صُممت الضربات على إيران لتحقيق ما لم تنجح فيه سنوات من العقوبات والعزلة والاضطرابات الداخلية، وهو دفع الجمهورية الإسلامية إلى حافة الانهيار. وبدا أن مهندسي الحملة، سواء في واشنطن أو تل أبيب، انطلقوا من حسابات استراتيجية مشتركة مفادها أن توجيه ضربة مباشرة إلى المستويات العليا في الدولة الإيرانية، بدءًا من اغتيال القادة العسكريين والسياسيين ووصولًا إلى استهداف البنى التحتية العسكرية والأمنية، من شأنه أن يشعل تعبئة شعبية واسعة مناهضة للحكومة، ويشجع الانشقاقات داخل النظام، ويؤدي في نهاية المطاف إلى إسقاط الجمهورية الإسلامية من الداخل.
ولم تكن هذه الحسابات غير منطقية. فقد شهدت إيران خلال السنوات الأخيرة موجة تلو الأخرى من الاضطرابات، بدءًا من احتجاجات عامي ٢٠١٧ و٢٠١٩، مرورًا بحركة «المرأة، الحياة، الحرية» التي اندلعت عقب وفاة مهسا أميني، وصولًا إلى الانتفاضة التي عمّت أنحاء البلاد في يناير ٢٠٢٦، والتي أشعلها انهيار قيمة الريال وقُمعت بحملة أمنية أقرّت الحكومة الإيرانية نفسها بأنها أسفرت عن مقتل أكثر من ثلاثة آلاف شخص. وكانت هذه الحملة أكثر موجات القمع الداخلي دموية منذ تأسيس الجمهورية الإسلامية.
وقد أصبح من المستحيل إخفاء الفجوة المتسعة بين الدولة والمجتمع، ولا سيما في المدن الكبرى. وعززت الأزمة الاقتصادية، وتراجع الشرعية، والتشاؤم الاجتماعي العميق، الاعتقاد بأن الجمهورية الإسلامية دخلت واحدة من أكثر المراحل هشاشة في تاريخها.
غير أن ما حدث كان على النقيض تمامًا مما كان متوقعًا. فلم تتحول الشوارع إلى ساحات لانتفاضة شعبية واسعة ضد الدولة. بل أصبحت، في العديد من المدن، مواقع لتعبئة القوى الموالية للمؤسسة الدينية الحاكمة، في تحرك تجاوز بكثير التجمعات التي نظمتها السلطات رسميًا، واستمر ليلة بعد أخرى على مدى أسابيع.
ولا يمكن للتنظيم الرسمي والدعاية الحكومية وحدهما تفسير هذه الظاهرة. فقد جرى تنشيط شيء أعمق، تمثل في خطاب ديني بطولي أدى دورًا تأسيسيًا في ترسيخ الجمهورية الإسلامية خلال العقد الأول الذي أعقب ثورة عام ١٩٧٩. وكان هذا الخطاب، الذي تبلور في سياق الحرب الإيرانية العراقية، قد استعاد طاقته السياسية بعد سنوات من التراجع التدريجي.
ولا تتمثل القضية الأساسية في أن الحرب زادت تأييد الحكومة لدى بعض شرائح قاعدتها الموالية فحسب، بل في أن الحرب أعادت، بالنسبة إلى قطاعات من هذه القاعدة، إنتاج المعنى من جديد.
فالجمهورية الإسلامية ليست مجرد بنية سياسية تمتلك قاعدة انتخابية أو شعبية. وبالنسبة إلى العديد من الموالين لها، فإنها تمثل ما وصفه كليفورد غيرتز ذات مرة بأنه «نظام للمعنى»؛ فهي ليست مجرد أيديولوجيا، بل عالم أخلاقي ورمزي تُفهم من خلاله الوقائع السياسية وتصبح قابلة للتفسير.
ولا تُعاش مفاهيم مثل المقاومة، والشهادة، والحصار، والتضحية، والصمود، والدفاع بوصفها مجرد شعارات سياسية، بل باعتبارها عناصر أساسية في رؤية أخلاقية ووجودية للعالم. وقد أعادت الحرب الخارجية، ولا سيما بالشكل الذي اتخذته هذه الحرب، تنشيط ذلك العالم الرمزي من جديد.
لفهم دلالة هذا التطور، لا بد من العودة إلى الدور الذي أدته الحرب الإيرانية العراقية في ترسيخ الجمهورية الإسلامية. فلم يترسخ النظام من خلال الانتخابات أو المؤسسات البيروقراطية وحدها، بل من خلال الحرب أيضًا. وقد كان الصراع مع العراق، الذي استمر ثماني سنوات، أكثر بكثير من مجرد مواجهة عسكرية؛ إذ مثّل أحد أهم المحركات التي استخدمتها الجمهورية الإسلامية لإنتاج الشرعية والولاء والهوية الجماعية والأسطورة السياسية.
وفي مرحلة كان فيها النظام الذي أعقب الثورة لا يزال غير مستقر، وكانت قوى سياسية متعددة، من ليبراليين ويساريين وقوميين وجماعات معارضة مسلحة، تتنافس على النفوذ، أنشأت الدولة خطابًا دينيًا بطوليًا مزج بين الرموز الشيعية، وعاشوراء، والشهادة، والمظلومية، بمعناها المرتبط بالمعاناة التاريخية والوقوع ضحية للاضطهاد، وبين موضوعات وطنية مثل الدفاع عن الأرض ومقاومة الغزو.
ولم يكن الذين توجهوا إلى الجبهة، وفقًا لهذا الخطاب، يقاتلون دفاعًا عن حكومة، بل دفاعًا عن الإسلام والوطن والشرف والحق والثورة نفسها. وقد أنتج هذا المزج رابطة عاطفية قوية بين شرائح من المجتمع وتجربة الحرب والمؤسسة الدينية الحاكمة.
وفي مركز هذا العالم الرمزي وقف آية الله الخميني، الذي رفعته سلطته الثورية والدينية، في نظر كثير من مؤيديه، إلى مكانة تقترب من مفهوم السلطة الكاريزمية بالمعنى الفيبري. فلم يُعامَل بوصفه قائدًا سياسيًا فحسب، بل باعتباره تجسيدًا للثورة والدين معًا.
وساعدت الحرب على دمج حكم رجال الدين والدفاع الوطني والتضحية والرمزية الشيعية في عالم أخلاقي وسياسي مشترك. ولذلك، لم يكن الصراع مجرد ساحة قتال، بل كان أحد الميادين الرئيسية التي استقر فيها النظام الذي نشأ بعد الثورة وترسخت من خلالها أسسه.
وأطلقت الدولة الإيرانية على هذا العالم اسم «الدفاع المقدس». ويكشف هذا المصطلح في حد ذاته عن الكثير. فلم تُقدَّم الحرب مع العراق، التي استمرت ثماني سنوات، في الخطاب الرسمي الإيراني بوصفها حربًا للدفاع الوطني أو الإقليمي، بل باعتبارها مهمة مقدسة تحمل وزنًا لاهوتيًا مماثلًا لما تمنحه التقاليد الشيعية لمعركة كربلاء واستشهاد الإمام الحسين.
فالموت في الجبهة لم يكن، ضمن هذا التصور، موتًا من أجل الدولة، بل استشهادًا داخل سلسلة تاريخية تمتد أربعة عشر قرنًا إلى الوراء. وقد ربط هذا التأطير الثورة بأعمق المخزونات العاطفية للتدين الشيعي، وجعل الجمهورية الإسلامية وريثة لتاريخ مقدس، بدلًا من كونها مجرد تجربة سياسية حديثة.
ولم يتحول «الدفاع المقدس» إلى مجرد ذكرى تاريخية، بل أصبح أحد الأسس العاطفية للجمهورية الإسلامية نفسها. وحتى بعد انتهاء الحرب، عملت المؤسسة الدينية الحاكمة على إبقاء هذا الخطاب حيًا.
ومن خلال وسائل الإعلام الرسمية، وأفلام الحرب، ومراسم إحياء ذكرى الشهداء، ورحلات «راهیان نور»، والمدارس، ومشروعات الذاكرة الرسمية، حاولت الدولة الحفاظ على الصورة البطولية للحرب.
كما مثّل مشروع «مدافعي الحرم» في سوريا والعراق محاولة أخرى لإعادة إنتاج السردية الدينية البطولية نفسها في سياق جيوسياسي جديد. وكانت مواكب التشييع الضخمة التي أعقبت اغتيال قاسم سليماني عام ٢٠٢٠ أوضح تعبير عن استمرار قوة هذا العالم الرمزي بعد انتهاء ثمانينيات القرن الماضي.
ومع ذلك، تراجعت قدرته على التعبئة خلال العقدين الماضيين. فقد نشأ جيل أصغر سنًا لا يحمل أي ذكريات مباشرة عن الحرب، وأصبح ينظر إلى العالم بصورة مختلفة. كما أسهم التحول الثقافي، وانتشار وسائل الإعلام الرقمية، واتساع الطبقات الوسطى الحضرية، وتوالي الحركات الاحتجاجية، في توسيع الفجوة بين قطاعات واسعة من المجتمع والرواية الرسمية للدولة.
وبالنسبة إلى كثير من الشباب الإيرانيين، لم تعد لغة الشهادة و«الدفاع المقدس» تحمل القوة العاطفية نفسها التي كانت تتمتع بها خلال ثمانينيات القرن الماضي.
وكان لهذا التآكل عدة أسباب. فبالنسبة إلى الإيرانيين الذين وُلدوا بعد أواخر ثمانينيات القرن العشرين، والذين يشكلون اليوم الأغلبية السكانية، لم تكن الحرب تجربة معاشة، بل ذاكرة صاغتها الدولة وقدمتها إليهم من خلال الكتب المدرسية والجداريات والمراسم التذكارية المتلفزة.
كما تعرض هذا الخطاب للاستخدام المفرط والتوظيف السياسي. فقد استدعاه المسؤولون لتبرير كل سياسة تقريبًا، بدءًا من التقشف الاقتصادي وقيود الإنترنت، وصولًا إلى التدخلات الخارجية، إلى أن بدأت لغته المقدسة تبدو أشبه بخطاب سياسي روتيني.
وفوق ذلك، كانت هذه السردية تتناقض بصورة واضحة مع أنماط حياة أولئك الذين رفعوا شعاراتها بأعلى الأصوات، وهم نخبة ثورية عاش أبناؤها حياة مريحة في الخارج، بينما واجه الإيرانيون العاديون التضخم والبطالة وانهيار العملة.
غير أن الحرب الأخيرة أعادت تنشيط هذه البنية الرمزية الآخذة في التلاشي. وكانت هناك ثلاثة تطورات رئيسية أدت دورًا حاسمًا في ذلك.
تمثل التطور الأول في قدرة إيران على الصمود عسكريًا. فقبل الحرب، كان الافتراض السائد، حتى لدى بعض مؤيدي النظام، أن إيران ستنهار خلال أيام إذا دخلت في مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل. ولم يكن هذا التوقع غير منطقي بالنظر إلى الاختلال الكبير في ميزان القوة العسكرية.
وقد عزز تدمير العراق وليبيا، وانهيار أفغانستان، والتقارير المتكررة عن اختراق أجهزة الاستخبارات للبنية الأمنية الإيرانية، هذا الاعتقاد.
غير أن النتيجة جاءت مختلفة جذريًا عن تلك التوقعات. فلم تنهَر إيران، بل استوعبت الضغط العسكري على مدى أسابيع، وواصلت تنفيذ عملياتها الانتقامية في مواجهة ما يعدّه كثيرون أقوى تحالف عسكري في العالم.
وقد ولد هذا الصمود شعورًا متجددًا بالثقة لدى القواعد الموالية للنظام، ولم يُعش بوصفه مجرد تعبير عن القومية. فبالنسبة إلى كثير من مؤيدي المؤسسة الدينية الحاكمة، مثّل ذلك تأكيدًا للسردية التي كررها النظام على مدى عقود، ومفادها أن مقاومة النظام العالمي القائم على الظلم ليست دعاية سياسية، بل حقيقة تاريخية.
وبالنسبة إلى عدد كبير من الموالين للنظام، حولت الحرب الادعاءات الأيديولوجية المجردة إلى تجربة تاريخية معاشة.
تمثل التطور الثاني في امتناع النخب السياسية والعسكرية عن الفرار. فقد استندت إحدى السرديات الشائعة لدى المعارضة إلى أن كبار مسؤولي الجمهورية الإسلامية سيغادرون البلاد عند أول لحظة من أزمة حقيقية. وكانت القصص المتعلقة بإقامة عائلات المسؤولين في أوروبا وكندا والولايات المتحدة قد ترسخت بعمق في الخطاب العام. غير أن الحرب قوضت هذه السردية. فعلى الرغم من الاغتيالات والضربات الموجهة، لم يتخلَّ أي مسؤول بارز عن موقعه. وظل كثيرون في مناصبهم رغم تعرضهم لمخاطر شخصية مباشرة، فيما قُتل بعضهم إلى جانب أفراد من عائلاتهم.
وقد ولّد ذلك داخل القاعدة الموالية للنظام روايات تستحضر بقوة أجواء مرحلة الحرب الإيرانية العراقية نفسها، عن قادة بقوا في مواقعهم، وعائلات شاركتهم مصيرهم، ومسؤولين كان في إمكانهم الهرب لكنهم اختاروا البقاء. ولهذا الأمر أهمية خاصة، لأن الخطاب السياسي الديني البطولي يعتمد على نماذج أخلاقية حية، أي شخصيات تمنح لغة التضحية تجسيدًا واقعيًا يمكن الإشارة إليه.
أما التطور الثالث، وهو أعمق من التطورين السابقين، فتمثل في المعنى الرمزي الذي أُضفي على مقتل الشخصيات السياسية والعسكرية. ففي المنطق الديني البطولي للجمهورية الإسلامية، لا يُقرأ مقتل قائد أثناء أداء واجبه بوصفه هزيمة، بل باعتباره انتصارًا رمزيًا. فالشخص الذي يُقتل وهو ثابت في موقعه يدخل في فئة «الشهيد»، وهي صفة تحمل وزنًا عاطفيًا ولاهوتيًا هائلًا في الثقافة السياسية الشيعية.
ولطالما اعتمدت الجمهورية الإسلامية على سرديات الشهادة لإعادة إنتاج ذاتها رمزيًا، غير أن الفاعلية السياسية لهذه اللغة كانت قد تراجعت بصورة ملحوظة خلال السنوات الأخيرة. وجاءت الحرب لتمنحها حياة جديدة.
وعند هذه النقطة، تتجاوز السياسة حدود الاستياء العادي والمظالم الاقتصادية، لتدخل ما وصفه إميل دوركهايم بـ«مجال المقدس»، أي عالم رمزي تولّد فيه التضحية الجماعية، وممارسات الحداد الطقسية، والشهادة، أشكالًا من التضامن لا يمكن اختزالها في المصالح المادية وحدها.
ولا يعني ذلك، بطبيعة الحال، أن الجمهورية الإسلامية استعادت الشرعية الاجتماعية الواسعة التي فقدتها عبر سنوات من القمع والأزمة الاقتصادية والإقصاء السياسي. فمن المرجح جدًا أن تواصل قطاعات واسعة من المجتمع الإيراني، ولا سيما الأجيال الحضرية الشابة، وأعداد كبيرة من الرجال والنساء الذين يعرّفون أنفسهم من خلال حركة «المرأة، الحياة، الحرية»، وأجزاء من الطبقة الوسطى في المدن، النظر إلى النظام بالطريقة نفسها التي كانت تنظر بها إليه قبل الحرب.
فذكريات عنف الدولة والقمع والضائقة الاقتصادية والقيود المفروضة على الحياة اليومية لا تختفي خلال بضعة أسابيع من الصراع العسكري. وحتى إذا اقترب بعض المنتقدين، ولا سيما المعارضين للتدخل الخارجي، مؤقتًا من الحكومة أثناء الحرب، فلا ينبغي تفسير ذلك على أنه استعادة واسعة للشرعية.
أما التطور الأهم فيكمن في مكان آخر، وهو إعادة تنشيط العالم الرمزي الذي يشكل النواة الأيديولوجية للجمهورية الإسلامية. ففي كثير من الدول الأيديولوجية، لا يعتمد البقاء على الشعبية الجماهيرية بقدر ما يعتمد على تماسك النواة الموالية والتزامها وقدرتها على التعبئة. وقد عززت الحرب الأخيرة هذه النواة تحديدًا.
وإذا خرجت الجمهورية الإسلامية من هذا الصراع من دون أن تنهار، وهو ما تشير إليه الأدلة الحالية، فستتحول الحرب إلى مصدر طويل الأمد للشرعية الرمزية والتماسك الداخلي لدى المؤسسة الدينية الحاكمة. وكما صاغت الحرب الإيرانية العراقية المخيال السياسي للجمهورية الإسلامية لعقود، فإن الصراع الحالي سيولد سردية تأسيسية جديدة تقوم على الصمود في مواجهة الضغوط الخارجية المتزامنة، ومقتل شخصيات رفيعة المستوى، وإحياء مفهوم التضحية الجماعية.
كما ستنجح الحرب في تحقيق ما عجزت عنه عقود من الدعاية، وهو نقل الخطاب الديني البطولي لجيل الثورة إلى فئات عمرية أصغر لم تعش الحرب الإيرانية العراقية بصورة مباشرة، وهو أمر واجهت الدعاية الرسمية وحدها صعوبة كبيرة في تحقيقه بصورة كاملة.
ولا تقتصر التداعيات على السياسة الداخلية. فالدولة التي تشعر قاعدتها الموالية بالتماسك وبأن التاريخ قد أثبت صحة موقفها تتصرف بطريقة مختلفة، في الداخل والخارج على السواء. فهي تتعامل مع المفاوضات والصراعات الإقليمية والأزمات الداخلية بثقة أكبر.
وقد كان أعمق خطأ تحليلي ارتكبه المراقبون الخارجيون هو النظر إلى الجمهورية الإسلامية بوصفها مجرد بنية سياسية، بدلًا من فهمها كنظام أيديولوجي منتج للمعنى، لا تزال قوته تستمد جزئيًا من عالم رمزي ديني بطولي لم يختفِ، بل دخل في حالة من الخمود الجزئي.
وقد أيقظت الحرب ذلك العالم من جديد، وربما يتبين أن هذا كان أحد أكثر النتائج غير المقصودة لحملة كان الهدف منها إنهاء الجمهورية الإسلامية.
