Philippines and Japan leaders shaking hands on a deal agreement. Source: Shutterstock

سياسات القوى المتوسطة: الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين طوكيو ومانيلا

عقب الاجتماع الذي عُقد في طوكيو في 28 مايو/أيار 2026، أعلن الرئيس الفلبيني فرديناند ماركوس الابن ورئيسة الوزراء اليابانية تاكاييتشي ساناي رفع مستوى العلاقات الثنائية بين طوكيو ومانيلا إلى شراكة استراتيجية شاملة. ويتمثل جوهر البيان المشترك الصادر بعد القمة في المصلحة الواضحة لكلا البلدين في معارضة «أي محاولات أحادية لتغيير الوضع القائم الذي أُرسِي سلمياً بالقوة أو بالإكراه» في بحرَي الصين الجنوبي والشرقي، بما يشير إلى تنامي القلق المتبادل من النزعة التعديلية الصينية. ويرسخ رفع مستوى العلاقات الثنائية بين البلدين مكانة طوكيو بوصفها ثاني أهم شريك دفاعي لمانيلا بعد واشنطن. وعلاوة على ذلك، يربط هذا التطور الدولة الشرق آسيوية مباشرةً بالنزاع البحري الإقليمي الذي تخوضه مانيلا مع بكين، وبالجغرافيا السياسية المعقدة في جنوب شرق آسيا.

المساعدة الدفاعية وتعميق العلاقات

يشدد البيان المشترك على نية البلدين تعزيز علاقاتهما الأمنية بصورة كبيرة. وكان إدراج بنود التعاون الأمني في إطار الشراكة الاستراتيجية لعام 2011 قد مهّد لانخراط طوكيو المتزايد على نحو أكثر فاعلية في دعم جهود مانيلا لبناء قدراتها في الدفاعين البحري والجوي. فقد قدمت اليابان 12 سفينة استجابة متعددة المهام إلى خفر السواحل الفلبيني، مع جدولة تسليم خمس سفن إضافية في عام 2027، وذلك في إطار مشروع تحسين قدرات السلامة البحرية الثنائي. وتشمل عمليات النقل الأخرى ذات الصلة بالدفاع تأجير عدد من طائرات الدوريات من طراز TC-90، ومؤخراً توفير أنظمة رادار متقدمة جوية وساحلية. كما تجري مناقشات لنقل عدد من المدمرات من فئة أباكوما إلى البحرية الفلبينية لتحسين قدرات مانيلا في مكافحة الغواصات ومكافحة السفن.

كما أحرزت اليابان والفلبين تقدماً كبيراً في تطوير أطر التعاون الأمني خلال السنوات الأخيرة. ففي 11 سبتمبر/أيلول 2025، دخلت اتفاقية الوصول المتبادل بين الفلبين واليابان (RAA) حيز التنفيذ. وتوفر هذه الاتفاقية إطاراً قانونياً مبسطاً لتعزيز التعاون الأمني والوصول العسكري بين البلدين. وعلى غرار اتفاقيات الوصول التي أبرمتها اليابان مع المملكة المتحدة وأستراليا، تمنح هذه الاتفاقية طوكيو ومانيلا قناة مباشرة لتعزيز التدريب العسكري المشترك بصورة مستقلة عن مناورات باليكاتان التي ترعاها الولايات المتحدة. ومؤخراً، أعلن البلدان بدء مفاوضات بشأن اتفاقية الأمن العام للمعلومات العسكرية (GSOMIA)، التي من شأنها أن تسمح بتبادل المعلومات الأمنية المصنفة. وإذا نُفذت، فستكون هذه ثاني اتفاقية ثنائية لتبادل المعلومات الاستخباراتية لدى الفلبين، بعد دخول اتفاقيتها المماثلة مع الولايات المتحدة حيز التنفيذ في 2024.

وتجسد هذه التطورات فعالية إطار المحيطين الهندي والهادئ الحر والمفتوح (FOIP) الذي تتبناه اليابان في الانخراط مع دول جنوب شرق آسيا المجاورة مثل الفلبين. وكان رئيس الوزراء الراحل شينزو آبي قد أعلن هذا الإطار رسمياً في 2016، وهو يعبر عن التحول الاستراتيجي الياباني الهادف إلى موازنة النفوذ الصيني المتنامي في المحيطين الهندي والهادئ. وعلى الرغم من التعديلات الدقيقة التي أدخلتها الحكومات المتعاقبة، فإن الركيزة الأساسية لهذا الإطار بقيت ثابتة على مر السنين، وهي تعزيز نظام قائم على القواعد وحرية الملاحة.

انخراط اليابان في جنوب شرق آسيا

وفرت المواظبة اليابانية على التمسك بإطار FOIP إطاراً متوقعاً للتعاون مع دول جنوب شرق آسيا، بما أتاح الاستمرارية والتعميق التدريجي للعلاقات الأمنية. ورغم أن هذا الانخراط لا يزال غير قابل للمقارنة بعلاقات اليابان الأمنية مع قوى أخرى مثل أستراليا والمملكة المتحدة والهند والولايات المتحدة، فإن انخراط اليابان الأمني في جنوب شرق آسيا ازداد باطراد في السنوات الأخيرة. ففي الفترة بين 2014 و2025، شاركت اليابان بنشاط في 59 مناورة عسكرية مشتركة مع دول جنوب شرق آسيا. ومنذ 2023، بدأت اليابان أيضاً تقديم دعم مهم لبناء القدرات الدفاعية لجيرانها الإقليميين من خلال المساعدة الأمنية الرسمية (OSA). وفي وقت سابق من هذا العام، أعلنت حكومة رئيسة الوزراء تاكاييتشي توسيع برنامج OSA، ورصدت نحو 116 مليون دولار أميركي للسنة المالية 2026، مع اعتبار لاوس وكمبوديا وفيتنام من المستفيدين ذوي الأولوية.

وعلى الرغم من هذه التطورات، فإن قدرة اليابان على إعادة تشكيل التوازن الأمني الإقليمي تظل مقيدة بدرجة كبيرة. أولاً، إن النجاح في رفع مستوى العلاقات الأمنية بين الفلبين واليابان ليس من السهل تكراره مع بقية دول جنوب شرق آسيا الأعضاء. فكل من الفلبين واليابان جزء من نظام سان فرانسيسكو الذي تقوده واشنطن منذ الحرب الباردة، كما أن كليهما يحتفظ بمعاهدة دفاع متبادل ثنائية مع الولايات المتحدة. وقد أرست هذه الخلفية المشتركة، إلى جانب عقود من التعاون الشامل بين البلدين الآسيويين، الأساس للنضج السريع لعلاقات أمنية عميقة. وهذه العوامل الأساسية ليست متوافرة بالضرورة في بلدان أخرى في جنوب شرق آسيا، مما يحد من قدرة طوكيو على تطوير علاقات أمنية عميقة مشابهة لشراكتها مع الفلبين.

ثانياً، تعرقل تباينات المصالح بين الدول الأعضاء في رابطة آسيان بدرجة كبيرة قدرة اليابان على تعميق الانخراط الأمني عبر المنطقة الأوسع. فعلى الرغم من وجود انسجام واضح بين FOIP ورؤية آسيان للمحيطين الهندي والهادئ لعام 2019 (AOIP)، فإن الدول الأعضاء منقسمة داخلياً بشأن قضايا رئيسية مثل بحر الصين الجنوبي، كما تختلف درجات اصطفافها مع بكين. ولذلك، فرغم أن اليابان تستطيع مواصلة تعميق علاقاتها الأمنية الثنائية مع دول جنوب شرق آسيا، فإنها تحتاج إلى الانخراط متعدد الأطراف مع آسيان بما ينسجم مع مبدأ مركزية آسيان إذا أرادت أن تطرح نفسها بصورة ذات مصداقية بوصفها ضامناً لنظام قائم على القواعد.

ويؤكد النجاح في إبرام الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين اليابان والفلبين الإمكانات التي يتيحها إطار FOIP لمزيد من الانخراط الإقليمي العميق. أما ما إذا كانت طوكيو قادرة على تكرار هذا النجاح مع دول أخرى في جنوب شرق آسيا والتأثير بصورة ملموسة في التوازن الأمني الإقليمي، فذلك يبقى سؤالاً مفتوحاً.

ملاحظات وهوامش
This article is published under a Creative Commons license and may be republished with attribution.
First published in: Australian Institute of International Affairs Original Source
Karl Ragas

Karl Ragas

كارل راغاس هو مستشار تسويق استراتيجي دولي متخصص في جنوب شرق آسيا وطالب دراسات عليا في الأمن الدولي والتنمية في جامعة ياغيلونيا في كراكوف.

Leave a Reply