A black barrel of oil on dollar bills and arrow up. Concept of world prices increase for oil, diesel and gasoline.

تأثيرات الضربة الأميركية على جزيرة خرج على أسعار النفط العالمية

أولاً: المقدمة

في 28 فبراير/شباط 2026، نفذت الولايات المتحدة وإسرائيل ضربات عسكرية مشتركة ضد إيران، وأسفرت عن مقتل المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي. ورداً على ذلك، شنت إيران هجمات انتقامية بالطائرات المسيّرة والصواريخ على القواعد العسكرية الأميركية، والأراضي الإسرائيلية، ودول خليجية أخرى. علاوة على ذلك، أصدرت قوات الحرس الثوري الإسلامي (IRGC) في إيران تحذيرات تحظر مرور السفن عبر مضيق هرمز، ما أدى إلى توقف فعلي في حركة الشحن، كما يوضح الشكل 1.

image01 3

الشكل 1: خريطة مضيق هرمز (المصدر: www.drishticuet.com)

تسببت التحذيرات وما أعقبها من هجمات على السفن في تراجع حاد في حركة الملاحة البحرية، إذ انخفضت حركة ناقلات النفط أولاً بنحو 70%، فيما رست أكثر من 150 سفينة خارج المضيق لتجنب المخاطر، ثم ما لبثت حركة المرور أن تراجعت إلى ما يقارب الصفر. وقد أثّر هذا الاضطراب على نحو 20% من الإمدادات النفطية اليومية العالمية، وعلى كميات كبيرة من الغاز الطبيعي المسال، مما دفع كبرى شركات الشحن إلى تعليق عملياتها في المنطقة. وارتفعت أسعار النفط والغاز بشكل حاد، إذ صعد سعر خام برنت إلى 126 دولاراً أميركياً للبرميل في ذروته، وسط مخاوف من استمرار نقص الإمدادات بما قد يدفع الأسعار نحو 100 دولار للبرميل. وقد تجاوزت أسعار النفط الخام 100 دولار للبرميل في 8 مارس/آذار 2026 للمرة الأولى منذ أربع سنوات، ثم تراجعت. غير أنه بعد أن هاجمت إسرائيل حقل غاز بارس الجنوبي في إيران، ثم ردت إيران بمهاجمة المجمع الصناعي في رأس لفان بقطر، قفز سعر خام برنت مجدداً إلى أكثر من 110 دولارات للبرميل في 18 مارس/آذار، ثم انخفض إلى 107.15 دولاراً للبرميل في 19 مارس/آذار. كما تجاوز سعر خام غرب تكساس الوسيط 100 دولار للبرميل أيضاً في 18 مارس/آذار 2026، ثم تراجع إلى 93.61 دولاراً للبرميل في 19 مارس/آذار، كما يبيّن الشكلان 2 و3.

image02 3

الشكل 2: سعر خام برنت، 2026 (المصدر: تريدينغ إيكونوميكس)

image03 3

الشكل 3: سعر خام غرب تكساس الوسيط، 2026 (المصدر: تريدينغ إيكونوميكس)

إن هذا الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز من جانب إيران يرسل موجات صدمة عبر الأسواق العالمية، بما في ذلك أسواق الطاقة.

وتزداد الأمور سوءاً يوماً بعد يوم. فالولايات المتحدة تنظر الآن في توجيه ضربات عسكرية إلى جزيرة خرج الإيرانية أو احتلالها.

كما يوضح الشكل 4، تُعد جزيرة خرج محوراً أساسياً لصادرات إيران النفطية، وبالتالي لاقتصادها. وأي هجوم على بنيتها التحتية في مجال الطاقة قد يترتب عليه أيضاً عواقب خطيرة على أسواق النفط العالمية التي دُفعت بالفعل إلى حافة الأزمة.

وتكمن أهمية جزيرة خرج في دورها بوصفها مركز نظام تصدير النفط الإيراني. فحوالي 90% من صادرات إيران من النفط الخام تغادر البلاد عبر الجزيرة، ويتجه جزء كبير منها إلى الصين وأسواق آسيوية أخرى. ويحذر خبراء الطاقة من أنه إذا شنت الولايات المتحدة ضربات على منشآت الطاقة في جزيرة خرج، فقد يقفز السعر العالمي للنفط الخام إلى أكثر من 150 دولاراً للبرميل. وهنا يبرز سؤال: ما التأثيرات التي ستخلفها الضربات الأميركية على منشآت الطاقة في جزيرة خرج على أسعار النفط العالمية؟

image04 3

الشكل 4: خريطة جزيرة خرج (المصدر: ذا غارديان)

تحاول هذه الورقة الإجابة عن هذا السؤال. وللقيام بذلك، تشرح أولاً لماذا تُعد جزيرة خرج بهذه الدرجة من الأهمية، ثم تصف كيفية رد إيران على الضربات الأميركية التي تستهدف جزيرة خرج. وأخيراً، تبحث هذه الورقة في التأثيرات التي ستخلّفها الضربات الأميركية على منشآت الطاقة في جزيرة خرج على أسعار النفط العالمية.

ثانياً: لماذا تُعد جزيرة خرج مهمة إلى هذا الحد؟

تبلغ مساحة جزيرة خرج نحو ثلث مساحة مانهاتن، وهي مركز حيوي بالغ الأهمية لصناعة الطاقة في البلاد. وتتولى هذه الجزيرة مناولة الغالبية العظمى من صادرات إيران من النفط الخام، كما تمثل حلقة وصل رئيسية بين الحقول النفطية الإيرانية والأسواق العالمية.

وتقع جزيرة خرج على بُعد نحو 15 ميلاً من الساحل الإيراني في الخليج العربي، وتضم موانئ ذات مياه عميقة تتيح لناقلات النفط الكبيرة الرسو وتحميل النفط الخام من أجل التصدير، وهو أمر لا يمكن لجزء كبير من السواحل الإيرانية استيعابه بسهولة.

وتقع جزيرة خرج في شمال الخليج العربي، وهي صغيرة نسبياً، إذ يبلغ طولها نحو 8 كيلومترات، وعرضها بين 4 و5 كيلومترات، لكنها تضم بنية تحتية واسعة تشمل خطوط أنابيب، وخزانات تخزين، ومحطات تحميل بحرية. وقد أنشأتها شركة النفط الأميركية العملاقة أمكو (Amoco)، ثم استولت عليها إيران خلال الثورة الإسلامية عام 1979.

وتلتقي في هذه الجزيرة خطوط الأنابيب القادمة من بعض أكبر الحقول النفطية في إيران، قبل أن يُحمَّل النفط الخام على الناقلات.

ولا تزال صادرات النفط أحد المصادر الرئيسية لإيرادات الحكومة الإيرانية، مما يجعل جزيرة خرج أصلاً بالغ الأهمية.

ويمكن لمحطات الجزيرة تحميل ما يقرب من 1.3 إلى 1.6 مليون برميل من النفط الخام يومياً، مستفيدةً من المياه العميقة التي تسمح لناقلات النفط العملاقة جداً بالرسو.

وبحسب تحليل أجراه بنك جي بي مورغان تشيس، زادت إيران صادراتها من جزيرة خرج إلى مستويات قاربت الأرقام القياسية في الأيام التي سبقت التصعيد الأخير في منطقة الخليج.

وخلال الفترة بين 15 و20 فبراير/شباط، أفادت التقارير بأن الشحنات تجاوزت ثلاثة ملايين برميل يومياً، مما يشير إلى أن إيران ربما كانت تسرّع صادراتها تحسباً لاضطرابات محتملة.

وفي 13 مارس/آذار 2026، قالت الولايات المتحدة إنها استهدفت أهدافاً عسكرية في جزيرة خرج.

وفي منشور على وسائل التواصل الاجتماعي، قال ترامب إن الولايات المتحدة «دمرت بالكامل» الأصول العسكرية هناك.

وحذّر من أنه إذا تدخلت إيران في حركة الشحن في مضيق هرمز، فقد تعيد الولايات المتحدة النظر في قرارها بعدم استهداف البنية التحتية النفطية للجزيرة. [2]

وأفادت وسائل إعلام إيرانية لاحقاً بأن إيران حذّرت من أنها سترد باستهداف البنية التحتية للطاقة المرتبطة بالشركات الأميركية في منطقة الخليج إذا تعرضت منشآتها هي للهجوم.

وقال مياد مالكي، وهو مسؤول سابق في وزارة الخزانة الأميركية ومستشار أول في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، لمجلة تايم: «تُدرّ جزيرة خرج 78 مليار دولار سنوياً من إيرادات الطاقة، مع مراسٍ للمياه العميقة لا يمكن لأي ميناء إيراني آخر أن يحل محلها». [3]

ووفقاً لمالكي، خصصت إيران حصة كبيرة من عائدات صادراتها النفطية للقوات المسلحة، حيث يتولى الجيش فعلياً حيازة البراميل وبيع جزء كبير من النفط بشكل مستقل، في معظمه إلى الصين. وقال مالكي إن هذا يجعل جزيرة خرج ليست فقط العمود الفقري لاقتصاد إيران، بل أيضاً المصدر الرئيسي لإيرادات الجيش.

وقال أمير هاندجاني، الزميل المقيم في معهد كوينسي، لمجلة تايم: «إذا تعرضت جزيرة خرج لهجوم ودُمّرت بنيتها التحتية للطاقة، فإن ذلك سيُخرج 90% من صادرات إيران من النفط الخام من الخدمة». وأضاف: «كما أن ذلك سيدعو إلى رد إيراني واسع النطاق على البنية التحتية للطاقة في الدول العربية المطلة على الخليج العربي، بما يتجاوز ما رأيناه حتى الآن». [4]

وبسبب دورها المحوري في صادرات إيران النفطية، فإن أي تعطيل للعمليات في جزيرة خرج قد تمتد آثاره إلى ما وراء منطقة الخليج، وربما يؤثر في أسواق النفط العالمية وفي حركة الشحن عبر مضيق هرمز، الذي يصل بين الخليج العربي وخليج عُمان.

وتقوم ناقلات النفط بتحميل الخام بانتظام في محطات الجزيرة قبل شحنه إلى المشترين في الخارج، بما في ذلك الصين. وكما يوضح الشكل 5، أظهرت صور الأقمار الصناعية في الأيام الأخيرة عدة ناقلات وهي تحمل النفط الخام في خرج، بحسب شركة الاستخبارات البحرية TankerTrackers.com.

ويذهب جزء كبير من النفط المصدَّر من جزيرة خرج إلى الصين، التي ظلت أحد المشترين الرئيسيين للنفط الخام الإيراني رغم العقوبات الغربية. وتمثل شحنات الطاقة إلى الصين جزءاً مهماً من إيرادات إيران النفطية، وتؤدي دوراً مهماً في تمويل الحكومة الإيرانية.

image05 3

الشكل 5: تُظهر صورةٌ التُقطت بالأقمار الصناعية جزيرة خرج الإيرانية في 11 مارس/آذار، قبل الضربات الأميركية على الجزيرة (المصدر: إيرباص)

ثالثاً: كيف سترد إيران على الضربات الأميركية التي تستهدف منشآت الطاقة في جزيرة خرج؟

لطالما هددت إيران بالرد على الهجمات الأميركية التي تستهدف بنيتها التحتية النفطية عبر مهاجمة المنشآت النفطية في مختلف أنحاء منطقة الخليج، وهو تطور قد يهز أسواق النفط العالمية بدرجة أكبر ويدفع أسعار النفط إلى الارتفاع الحاد.

وإذا تعرضت جزيرة خرج لتهديد خطير، فقد ترد إيران بتصعيد هجماتها عبر شن ضربات بالطائرات المسيّرة أو الصواريخ على البنية التحتية النفطية والغازية في دول الخليج، التي تعرضت بالفعل لهجمات بالطائرات المسيّرة أو الصواريخ.

وقد هاجمت إيران بالفعل خزانات تخزين النفط في عُمان والبحرين، وكذلك مصفاة ميناء الأحمدي في الكويت، كما استهدفت ناقلات النفط وسفن الشحن في الخليج.

ويحذر محللون من أن الأهداف المحتملة قد تشمل خطوط الأنابيب المصممة لتجاوز مضيق هرمز.

وقالت روكايا إبراهيم، الخبيرة الاستراتيجية في شؤون السلع لدى شركة الأبحاث الاستثمارية BCA: «على وجه الخصوص، فإن الهجمات على خط الأنابيب السعودي شرق-غرب، وخط أنابيب النفط الخام في أبوظبي بالإمارات، اللذين يُستخدمان لإعادة توجيه تدفقات النفط المتعطلة بسبب إغلاق مضيق هرمز، ستشكل ضربة كبيرة». [5]

كما رأى فريق أبحاث السلع في بنك جي بي مورغان أنه من المرجح أن يؤدي أي هجوم على جزيرة خرج إلى رد انتقامي في مضيق هرمز أو ضد منشآت الطاقة الرئيسية في المنطقة.

وسلط جي بي مورغان الضوء على عدد من مراكز النفط ذات الأهمية الاستراتيجية التي قد تكون عرضة للخطر، من بينها رأس تنورة في السعودية، ومنشأة المعالجة في بقيق، والفجيرة في الإمارات، كما يوضح الشكلان 6 و7.

image08 3

الشكل 8: أكبر حقل غاز في إيران، بارس الجنوبي، ومجمع رأس لفان الصناعي للغاز في قطر (المصدر: الجزيرة)

كما يمكن للقوات المسلحة الإيرانية أن تواصل استهداف الملاحة في مضيق هرمز باستخدام زوارق صغيرة وسريعة، وطائرات مسيّرة انتحارية، وألغام بحرية.

وقال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي في 14 مارس/آذار 2026 إن بلاده ستهاجم منشآت الشركات الأميركية في الشرق الأوسط إذا جرى استهداف البنية التحتية للطاقة في إيران.

وقال عراقجي، بحسب وكالة تسنيم للأنباء التابعة للحرس الثوري الإسلامي (IRGC): «إذا استُهدفت منشآت الطاقة الإيرانية، فإن قواتنا المسلحة ستستهدف منشآت الشركات الأميركية في المنطقة أو الشركات التي تملك الولايات المتحدة حصصاً فيها». [6]

إضافة إلى ذلك، هدد الجيش الإيراني في 14 مارس/آذار بتوجيه ضربات إلى عدة مدن في دولة الإمارات العربية المتحدة، مدعياً أن الولايات المتحدة استخدمت منشآت فيها لشن هجومها على جزيرة خرج في 13 مارس/آذار.

وقال الحرس الثوري الإسلامي إن الهجوم الأميركي انطلق من «موانئ وأرصفة ومخابئ داخل» مدن إماراتية، من دون أن يحدد أياً منها قد يكون هدفاً محتملاً.

وجاء في البيان، بحسب ما نقلته وسائل الإعلام الرسمية الإيرانية كما أوردت الجزيرة: «يعتبر الحرس الثوري الإسلامي أن من حقه المشروع الدفاع عن سيادته الوطنية وأراضيه من خلال ضرب واستهداف مصدر صواريخ العدو الأميركي في موانئ الشحن والأرصفة ومخابئ الجنود الأميركيين المتمركزين في بعض مدن الإمارات». [7]

وتصاعد الدخان فوق ميناء الفجيرة في دولة الإمارات يوم السبت 14 مارس/آذار، بعد سقوط حطام طائرة مسيّرة جرى اعتراضها على هذا المركز النفطي الرئيسي، بحسب ما أفاد به المكتب الإعلامي في الفجيرة.

وأضاف هاندجاني من معهد كوينسي أن الهجوم اللاحق على ناقلات التخزين في الفجيرة كان «أكثر من مجرد عمل رمزي»، لأن الميناء أُنشئ لتجاوز مضيق هرمز.

وقال هاندجاني لمجلة تايم: «إن إيران تقول بهذا: يمكنني أن أضربكم حتى على الجانب الآخر من المضيق أيضاً». وأضاف: «وهذا أيضاً تحذير لإدارة ترامب. فإذا دمرتم بنيتنا التحتية للطاقة، فسوف نرد بالمثل في دول الخليج».

وقد توسّع إيران، من المحتمل، نطاق هذه الأهداف ليشمل بنى تحتية حيوية مثل محطات تحلية المياه التي توفر مياه الشرب لملايين الأشخاص في أنحاء منطقة الخليج.

First published in: World & New World Journal
World & New World Journal Policy team

World & New World Journal Policy team

اترك رد