزال مفهوماً ناشئاً في منطقة الساحل ولم يتم تبنيه أو تطبيقه بشكل كامل، فإنه يمتلك إمكانات كبيرة لدفع التنمية المستدامة وتحقيق الانتقال العادل. وقد أظهرت بعض الدراسات أن مبادرات مثل الجدار الأخضر العظيم (GGW) والاستراتيجيات الوطنية، بما في ذلك دعم شبكة التحالف من أجل الشمول المالي (AFI)، قد مكّنت بعض الدول من الاستفادة من هذا الإطار، إلا أن تبنيه الكامل لا يزال محدوداً، كما أن السياسات التي تدعم دمجه بشكل شامل في منطقة الساحل لم تُنفذ بعد.
الانتقال العادل
ظهر مفهوم الانتقال العادل لأول مرة في سبعينيات القرن الماضي كمفهوم مرتبط بقضايا العمل (Wang, 2021)، ثم توسع مع مرور الوقت ليصبح جزءاً من خطاب تغير المناخ، حيث تم الاعتراف به دولياً ضمن اتفاق باريس لعام 2015. واكتسب المفهوم أهميته في سياق تغير المناخ لأن تأثيراته لا تتوزع بشكل متساوٍ بين السكان، وكذلك الحال بالنسبة لجهود التخفيف، مثل التحول إلى الطاقة المتجددة وإغلاق محطات الوقود الأحفوري.
ويعتمد هذا المفهوم على مبدأ التوزيع العادل لمعالجة هذه الاختلالات وتحقيق نتائج أكثر إنصافاً أثناء الانتقال نحو اقتصاد منخفض الكربون (LSE, 2024). وتعرّف منظمة العمل الدولية (ILO) الانتقال العادل بأنه تحويل الاقتصاد إلى اقتصاد أخضر بطريقة عادلة وشاملة قدر الإمكان للجميع، مع خلق فرص عمل لائقة وضمان عدم ترك أي شخص خلف الركب (UNDP, 2022).
ويرتكز الانتقال العادل على أربعة محاور رئيسية تؤثر في التعامل مع تغير المناخ والاقتصادات الخضراء، وهي دعم المجتمعات الهشة من خلال توفير وظائف خضراء وتنمية المهارات، وتقديم التعويضات والحماية الاجتماعية للفئات المتضررة، وتنويع الاقتصاد وتجديده للتخفيف من الآثار الاجتماعية والاقتصادية للتحول الأخضر.
ويؤكد هذا المفهوم على ضرورة عدم تهميش أي فئة خلال الانتقال نحو اقتصاد منخفض الكربون، بما يضمن عدم إلحاق الضرر غير المتناسب بالعمال أو المجتمعات نتيجة السياسات البيئية. كما يولي الانتقال العادل أولوية للاستثمارات في التكيف، ويحرص على وصول التدخلات وتمويل المناخ إلى الفئات الأكثر هشاشة مثل صغار المزارعين والنساء والمشروعات الصغيرة والمتوسطة والبدو الرحل، الذين غالباً ما يفتقرون إلى الوصول إلى الائتمان والخدمات المالية اللازمة لبناء القدرة على الصمود، وهو ما يُعد أمراً أساسياً لتعزيز السلام وتقليل قابلية التعرض لانعدام الأمن والاستغلال.
مراجعة الأدبيات – تمويل المناخ والإقصاء القائم على النوع الاجتماعي
ألزم اتفاق باريس وأطر تمويل المناخ اللاحقة بتعبئة 100 مليار دولار سنوياً لدعم جهود التخفيف من تغير المناخ والتكيف معه في الدول النامية (UNFCCC, 2015). ومع ذلك، تشير الدراسات التجريبية إلى وجود قصور مستمر في التنفيذ، حيث غالباً ما تقل التدفقات المالية عن التعهدات المعلنة (Roberts & Weikmans, 2017). علاوة على ذلك، يتم توجيه معظم تمويل المناخ نحو مشاريع التخفيف في الدول ذات الدخل المتوسط، في حين أن تمويل التكيف، الذي يُعد ضرورياً لمنطقة الساحل، لا يزال محدوداً (Pauw et al, 2016).
تهيمن الأدوات القائمة على الديون على تدفقات تمويل المناخ، حيث تتفوق القروض الميسّرة على المنح (OECD, 2020). وعلى الرغم من أن القروض قد تكون مناسبة في بعض السياقات، فإنها في الدول الهشة ذات القدرات المالية المحدودة تؤدي إلى تفاقم أعباء الديون، وتقييد استقلالية السياسات، وزيادة انعدام الأمن الاقتصادي (Carter et al, 2021). ويقوّض هذا الهيكل مبادئ العدالة والإنصاف التي يقوم عليها مفهوم العدالة المناخية.
يشير العديد من الباحثين إلى أن الاستبعاد المالي يتقاطع مع الهشاشة المناخية من خلال الحد من قدرة الأسر على الاستثمار في سبل عيش مقاومة للمناخ، أو تنويع مصادر الدخل، أو الحصول على تأمين ضد الصدمات المناخية (Demirguc-Kunt et al, 2021). وفي المجتمعات المحلية، يسهم الإقصاء المالي في تفاقم انعدام الأمن الغذائي وعدم الاستقرار الاجتماعي. وفي منطقة الساحل، حيث ينتشر الاستبعاد المالي بشكل واسع، فإن محدودية الوصول إلى الائتمان والمدخرات والتأمين تقيد القدرة على التكيف وتعزز دوائر الهشاشة.
كما أن الأبعاد المرتبطة بالنوع الاجتماعي في الاستبعاد المالي موثقة بشكل جيد، إذ تواجه النساء عوائق قانونية وثقافية ومؤسسية تحول دون وصولهن إلى الخدمات المالية، مثل غياب الضمانات، وقوانين الإرث التمييزية، واستبعادهن من عمليات صنع القرار (UN Women, 2020). ويؤدي تغير المناخ إلى تضخيم هذه الهشاشة، حيث تتحمل النساء في كثير من الأحيان مسؤولية توفير الغذاء والمياه، مما يجعلهن أكثر عرضة لتأثيرات الجفاف وندرة الموارد (UN Women, 2020).
ورغم الاعتراف العالمي بالحاجة إلى تمويل مناخي يراعي النوع الاجتماعي، فإن تطبيق هذا النهج لا يزال ضعيفاً. وتشير الدراسات إلى أن أصوات النساء غالباً ما تُستبعد من عمليات اتخاذ القرار المتعلقة بتخصيص تمويل المناخ، مما يؤدي إلى سياسات لا تعكس احتياجاتهن الخاصة (Schalatek and Nakhooda, 2013).
كما يربط عدد متزايد من الدراسات بين الهشاشة المناخية وانعدام الأمن في الدول الهشة. فعلى سبيل المثال، يشير Eboreime et al (2025) إلى أن الضغوط الناتجة عن تغير المناخ في منطقة الساحل والسودان تسهم في تأجيج النزاعات، مثل الصراعات بين المزارعين والرعاة والنزاعات المرتبطة بندرة الموارد. كما أن تدهور سبل العيش الناتج عن تغير المناخ يعمّق المظالم، ويزيد المنافسة على الموارد المحدودة، ويؤدي إلى تصاعد النزاعات (Hendrix and Salehyan, 2012). وفي منطقة الساحل، ارتبطت الصدمات المناخية بزيادة التجنيد في الجماعات المسلحة، وتصاعد الصراعات بين المزارعين والرعاة، وتزايد حالات النزوح القسري (Raleigh and Kniveton, 2012).
ومع ذلك، تجدر الإشارة إلى أن الدراسات الحالية لم تستكشف بشكل كافٍ العلاقة بين الاستبعاد المالي وانعدام الأمن البشري. فرغم الاعتراف بتمويل المناخ كأداة لتعزيز الصمود، فإن الاعتماد على القروض وعدم وصول التمويل إلى الفئات الأكثر هشاشة يحدّ من فعاليته. وتسعى هذه الدراسة إلى سد هذه الفجوة من خلال اعتماد منظور الأمن البشري الذي يركز على التداخل بين النظم المالية والهشاشة المناخية وأنماط انعدام الأمن، مما يقدّم فهماً أكثر شمولاً ومراعاةً للنوع الاجتماعي لكيفية تشكّل المخاطر في منطقة الساحل. وبذلك، تسهم الدراسة في تطوير الأدبيات من خلال الربط بين التمويل الأخضر الشامل ومنع النزاعات، مبيّنة أن الوصول العادل إلى المنح والأدوات المالية الرقمية يمكن أن يسهم في تقليل انعدام الأمن وتعزيز القدرة على الصمود.
الإطار النظري – إطار الأمن البشري
تعتمد هذه الدراسة على الإطار النظري للأمن البشري لتحليل العلاقة بين الاستبعاد المالي والهشاشة المناخية وانعدام الأمن البشري في منطقة الساحل. وقد ظهر مفهوم الأمن البشري كنموذج يغيّر التركيز من المفاهيم التقليدية التي تتمحور حول الدولة إلى حماية الأفراد وتمكينهم (Rothschild, 1995؛ Gasper, 2005). وعلى عكس الأمن التقليدي الذي يركز على سلامة الأراضي والتهديدات العسكرية، يشمل الأمن البشري أبعاداً متعددة من الرفاه، بما في ذلك الأمن الاقتصادي والبيئي والصحي والغذائي وأمن سبل العيش (O’Brien & Leichenko, 2008).
ويركّز الأمن البشري على حريتين أساسيتين: التحرر من الخوف والتحرر من الحاجة (Taylor, 2004). إذ يتناول التحرر من الخوف الحماية من العنف والنزاعات، بينما يتعلق التحرر من الحاجة بالحصول على الموارد وسبل العيش والفرص. وفي منطقة الساحل، يقوّض الاستبعاد المالي هاتين الحريتين معاً، حيث يؤدي غياب الوصول إلى الخدمات المالية إلى تقليل قدرة المجتمعات على التكيف مع الصدمات المناخية، وزيادة مستويات الفقر، وتعاظم مخاطر النزاع.
ويكتسب إطار الأمن البشري أهمية خاصة في سياق تمويل المناخ لأنه يسلّط الضوء على أشكال انعدام الأمن التي تنشأ عندما تفشل استراتيجيات التكيف وبناء القدرة على الصمود في الوصول إلى الفئات الأكثر هشاشة. ومن خلال التركيز على الأفراد بدلاً من الدول، يكشف هذا الإطار عن أوجه عدم المساواة في نماذج التمويل القائمة على الديون، والتي تعمّق الهشاشة بدلاً من الحد منها. ويرى بعض الباحثين أن الأمن البشري يمثل دمجاً بين مفهومي التنمية والأمن، حيث يعتمد السلام المستدام على معالجة الأسباب الهيكلية للهشاشة (Duffield, 2006).
ومن المهم التأكيد على أن الأبعاد المرتبطة بالنوع الاجتماعي تشكّل عنصراً محورياً في إطار الأمن البشري. فالنساء في منطقة الساحل يواجهن عوائق هيكلية في الوصول إلى الخدمات المالية وملكية الأراضي والمشاركة في صنع القرار. وتؤدي هذه العوائق إلى تضخيم تعرضهن للمخاطر المناخية والحد من قدرتهن على التكيف. وبالتالي، فإن التحليل الذي يراعي النوع الاجتماعي ضمن إطار الأمن البشري يقدّم رؤى مهمة حول كيفية إعادة هيكلة سياسات تمويل المناخ لتعزيز العدالة والقدرة على الصمود.
المنهجية
تعتمد هذه الورقة منهجاً مختلطاً يجمع بين البيانات النوعية والكمية لتقديم تحليل شامل ومتعمق للموضوع، مع اتباع مقاربة تحليلية مقارنة تشمل ست دول في منطقة الساحل، وهي نيجيريا والنيجر وبوركينا فاسو ومالي وتشاد والسنغال. وقد تم اختيار هذه الدول استناداً إلى درجة تعرضها لتغير المناخ والنزاعات، إضافة إلى وجود سياسات وتمويل مناخي مترسخة فيها. كما تم استخدام أسلوب التحليل الموضوعي لتحليل البيانات المستمدة من مصادر مختلفة، مع إبراز واقع الاستبعاد المالي لدى النساء في المنطقة المختارة وكيف يسهم ذلك في تغذية انعدام الأمن.
يتضمن التحليل النوعي مراجعة موجهة لمصادر ثانوية ذات صلة تشمل الأدبيات الأكاديمية وتقارير المنظمات غير الحكومية والمذكرات السياساتية والتقارير الإخبارية، بهدف تحديد الروابط السببية بين تأثيرات المناخ والهشاشة المرتبطة بالنوع الاجتماعي وديناميات الأمن المتغيرة. ويرتكز هذا التحليل على مراجعة دراسات وتقارير حول الهشاشة المناخية وانعدام الأمن في منطقة الساحل، إلى جانب وثائق سياسات وأدبيات صادرة عن منظمات مثل أوكسفام والبنك الدولي وصندوق النقد الدولي وهيئة الأمم المتحدة للمرأة وغيرها، مما يساعد على وضع البيانات في سياقها ضمن الأحداث والسياسات الحديثة.
أما التحليل الكمي، فيعتمد على بيانات قاعدة Global Findex التابعة للبنك الدولي لقياس مستوى الشمول المالي، حيث تُستخدم هذه البيانات لتحديد الفجوة بين الجنسين في امتلاك الحسابات المالية واستخدام الخدمات المالية الرقمية في دول الدراسة بمنطقة الساحل. وتمثل هذه البيانات مصدراً أساسياً يوفر فهماً ميدانياً لأنماط امتلاك الحسابات، والمدفوعات الرقمية، والادخار، والاقتراض، مع التركيز على الفروق حسب الجنس والموقع الجغرافي. كما تتيح هذه البيانات قياس الفجوة بين الجنسين وتتبع انتشار الأدوات المالية الرقمية في المنطقة. وسيتم استخدام مؤشر ND-GAIN لقياس وتحديد مناطق الهشاشة المناخية العالية ومدى جاهزيتها لتعزيز القدرة على الصمود في مواجهة الاستبعاد المالي. كما تُستخدم بيانات ACLED لقياس مستوى انعدام الأمن البشري من خلال تتبع عدد الهجمات المسلحة والوفيات في مناطق الدراسة، مما يساعد في تحديد العلاقة بين الاستبعاد المالي وانعدام الأمن.
حدود الدراسة
تركّز هذه الدراسة على دول منطقة الساحل نظراً لتصنيفها كنقطة ساخنة عالمية للهشاشة المناخية والإرهاب، بالإضافة إلى ارتفاع ترتيبها في مؤشر ND-GAIN للهشاشة المناخية واستمرار حالة عدم الاستقرار فيها. وتم تحديد الفترة الزمنية للبيانات الكمية بين عامي 2021 و2022، كونها الفترة التي صدرت فيها أحدث بيانات الشمول المالي من قاعدة Global Findex التابعة للبنك الدولي لهذه الدول، حيث جُمعت البيانات في هذه الفترة، مع إجراء المسح في بعض الدول عام 2021 وأخرى في عام 2022. ورغم أن ذلك يضمن استخدام أحدث البيانات المتاحة للتحليل المقارن، إلا أنه يمثل قيداً يتمثل في عدم القدرة على تحليل اتجاهات الشمول المالي وتأثير السياسات بعد عام 2023.
ومع ذلك، لا يقلل هذا القيد الزمني من القيمة الأساسية للدراسة، التي تهدف إلى تقديم إطار سياساتي شامل للتمويل المراعي للنوع الاجتماعي استناداً إلى أنماط الهشاشة القائمة وفعالية البرامج المثبتة. وتشمل القيود العامة للدراسة أيضاً التحديات المرتبطة بإثبات علاقة سببية مباشرة بين المؤشرات المالية على المستوى الكلي وحوادث النزاع على المستوى الجزئي في بيئات أمنية معقدة، مما يتطلب الحذر عند تفسير العلاقات المستخلصة من المؤشرات المجمعة مثل ACLED وND-GAIN.
تمويل المناخ والانتقال العادل في منطقة الساحل
في منطقة الساحل، يكتسب النقاش حول الانتقال العادل أهمية خاصة نظراً لاعتماد السكان الكبير على الزراعة والرعي وغيرها من سبل العيش غير الرسمية التي تتأثر بشدة بالمناخ وتعاني من التهميش الهيكلي (Newell and Maulvaney, 2013). وفي هذا السياق، يسعى مفهوم الانتقال العادل إلى ضمان التحول نحو اقتصادات منخفضة الكربون وقادرة على الصمود أمام التغير المناخي، مع إيلاء اهتمام أكبر للفئات الأكثر هشاشة. كما يؤكد هذا المفهوم على تعزيز استخدام التكنولوجيا وزيادة الاستثمارات لدعم سياسات مالية إعادة توزيعية تضمن ألا يؤدي تمويل المناخ إلى ترسيخ أوجه عدم المساواة القائمة.
ومع ذلك، فإن معظم آليات تمويل المناخ القائمة في منطقة الساحل، مثل الصندوق الأخضر للمناخ (GCF)، لا ترقى إلى دعم تحقيق انتقال عادل. إذ إن الأدوات القائمة على القروض غالباً ما تستبعد صغار المزارعين ورائدات الأعمال من النساء والشباب، الذين يفتقرون إلى الضمانات أو الوصول إلى المؤسسات المصرفية الرسمية. ولا يقتصر أثر هذا الاستبعاد المالي على إضعاف القدرة على التكيف فحسب، بل يسهم أيضاً في استمرار دوائر الفقر وانعدام الأمن. ومن هنا، يدعو نهج الانتقال العادل إلى اعتماد التمويل القائم على المنح، وتطوير أدوات ميسّرة موجهة خصيصاً للفئات الهشة، إضافة إلى إنشاء هياكل حوكمة تشاركية تدمج المعارف المحلية وأولويات المجتمعات (Heffron and McCauley, 2018).
ولتحقيق التوافق بين تمويل المناخ ومفهوم الانتقال العادل في منطقة الساحل، تبرز الحاجة إلى معالجة الأبعاد الجندرية للعمل وسبل العيش. فالنساء يشكّلن غالبية القوة العاملة في القطاع الزراعي، إلا أنهن يواجهن عوائق هيكلية تحول دون وصولهن إلى الموارد المالية. وبالتالي، فإن توجيه تمويل المناخ نحو دعم التعاونيات النسائية، وتعزيز الشمول الرقمي، والاستثمار في الزراعة الذكية مناخياً، يمكن أن يسهم في تقليل التهميش الاقتصادي وكذلك المخاطر الأمنية. وفي هذا الإطار، لا يمثّل الانتقال العادل مساراً نحو الاستدامة فحسب، بل يشكّل أيضاً استراتيجية أمنية قائمة على الكرامة الإنسانية والعدالة والقدرة على الصمود.
الجدول 1: ترتيب الهشاشة المناخية في دول الساحل المختارة


الشكل 1: الفجوات الجندرية الإقليمية في ملكية الحسابات في أفريقيا جنوب الصحراء (2021–2022)
المصدر: من إعداد المؤلف باستخدام بيانات قاعدة Global Findex التابعة للبنك الدولي.
يوضح الشكل 1، وهو مخطط أعمدة تراكمي، الفجوة الجندرية الإقليمية في ملكية الحسابات المالية في أفريقيا جنوب الصحراء، والتي تضم 49 دولة، منها 23 دولة منخفضة الدخل، و12 دولة من الشريحة العليا للدخل المتوسط، و14 دولة مرتفعة الدخل، مع استبعاد الدول مرتفعة الدخل من هذا التحليل. وتُظهر النتائج أن 58% من أصحاب الحسابات هم من الذكور، مقارنة بـ 42% من الإناث. وتبرز هذه الفجوة تفاوتاً واضحاً في الوصول إلى الحسابات المالية، حيث يتمتع الرجال بفرص أكبر من النساء لامتلاك أو الوصول إلى الخدمات المالية الرسمية. ويعكس ذلك التحديات المستمرة التي تواجه النساء في مجال الشمول المالي في المنطقة، مما يؤكد الحاجة إلى تدخلات سياساتية موجهة للحد من عدم المساواة بين الجنسين في الوصول إلى الأنظمة المالية.
نهج قائم على الديون
يكشف تحليل أعمق لهذه التدفقات المالية عن خلل هيكلي جوهري يتمثل في الاعتماد المفرط على أدوات الدين. إذ تُظهر البيانات أن 62% من إجمالي تمويل المناخ الموجّه إلى منطقة الساحل خلال الفترة من 2013 إلى 2019 كان في شكل قروض، في حين شهدت المنح زيادة محدودة بلغت 79% فقط (Oxfam, 2022). ويؤدي هذا الاعتماد المفرط على الديون إلى إضافة أعباء مالية خطيرة على دول تعاني بالفعل من مستويات مرتفعة من الديون والفقر. كما يتعارض هذا الواقع بشكل مباشر مع مبادئ الانتقال العادل، إذ يحمّل الدول الأقل مسؤولية عن أزمة المناخ عبء تمويل التكيف، مما يزيد من مخاطر الضائقة المالية ويقوّض أهدافها التنموية طويلة الأجل.
وتتناول هذه الورقة أيضاً كيف أن الأطر التنظيمية المالية المرتبطة بالمناخ، والتي تهدف إلى الحد من المخاطر النظامية، قد تسهم في تفاقم الاستبعاد المالي في منطقة الساحل. فعلى الرغم من أهمية الجهود المبذولة لمواءمة الأسواق المالية مع أهداف الاستدامة، تشير إحدى أوراق العمل التحليلية للبنك الدولي إلى أن الدول التي تواجه مخاطر مرتفعة من الاستبعاد قد تتأثر سلباً بهذه السياسات. فبدون اعتماد تخطيط يركز على الشمول، يمكن أن تؤدي القواعد الجديدة المتعلقة بالإفصاح أو إدارة المخاطر إلى زيادة تهميش الفئات الضعيفة، بما في ذلك التجار الصغار والمزارعين والمشروعات الصغيرة والمتوسطة (MSMEs) (Dias, 2025).
وغالباً ما تفتقر هذه الفئات إلى الأنظمة الرسمية والوعي المالي والقدرات الإدارية اللازمة للامتثال لهذه اللوائح المعقدة، مما يجعل من الصعب عليها الوصول إلى التمويل الأخضر الذي تحتاجه للتكيف مع تغير المناخ والتحول الاقتصادي. ويؤدي ذلك إلى خلق حلقة مفرغة، حيث تسهم السياسات المصممة لتحقيق أهداف تمويل المناخ بشكل غير مقصود في تعزيز أوجه عدم المساواة والاستبعاد القائمة.

الشكل 2: الفجوة الجندرية في المعاملات المالية الرقمية في دول الساحل المختارة (2021–2022)
المصدر: من إعداد المؤلف باستخدام بيانات قاعدة Global Findex التابعة للبنك الدولي.
يوضح الشكل 2، وهو مخطط أعمدة تراكمي، توزيع معاملات الدفع الرقمية في المناطق المتأثرة بصدمات تغير المناخ خلال الفترة 2021–2022. ففي السنغال، يهيمن الرجال بشكل واضح على استخدام المدفوعات الرقمية، وهو نمط مشابه لما هو عليه في نيجيريا. كما تُظهر كل من بوركينا فاسو والنيجر فجوات جندرية ملحوظة، وينطبق الأمر ذاته على تشاد حيث تستمر هذه الفجوة. ويؤكد هذا الاختلال المستمر بين الجنسين في اعتماد المدفوعات الرقمية عبر الدول الست وجود عوائق هيكلية تحدّ من م شاركة النساء الكاملة في النظام الرقمي.
غموض التعريف ومسألة الكفاية
إلى جانب حجم تمويل المناخ وتركيبته، يتمثل أحد التحديات الرئيسية في تعريف هذه الأموال وآليات الإبلاغ عنها من قبل المؤسسات الكبرى. فقد تضمن اتفاق باريس التزام الدول المتقدمة بتوفير 100 مليار دولار سنوياً لتمويل المناخ للدول النامية (CGD, 2024a). إلا أن هذا الهدف لم يتحقق، كما تعرّضت الأموال المقدمة لانتقادات واسعة بسبب ضعف الشفافية وعدم تحقيق مبدأ الإضافة (additionality).
وقد أظهرت مراجعة شملت 2,554 مشروعاً ممولاً من البنك الدولي بين عامي 2000 و2022 وجود انحياز واضح نحو مشاريع التخفيف، حتى في الدول الأكثر فقراً التي لا تتجاوز مساهمتها 1% من الانبعاثات العالمية (CGD, 2024b). واستمر هذا النمط خلال السنتين الماليتين 2023 و2024، حيث لم يُصنّف سوى نحو ثلث إجمالي الإنفاق (55 مليار دولار من أصل 153 مليار دولار) كتمويل متعلق بالمناخ (Kenny et al, 2025).
ومن أبرز الإشكالات أيضاً التعريف الواسع لما يُعد تمويلاً متعلقاً بالمناخ، إذ يتم تصنيف العديد من المشاريع على أنها مناخية حتى عندما لا يُخصص سوى أقل من 10% من قيمتها لأنشطة مرتبطة بالمناخ. ويجعل هذا الأسلوب، القائم على تصنيف جزء صغير من عدد كبير من المشاريع كمناخية، من الصعب تحديد مقدار التمويل الجديد فعلياً، وما إذا كانت هذه الأموال إضافية أم كانت ستُقدَّم أصلاً دون وجود بعد مناخي. ويظل هذا الغموض في التعريف وضعف الشفافية عائقاً أمام توجيه تمويل المناخ بشكل فعال وعادل إلى الجهات الأكثر حاجة إليه.
الاستبعاد المالي كمحفّز لانعدام الأمن في منطقة الساحل
وفقاً لتقرير صادر عن صندوق النقد الدولي (IMF, 2020)، يشكّل العجز الكبير والمستمر في الشمول المالي عائقاً رئيسياً أمام بناء القدرة على الصمود في منطقة الساحل، خاصة في دول مثل نيجيريا والنيجر ومالي وتشاد والسنغال. كما تُظهر بيانات قاعدة Global Findex التابعة للبنك الدولي أن نحو 37% فقط من النساء في هذه المنطقة المتأثرة بتغير المناخ يمتلكن حسابات مصرفية، مقارنة بنحو 48% من الرجال (Morsy, 2020).
ويؤدي هذا الاستبعاد الهيكلي وضعف الوصول إلى الخدمات المالية إلى حرمان النساء والفئات الهشة الأخرى، مثل الأسر الفقيرة وذوي الإعاقة وصغار المزارعين والتجار، من بناء قدرة مالية على مواجهة الصدمات المناخية. فغياب أو محدودية الوصول إلى آليات الادخار الرسمية أو الائتمان أو التأمين المناخي يعرّض الأسر لمخاطر مرتفعة، ويدفعها إلى الاعتماد على استراتيجيات تكيف غير رسمية أثناء الأزمات، مثل بيع الممتلكات القيمة أو تقليل استهلاك الغذاء. وتؤدي هذه الممارسات بدورها إلى زيادة خطر سوء التغذية لدى الأطفال، وقد تسهم في تعميق الفقر (Crawford, 2015).
كما أن غياب شبكات الأمان المالي يجعل هذه الفئات أكثر عرضة لتأثيرات صدمات تغير المناخ، مثل اضطراب أنماط الطقس وتدهور البيئة، مما يؤدي مباشرة إلى تفاقم انعدام الأمن الغذائي وفقدان سبل العيش.

الشكل 3: عدد الهجمات العنيفة في دول الساحل المختارة (2021–2022)
المصدر: من إعداد المؤلف باستخدام بيانات ACLED.
يوضح الشكل 3 توزيع الهجمات العنيفة عبر الدول الست في منطقة الساحل المشمولة بهذه الدراسة، حيث يُظهر تبايناً كبيراً في عدد الهجمات. فقد سجلت نيجيريا خلال عامي 2021 و2022 أعلى عدد من الهجمات، متفوقة بشكل واضح على بقية الدول.

الشكل 4: ملكية الحسابات حسب الجنس في دول الساحل المختارة (2021–2022)
المصدر: من إعداد المؤلف باستخدام بيانات قاعدة Global Findex التابعة للبنك الدولي.
يوضح الشكل 4 الفجوات الجندرية المستمرة في الدول المشمولة بهذه الدراسة، لا سيما في المناطق المتأثرة بصدمات تغير المناخ، حيث يظهر اختلال واضح في نسبة امتلاك الحسابات بين النساء والرجال. ففي نيجيريا والسنغال، تبدو الفجوة جلية، إذ يمتلك عدد أكبر من الرجال حسابات مقارنة بالنساء. ويبرز هذا الاستنتاج الحاجة الملحة إلى سياسات شمول مالي وتدخلات موجهة تسهم في سد الفجوة في الوصول إلى التمويل وتعزيز الثقافة المالية الرقمية.
يمثل الاستبعاد المالي في منطقة الساحل قضية متعددة الأبعاد تتجاوز مجرد محدودية الوصول إلى الخدمات المالية. ففي العادة، تركز التحليلات التقليدية بشكل أكبر على القيود المرتبطة بجانب العرض، مثل ارتفاع أسعار الفائدة على القروض واشتراطات الضمانات التي تؤثر بشكل غير متناسب على النساء رائدات الأعمال (Itriago, 2025). غير أن تحليلاً أكثر شمولاً يكشف أن هذه العوائق تتفاقم بسبب عوامل مهمة مرتبطة بجانب الطلب.
تشير العديد من الدراسات حول الأسواق المالية في أفريقيا إلى أن النساء أكثر ميلاً من الرجال إلى العزوف طوعاً عن دخول سوق الائتمان الرسمي بسبب انخفاض تقديرهن لأهليتهن الائتمانية. ولا يُعد هذا السلوك بالضرورة استجابة مباشرة للتمييز، بل ينشأ عن عوامل أخرى، من بينها انخفاض مستوى الثقافة المالية، وتكوّن نزعة تجنب المخاطر، أو الخوف من الفشل. وتُظهر هذه الديناميكية أن معالجة فجوة الشمول المالي تتطلب أكثر من مجرد إصلاحات على مستوى السياسات داخل المؤسسات المالية.
ومن ثم، تبرز الحاجة إلى تحول جذري في النهج المتبع، يقوم على الجمع بين إصلاحات جانب العرض والتدخلات السلوكية والبرامج الاجتماعية التي تهدف إلى تعزيز الثقافة المالية وبناء الثقة لدى النساء. ويعني ذلك أن الحلول يجب أن تكون متعددة الأبعاد، بحيث لا تقتصر على توفير المنتجات المالية فحسب، بل تشمل أيضاً تهيئة الظروف التي تمكّن الفئات الهشة من الوصول إليها واستخدامها بثقة.

الشكل 5: مقارنة الشمول المالي بين الذكور والإناث في دول الساحل المختارة (2021–2022)
المصدر: من إعداد المؤلف باستخدام بيانات قاعدة Global Findex التابعة للبنك الدولي.
يوضح الشكل 5 مستوى الشمول المالي لكلا الجنسين في كل دولة. ففي بوركينا فاسو والنيجر، يظهر مستوى من اندماج النساء في التمويل الأخضر يسهم في دعم سبل عيشهن اليومية في المنطقة مقارنة بدول أخرى تظهر فيها فجوات واضحة بين الجنسين.
مسارات نحو تمويل أخضر شامل ومستجيب للنوع الاجتماعي
توجد بالفعل بعض المسارات الفعّالة لتحقيق تمويل أخضر شامل على نطاق محدود، مثل برنامج الحماية الاجتماعية التكيفية في منطقة الساحل التابع للبنك الدولي (SASPP)، والذي يمثل دراسة حالة مهمة لنهج شامل من القاعدة إلى القمة في تمويل المناخ، وهو مسار قابل للتوسع (World Bank Group, 2024). وتشمل المحاور الإقليمية لهذا البرنامج الفقر والهشاشة والقدرة على الصمود، وأنظمة الاستجابة للصدمات المناخية، والإدماج الإنتاجي لتمكين المرأة، والهشاشة والنزوح القسري، وتنمية رأس المال البشري.
يعتمد برنامج البنك الدولي على المدفوعات الرقمية والسجلات الاجتماعية لتقديم دعم سريع للفئات الأكثر ضعفاً، مما يبرز نموذجاً لبناء القدرة على التكيف مع التغير المناخي. ومن أبرز مكوناته مفهوم الإدماج الإنتاجي، الذي يتضمن مجموعات الادخار المجتمعية، وقروضاً صغيرة، وأدوات أخرى أسهمت بشكل ملموس في زيادة دخل النساء من صغار التجار والمزارعين، إضافة إلى مساعدتهن على تنويع مصادر دخلهن بعيداً عن الأنشطة الزراعية الحساسة للمناخ (World Bank Group, 2024b).
علاوة على ذلك، أظهر البرنامج كفاءة عالية من حيث التكلفة، حيث تجاوزت الآثار الإيجابية على استهلاك المستفيدين تكاليف البرنامج في دول مثل النيجر والسنغال. وتشير الأدلة إلى أن مثل هذه الأنظمة المدعومة رقمياً لا تقتصر على إيصال المساعدات بكفاءة فحسب، بل تسهم أيضاً في بناء قدرات مالية طويلة الأمد على مستوى المجتمعات المحلية.

الشكل 6: اتجاه الفجوة الجندرية في الشمول المالي في دول الساحل المختارة (2021–2022)
المصدر: من إعداد المؤلف باستخدام بيانات قاعدة Global Findex التابعة للبنك الدولي.
يوضح الشكل 6، وهو مخطط أعمدة مجمّعة، اتجاه الفجوة الجندرية في الشمول المالي في الدول المشمولة بهذه الدراسة خلال عامي 2021 و2022، من خلال مقارنة مؤشرات الذكور والإناث. وتكشف البيانات عن انخفاض ملحوظ في القيم الإجمالية من عام إلى آخر، إلى جانب تراجع واضح في حجم الفجوة بين الجنسين.
آثار الإصلاحات على مستوى السياسات
استناداً إلى نتائج الدراسة، تقترح الورقة إطاراً لإعادة التفكير في تمويل المناخ في منطقة الساحل بما يتماشى مع مبادئ الانتقال العادل. ويجب أن يتضمن هذا الإطار تحولاً جوهرياً في تركيبة تمويل المناخ من القروض إلى المنح، بهدف تخفيف عبء الديون الخطير عن الدول الأكثر هشاشة.
كما ينبغي تصميم سياسات بشكل مقصود يحد من مخاطر الإقصاء المرتبطة بالتنظيمات المالية المناخية، بما يضمن عدم تهميش صغار المزارعين والمشروعات الصغيرة والمتوسطة. إضافة إلى ذلك، يجب التوسع في الخدمات المالية الرقمية وأنظمة الحماية الاجتماعية التكيفية القادرة على الوصول إلى الفئات الأكثر تهميشاً وتوفير شبكة أمان فعالة في مواجهة الصدمات المناخية.
ويُعد دمج أصوات النساء وقيادتهن في جميع مراحل تخطيط وتنفيذ تمويل المناخ أمراً أساسياً، لضمان أن تُصاغ السياسات بالشراكة مع المجتمعات المتأثرة. كذلك، ينبغي تعزيز نماذج الحوكمة والتمويل في بنوك التنمية العامة على المستويين الوطني والإقليمي، مع توجيهها نحو دعم مشاريع التكيف التي تعزز القدرة على الصمود وتخفض تكاليف الاقتراض، بما يرسّخ العدالة التوزيعية في قرارات الاستثمار.
كما يجب تشجيع الابتكار المالي، مثل التأمين القائم على مؤشرات الطقس وآليات تمويل المخاطر الطارئة، المدعومة بأنظمة الإنذار المبكر، لنقل المخاطر المناخية بعيداً عن الأسر الهشة وضمان استجابة مالية سريعة وفعالة بعد وقوع الصدمات.
الخلاصة
تُظهر هذه الدراسة أن الاستبعاد المالي، ولا سيما بالنسبة للنساء، يمثل عاملاً حاسماً وغالباً ما يتم تجاهله في تغذية انعدام الأمن في منطقة الساحل المتأثرة بشدة بتغير المناخ. وتوضح الأدلة أن قصور هيكل تمويل المناخ الدولي واعتماده المفرط على القروض بدلاً من المنح يسهم في إعادة إنتاج دوامة من الهشاشة وعدم الاستقرار. فمن خلال عدم تمكين الفئات الأكثر ضعفاً من الوصول إلى الأدوات المالية اللازمة للتكيف مع الصدمات المناخية، تؤدي السياسات الحالية إلى تفاقم الهشاشة القائمة، وتقويض سبل العيش، وتعزيز الظروف التي تغذي انعدام الأمن. ولا يمكن تحقيق انتقال عادل حقيقي دون معالجة أوجه عدم المساواة الجندرية العميقة في الوصول إلى التمويل.
ولمواجهة هذا التحدي المعقد، يتعين على صانعي السياسات وبنوك التنمية والمنظمات الدولية تبني نهج متكامل جديد. ويشمل ذلك توسيع أنظمة الحماية الاجتماعية التكيفية، وخاصة المنصات المالية الرقمية الموجهة للمناطق المتأثرة بالصدمات المناخية، مع إدماج النساء كمستفيدات رئيسيات وتعزيز تنويع مصادر الدخل. كما ينبغي أن تتضمن خطط التكيف الوطنية، مثل برنامج الحماية الاجتماعية التكيفية في الساحل، أهدافاً واضحة لتعزيز القدرة على الصمود والاستدامة وضمان الوصول العادل إلى تمويل المناخ.
ومن الضروري أيضاً أن يكون تخطيط تمويل المناخ قائماً على الاستجابة الجندرية، مع إشراك النساء، خاصة في المناطق المتضررة، في عمليات صنع القرار. كما يجب معالجة العوائق على جانبي العرض والطلب في الشمول المالي، من خلال تمكين النساء اقتصادياً وتوسيع الفرص خارج القطاعات المعتمدة على المناخ، بما في ذلك دعم التنويع الاقتصادي واكتساب المهارات والهجرة كخيارات استراتيجية.
ويظل التعليم والقيادة عنصرين أساسيين في تعزيز الشمول المالي، حيث إن محو الأمية المالية واستمرار تعليم الفتيات يلعبان دوراً محورياً. كما ينبغي تمكين النساء من قيادة برامج التكيف على المستوى المحلي مع توفير الدعم والرقابة المناسبة، بما يسهم في تنمية المجتمعات المحلية وفتح آفاق للتنويع الاقتصادي، إلى جانب الحد من قابلية السكان للاستغلال من قبل الجماعات المتطرفة.
وأخيراً، فإن الحد من الاستبعاد المالي كعامل محفز لانعدام الأمن يتطلب إعادة هيكلة المساعدات المالية لتفضيل المنح على القروض، وتوجيه الاستثمارات نحو نماذج التمويل الشامل المثبتة، وخاصة تلك التي تعتمد على التكنولوجيا الرقمية للوصول إلى الفئات المهمشة. والأهم من ذلك، يجب أن يكون تمويل المناخ شاملاً ومراعياً للنوع الاجتماعي، مع إشراك النساء بفعالية في تصميم السياسات وتنفيذها، بما يضمن معالجة العوائق البنيوية وتعزيز القدرة على الصمود وتحقيق الاستقرار.
