أسباب الصراع
كيف يرتبط الإبادة الجماعية للأرمن عام 1915 بهذا الصراع، وكيف يساهم ذلك في العداء المتبادل بين الأرمن والأذربيجانيين حتى اليوم؟
يشكّل معظم الأرمن في العالم اليوم أحفاد وأبناء أحفاد الناجين من الإبادة الجماعية التي وقعت عام 1915، ولذلك يرى كثير منهم في الأحداث الجارية امتدادًا تاريخيًا لمعاناة قديمة، إذ يعتبرون أن تركيا وأذربيجان تواصلان اضطهاد الأرمن وإجبارهم على مغادرة مناطق عاشوا فيها منذ آلاف السنين. ومن هذا المنظور، فإن الذاكرة التاريخية للإبادة الجماعية ما تزال عنصرًا مؤثرًا في تشكيل المشاعر القومية والعداء العميق بين الطرفين.
كما يشير بعض الباحثين إلى وجود ارتباط تاريخي بين الجمهورية الأذربيجانية التي تأسست عام 1918 وبين الدولة العثمانية في عام 1915، التي سعت آنذاك إلى تعزيز نفوذها في منطقة القوقاز. فقد تبنّى قادة حركة تركيا الفتاة فكرة القومية التركية الشاملة (البان-ترك)، وهي أيديولوجيا تهدف إلى توحيد الشعوب التركية الممتدة من تركيا حتى آسيا الوسطى مرورًا بأذربيجان ضمن إطار حضاري أو سياسي مشترك. ويشير بعض المحللين إلى أن هذه الأفكار ما تزال حاضرة في الخطاب السياسي لدى بعض التيارات القومية في المنطقة.
ومن الأمثلة التي يعتبرها كثير من الأرمن إهانةً لذكراهم التاريخية قيام السلطات الأذربيجانية بإعادة تسمية أحد شوارع ستيباناكيرت، عاصمة ناغورنو-كاراباخ، تكريمًا لـ أنور باشا، أحد القادة العثمانيين المتهمين بالمسؤولية عن الإبادة الجماعية للأرمن، والذي كان يُعرف بمواقفه المعادية للأرمن.
بعد الثورة الروسية عام 1917، تأسست كل من جمهورية أرمينيا الديمقراطية وجمهورية أذربيجان الديمقراطية عام 1918. ومنذ ذلك الوقت أصبح وضع ناغورنو-كاراباخ (آرتساخ) محل نزاع بين الدولتين، حيث طالبت كل منهما بالسيادة عليه. وفي عام 1923، وبعد قيام الاتحاد السوفيتي واندلاع صراعات بين الأرمن والأذربيجانيين حول هذه الأراضي، قرر جوزيف ستالين أن تصبح ناغورنو-كاراباخ منطقة حكم ذاتي داخل جمهورية أذربيجان السوفيتية. وعلى الرغم من تبعيتها الإدارية لأذربيجان، فإن أغلبية سكان المنطقة وهويتها الثقافية ظلتا أرمنيتين.
على مدى عقود لاحقة، اتهم الأرمن السلطات الأذربيجانية بمحاولة فرض سيطرتها على السكان الأرمن في المنطقة وإجبارهم على الاعتراف بسيادة أذربيجان من خلال وسائل مختلفة، مثل الضغوط السياسية والحصار والتهديدات. وعندما حاول الأرمن في آرتساخ المطالبة بحق تقرير المصير، وقعت أعمال عنف ضد الأرمن في عدة مدن أذربيجانية، عُرفت باسم المذابح أو البوغرومات، والتي أدت إلى مقتل عدد من الأرمن ونهب ممتلكاتهم.
وكان الهدف من هذه الهجمات، بحسب الرواية الأرمنية، ترهيب السكان الأرمن في آرتساخ ودفعهم إلى مغادرة المنطقة أو الخضوع للسلطة الأذربيجانية، رغم أنهم عاشوا هناك لقرون طويلة واعتبروا المنطقة جزءًا أساسيًا من تاريخهم وهويتهم القومية.
وقد كانت أحداث مدينة سومغايت في أذربيجان من أبرز هذه الوقائع، إذ يذكر بعض الباحثين أن أول ضحايا سياسة قمع إرادة سكان آرتساخ كانوا الأرمن الذين عاشوا في مدينة سومغايت الواقعة على بعد مئات الكيلومترات من الإقليم.
ومع بدء تفكك الاتحاد السوفيتي في أواخر ثمانينيات القرن العشرين تصاعدت التوترات بشكل كبير. فقد طالبت الأغلبية الأرمنية في ناغورنو-كاراباخ بالاتحاد مع أرمينيا، وهو ما أدى إلى مواجهات عنيفة بين الأرمن والأذربيجانيين وأصبح الشرارة التي أشعلت الصراع المسلح في المنطقة.
ديناميكيات الصراع
حرب ناغورنو-كاراباخ الأولى (1988–1994):
بعد انهيار الاتحاد السوفيتي اندلعت حرب شاملة بين أرمينيا وأذربيجان حول إقليم ناغورنو-كاراباخ. وبحلول عام 1994 تمكنت القوات الأرمنية من السيطرة على ناغورنو-كاراباخ إضافة إلى عدد من المناطق المجاورة له. انتهت الحرب باتفاق لوقف إطلاق النار، لكن لم يتم توقيع معاهدة سلام نهائية، مما جعل المنطقة تعيش لسنوات طويلة حالة تُوصف غالبًا بـ “الصراع المجمد”.
حرب ناغورنو-كاراباخ الثانية (2020):
في سبتمبر 2020 تجددت الأعمال القتالية بين الطرفين، واستمرت الحرب نحو ستة أسابيع. وقد تلقت أذربيجان دعمًا عسكريًا كبيرًا من تركيا وإسرائيل، مما ساعدها على استعادة أجزاء واسعة من ناغورنو-كاراباخ والمناطق المحيطة به. وفي نوفمبر 2020 تم التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار بوساطة روسيا، أدى إلى تغيير كبير في خريطة السيطرة في المنطقة ونشر قوات حفظ سلام روسية.
مع ذلك، لم تتوقف التوترات والعمليات العسكرية بعد هذه الحرب. ففي 12 ديسمبر 2022 فرضت أذربيجان، بدعم من حليفتها تركيا، حصارًا على آرتساخ وسكانه الذين يقدر عددهم بنحو 130 ألف شخص. ووفقًا لتقارير صادرة عن المدافع السابق عن حقوق الإنسان في أرمينيا أرمان تاتويان، انقطعت الكهرباء عن آرتساخ منذ 9 يناير، كما توقفت إمدادات الغاز منذ 21 مارس، ولم تصل أي مساعدات إنسانية—بما في ذلك الغذاء—منذ 15 يونيو.
استمر هذا الحصار لمدة تسعة أشهر رغم صدور قرار من محكمة العدل الدولية في 22 فبراير 2023 يقضي بضمان حرية حركة الأشخاص والمركبات والبضائع عبر ممر لاتشين في كلا الاتجاهين دون عوائق.
النزوح القسري للأرمن (2023):
في الأيام الأخيرة من سبتمبر 2023 غادر أكثر من 100 ألف أرمني من أصل أرمني جمهورية ناغورنو-كاراباخ واتجهوا إلى أرمينيا المجاورة. وقد حدث هذا النزوح الجماعي بعد عملية عسكرية أذربيجانية شملت قصفًا مكثفًا استمر 24 ساعة، سبقته فترة حصار استمرت نحو عشرة أشهر ترافقت مع نقص حاد في الغذاء والمواد الأساسية. وفي نهاية هذه الأحداث أعلنت سلطات ناغورنو-كاراباخ استسلامها.
وقبل هذه التطورات كان الأرمن الأصليون يعيشون في أراضي ناغورنو-كاراباخ منذ آلاف السنين، إلا أنه بعد السيطرة الأذربيجانية الكاملة على المنطقة قُدِّر، بحسب الأمم المتحدة، أن نحو خمسين أرمنيًا فقط بقوا هناك.
كما تواجه مئات المواقع الثقافية والدينية الأرمنية في آرتساخ خطر التدمير أو الاستيلاء عليها بعد سيطرة أذربيجان الكاملة على الإقليم. وقد تم بالفعل تدمير بعض هذه المواقع أو إخضاعها لعمليات “ترميم”، وهو المصطلح الذي تستخدمه الحكومة الأذربيجانية لوصف إزالة الهوية الأرمنية لهذه المعالم.
وكما يشير أحد التقارير:
“على الرغم من حجم وشدة الأضرار، فإن محو التراث الثقافي الأرمني من قبل أذربيجان لا يزال غير موثّق إعلاميًا بشكل كافٍ، ويرجع ذلك إلى حد كبير إلى القيود التي يفرضها النظام على الصحفيين المستقلين.” (نايار، 2024).
حلفاء أرمينيا الرئيسيون
روسيا:
شكّل التعاون العسكري بين أرمينيا وروسيا لفترة طويلة أحد الركائز الأساسية للأمن الأرميني، حيث يعتمد بشكل رئيسي على عضويتهما المشتركة في نظام الدفاع الجوي المشترك لدول رابطة الدول المستقلة (CIS) وكذلك في التحالف العسكري المعروف باسم منظمة معاهدة الأمن الجماعي (CSTO). ومع ذلك، شهدت العلاقات بين البلدين في السنوات الأخيرة توترًا متزايدًا، خاصة في ظل الخلافات السياسية المستمرة بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ورئيس الوزراء الأرميني نيكول باشينيان. وقد بدا أن موسكو مترددة في تقديم دعم علني وقوي لأرمينيا خلال حرب ناغورنو-كاراباخ الثانية عام 2020.
وأدى هذا الموقف إلى تصاعد الانتقادات داخل الأوساط السياسية في أرمينيا تجاه دور منظمة معاهدة الأمن الجماعي، خصوصًا بعد أن اتخذت بعثتها موقفًا اعتُبر غامضًا وغير حاسم خلال النزاع. وفي هذا السياق صرّح أرمن غريغوريان، سكرتير مجلس الأمن الأرميني، بأنه لم يعد يرى أي أمل في هذه المنظمة. كما انتقد رئيس الوزراء باشينيان أداء قوات حفظ السلام الروسية التي تم نشرها لمراقبة وقف إطلاق النار، مشيرًا إلى أنها لم تقم بواجباتها بالشكل المطلوب، وأضاف أن أرمينيا تسعى إلى توسيع شراكاتها الأمنية مع أطراف أخرى.
وبالفعل أعلنت أرمينيا انسحابها من اتفاقية أمنية إقليمية مع روسيا، مؤكدة أن موسكو لم تقدم لها الدعم الكافي في نزاعها مع أذربيجان. وفي السنوات الأخيرة بدأت يريفان خطوات لتعزيز علاقاتها مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، كما علّقت عضويتها في منظمة معاهدة الأمن الجماعي التي تقودها روسيا. ومع ذلك، لا تزال هناك روابط قوية بين البلدين على المستوى الثقافي واللغوي والاقتصادي، وهو أمر شائع بين معظم الدول التي كانت جزءًا من الاتحاد السوفيتي سابقًا.
إيران:
تُعد إيران أيضًا أحد الشركاء المهمين لأرمينيا في المنطقة، خصوصًا في ظل التوترات المستمرة في جنوب القوقاز. ففي سبتمبر 2022 شدد وزير الخارجية الإيراني على أن الحدود بين إيران وأرمينيا يجب ألا تتغير، وذلك في ظل تصاعد التوترات الحدودية بين أرمينيا وأذربيجان. كما أكد المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي خلال لقائه مع رئيس الوزراء الأرميني نيكول باشينيان في مايو 2024 معارضة إيران لأي تغييرات في الحدود الجغرافية في منطقة جنوب القوقاز.
وبعد اندلاع جولة جديدة من الصراع بين أرمينيا وأذربيجان عام 2024، عملت أرمينيا وإيران على تعزيز علاقاتهما العسكرية بشكل أكبر، كما ناقش الجانبان إمكانية إبرام صفقة أسلحة محتملة تبلغ قيمتها نحو 500 مليون دولار، في خطوة تعكس التقارب المتزايد بين البلدين في المجالين الأمني والعسكري.
حلفاء أذربيجان الرئيسيون
تركيا:
تُعد تركيا الحليف الأوثق والأكثر أهمية لأذربيجان، إذ تنظر إلى أرمينيا باعتبارها أحد خصومها الإقليميين الرئيسيين. ويظهر هذا الموقف بوضوح في تصريح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان عام 2023 عندما قال: “نحن ندعم الخطوات التي تتخذها أذربيجان – التي نتحرك معها تحت شعار أمة واحدة ودولتان – للدفاع عن وحدة أراضيها.” (الجزيرة، 2023). ولا يقتصر الدعم التركي على الخطاب السياسي فحسب، بل يشمل أيضًا تقديم المعدات العسكرية وإرسال مستشارين عسكريين وتنظيم تدريبات مشتركة، إضافة إلى توفير دعم دبلوماسي مستمر لأذربيجان في مختلف المحافل الإقليمية والدولية. وقد دعمت تركيا أذربيجان في العديد من القضايا الدولية سابقًا، لكن موقفها تطور ليصبح أكثر نشاطًا وحزمًا ومباشرة مع بداية حرب كاراباخ الثانية عام 2020، حيث لعبت دورًا أكثر وضوحًا في دعم العمليات العسكرية الأذربيجانية.
إسرائيل:
تُعد إسرائيل المورد الرئيسي لأذربيجان في مجال الأسلحة المتطورة، حيث تزودها بتقنيات استخباراتية وأنظمة مدفعية متقدمة إضافة إلى الطائرات المسيّرة مثل هيرون (Heron) وهاروب (Harop). وقد كان لهذه الأسلحة دور مهم في النزاعات التي وقعت عامي 2016 و2020، حيث منحت القوات الأذربيجانية تفوقًا تقنيًا ملحوظًا في ساحة المعركة. وفي المقابل تحصل إسرائيل على تعاون استخباراتي من أذربيجان يتعلق بالأنشطة الإيرانية في المنطقة، كما تستفيد من موقع أذربيجان الجغرافي القريب من إيران. إضافة إلى ذلك، يعتمد الاقتصاد الإسرائيلي جزئيًا على الطاقة الأذربيجانية، إذ يتم تلبية نحو 40٪ من احتياجات إسرائيل النفطية من النفط القادم من أذربيجان، مما يجعلها مصدرًا مهمًا للطاقة بالنسبة لها.
روسيا:
شهدت العلاقات بين روسيا وأذربيجان تقاربًا ملحوظًا بين عامي 2022 و2024، حيث وقّع البلدان في فبراير 2022 إعلان التعاون الحليفي الذي عزز العلاقات السياسية والاقتصادية والأمنية بينهما. وقد أدرك الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف أن تحقيق الأهداف الإقليمية لبلاده—مثل بسط السيطرة الكاملة على ناغورنو-كاراباخ دون وجود قوات حفظ سلام روسية، إضافة إلى فتح ما يُعرف بـ ممر زنغزور—يتطلب تحسين العلاقات مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. وكان اعتراف روسيا بوحدة أراضي أذربيجان أحد أهم عناصر هذا الإعلان بالنسبة لباكو. وفي عام 2024 انسحبت قوات حفظ السلام الروسية بالكامل من ناغورنو-كاراباخ، وهو تطور مهم غيّر ميزان القوى في المنطقة.
مخاوف إيران
ترى القيادة السياسية والعسكرية في إيران أن التعاون المتزايد بين تركيا وأذربيجان قد يشكّل تهديدًا لوحدة الأراضي الإيرانية. ويستند هذا القلق إلى تصريحات صدرت عن مسؤولين أتراك وأذربيجانيين، إضافة إلى بعض الخطابات الإعلامية التي تتحدث عن “تحرير ما يُسمى أذربيجان الجنوبية”، وهو المصطلح الذي يشير إلى المناطق الشمالية الغربية من إيران التي تضم عددًا كبيرًا من السكان من أصل أذربيجاني. وتتهم الحكومة الإيرانية كلًا من تركيا وأذربيجان بمحاولة إثارة النزعات الانفصالية داخل المجتمع الأذربيجاني في إيران.
كما ازدادت المخاوف الإيرانية بسبب ما تصفه طهران بـ “تشويه التاريخ” في النظام التعليمي الأذربيجاني، حيث يُقال إن بعض المناهج والخطابات السياسية تروّج لفكرة “أذربيجان الكبرى” التي تتضمن مناطق داخل الأراضي الإيرانية. وترى إيران أن مثل هذه الروايات قد تشجع النزعات القومية التوسعية لدى الأجيال الشابة، مما قد يهدد الاستقرار الإقليمي ويؤثر على سيادة الدول المجاورة. (فييار، 2025)
رد فعل الاتحاد الأوروبي وتدخله
عبّر مسؤولون ونواب في الاتحاد الأوروبي عن قلقهم إزاء الوضع في ناغورنو-كاراباخ وأصدروا تصريحات تعاطف مع سكان الإقليم منذ ديسمبر، إلا أن هذه المواقف بقيت في الغالب ضمن الإطار الدبلوماسي ولم تتحول إلى إجراءات عملية ملموسة. فلم تقم أي من الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي أو قادتها بالدعوة إلى تدخل مباشر في أذربيجان لحماية سكان ناغورنو-كاراباخ. ووفقًا للنائب الفرنسي في البرلمان الأوروبي فرانسوا-كزافييه بيلامي، فإن قضية ناغورنو-كاراباخ أصبحت محل خلاف بين البرلمان الأوروبي والمفوضية الأوروبية؛ إذ صوّت البرلمان لصالح فرض عقوبات على أذربيجان، بينما امتنعت المفوضية الأوروبية عن تنفيذ هذه الخطوة.
في يوليو 2022 زارت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين أذربيجان للإعلان عن اتفاق يقضي بمضاعفة واردات الغاز الأذربيجاني إلى الاتحاد الأوروبي. وأوضحت أن الاتحاد الأوروبي اتخذ قرارًا بتقليل اعتماده على الطاقة الروسية والبحث عن شركاء أكثر موثوقية مثل أذربيجان، مؤكدة أن الاتحاد الأوروبي ملتزم بدعم جنوب القوقاز ليكون منطقة آمنة ومستقرة ومزدهرة.
ومع ذلك، يشير منتقدون إلى أن أذربيجان تواجه اتهامات تتعلق بانتهاكات حقوق الإنسان وجرائم الحرب، كما أنها تحتل مرتبة متدنية في مؤشرات الحريات السياسية. وتشير بيانات يوروستات إلى أن أذربيجان صدّرت أكثر من 21 مليار يورو من الغاز إلى دول الاتحاد الأوروبي بين يناير 2022 ونوفمبر 2023. وفي الوقت نفسه أصدرت مؤسسة أمين المظالم لحقوق الإنسان في أرمينيا أكثر من 130 بيانًا تحذيريًا خلال الأشهر الثمانية عشر السابقة لتوقيع مذكرة التفاهم، محذرة من المخاطر التي يتعرض لها الأرمن بسبب العمليات العسكرية الأذربيجانية.
وفي هذا السياق صرّحت النائبة الإستونية في البرلمان الأوروبي مارينا كاليوراند، التي ترأس وفد البرلمان للعلاقات مع جنوب القوقاز، بأن المفوضية الأوروبية “استبدلت قيم الاتحاد الأوروبي بالغاز”، في إشارة إلى أن المصالح الطاقوية أصبحت تلعب دورًا رئيسيًا في تحديد سياسات الاتحاد الأوروبي تجاه أذربيجان. (مارتيروسيان وسارغسيان، 2024)
ويرى بعض النقاد أن موقف الاتحاد الأوروبي يعكس تناقضًا بين القيم المعلنة والمصالح الاقتصادية، حيث يتهمونه بتجاهل الانتهاكات المحتملة في المنطقة مقابل تأمين مصادر الطاقة. ويعتبر هؤلاء أن هذا التوجه قد يضعف صورة الاتحاد الأوروبي كمدافع عن حقوق الإنسان والديمقراطية، ويعكس التحديات التي تواجهه في تحقيق توازن بين المبادئ الأخلاقية والمصالح الجيوسياسية والاقتصادية.
النتائج
على الرغم من أن أرمينيا استقبلت موجة من اللاجئين الفارين من حرب كاراباخ عام 2020، فإن المشكلة أصبحت أكثر تعقيدًا وخطورة. فالعاصمة يريفان تواجه ضغوطًا متزايدة ليس فقط من مواطنيها، بل أيضًا من الأرمن القادمين من كاراباخ الذين يعيشون حالة من عدم اليقين بشأن مستقبلهم ويحاولون في الوقت نفسه إعادة بناء حياتهم والمشاركة في وضع خطط للاندماج داخل المجتمع الأرميني.
وفي الوقت نفسه، أعلنت أذربيجان بشكل صريح نيتها ضم منطقة سيونيك الأرمينية بهدف إنشاء ممر أو خط أنابيب يربط أراضيها بتركيا، وهو مشروع يُنظر إليه على أنه جزء من مشروع أوسع يرتبط بفكرة القومية التركية العابرة للحدود (البان-ترك). كما يشير بعض المحللين إلى أن المشاعر المعادية للأرمن أصبحت عنصرًا قويًا في الخطاب السياسي داخل أذربيجان، حيث يتم رفض مطالب أو روايات تاريخية لمجموعات عرقية أو حضارية أخرى بشأن الأراضي. وفي بعض الخطابات الأكاديمية والإعلامية الأذربيجانية يتم أحيانًا وصف يريفان، عاصمة أرمينيا، بأنها مدينة أذربيجانية تاريخيًا.
ويشير بعض الباحثين إلى أن باكو قد تحاول الاستفادة من إفراغ ناغورنو-كاراباخ من سكانه الأرمن عبر تحرك عسكري سريع داخل الأراضي الأرمينية من أجل السيطرة على طريق يربط أذربيجان بإقليم ناخيتشيفان، وهو إقليم أذربيجاني منفصل جغرافيًا يقع على الحدود مع إيران. إلا أن انضمام أرمينيا المحتمل إلى المحكمة الجنائية الدولية (ICC) قد يجعل القادة السياسيين والعسكريين في أذربيجان عرضة لتحقيقات تتعلق بجريمة العدوان في حال حدوث هجوم جديد، وهو ما قد يفسر قيام البرلمان الأرميني بسرعة بالمصادقة على نظام روما الأساسي بهدف ردع أي تصعيد عسكري محتمل وحماية أراضيه. (شيفر، 2023)
اتفاق السلام والوضع الحالي
بوساطة الولايات المتحدة، وقّعت أذربيجان وأرمينيا اتفاق سلام في بداية أغسطس 2025. وقد وصف البيت الأبيض الاتفاق بأنه خطوة تاريخية، وسارعت وسائل الإعلام الغربية إلى الإشارة إلى أن النزاع المستمر منذ عقود قد تم حله أخيرًا نتيجة تدخل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. ومع ذلك، يثير هذا التقييم نقاشًا واسعًا حول ما إذا كان الاتفاق يمثل بالفعل حلًا شاملًا للصراع أم مجرد تسوية سياسية مؤقتة.
وقد أثار الدور الأمريكي في مشروع ممر زنغزور انتقادات من إيران وروسيا اللتين اعتبرتا ذلك تدخلًا في التوازنات الإقليمية. كما انتقد بعض المراقبين الاتفاق لأنه لم يتطرق بشكل واضح إلى حق عودة الأرمن الذين نزحوا من ناغورنو-كاراباخ بعد الحصار العسكري والهجوم الأذربيجاني الذي استمر تسعة أشهر.
وينص الاتفاق على تأمين الطريق الذي يربط أرمينيا بالمنطقة، لكنه يمنح الولايات المتحدة حق إدارة وتطوير هذا الممر لمدة 99 عامًا. ووفقًا للخطة المقترحة، ستقوم الولايات المتحدة بتأجير الممر إلى اتحاد شركات يتولى إنشاء خطوط سكك حديدية وأنابيب نفط وغاز وكابلات ألياف بصرية، وربما شبكات لنقل الكهرباء عبر الممر الذي يبلغ طوله نحو 43 كيلومترًا. ويرى بعض المحللين أن هذا الترتيب يعكس محاولة لتعزيز النفوذ الأمريكي في المنطقة وتقليل تأثير كل من روسيا وإيران.
وبعد الاتفاق على شكل المعاهدة، أعلنت أذربيجان أن هناك شرطين إضافيين يجب على أرمينيا تلبيتهما قبل توقيعها النهائي.
الشرط الأول تمثل في مطالبة باكو بأن يتقدم البلدان بطلب مشترك إلى منظمة الأمن والتعاون في أوروبا (OSCE) لإلغاء مجموعة مينسك، وهي الهيئة التي أُنشئت عام 1995 للتوسط في نزاع ناغورنو-كاراباخ. وترى أذربيجان أن مهمة هذه المجموعة أصبحت مرتبطة بفترة السيطرة الأرمنية على الإقليم. وقد قام الطرفان بالفعل بتقديم رسالة مشتركة تطلب إنهاء عمل المجموعة.
أما الشرط الثاني فكان أكثر إثارة للجدل، إذ طالبت أذربيجان بتعديل الدستور الأرميني. ويؤكد المسؤولون الأذربيجانيون أنهم يرغبون في تحقيق السلام، لكن بشرط أن تتخلى أرمينيا عن أي مطالب إقليمية، ويرفضون الانتقادات التي ترى أن هذا الطلب غير معقول. ويرى بعض المراقبين أن هذه الشروط تعكس استمرار اختلال ميزان القوة لصالح أذربيجان.
وفي هذا السياق صرّح آرام هامباريان، المدير التنفيذي للجنة الوطنية الأرمنية في الولايات المتحدة، بأن “تطبيع التطهير العرقي ليس سلامًا”، معتبرًا أن الاتفاق يقوم فعليًا على محو قضية ناغورنو-كاراباخ وتجاهل المواقع الدينية والثقافية الأرمنية وكذلك قضية الأسرى، مع تعزيز السيطرة الأذربيجانية على المنطقة.
وقد أثار توقيع اتفاق السلام حالة من الإحباط والغضب بين العديد من الأرمن، حيث يرى جزء كبير من الرأي العام أن رئيس الوزراء نيكول باشينيان قد خذل شعب أرمينيا وآرتساخ، وأن أي سلام حقيقي يجب أن يقوم على العدالة والاعتراف بالحقوق التاريخية والإنسانية.
الخاتمة
لا يعني السلام دائمًا غياب الصراعات العسكرية بشكل كامل. فرغم توقيع اتفاقات ووقف العمليات القتالية الواسعة، لم يتوقف الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف عن استخدام خطاب عدائي تجاه أرمينيا. وفي الوقت الذي يؤكد فيه القادة الأذربيجانيون بشكل متزايد أن الحرب قد انتهت، فقد روّج علييف في خطاب ألقاه في نوفمبر لفكرة ما يسمى “أذربيجان الغربية”، وهو مفهوم يثير القلق في أرمينيا لأنه يرتبط بروايات تاريخية وسياسية تتعلق بأراضيها. كما أن جهود التطبيع الجارية تترافق مع استمرار استخدام الخطاب المعادي للأرمن في وسائل الإعلام الرسمية وفي خطاب النخب السياسية داخل أذربيجان، بما في ذلك تصريحات علييف الموجهة إلى الجمهور الداخلي. وإضافة إلى ذلك، لا تزال أذربيجان تسيطر على نحو 200 كيلومتر مربع من الأراضي الأرمينية المعترف بها دوليًا والتي سيطرت عليها خلال الهجمات العسكرية التي وقعت عام 2022. ولهذا يرى كثيرون أن من الضروري أن تسعى الحكومات الأرمينية المستقبلية إلى تحقيق العدالة وضمان حماية سيادة البلاد.
ولتحقيق سلام دائم، يُنظر إلى الاعتراف بالتاريخ باعتباره خطوة أساسية. فإدراك الأحداث التاريخية والاعتراف بها يمكن أن يساعد في بناء فهم أعمق للصراع ويمنع تكرار المآسي. وقد أشار بعض الباحثين إلى أن الجرائم الجماعية التي تعرض لها الأرمن في بدايات القرن العشرين أصبحت لاحقًا جزءًا من النقاشات العالمية حول الجرائم ضد الإنسانية. ففي عام 1943–1944 صاغ المحامي البولندي اليهودي رافائيل ليمكين مصطلح “الإبادة الجماعية” (Genocide) لوصف التدمير المتعمد لجماعات بشرية بأكملها. وقد بدأ اهتمامه بدراسة جرائم الإبادة بعد اطلاعه على محاكمة سوغومون تيهليريان عام 1921، وهو الشخص الذي اغتال أحد المسؤولين الرئيسيين عن الإبادة الجماعية للأرمن. وقد ساهمت دراساته حول الجرائم المرتكبة ضد الأرمن وغيرها من المآسي الجماعية في تشكيل الإطار المفاهيمي الذي استُخدم لاحقًا لوصف الهولوكوست والجرائم المشابهة.
ومع ذلك، ورغم أهمية هذه الأحداث في تطور القانون الدولي ومفهوم الجرائم ضد الإنسانية، فإن الاعتراف الرسمي بالإبادة الجماعية للأرمن لا يزال محدودًا نسبيًا على المستوى الدولي، إذ اعترفت بها نحو 35 دولة فقط حتى الآن. ويرى كثير من الباحثين والناشطين أن تعزيز الوعي التاريخي والاعتراف بالجرائم الماضية يشكل عنصرًا مهمًا في منع تكرارها مستقبلاً.
وفي النهاية، يؤكد كثير من المهتمين بقضية جنوب القوقاز أن حماية الشعوب من العنف الجماعي تتطلب يقظة دولية مستمرة واستعدادًا للدفاع عن الضحايا المحتملين قبل وقوع المآسي، لأن تجاهل المؤشرات المبكرة للصراعات قد يؤدي إلى نتائج يصعب عكسها لاحقًا.