President Donald Trump Speaks During Cabinet Meeting in the Cabinet Room of the White House, Washington, DC on December 2, 2025

رأي – المنطق الميرشايمري الكامن وراء استراتيجية الأمن القومي لترامب


أحدثت استراتيجية الأمن القومي لإدارة ترامب، التي أُعلن عنها مؤخرًا، زلزالًا في التوافق الذي استمر لعقود حول السياسة الخارجية الأمريكية. ويبرز في هذه الاستراتيجية إعطاء أولوية قصوى لنصف الكرة الغربي بوصفه مصدر القلق الأمني الأساسي للولايات المتحدة، وتقليل التركيز على الدفاع عن الحلفاء الأوروبيين التقليديين، واعتبار الصين تهديدًا أكبر بكثير من روسيا، إضافة إلى العزم على عدم الانجرار إلى صراعات في الشرق الأوسط وإفريقيا.

ومع أن استراتيجية الأمن القومي لعام ٢٠٢٥ تمثل قطيعة مع جوانب واسعة من السياسة الخارجية الأمريكية السابقة، فإن المنطق الذي تقوم عليه ليس جديدًا بالكامل. فعلى الرغم من أن الوثيقة لا تذكره بالاسم، فإن السياسات الواردة فيها تتوافق مع ما طرحه جون ميرشايمر في كتابه المؤثر «مأساة سياسات القوى العظمى»، الذي نُشر لأول مرة عام ٢٠٠١ ثم حُدّث عام ٢٠١٤.

في كتابه، أعلن ميرشايمر أنه لم تحقق أي دولة في التاريخ هيمنة عالمية كاملة. ووفقًا له، فإن الولايات المتحدة هي الدولة الوحيدة التي حققت نفوذًا مهيمنًا في إقليمها الخاص، أي نصف الكرة الغربي، كما نجحت في منع أي قوة عظمى أخرى من السيطرة على أي إقليم آخر. وكتب ميرشايمر أن «الدول التي تحقق هيمنة إقليمية تسعى إلى منع القوى العظمى في الأقاليم الأخرى من تكرار هذا الإنجاز. وبعبارة أخرى، فإن القوى المهيمنة إقليميًا لا ترغب في وجود أنداد لها».

وتبدو استراتيجية الأمن القومي لترامب لعام ٢٠٢٥، سواء عن وعي أو من دونه، متبنية لهذه الأهداف. إذ تناقش الوثيقة مناطق العالم المختلفة وفق ترتيب أولويات الإدارة الأمريكية: يبدأ بنصف الكرة الغربي، ثم آسيا أو منطقة المحيطين الهندي والهادئ، تليها أوروبا، ثم الشرق الأوسط، وأخيرًا إفريقيا.

وفيما يتعلق بنصف الكرة الغربي، تدعو الاستراتيجية بوضوح إلى استعادة «التفوق الأمريكي في نصف الكرة الغربي»، وتؤكد أن الولايات المتحدة «ستمنع المنافسين من خارج نصف الكرة من القدرة على نشر قوات أو قدرات مهددة أخرى، أو امتلاك أو السيطرة على أصول استراتيجية حيوية داخل نصف كرتنا». ويتماشى هذا الطرح بشكل كبير مع توصيف ميرشايمر للولايات المتحدة بوصفها قوة مهيمنة إقليميًا في نصف الكرة الغربي.

أما في ما يخص المناطق الأربع الأخرى من العالم، فإن إدارة ترامب تسعى إما إلى منع أي قوة عظمى أخرى من أن تصبح مهيمنة، أو أنها لا ترى أصلًا أن هذا الاحتمال يستحق القلق. فوفقًا للاستراتيجية، كان الشرق الأوسط أولوية في الماضي لأنه كان المصدر الأهم للطاقة في العالم وساحة رئيسية لصراع القوى العظمى. أما اليوم، فهناك موردون آخرون للطاقة، بما في ذلك الولايات المتحدة نفسها، كما أن المنافسة بين القوى العظمى استُبدلت بما تصفه الوثيقة بـ«مناورات بين القوى الكبرى» تحتفظ فيها الولايات المتحدة «بالموقع الأكثر تميزًا». وبعبارة أخرى، لا ترى إدارة ترامب أن أي قوة عظمى أخرى قادرة على تحقيق الهيمنة في هذه المنطقة التي لم تعد ذات أهمية استراتيجية كما كانت سابقًا.

وبالمثل، لا ترى الاستراتيجية أن أي قوة عظمى أخرى تسعى أصلًا إلى الهيمنة في إفريقيا، ولذلك تعتبر أن المصالح الأمريكية هناك ذات طابع تجاري بالدرجة الأولى.

وعلى النقيض من ذلك، تُصوَّر الصين على أنها تهديد في منطقة المحيطين الهندي والهادئ. إلا أن الاستراتيجية تناقش التهديدات الصينية في المجالات الاقتصادية والتكنولوجية قبل الانتقال إلى البعد العسكري. ويُنظر إلى استمرار الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة على أنه ضروري لمنع الهيمنة الصينية. وفي الوقت نفسه، تحث الاستراتيجية اليابان وكوريا الجنوبية وتايوان وأستراليا على زيادة إنفاقها الدفاعي لمواجهة هذا التهديد. كما تشير إلى أن «إمكانية سيطرة أي منافس على بحر الصين الجنوبي» تشكل تهديدًا مشتركًا لا يتطلب فقط الاستثمار في القدرات العسكرية الأمريكية، بل أيضًا تعاونًا قويًا مع كل دولة قد تتضرر، من الهند إلى اليابان وما بعدها. وهكذا، وعلى عكس الشرق الأوسط وإفريقيا، ترى الاستراتيجية أن هناك قوة عظمى منافسة تسعى إلى الهيمنة في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، لكن التصدي لها لا يُعد مسؤولية أمريكية حصرية، بل مسؤولية مشتركة مع قوى إقليمية أخرى.

أما أكثر أقسام استراتيجية الأمن القومي لعام ٢٠٢٥ غرابة فهو القسم المتعلق بأوروبا. فعلى الرغم من اعتراف الوثيقة بأن «العديد من الأوروبيين ينظرون إلى روسيا بوصفها تهديدًا وجوديًا»، فإنها تتصور دور الولايات المتحدة على أنه «إدارة العلاقات الأوروبية مع روسيا» بهدف «إعادة ترسيخ شروط الاستقرار الاستراتيجي» و«الحد من مخاطر الصراع بين روسيا والدول الأوروبية». ويختلف هذا جذريًا عن السياسة الأمريكية التي استمرت لعقود، والتي رأت دور الولايات المتحدة في الدفاع عن أوروبا الديمقراطية ضد الاتحاد السوفيتي التوسعي في الماضي وضد روسيا بوتين في الوقت الحاضر.

بل إن ادعاء الاستراتيجية بأن الاتحاد الأوروبي يقوض «الحرية السياسية والسيادة»، وترحيبها «بتنامي نفوذ الأحزاب الأوروبية الوطنية»، أي اليمينية القومية المناهضة للاتحاد الأوروبي، يوحي بأن إدارة ترامب لا ترى روسيا هي الخصم الحقيقي، بل الاتحاد الأوروبي. وعلى الرغم من أن الاستراتيجية تدعو إلى «أوروبا قوية تعمل بالتنسيق معنا لمنع أي خصم من الهيمنة على أوروبا»، فإنها تبدو وكأنها تنظر إلى الاتحاد الأوروبي باعتباره مساويًا لروسيا أو حتى أكثر تهديدًا لها من حيث القدرة على الهيمنة على الدول الأوروبية.

في كتابه، لم يتصور ميرشايمر الاتحاد الأوروبي كقوة عظمى محتملة تنافس الولايات المتحدة، بل إن اسمه لا يرد حتى في فهرس الكتاب. غير أن الطريقة التي تتصور بها الاستراتيجية العالم تتماشى مع وصف ميرشايمر لموقع الولايات المتحدة كقوة مهيمنة في نصف الكرة الغربي وقادرة على منع أي قوة عظمى أخرى من تحقيق الهيمنة في أي منطقة أخرى من العالم.

لكن هناك فارقًا مهمًا، فميرشايمر باحث أكاديمي وصف الموقع الذي رآه للولايات المتحدة في النظام الدولي، بينما تُعد استراتيجية الأمن القومي لعام ٢٠٢٥ وثيقة سياسية تسعى إلى توضيح كيف تعتقد إدارة ترامب أنها تستطيع الحفاظ على هذا الموقع. وهنا تبرز أسباب قوية للتشكيك في واقعية هذا النهج.

فمنع القوى العظمى من خارج نصف الكرة من التغلغل في نصف الكرة الغربي لن يكون سهلًا في ظل وجود حكومات في المنطقة ترغب في التعاون معها. كما أن تخصيص الموارد الأمريكية للهيمنة في أمريكا اللاتينية، حيث قد يُنظر إلى ذلك بعين الاستياء والمقاومة، قد لا يضعف فقط قدرة الولايات المتحدة على منع القوى المنافسة من الهيمنة في مناطق أخرى، بل قد يؤدي بنتائج عكسية عبر دفع دول أمريكا اللاتينية إلى تعميق تعاونها مع قوى خارجية، وهو ما تسعى إدارة ترامب إلى تجنبه.

كذلك، تنطوي جهود إدارة ترامب لتقليص نفوذ الاتحاد الأوروبي على خطرين رئيسيين. الأول أن تنجح هذه الجهود، لكن يؤدي صعود الحكومات القومية المناهضة للاتحاد الأوروبي في القارة إلى أوروبا أقل قدرة على مقاومة النفوذ الروسي والتدخلات الروسية. أما الخطر الثاني فهو أن تأتي محاولات إضعاف الاتحاد الأوروبي بنتائج عكسية، فتؤدي إلى توحيد أوروبا ضد التدخل الأمريكي، وربما إلى بروزها بشكل غير ضروري كمنافس للولايات المتحدة.

وسيكون من المفارقات اللافتة أن ينتهي السعي لتطبيق استراتيجية الأمن القومي، القائمة على الحفاظ على هيمنة الولايات المتحدة في نصف الكرة الغربي ومنع أي منافس من الهيمنة في مناطق أخرى، إلى تقويض قدرة الولايات المتحدة على تحقيق أي من هذين الهدفين.

First published in: E-International Relations Original Source
Mark N. Katz

Mark N. Katz

"مارك ن. كاتز أستاذ فخري في العلوم السياسية والحكومية في كلية شار للسياسة والحكومة بجامعة جورج ماسون وزميل أول غير مقيم في المجلس الأطلسي."

Leave a Reply