تاريخيًا، شغلت أميركا اللاتينية ومنطقة الكاريبي موقعًا طرفيًا نسبيًا على رقعة الشطرنج الجيوسياسية العالمية. وقد اتسم تاريخها بتوازن هش بين الطموحات الإمبريالية للقوى الكبرى وبين حالة عدم الاستقرار السياسي الداخلي الخاصة بها. ويبدو أن هذا النمط يتكرر في مختلف أنحاء المنطقة، على الرغم من تفاوت درجات الاختلاف بين اقتصادات ومجتمعات البلدان الواقعة جنوب ريو غراندي.
شهد القرن العشرون فترة الهيمنة شبه الكاملة وغير المتنازع عليها للولايات المتحدة على القارة. وتحت ذريعة مكافحة الأخطار المفترضة للتهديد الشيوعي، أسفر حضور جارتها الشمالية القوية عن تدخل سياسي واقتصادي مستمر في أنحاء أميركا اللاتينية والكاريبي. وفي هذا السياق، غيّرت سلسلة من الأحداث التي بدت غير مترابطة في ظاهرها ديناميكيات علاقة الولايات المتحدة بالمنطقة تغييرًا جذريًا. فقد أجبر سقوط الاتحاد السوفياتي الولايات المتحدة على إعادة التفكير في مبررات دورها الشرطي على المستوى العالمي. وحلّ الدفاع عن الديمقراطية وحقوق الإنسان محلّ مكافحة الشيوعية بوصفه النموذج الأميركي الرئيسي. ثم جاءت الحرب على الإرهاب، التي أُطلقت بعد هجمات 11 سبتمبر، لتعيد تشكيل العلاقات الدولية للولايات المتحدة بالكامل، وتدفع تركيزها الاستراتيجي أكثر نحو الشرق الأوسط. ومجتمعةً، شكّلت هذه التطورات بداية انسحاب نسبي وظاهري للولايات المتحدة من أميركا اللاتينية والكاريبي.
غير أن التاريخ يعلّمنا أن القوة تزدهر في الفراغ. فقد أدى الصعود العالمي للصين، الساعية منذ مطلع القرن إلى أسواق جديدة وموارد طبيعية، إلى زيادة هجومية في حضور القوة الآسيوية داخل المنطقة. ومن الطبيعي أن يثير ذلك قلق النخبة السياسية الأميركية. وبصرف النظر عن الإدارة الحاكمة، أصبح احتواء النفوذ الصيني أولوية استراتيجية لكل من الجمهوريين والديمقراطيين. ومن المفارقات أن تجسّد هذه المخاوف من التفوق الصيني في منطقة أميركا اللاتينية والكاريبي قد تفاقم خلال قيادة الرئيس الذي اتبع أكثر السياسات الخارجية عدوانية في السنوات الأخيرة.
ولعقود طويلة، لم ينبع كثير من النفوذ العالمي للولايات المتحدة من قوتها العسكرية والاقتصادية فحسب، بل أيضًا من عوامل أكثر خفاءً. فقد شملت هذه العوامل قدرتها الهائلة على تصدير القوة الناعمة، وشبكتها الكثيفة من التحالفات السياسية والاقتصادية، ودورها الذي منحته لنفسها بوصفها المدافع العالمي عن الديمقراطية. وفي هذا الضوء، فإن التحول الجذري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد الرئيس ترامب لا يبدو فقط مناقضًا للمصالح ذاتها التي يسعى إلى الدفاع عنها، بل يكشف أيضًا عن سوء فهم عميق للسياسة العالمية المتغيرة وللقدرات الدبلوماسية والاقتصادية الصينية في أميركا اللاتينية. لقد تطور الإهمال النسبي الذي أبدته الولايات المتحدة تجاه أميركا اللاتينية خلال العقود الثلاثة الماضية، في عهد ترامب، إلى خطاب إقليمي شديد العدوانية. والرسالة الضمنية في ذلك تفيد بأن أميركا اللاتينية لا تقدم شيئًا ذا قيمة سوى مواردها الطبيعية، وأن على حكومات المنطقة أن تُبقي المصالح الأميركية مصونة داخل حدودها. ويُفترض أن يحدث ذلك من دون أي معاملة بالمثل، باستثناء إتاحة الفرصة لها لمواصلة الحكم من دون التهديد بتدخل عسكري أميركي.
أما ما يسمى بعقيدة دونرو، التي وردت معالمها في استراتيجية الأمن القومي الأميركية لعام 2025، فهي تمثل عودة إلى دبلوماسية الزوارق الحربية التي تعود إلى القرن التاسع عشر. فهي تقسم العالم إلى مناطق نفوذ، وتعلن أن أميركا اللاتينية مجال اهتمام حصري للولايات المتحدة. كما أنها تتجاهل بالكامل تطور السياسة العالمية خلال المئة عام الماضية، وتدعو إلى العودة إلى عالم لم يعد موجودًا، ولن يعود في المدى القريب، بسبب الدرجة الهائلة من الترابط التي يشهدها العالم اليوم.
لقد حلّ السعي المحض وراء الموارد الطبيعية والأسواق السياسية المشروطة محلّ الدفاع عن الديمقراطية والرغبة المعلنة في تنمية القارة. وتتحرك استراتيجية ترامب السياسية عمومًا بدافع الغريزة والاندفاع، واستهداف “الأعداء الداخليين” المفترضين، والسعي وراء مكاسب سياسية فورية على حساب الروابط التي بنتها إدارات سابقة على مدى عقود. وفي حين أن الخطاب التحريضي لترامب وطابعه غير المتوقع قد أجهدا بالفعل التحالفات الدولية، فإن آثارهما الضارة الكاملة لن تظهر على الفور؛ بل ستكون تدريجية، وفي نواحٍ كثيرة، غير قابلة للعكس.
وعلى النقيض من ذلك، عززت الصين حضورها الإقليمي خلال العقدين الماضيين عبر استراتيجيات أكثر هدوءًا، لكنها شديدة الفاعلية. صحيح أن استعداد بكين للإسهام في تنمية أميركا اللاتينية ليس بدافع الإيثار، لكنه يقدّم قيمة ملموسة للأطراف المنخرطة. فالتدفق المستمر للاستثمار الأجنبي المباشر، والمساعدات التقنية والاقتصادية للمشروعات الهندسية الكبرى، وإتاحة الوصول إلى القروض من دون الشروط السياسية التي تفرضها الولايات المتحدة أو الاتحاد الأوروبي، كلها عوامل جعلت الصين ثاني أكبر شريك تجاري للمنطقة. ويستمر هذا النمو رغم العوائق النسبية، مثل العجز التجاري العميق لمصلحة الصين، والمخاوف بشأن استدامة مستويات الدين في دول أميركا اللاتينية والكاريبي. وتنظر بكين إلى المنطقة باعتبارها وجهة استراتيجية لصادراتها. وعلى وجه الخصوص، تمثل المكسيك وجزء كبير من أميركا الجنوبية منافذ لفائض الإنتاج في القطاعات التي تعتبرها الحكومة الصينية استراتيجية، مثل السيارات الكهربائية والطاقة النظيفة. ورغم أن هذا النشاط التجاري عزز الناتج المحلي الإجمالي الإقليمي، فإن الطبيعة الاستخراجية لهذا النموذج الاقتصادي وإزاحة الصناعة المحلية أثارتا توترات دبلوماسية. وإدراكًا منها لهذا الانزعاج، التزمت الحكومة الصينية في وثيقة صادرة عام 2025 بالعمل بشكل استباقي على تخفيف هذه الاحتكاكات التجارية. وحده الزمن سيكشف ما إذا كانت هذه النوايا الحسنة ستتحول إلى نتائج سياسية فعلية.
وفي حين تواصل الصين بناء نفوذها عبر الاستخدام الاستراتيجي للقوة الناعمة، فإن “عقيدة دونرو” ستؤدي إلى الأثر المعاكس. فبغض النظر عن القوة العسكرية الأميركية، حققت دبلوماسية الصين ومواردها المالية الضخمة نتائج أفضل بكثير في تأمين مصالحها في أميركا اللاتينية والكاريبي. كما أن الوضع السياسي داخل دول المنطقة منعها من ممارسة ضغط جماعي مشترك. فالطابع الفوضوي والشعبوي للسياسة الداخلية سمة إقليمية متكررة، كما أن ضعف الإطار متعدد الأطراف يعيق العمل الجماعي الفعال. ولذلك، فإن الخيار الأكثر واقعية وفائدة لهذه الدول هو البحث عن بدائل للتعددية من دون التخلي عنها بالكامل. ومن أجل التخفيف من تقلبات الأسعار، قد تصبح آليات مثل مخططات واتفاقات التعاون (مثل أوبك) — بعد إعادة تصميمها للتركيز على الاستقرار بدلًا من السعي وراء الربح — أدوات أساسية لأميركا اللاتينية على المدى القصير والمتوسط. وعلى الرغم من المبادئ العدوانية التي تتضمنها استراتيجية الأمن القومي لعام 2025، فإن الأحداث العالمية الأخيرة، ولا سيما في الشرق الأوسط، صرفت انتباه الولايات المتحدة مجددًا عن أميركا اللاتينية. وقد يكون ذلك في مصلحة المنطقة، إذ يمنحها وقتًا ثمينًا لوضع استراتيجيات سياسية واقتصادية جديدة طويلة الأجل، وتنويع شركائها التجاريين، بحيث يصبح من الأصعب على أي قوة مهيمنة منفردة أن تفرض سيطرتها.
