Down chart graph index. World economy and the crisis could affect the entire globe. Soldiers in shadow of flags. Terrible war between US and Iran. Iran and United States conflict, war crisis and bankruptcy

لماذا تعارض الدول العربية السنية في الشرق الأوسط الضربات العسكرية الأمريكية ضد إيران؟

أولًا: المقدمة

في أواخر ديسمبر 2025، اندلعت احتجاجات واسعة في مختلف أنحاء إيران، مدفوعة بالغضب الشعبي إزاء تفاقم الأزمة الاقتصادية. بدأت المظاهرات بقيادة تجار البازار وأصحاب المتاجر في طهران، لكنها سرعان ما امتدت إلى الجامعات ومدن رئيسية مثل أصفهان وشيراز ومشهد، لتصبح أكبر موجة اضطرابات منذ احتجاجات مهسا أميني عام 2022. ومع مرور الوقت، تجاوزت الحركة المطالب الاقتصادية لتشمل الدعوة إلى الحريات، وفي بعض الحالات إسقاط النظام. وردد المتظاهرون شعارات مناهضة للحكومة مثل “الموت للديكتاتور”.

وردًا على ذلك، ومنذ أواخر ديسمبر 2025، انخرطت قوات الأمن الإيرانية في قمع دموي ضد المحتجين. كما قامت الحكومة الإيرانية بقطع خدمات الإنترنت والهاتف في محاولة لمنع المتظاهرين من التنظيم والتواصل. واتهمت طهران الولايات المتحدة وإسرائيل بتأجيج الاحتجاجات، وهو ما يرى محللون أنه قد يكون تكتيكًا لزيادة استعداد قوات الأمن لاستخدام القوة المميتة ضد المتظاهرين. وذكرت صحيفة صنداي تايمز، استنادًا إلى معلومات من أطباء داخل إيران، أن أكثر من 16,500 شخص قُتلوا وأصيب أكثر من 330,000 خلال الاضطرابات. في المقابل، أعلنت وزارة الداخلية الإيرانية أن عدد القتلى بلغ 3,117 شخصًا.

وتبدو الاحتجاجات الإيرانية، وهي الأكبر في تاريخ الجمهورية الإسلامية الممتد 46 عامًا، وكأنها خمدت مؤقتًا في ظل حملة القمع العنيفة. وقد هدّد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بـ “الضرب بقوة شديدة” إذا تصاعد الوضع في إيران، ما أعاد إثارة المخاوف من احتمال تدخل أمريكي في المنطقة. بل وصف ترامب المرشد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي بـ “الرجل المريض” في مقابلة مع مجلة بوليتيكو في 17 يناير 2026، وقال: “حان الوقت للبحث عن قيادة جديدة في إيران”. ويُعد ذلك أول مرة يدعو فيها ترامب صراحة إلى إنهاء حكم خامنئي.

وعلى الرغم من تهديداته المتكررة بمهاجمة إيران إذا استمر النظام في قتل المحتجين، فقد امتنع ترامب عن اتخاذ أي إجراء عسكري فوري ضد الجمهورية الإسلامية. وبينما أرسلت الولايات المتحدة حاملة الطائرات “يو إس إس أبراهام لينكولن” إلى الشرق الأوسط في 15 يناير 2026، لم يحدد الرئيس ترامب بوضوح ما الذي قد يفعله.

لكن في 28 يناير 2026، نشر ترامب على وسائل التواصل الاجتماعي: “أسطول ضخم يتجه إلى إيران… إنه أسطول أكبر، بقيادة حاملة الطائرات العظيمة أبراهام لينكولن، من ذلك الذي أُرسل إلى فنزويلا. وكما حدث مع فنزويلا، فهو جاهز وراغب وقادر على تنفيذ مهمته بسرعة وبعنف إذا لزم الأمر.” وأضاف أن الوقت ينفد، مطالبًا إيران بالتفاوض فورًا بشأن اتفاق نووي، ومشيرًا إلى أن الهجوم القادم قد يكون أسوأ من هجوم العام الماضي.

غير أن حلفاء الولايات المتحدة في الخليج معروفون بمعارضتهم لمثل هذه الضربات ضد إيران. ففي 14 يناير 2026، لفت عنوان صحيفة نيويورك تايمز “حلفاء ترامب في الخليج لا يريدونه أن يقصف إيران” الأنظار. وقبل ذلك بيوم، ذكرت صحيفة وول ستريت جورنال أن السعودية وقطر وعُمان تمارس ضغوطًا على إدارة ترامب لثنيه عن مهاجمة إيران.

وتشعر هذه الدول السنية منذ زمن طويل بالتهديد من إيران الشيعية. وعلى وجه الخصوص، تُعد السعودية الدولة القيادية في العالم السني، وقد تنافست طويلًا مع إيران، القوة الرئيسية في العالم الشيعي، على الهيمنة الإقليمية في الشرق الأوسط.

وهنا يبرز سؤال مهم: لماذا تعارض الدول العربية السنية، التي لا تنظر بإيجابية إلى إيران، الضربات العسكرية الأمريكية ضدها؟

تتناول هذه الورقة هذا اللغز. فهي تبدأ بتوضيح طبيعة العلاقة بين إيران الشيعية والدول العربية السنية، ثم تبحث في الأسباب التي تدفع هذه الدول إلى معارضة أي ضربات عسكرية أمريكية ضد إيران.

II. العلاقات بين إيران الشيعية والدول العربية السُّنية

عاش المسلمون السُّنة والشيعة معًا بسلام لقرون طويلة. وفي العديد من البلدان أصبح من الشائع أن يتزوج أفراد من الطائفتين من بعضهم البعض وأن يصلّوا في المساجد نفسها. وهم يشتركون في الإيمان بالقرآن الكريم وبأحاديث النبي محمد ﷺ، ويؤدّون صلوات متشابهة، رغم اختلافهم في بعض الشعائر وفي تفسير الشريعة الإسلامية.

تستند الهوية الشيعية إلى شعور بالمظلومية نتيجة مقتل الحسين بن علي، حفيد النبي محمد ﷺ، في القرن السابع الميلادي، وإلى تاريخ طويل من التهميش على يد الطائفة السُّنية التي تُعدّ المذهب الغالب في الإسلام. وكما يوضح الشكل (1)، فإن السُّنة يشكّلون نحو 85% من مجموع المسلمين في العالم، البالغ عددهم حوالي 1.6 مليار نسمة. وقد نظر بعض السُّنة إلى الشيعة بعين الريبة، كما صوّر متطرفون من السُّنة الشيعة على أنهم هراطقة ومرتدون.

916 IMAGE01

الشكل (1): فروع الإسلام (المصدر: مجلس العلاقات الخارجية – CFR)

أعطت الثورة الإسلامية في إيران عام 1979 رجلَ الدين الشيعي آية الله روح الله الخميني الفرصة لتطبيق رؤيته لنظام حكم إسلامي قائم على مبدأ «ولاية الفقيه»، وهو مفهوم مثير للجدل بين علماء الشيعة ومعارض من قبل السُّنة، الذين ميّزوا تاريخيًا بين المرجعية الدينية والقيادة السياسية. وقد اعتُبر آيات الله الشيعة تقليديًا حُماةً للعقيدة. وادّعى الخميني أن على رجال الدين أن يتولّوا الحكم ليؤدّوا وظيفتهم على الوجه الصحيح، أي تطبيق الإسلام كما أراده الله، استنادًا إلى ولاية الأئمة الشيعة. [4]

في ظلّ الخميني، بدأت إيران تجربةً في الحكم الإسلامي. سعى الخميني إلى إلهام نهضة إسلامية أوسع، داعيًا إلى وحدة المسلمين، لكنه في الوقت نفسه دعم جماعات مسلّحة في لبنان والعراق والبحرين وأفغانستان وباكستان ذات أجندات شيعية محددة. وقد أُعجب إسلاميون سُنّة، مثل جماعة الإخوان المسلمين وحركة حماس، بنجاح الخميني، لكنهم لم يقبلوا بقيادته، مما يعكس عمق الشكوك الطائفية.

تتحدّد العلاقة بين إيران الشيعية والدول العربية السُّنية إلى حدٍّ كبير من خلال التنافس الجيوسياسي والصراع الطائفي، ولا سيما بين إيران والمملكة العربية السعودية، ويتجلّى ذلك في صراعات بالوكالة (في سوريا ولبنان واليمن والعراق) وفي التنافس على النفوذ السياسي، وهو تنافس تغذّيه الثورة الإيرانية عام 1979 والفوارق التاريخية بين السُّنة والشيعة. ويجري توظيف السرديات الدينية لتحقيق الهيمنة الإقليمية، عبر دعم أطراف متقابلة في النزاعات الإقليمية والتأثير في السياسات الداخلية لدول مثل سوريا واليمن والبحرين.

فعلى سبيل المثال، سخّرت السعودية وإيران موارد كبيرة لخوض حروب بالوكالة، خصوصًا في سوريا حيث الرهانات مرتفعة. وتراقب السعودية عن كثب أي اضطرابات محتملة في أقاليمها الشرقية الغنية بالنفط، والتي تضم أقلية شيعية، كما نشرت قواتها العسكرية إلى جانب دول خليجية أخرى لقمع انتفاضة ذات غالبية شيعية في البحرين. كذلك شكّلت تحالفًا من عشر دول سُنّية، بدعم من الولايات المتحدة، لمواجهة الحوثيين الشيعة في اليمن. وقد أوقعت الحرب، التي دارت في معظمها عبر الضربات الجوية، خسائر كبيرة في صفوف المدنيين. وقدمت السعودية مئات الملايين من الدولارات دعمًا ماليًا للفصائل السُّنية في سوريا، في حين خصصت إيران مليارات الدولارات كمساعدات وقروض لدعم حكومة بشار الأسد في سوريا، ودرّبت وجهّزت مقاتلين شيعة من لبنان والعراق وأفغانستان للقتال هناك. [5]

يمكن تلخيص العلاقة بين إيران الشيعية والدول العربية السُّنية على النحو الآتي:

أولًا: أبرز الفاعلين في العالمين الشيعي والسُّني:

  • إيران (شيعية): بوصفها دولة ذات غالبية شيعية ونظام ثيوقراطي، تسعى إيران إلى توسيع نفوذها الإقليمي.

  • المملكة العربية السعودية (سُنّية): حليف رئيسي للولايات المتحدة وقائدة للعالم السُّني، وتتبنّى نشر المذهب الوهابي.

  • دول سُنّية أخرى: مثل مصر والإمارات العربية المتحدة والأردن، وتميل عمومًا إلى الاصطفاف مع السعودية في مواجهة إيران.

ثانيًا: أبرز دوافع التوتر بين إيران الشيعية والدول العربية السُّنية:

  • الصراع الجيوسياسي على النفوذ: تتنافس إيران والسعودية على قيادة الشرق الأوسط، وترى كل منهما في الأخرى تهديدًا رئيسيًا.

  • الانقسام الديني (سُنّة مقابل شيعة): يشكّل النظام الثيوقراطي الشيعي في إيران تحديًا للدول ذات القيادة السُّنية، ولا سيما السعودية التي ترى نفسها زعيمة العالم السُّني.

  • الثورة الإيرانية عام 1979: أسست الثورة دولة شيعية ذات طابع ثوري، ما أثار قلق الأنظمة الملكية السُّنية المحافظة وعمّق صراعات النفوذ في المنطقة.

ثالثًا: مظاهر هذا التنافس:

  • الحروب بالوكالة: تدعم إيران جماعات شيعية مسلّحة (مثل الحوثيين في اليمن وحزب الله في لبنان)، بينما تدعم السعودية فصائل وحكومات سُنّية، ما أدى إلى نزاعات في اليمن وسوريا والعراق.

  • الاستقطاب الطائفي: يستخدم الطرفان الخطاب الطائفي لحشد الدعم، في حين تُهمَّش الأقليات الشيعية في بعض الدول السُّنية، مما يزيد من حدة الانقسامات الداخلية.

  • التحالفات الإقليمية: قامت دول سُنّية مثل الإمارات العربية المتحدة والبحرين، في ظل شعورها بتهديد مشترك من إيران، بتطبيع علاقاتها مع إسرائيل من خلال توقيع «اتفاقيات أبراهام» بهدف تعزيز الأمن الإقليمي.

  • ‏III. لماذا تعارض الدول السُّنية، التي لا تنظر بإيجابية إلى إيران، الضربات العسكرية الأمريكية ضد إيران؟

    ‏تعارض الدول السُّنية، مثل المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، توجيه الولايات المتحدة ضربات عسكرية ضد إيران بسبب مخاوفها من هجمات انتقامية محتملة قد تشنّها إيران على أراضيها، وما قد يترتب على ذلك من تداعيات واضطرابات اقتصادية، وعدم الاستقرار الإقليمي، إضافةً إلى القلق من اتساع النفوذ الإسرائيلي. وعلى الرغم من التنافس الجيوسياسي بين إيران الشيعية والدول العربية السُّنية، فإن هذه الدول تعطي الأولوية لأمنها الوطني وتسعى إلى تجنّب اندلاع صراع واسع النطاق قد يدمّر منطقة الخليج.

    ‏1. يتمثل السبب الأول لمعارضة الدول العربية السُّنية للضربات العسكرية الأمريكية على إيران في خشيتها من احتمال تعرّض أراضيها لهجمات انتقامية إيرانية وما يصاحب ذلك من تداعيات اقتصادية خطيرة.

    ‏أ. الخوف من الانتقام

    ‏تخشى الدول ذات الأغلبية السُّنية أنه إذا هاجمت الولايات المتحدة إيران، فإن إيران ستردّ عليها، مما قد يؤدي إلى الإضرار بالبنية التحتية النفطية الحيوية والتسبب في دمار اقتصادي واسع.

    ‏ويتمثل القلق الأساسي قصير المدى لدول الخليج في احتمال قيام إيران بردّ انتقامي يستهدف البنى التحتية الاستراتيجية على أراضيها، بما في ذلك رموز الحكم، ومنشآت إنتاج النفط والغاز، ومحطات تحلية المياه، والقواعد العسكرية، ولا سيما تلك التي تستضيف قوات أمريكية. كما يُعدّ احتمال قيام إيران بتعطيل خطوط الملاحة بالقرب من مضيق هرمز مصدر قلق كبير، إذ يمرّ عبره ما يقارب ربع حركة النفط والغاز العالمية. [6]

    ‏إضافةً إلى ذلك، فإن أي ضرر يلحق بإيران سيؤثر أيضًا في اقتصادات دول الخليج التي تربطها بها علاقات تجارية، ولا سيما الإمارات العربية المتحدة التي تُعدّ الشريك التجاري الرئيسي لإيران في الشرق الأوسط. وقد شكّل الهجوم الإيراني على قطر في يونيو/حزيران 2025 تذكيرًا بمدى هشاشة البنية التحتية في الخليج، رغم ما أُفيد عن تقديم إيران تحذيرًا مسبقًا. وأشارت تقارير إلى أن إيران بعثت رسائل إلى جيرانها في الخليج تحثّهم فيها على إقناع الولايات المتحدة بالامتناع عن مهاجمتها، محذّرةً من أن أي هجوم سيؤدي إلى ردّ انتقامي ضد قواعد عسكرية على أراضيهم. كما قد تلجأ إيران إلى تفعيل وكلائها الإقليميين، من خلال الضغط على الحوثيين ليس فقط لاستهداف إسرائيل، بل أيضًا لاستئناف تعطيل حرية الملاحة في البحر الأحمر وربما تنفيذ ضربات ضد دول الخليج نفسها. [7]

    ‏وعلى خلاف إسرائيل، تقع دول الخليج على مقربة جغرافية شديدة من إيران وتمتلك قدرات عسكرية أكثر محدودية. كما أن معظم سكانها واقتصاداتها وبناها التحتية متركزة على أشرطة ساحلية ضيقة مطلّة على الخليج. وقد اختبرت هذه الدول بشكل مباشر هجوم الطائرات المسيّرة والصواريخ على منشآت أرامكو السعودية عام 2019، واستخلصت درسًا واضحًا مفاده أن حتى الهجوم الإيراني «المحدود» يمكن أن يكون مدمّرًا. وانطلاقًا من هذا الإدراك للتهديد، تشير تقارير إلى أن عدة دول خليجية تعمل على منع توجيه ضربة عسكرية أمريكية لإيران عبر الوساطة وتسهيل الحوار. [8]

    ‏وتعارض دول الخليج الضربة الأمريكية ضد إيران ليس لأنها تعتقد أن هذه الخطوة غير مبرّرة من حيث المبدأ، بل لأنها مقتنعة بأنها ستتحمل التكلفة الفورية المباشرة. وقد يعكس هذا الموقف أيضًا القلق من أن خطط الهجوم لن تحقق النتائج المرجوّة. وبناءً على ذلك، قادت المملكة العربية السعودية، إلى جانب قطر وسلطنة عُمان، جهودًا هادئة لإقناع الولايات المتحدة بتجنّب التدخل العسكري، محذّرةً من أن انهيار النظام أو التصعيد العسكري سيزعزع أسواق النفط ويهدد استقرارها. وتشير التقارير إلى أن السعودية وقطر وعُمان ركزت على منع استخدام خطاب تصعيدي أو اتخاذ خطوات عسكرية قد تؤدي إلى سوء تقدير وتصعيد غير محسوب. إن استهداف دول الخليج باستخدام الطائرات المسيّرة أو الصواريخ أو التخريب البحري أو عبر وكلاء إقليميين يُعدّ خيارًا متاحًا ومألوفًا لإيران.

    ‏ومن منظور دول الخليج، فإن مواجهة مباشرة بين إيران والولايات المتحدة تمثل تهديدًا مباشرًا لاستقرارها الداخلي والاقتصادي والأمني. لذلك تُعدّ الوساطة أداة دفاعية من وجهة نظرها، في محاولة لإبعاد ساحة المواجهة عن أراضي الخليج، حتى وإن لم يُعالج ذلك الأسباب الجذرية للصراع. ومن المحتمل أيضًا أن تكون التقارير بشأن جهود منع الضربة الأمريكية تهدف إلى كسب الوقت لتعزيز الجاهزية الدفاعية بدعم أمريكي، ولا سيما في مواجهة الهجمات الصاروخية. وفي جميع الأحوال، فإن صورة دول الخليج بوصفها معارضة للضربة وساعية لمنعها تخدم مصلحتها في خفض التوتر بينها وبين إيران.

    ‏ب. التداعيات والاضطرابات الاقتصادية

    ‏قد تؤدي مواجهة عنيفة بين إيران ودول الخليج إلى عواقب اقتصادية خطيرة. وقالت بولين رابِه من مركز «ميدل إيست مايندز» البحثي في برلين: «إذا قررت إيران إغلاق طرق التجارة، على سبيل المثال، فإن ذلك سيؤثر بشكل كبير على اقتصادات دول الخليج». [9]

    ‏ويمكن لإيران تعطيل المرور في الخليج العربي عبر إغلاق مضيق هرمز. وأضافت رابِه: «لقد رأينا بالفعل ما يعنيه ذلك للشحن الدولي عندما أطلق الحوثيون، وهم جماعة وكيلة لإيران، النار على سفن في البحر الأحمر»، في إشارة إلى الهجمات على الملاحة التي قال الحوثيون إنها جاءت دعمًا لحماس في غزة. ومثل هذا التطور في الخليج العربي ستكون له، بطبيعة الحال، عواقب اقتصادية هائلة «أولًا على الدول العربية، ثم على الاقتصاد العالمي بأسره»، بحسب رابِه.

916 IMAGE02

الشكل (2): صافي عائدات صادرات النفط لعام 2024

‏سيؤدي الانكماش الاقتصادي الواسع والمعاناة الاقتصادية، والعجوزات الكبيرة في الموازنات، وانخفاض قيمة العملات، إلى أن تكون من بين النتائج الفورية لتراجع هذه الإيرادات، مما قد يُفضي إلى اضطرابات سياسية واجتماعية واسعة النطاق. والمفارقة أن إيران، وهي الدولة الأكثر احتمالًا للتفكير في إغلاق مضيق هرمز، ستتكبد أيضًا تداعيات اقتصادية شديدة. فكما يوضح الشكل (2)، بلغت عائدات إيران من صادرات النفط في عام 2024 نحو 51 مليار دولار. وستتوقف عائداتها النفطية، التي تُعدّ عنصرًا حيويًا ومحركًا أساسيًا لاقتصادها الهش والمتعثر، كما ستتقيّد قدرتها على استيراد السلع الضرورية، مثل المواد الغذائية والمنتجات النفطية المكررة، بشكل كبير، مما قد يفاقم حالة عدم الاستقرار داخل نظامها.

‏وتتمثل الأولوية القصوى لدول الخليج العربية، دون أدنى شك، في ضمان استمرار تصدير نفطها دون انقطاع، ومنع إغلاق مضيق هرمز أو وقوع هجمات على الملاحة في الخليج العربي.

‏وتُظهر بيانات شركتي «كبلر» و«فورتكسا» أنه خلال الأشهر الأخيرة، قامت إيران بتكديس نحو 166 مليون برميل من النفط في مخزون عائم بالقرب من المياه الصينية. وحتى إذا تعطلت عمليات تحميل النفط الإيراني لفترة من الزمن، فإن هذا المخزون قد يتيح استمرار المبيعات إلى الصين لمدة تتراوح بين ثلاثة وأربعة أشهر. وعلى النقيض من ذلك، فإن إغلاق مضيق هرمز أو أي هجوم على ناقلات النفط في الخليج العربي سيكون بالغ الضرر بالمنتجين العرب، لا سيما أن السعودية والإمارات، حتى مع وجود خطوط أنابيب بديلة، لا تستطيعان حماية سوى نحو نصف حجم صادراتهما، في حين لا تمتلك كل من قطر والعراق والكويت والبحرين مسارات تصدير بديلة.

‏كما يشير إيكهارت فويرتس، مدير المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية في هامبورغ، إلى أن دول الخليج حريصة على تجنب أي اضطرابات، إذ تركز حاليًا على عمليات التحول الاقتصادي. وقال لشبكة «دويتشه فيله» الألمانية: «تسعى السعودية إلى إعادة تموضعها اقتصاديًا من خلال رؤيتها 2030، وأي اضطرابات ستكون عائقًا كبيرًا». وينطبق ذلك أيضًا على الصناعات التقليدية، مثل استخراج الموارد الطبيعية، وخاصة النفط. وأضاف فويرتس: «أي حالة من عدم اليقين تضر بهذه الصناعات، لأنها تعتمد على الثقة وسلاسل إمداد فعّالة، وهذان عنصران أساسيان لاقتصادات دول الخليج». [10]

‏2. يتمثل السبب الثاني لمعارضة الدول العربية السُّنية للضربات العسكرية الأمريكية على إيران في مخاوفها من عدم الاستقرار الإقليمي وانعدام الأمن الناتج عن تلك الضربات.

‏أ. عدم الاستقرار الإقليمي وانعدام الأمن:

‏هناك تفضيل واضح للحلول الدبلوماسية من أجل تجنّب اندلاع صراع فوضوي وغير قابل للسيطرة قد يمتد ليشمل الشرق الأوسط بأكمله.

‏وكما أن الضربة الإيرانية ضد أهداف في دول الخليج تمثل تهديدًا ملموسًا، فإن دول الخليج تخشى أيضًا أن تؤدي حملة أمريكية ضد إيران إلى انهيار سريع للنظام في طهران. وهي لا ترى في السقوط السريع للجمهورية الإسلامية نتيجةً مرغوبة، إذ قد يؤدي ذلك إلى حالة واسعة من عدم الاستقرار، بما في ذلك صراعات على الخلافة داخل إيران، وتفكك مؤسسات الحكم، وتمكين جهات متطرفة، واحتمال تدفقات لاجئين، وفوق كل ذلك فقدان جهة واضحة يمكن التعامل معها لإدارة الأزمات.

‏وأشار الدكتور كريم إميل بيطار، المحاضر في دراسات الشرق الأوسط في معهد «سيانس بو» بباريس، إلى أن القيادة السعودية تشعر بقلق خاص إزاء الفوضى والتفكك في إيران، سواء نتيجة انهيار مفاجئ للجمهورية الإسلامية الإيرانية أو نتيجة تغيير للنظام بفعل حرب تقودها الولايات المتحدة. كما أعرب مسؤولون في السعودية عن قلقهم إزاء الأمن الداخلي، بما في ذلك احتمال حدوث اضطرابات بين المجتمعات الشيعية في المنطقة الشرقية من المملكة.

‏«إن أي تصعيد قد يُمكّن الجماعات المتطرفة، ويُشجّع حركات المعارضة في مختلف أنحاء المنطقة، ويُفاقم الاستقطاب الطائفي»، كما أضاف الدكتور بيطار. [11]

‏كما يثير هذا الاضطراب شبح الحركات الانفصالية في المناطق الطرفية من إيران التي تقطنها أقليات عرقية لها تاريخ من النزعات الانفصالية، مثل العرب والأكراد والبلوش.

‏ومن شأن مثل هذه التطورات أن تشكّل مخاطر أمنية حادة لدول مثل باكستان وتركيا. ومن هذا المنظور، لا يكمن الخطر في تفكك إيران داخليًا فحسب، بل في العدوى الإقليمية الأوسع التي قد تترتب على ذلك.

‏وفي المقابل، فإن لدول الخليج مصلحة راسخة في الحفاظ على الاستقرار الإقليمي، حتى وإن استمر ذلك عبر هياكل سلطوية قائمة. ويرى إيكهارت فويرتس، مدير المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية، أن «قادة دول الخليج يفضّلون على ما يبدو الاعتماد على النظام المألوف القائم بدلًا من التعامل مع فصيل جديد غير معروف المحتمل»، رغم تحفظاتهم القوية تجاه النظام الإيراني. [12]

‏وبعبارة مبسطة، فإن معظم الفاعلين الإقليميين ينظرون إلى احتمال التصعيد من منظور تجنّب المخاطر لا من منطلق الاصطفاف الأيديولوجي. فالتقدير السائد لدى قادة معظم دول المنطقة هو أن التصعيد خيار غير عقلاني استراتيجيًا، بينما يُعدّ الحفاظ على الوضع القائم الخيار الأقل خطورة.

‏وخلال السنوات الأخيرة، اتخذت دول الخليج خطوات مهمة لتحسين علاقاتها مع إيران في إطار سياسة تهدئة، وهي سياسة ترى أنها أثبتت فعاليتها. ويشير فويرتس إلى أنهم «لا يريدون تعريض ذلك للخطر».

‏ومن وجهة نظرهم، فإن «الشيطان الذي يعرفونه» أفضل من حالة عدم الاستقرار التي قد تمتد إلى الخليج، وتولّد موجات من اللاجئين، وتعرقل التجارة. كما قد تُعدّ أحداث الربيع العربي نقطة مرجعية، إذ أظهرت أن انهيار الأنظمة لا يؤدي بالضرورة إلى وضوح واستقرار، بل قد يقود إلى اضطرابات طويلة الأمد. [13]

‏إيران فاعل معروف؛ خطوطها الحمراء، وقيودها الداخلية، وأنماط سلوكها الإقليمي مفهومة ومألوفة. أما إيران ما بعد الجمهورية الإسلامية، ولا سيما إذا نشأت من حركة احتجاجية غير موحدة، فقد تكون أقل قابلية للتنبؤ بكثير. إضافةً إلى ذلك، تخشى الملكيات الخليجية ما يُسمى «تأثير العدوى»، أي احتمال أن يؤدي انهيار النظام الإيراني وقيام نظام ديمقراطي ليبرالي بديل إلى إلهام موجات احتجاج في المنطقة (كما كان يمكن أن يحدث عقب احتجاجات عام 2009 في إيران والتطورات اللاحقة للربيع العربي). وأخيرًا، قد يؤدي انهيار النظام الإيراني إلى تحوّل جذري في ميزان القوى الإقليمي وتعزيز كبير لمكانة إسرائيل. فعداء إيران لإسرائيل، حتى على المستوى الخطابي، يساعد في الحفاظ على توازن مألوف في المنطقة.

‏3. يتمثل السبب الثالث لمعارضة الدول السُّنية للضربات العسكرية الأمريكية على إيران في قلقها من اتساع النفوذ الإسرائيلي: فإذا انهارت إيران أو ضعفت، فقد يتعاظم نفوذ إسرائيل المدعومة من الولايات المتحدة بسرعة في الشرق الأوسط، مما قد يشكّل تهديدًا للدول العربية في المنطقة.

‏إن الحكومات العربية التي كانت تتسامح سابقًا مع فكرة تغيير النظام في إيران بقيادة الولايات المتحدة تدعو اليوم إلى ضبط النفس، بعدما باتت ترى أن التوسع الإسرائيلي أصبح التهديد الرئيسي للمنطقة.

‏فقبل بضع سنوات فقط، ربما كانت العديد من الدول العربية، ولا سيما في الخليج، تنظر بإيجابية إلى هجوم أمريكي على إيران يهدف إلى تغيير النظام. فعلى مدى عقود، نظرت هذه الدول إلى إيران بريبة عميقة واعتبرتها في كثير من الأحيان التهديد الرئيسي في المنطقة. لكن الآن، ومع تقارير تفيد بأن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يدرس مثل هذا الهجوم، يسعى القادة العرب، بمن فيهم حكام الخليج الذين لطالما كانت علاقاتهم متوترة مع إيران، إلى الضغط على الإدارة الأمريكية لعدم تنفيذ ضربات عسكرية ضدها.

‏وحتى الحكومات الخليجية التي خاضت صراعات غير مباشرة مع إيران — مثل السعودية، الخصم الإقليمي لإيران — لا تدعم العمل العسكري الأمريكي هناك، وفقًا لمحللين مختصين بالمنطقة.

‏ويرجع ذلك جزئيًا إلى أن الملكيات الخليجية تخشى من أن تؤدي التداعيات المتسلسلة لتصاعد التوترات بين الولايات المتحدة وإيران، أو احتمال انهيار الدولة في إيران، إلى الإضرار بأمنها، وتقويض سمعتها كملاذات آمنة للأعمال والاستثمار والسياحة في المنطقة.

‏كما أن بعض الحكومات الخليجية باتت تنظر إلى إسرائيل، العدو اللدود لإيران، على أنها دولة ذات نزعة تصادمية تسعى إلى الهيمنة على الشرق الأوسط. وهي تعتقد أن إسرائيل قد تشكّل تهديدًا أكبر للاستقرار الإقليمي من إيران التي أُضعفت بالفعل.

1
First published in: World & New World Journal
World & New World Journal Policy Team

World & New World Journal Policy Team

اترك رد