1. المقدمة: الأهمية الاستراتيجية للصواريخ
دور الصواريخ في الحروب الحديثة
في الحروب المعاصرة، لم تعد الصواريخ مجرد أسلحة فحسب، بل أصبحت عوامل استراتيجية قادرة على تغيير قواعد اللعبة. فقد أدى التطور الدراماتيكي في قدرات الضربات الدقيقة إلى تغيير جوهري في أساليب إدارة الحروب، إذ بات بالإمكان إصابة الأهداف العسكرية بدقة تصل إلى مستوى السنتيمترات عبر مسافات تتراوح من عشرات إلى مئات الكيلومترات. كما أن الجمع بين تكنولوجيا التخفي وأنظمة التوجيه الدقيق يتيح للقوات تجاوز دفاعات العدو وتوجيه ضربات حاسمة. وتمتاز هذه القدرات بأنها أسرع وأكثر كفاءة من أساليب إسقاط القوة التقليدية، مع تقليل نسبي للمخاطر السياسية والعسكرية، مما يجعلها عنصراً مركزياً في العقيدة العسكرية الحديثة.
ومن منظور الردع، تشكل الصواريخ ركناً أساسياً من أركان الأمن القومي. فقد جعلت نظرية الردع النووي التي تبلورت بعد الحرب العالمية الثانية، مقترنة بتكنولوجيا الصواريخ، من الصواريخ الباليستية العابرة للقارات والغواصية أدوات قصوى لضمان بقاء الدولة. فمن خلال ضمان القدرة على الرد الانتقامي، توفر هذه الصواريخ استقراراً استراتيجياً عبر ردع الهجمات الاستباقية. كما تؤدي الصواريخ التقليدية دوراً فعالاً بوصفها أداة قوة غير متماثلة للدول الأصغر في مواجهة القوى الكبرى، إذ توفر مدى أبعد وقدرة ضرب أكبر في مجالي الدفاع الإقليمي والدفاع الجوي مقارنة بالمدفعية الساحلية أو الطائرات.
وتنبع مكانة الصواريخ بوصفها أسلحة استراتيجية من قدرتها على التأثير في نتائج الصراعات بأكملها، وليس فقط في مجريات المعارك الفردية. فمن خلال تحييد الأهداف العالية القيمة، مثل أنظمة القيادة والسيطرة والاتصالات والحواسيب والاستخبارات لدى العدو، والقواعد الجوية، والموانئ، وخطوط الإمداد في مرحلة مبكرة، تستطيع الصواريخ أن ترسم مسار الحرب بصورة حاسمة. كما أنها تتيح الاستجابة السريعة للأهداف الحساسة زمنياً، مما يسمح بالتحرك السريع ضد منصات الإطلاق المتحركة أو التهديدات الناشئة مثل الجماعات الإرهابية.
ضرورة الصواريخ في البيئة الأمنية لشبه الجزيرة الكورية
تمثل شبه الجزيرة الكورية واحدة من أكثر المناطق تسلحاً وكثافة عسكرية في العالم، مما يجعل القدرات الصاروخية ضرورة أساسية للبقاء وضمان الأمن. ونظراً إلى القيود الجغرافية، ركزت كل من كوريا الجنوبية وكوريا الشمالية على تطوير صواريخ قصيرة ومتوسطة المدى قادرة على ضرب كامل أراضي الطرف الآخر خلال أطر زمنية شديدة القصر. ومع كون سيول وبيونغ يانغ تفصل بينهما مسافة لا تتجاوز 200 كيلومتر، فإن ضيق الوقت المتاح لأنظمة الإنذار المبكر والاعتراض يفرض تطويراً متوازياً لقدرات الضربة الاستباقية وأنظمة الدفاع النشط.
مواجهة التهديد النووي والصاروخي الكوري الشمالي
في مواجهة التهديد النووي والصاروخي الذي تمثله كوريا الشمالية، لم تعد القدرات الصاروخية لكوريا الجنوبية خياراً ممكناً فحسب، بل أصبحت ضرورة لا غنى عنها. فكوريا الشمالية تمتلك مجموعة متنوعة من الصواريخ الباليستية، مثل سكود ونودونغ وموسودان وسلسلة هواسونغ، بمديات مختلفة، كما طورت على نحو متزايد أنظمة أكثر تقدماً، بما في ذلك الصواريخ العاملة بالوقود الصلب، ومركبات إعادة الدخول الانزلاقية، والصواريخ الباليستية المطلقة من الغواصات التي تتمتع بقدرات أفضل على البقاء والاختراق. ومع تزايد احتمال امتلاك أسلحة نووية مصغرة، يتعين على كوريا الجنوبية تعزيز الردع من خلال ضربات دقيقة ضد الأهداف الحيوية. ويشكل كل من نظام الدفاع الجوي والصاروخي الكوري (KAMD) وسلسلة القتل (Kill Chain) ركيزتين أساسيتين لمواجهة هذه التهديدات، غير أن الدفاع وحده لا يكفي لتحقيق ردع كامل، مما يجعل امتلاك قدرات الضربة الانتقامية أمراً أساسياً.
موازنة القوة العسكرية مع الدول المجاورة (الصين وروسيا واليابان)
من منظور توازن القوى العسكري الإقليمي، يُعد تطوير القدرات الصاروخية لكوريا الجنوبية ضرورة استراتيجية. فقد نشرت الصين أعداداً كبيرة من الصواريخ الباليستية متوسطة المدى، مثل DF-21، إضافة إلى صواريخ كروز، بما يتيح لها ممارسة الضغط على البيئة الأمنية الإقليمية. كما قامت روسيا بنشر أنظمة متقدمة مثل صواريخ إسكندر في الشرق الأقصى. أما اليابان، التي تنتقل تدريجياً من الدفاع عن الأسطول إلى امتلاك قدرات هجومية برية، فهي تسعى إلى الحصول على صواريخ بعيدة المدى. ومن دون قدرات صاروخية، ستصبح كوريا الجنوبية عرضة للضغوط العسكرية من الدول المجاورة، وقد تخسر نفوذها الاستراتيجي في المنطقة. كما أن الاعتماد الحصري على الردع الموسع الأميركي قد يتعارض مع أهداف استعادة السيطرة العملياتية في زمن الحرب وتحقيق الدفاع الوطني الذاتي، وهو ما يستلزم امتلاك قدرات دقيقة وعالية السرعة وقادرة على الخداع بما يسمح باختراق أنظمة الدفاع الإقليمية المتقدمة.
رمز الدفاع الذاتي والسيادة التكنولوجية
يمثل تطوير الصواريخ في كوريا الجنوبية أكثر من مجرد تعزيز للقدرات العسكرية؛ فهو يشكل رمزاً للكفاءة التكنولوجية الوطنية وللسيادة. فمنذ إدخال صواريخ نايك-هوك في سبعينيات القرن الماضي، وصولاً إلى النجاح في تطوير الصاروخ الباليستي قصير المدى هيونمو-1 في تسعينيات القرن الماضي، أرست كوريا الجنوبية الأساس لقاعدة مستقلة في تكنولوجيا الصواريخ. ومنذ ذلك الحين، جرى تطوير منظومات متعاقبة بنجاح، من بينها هيونمو-2، وهيونمو-3، وهيونمو-4، وهيونمو-5، ما أتاح تراكم قدرات مستقلة في مجال الضربات الدقيقة، والعمليات بعيدة المدى، والإيصال عالي السرعة، وتكنولوجيا التخفي. وتُظهر هذه الإنجازات القدرة على تجاوز القيود التي يفرضها نظام مراقبة تكنولوجيا الصواريخ من خلال الابتكار المحلي، والجهود المكثفة في البحث والتطوير التي تقودها وكالة تطوير الدفاع والشركات الكورية الجنوبية العاملة في الصناعات الدفاعية.
ومن منظور الدفاع الذاتي، تقلل القدرات الصاروخية من الاعتماد على القوى الخارجية، وتضمن القدرة العملياتية المستقلة في زمن الحرب. ومن العناصر الرئيسية التي تعزز استدامة القتال امتلاك كوريا الجنوبية لأنظمة توجيه محلية قادرة على تنفيذ ضربات دقيقة في ظل التشويش على نظام تحديد المواقع العالمي، وتقنيات القيادة في منتصف المسار المعتمدة على الأقمار الصناعية، والتقنيات الذاتية الخاصة بالوقود الصلب. كما أن الصواريخ الجوالة فرط الصوتية والصواريخ المضادة للغواصات التي طُورت حديثاً قد حسّنت على نحو كبير قدرات الدفاع البحري، واستكملت منظومة ضربات متكاملة مع العقائد العملياتية المشتركة.
ويتجلى مفهوم السيادة التكنولوجية بصورة أوضح في حلقة التغذية الراجعة الإيجابية داخل المنظومة الصناعية الدفاعية. فالتقنيات التي يجري تطويرها ضمن برامج الصواريخ، بما في ذلك المواد الدافعة، والمواد المقاومة لدرجات الحرارة العالية، وأنظمة التوجيه والملاحة، وقدرات الحرب الإلكترونية، يمكن نقلها إلى القطاعات المدنية مثل مركبات الإطلاق الفضائي، والأقمار الصناعية، وصناعات الطيران والفضاء، وصناعة المواد المتقدمة. وهذا يخلق دورة حميدة تفيد الأمن القومي والتنمية الاقتصادية معاً. وإضافة إلى ذلك، تتمتع منظومات التسليح المطورة محلياً بهامش أوسع نسبياً من الحرية بعيداً عن القيود السياسية في المبيعات الدولية، مما يسهم في توسيع صادرات الصناعات الدفاعية وتعزيز العلامة التكنولوجية الوطنية. كما أن نجاح تصدير منظومة الصواريخ أرض-جو الكورية الجنوبية تشونغونغ، وصاروخ هيسونغ الجوال، يبرهن على مصداقية هذه التقنيات.
2. أنواع الصواريخ
قبل مناقشة الصواريخ بالتفصيل، من الضروري التمييز بين وسائل الإطلاق المختلفة: الصاروخ الموجه، والصاروخ غير الموجه، والقذيفة.
القذيفة المدفعية هي مقذوف لا يمتلك وسيلة دفع ذاتية، بل يعتمد على القوة التفجيرية للبارود داخل السبطانة. ومن أبرز قيودها أنه بمجرد إطلاقها لا يمكن تعديل مسارها لمواجهة تأثير الرياح أو غيرها من العوامل. ومع أن القذائف الموجهة قد طُورت في الآونة الأخيرة، فإن القذائف التقليدية بطبيعتها غير موجهة.
أما الصاروخ غير الموجه، فهو مزود بمحرك خاص به، أي محرك صاروخي، يتيح له الطيران بصورة مستقلة، لكنه يفتقر إلى «العقل» أو نظام التوجيه. وهو يندفع بقوة في الاتجاه الذي جرى تصويبه نحوه، لكنه لا يستطيع تصحيح مساره إذا تحرك الهدف أو انحرف خط السير.
أما الصاروخ الموجه، فإنه يجمع بين محرك الصاروخ والقوة التدميرية التي تتجاوز قوة القذيفة، والأهم من ذلك أنه يتضمن نظام توجيه يتكون من حاسوب وباحث. ومن أبرز نقاط قوته قدرته على تعديل مسار طيرانه أثناء التحليق لملاحقة هدف متحرك أو تصحيح تأثير العوامل البيئية مثل الرياح، بما يضمن درجة عالية من الدقة.
وتُصنَّف الصواريخ عموماً على أساس مسار طيرانها، وكذلك وفقاً لموقع الإطلاق وموقع الهدف.
2.1. التصنيف بحسب مسار الطيران
الصاروخ الباليستي هو صاروخ يُدفع بواسطة محرك صاروخي ليغادر الغلاف الجوي، ثم يتبع بعد ذلك مساراً باليستياً قائماً على السقوط الحر مع إجراء التعديلات اللازمة لضرب الهدف. وتمتاز الصواريخ الباليستية بسرعتها الفائقة وقدرتها التدميرية العالية، غير أن مسارها المتوقع يجعلها عرضة للاعتراض.
الشكل 1. أنواع الصواريخ الباليستية ومبادئ عملها
الصاروخ الجوال هو صاروخ يستخدم محركاً نفاثاً للحفاظ على ارتفاع ثابت أثناء الطيران. وعلى الرغم من أنه أبطأ من الصاروخ الباليستي، فإنه يستطيع الطيران على ارتفاع منخفض لتفادي الرادار وتغيير مساره، مما يحقق درجة عالية جداً من الدقة.
الشكل 2. بنية الصواريخ الجوالة ومبادئ عملها
الصاروخ الانزلاقي المعزز هو صاروخ يُطلق أولاً بسرعة كبيرة بواسطة معزز صاروخي إلى ارتفاع عالٍ، ثم تنفصل عنه بعد ذلك مركبة انزلاقية مستقلة تنزلق داخل الغلاف الجوي مع تغيير اتجاهها للوصول إلى الهدف.

الشكل 3. مبادئ عمل الصواريخ الانزلاقية المعززة
2.2. التصنيف بحسب موقع الإطلاق وموقع الهدف
يمكن تصنيف الصواريخ أيضاً وفقاً لموقع الإطلاق والهدف المقصود. فالصواريخ أرض-أرض تُطلق من اليابسة لضرب أهداف برية، ومن أمثلتها سلسلة هيونمو. أما الصواريخ أرض-جو فتُطلق من الأرض لاعتراض الأهداف الجوية، مثل طائرات العدو أو صواريخه، ومن أمثلتها تشونغونغ وL-SAM. وهناك أيضاً الصواريخ أرض-سفينة التي تُنشر على امتداد السواحل لمهاجمة سفن العدو المقتربة، مثل هيسونغ-1. وفي المقابل، توجد الصواريخ جو-أرض التي تُطلق من الطائرات لضرب أهداف برية، مثل تشونريونغ، وكذلك الصواريخ جو-جو التي تُطلق من الطائرات لاستهداف الطائرات المعادية، وهي ما تزال قيد التطوير. كما تشمل هذه الفئة الصواريخ جو-سفينة التي تُطلق من الطائرات لمهاجمة السفن المعادية، وهي أيضاً ما تزال قيد التطوير.
وتشمل التصنيفات كذلك الصواريخ سفينة/غواصة-أرض التي تُطلق من السفن أو الغواصات لضرب أهداف برية، ومن أمثلتها هيسونغ-2 وهيسونغ-3. وهناك أيضاً الصواريخ سفينة-سفينة التي تمثل قدرة هجومية لإغراق سفن العدو، مثل هيسونغ، فضلاً عن الصواريخ سفينة-جو التي تمثل قدرة دفاعية لاعتراض الصواريخ أو الطائرات القادمة، مثل هيغونغ. كما توجد الصواريخ سفينة-غواصة المخصصة لمهاجمة غواصات العدو المختبئة تحت الماء، مثل هونغ-سانغ-أو. أما الصواريخ غواصة-أرض فتشمل الصواريخ الباليستية التي تُطلق من أنابيب الإطلاق العمودي في الغواصات، مثل الصاروخ الباليستي SLBM هيونمو-4.4، حيث ترتفع فوق سطح الماء وتنتقل خارج الغلاف الجوي، وكذلك الصواريخ الجوالة التي تُطلق من الغواصات، مثل SLCM هيسونغ-3، والتي تخرج من الماء ثم تطير مثل طائرة منخفضة الارتفاع. وهناك أيضاً الصواريخ غواصة-سفينة التي تُطلق من تحت الماء ثم تخرج إلى السطح لمهاجمة سفن العدو، وهي لا تزال قيد التطوير.
2.3. المجالات التي لا تزال قيد التطوير أو التي تحتاج إلى تعزيز
فيما يتعلق بالصواريخ جو-جو، اعتمدت كوريا الجنوبية بصورة كاملة على الصواريخ الأميركية الصنع، مثل سايدويندر وأمرام وغيرها. أما حالياً، فتجري أبحاث وتطويرات استكشافية لصواريخ جو-جو قصيرة ومتوسطة المدى محلية الصنع من أجل المقاتلة KF-21.
أما في مجال الصواريخ جو-سفينة، فعلى الرغم من أن التكنولوجيا الكورية الجنوبية في الصواريخ سفينة-سفينة، مثل هيسونغ-1، تُعد بمستوى عالمي، فإن الصواريخ المضادة للسفن بعيدة المدى التي تُطلق من الجو يجري تطويرها حالياً بوصفها جزءاً من منظومات التسليح المحلية للمقاتلة KF-21.
وفيما يخص الصواريخ غواصة-جو، تمتلك كوريا الجنوبية تقنيات متقدمة في الصواريخ الموجهة ضمن أنظمة مثل شينغونغ، وهو نظام دفاع جوي محمول، وهيغونغ، وهو نظام دفاع جوي بحري. ومن الناحية التقنية، يجري تكييف هذه الأنظمة لتصبح قابلة للإطلاق من الغواصات.
أما الصواريخ فرط الصوتية، فهي صواريخ قادرة على الطيران بسرعة تتجاوز خمسة أضعاف سرعة الصوت، ما يجعل اعتراضها بواسطة أنظمة الدفاع الحالية أمراً بالغ الصعوبة. وتسارع كوريا الجنوبية حالياً جهود البحث والتطوير في هذا المجال، بما في ذلك إجراء عروض تقنية واختبارات عملية.


الشكل 4. مفهوم الصواريخ فرط الصوتية والدول العاملة على تطويرها
3. تاريخ تطور الصواريخ في كوريا الجنوبية
3.1. التحدي المنطلق من العدم: مشروع بايكغوم في سبعينيات القرن الماضي
في سبعينيات القرن الماضي، واجهت كوريا الجنوبية تهديداً بالغ الخطورة لبقائها الوطني. فبعد إعلان الولايات المتحدة «مبدأ نيكسون» عام 1969، انسحبت الفرقة الأميركية السابعة للمشاة المتمركزة في كوريا الجنوبية، كما أن مشاهدة سقوط فيتنام خلقت حاجة ملحة لدى البلاد إلى «امتلاك القدرة على الدفاع عن نفسها». وفي هذا السياق المشحون بالإلحاح، انطلقت أول محاولة كورية جنوبية لتطوير الصواريخ، والتي عُرفت باسم مشروع بايكغوم.
في 27 ديسمبر/كانون الأول 1971، سلّم الرئيس بارك تشونغ-هي مذكرة شديدة السرية إلى وكالة تطوير الدفاع. وكان مضمونها الأساسي واضحاً: «طوّروا صاروخاً أرض-أرض بمدى 200 كيلومتر بحلول عام 1975». وفي ذلك الوقت، كانت كوريا الجنوبية بالكاد قادرة على إنتاج البنادق، ولذلك بدا هذا التوجيه أشبه بنسخة حديثة جريئة من فكرة «صنع شيء من لا شيء».
وبعد أبحاث أولية، بدأ المشروع رسمياً في مايو/أيار 1974 تحت عنوان «خطة تعزيز صناعة الطيران». ولتفادي الرقابة من الدول المجاورة ومن الولايات المتحدة، عمل الفريق تحت غطاء مصنع دايجون للآلات. ولأسباب أمنية، أُطلق على المشروع الاسم الرمزي «بايكغوم»، أي «الدب الأبيض».
أما من الناحية التقنية، فقد اختير صاروخ نايك هيركوليز الأميركي أرض-جو نموذجاً يُحتذى به، وذلك بسبب غياب التكنولوجيا الأساسية اللازمة. وجرت إعادة تصميم الصاروخ بالكامل، بما في ذلك المحرك، ونظام التوجيه، والهيكل، لتحويله من صاروخ دفاعي إلى سلاح باليستي هجومي. غير أن تحويل صاروخ دفاعي صُمم لإصابة الطائرات إلى صاروخ هجومي يستهدف أهدافاً أرضية فرض تحديات معقدة في هندسة الأنظمة. ومن منظومة الدفع إلى أنظمة التوجيه، تطلب الأمر تصميم معظم المكونات بشكل مستقل.
وفي مجال تطوير الوقود الدافع، أدى محدودية المعرفة بتكنولوجيا الوقود الصلب إلى اضطرار الفريق إلى الارتجال واستخدام أدوات منزلية، مثل الخلاطات، في التجارب الأولية. وفي مايو/أيار 1975، شكّل نجاح اختبار احتراق محرك يعمل بالوقود الصلب اختراقاً تقنياً حاسماً.
وبعد تجارب عديدة، أُجري في 26 سبتمبر/أيلول 1978 إطلاق اختباري علني تاريخي في موقع آنهونغ للتجارب في مقاطعة تشونغنام. وأمام أنظار الرئيس بارك تشونغ-هي، انطلق صاروخ بايكغوم بزئير قوي وأصاب هدفاً في البحر بدقة على مسافة تقارب 150 كيلومتراً. وبهذا أصبحت كوريا الجنوبية الدولة السابعة في العالم التي تطور صاروخاً باليستياً.
وعلى الرغم من أن صاروخ بايكغوم لم يتمكن من الدخول في الإنتاج الواسع بسبب الضغوط الأميركية القوية وبسبب المبادئ التوجيهية للصواريخ بين الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية لعام 1979، التي حدّت المدى بـ180 كيلومتراً، فإن المشروع أسهم في إعداد كوادر ماهرة وإنشاء بنية تحتية للاختبارات. وقد أصبحت هذه العناصر لاحقاً أساساً حاسماً لسلسلة صواريخ هيونمو، التي غدت رمزاً للقوة النارية الكورية الجنوبية.
[الخط الزمني الموجز]
في ديسمبر/كانون الأول 1971، أصدر الرئيس بارك تشونغ-هي مذكرة شخصية بشأن تطوير الصواريخ. وفي مايو/أيار 1974، انطلق مشروع بايكغوم رسمياً تحت إشراف وكالة تطوير الدفاع. وفي مايو/أيار 1975، تحقق نجاح اختبار احتراق محرك يعمل بالوقود الصلب. وفي سبتمبر/أيلول 1978، جرى الإطلاق الناجح لصاروخ بايكغوم، ليصبح سابع صاروخ باليستي يُطوَّر في العالم. وفي سبتمبر/أيلول 1979، جرى توقيع أول مبادئ توجيهية للصواريخ بين الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية، لتبدأ معها قيود المدى البالغة 180 كيلومتراً.
3.2. التجارب والجمود: قيود المبادئ التوجيهية للصواريخ في ثمانينيات القرن الماضي
في أواخر سبعينيات القرن الماضي، لم تدم طويلاً أصداء الهتافات التي ارتفعت في موقع آنهونغ للتجارب. فقد شكّل نجاح صاروخ بايكغوم في عام 1978، على نحو مفارق، بداية واحدة من أشد المحن قسوة في تاريخ تطوير الصواريخ في كوريا الجنوبية.
وكانت الولايات المتحدة الطرف الأكثر حساسية تجاه نجاح بايكغوم. فقد خشيت واشنطن من أن امتلاك كوريا الجنوبية لقدرات ضرب مستقلة قد يخلّ بالتوازن العسكري في شمال شرق آسيا. ونتيجة لذلك، فرضت الولايات المتحدة قيوداً تكنولوجية صارمة وضغوطاً دبلوماسية مكثفة.
وفي سبتمبر/أيلول 1979، أرسل وزير الدفاع نو جاي-هيون رسالة إلى الولايات المتحدة، جرى بموجبها إرساء أول قيد في تاريخ الصواريخ الكورية الجنوبية، وهو أول المبادئ التوجيهية للصواريخ بين الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية. وقد تحول الالتزام الطوعي الذي نص على أن «المدى يجب ألا يتجاوز 180 كيلومتراً، وألا يتجاوز وزن الرأس الحربي 500 كيلوغرام» إلى حاجز هائل قيد نمو الصواريخ الكورية الجنوبية لعقود طويلة.
وبعد اغتيال الرئيس بارك تشونغ-هي في أكتوبر/تشرين الأول 1979، وصلت الطغمة العسكرية إلى السلطة. وسعياً منها إلى اكتساب الشرعية، أعطى النظام الجديد أولوية لتحسين العلاقات مع الولايات المتحدة، ورأى في برنامج تطوير الصواريخ، الذي كان الأميركيون يعدّونه مشكلة، أول هدف ينبغي تفكيكه.
وفي أغسطس/آب 1980، وتحت ذريعة إصلاح قطاع الدفاع، شهدت وكالة تطوير الدفاع عملية تطهير واسعة النطاق. وفجأة، فقد العلماء الرئيسيون في قسم تطوير الصواريخ الموجهة، وهم أنفسهم الذين أطلقوا بايكغوم إلى السماء، مواقعهم وأُعيدوا إلى منازلهم. كما أُغلقت بيانات الأبحاث بالأختام، وتشتتت العقول التي شكّلت برنامج الصواريخ الكوري الجنوبي. ولم يكن ذلك مجرد إعادة هيكلة تنظيمية، بل كان تدميراً قسرياً لأصل استراتيجي وطني.
وأصبحت أوائل ثمانينيات القرن الماضي بحق «عصراً مظلماً للصواريخ». فصاروخ بايكغوم، الذي كان قد وُلد حديثاً، لم يتمكن من دخول الإنتاج، وبقي راكداً يجمع الغبار في المخازن. وتدهورت البنية التحتية البحثية، واضطر العلماء إلى التحول للعمل في الأجهزة المنزلية أو في تقنيات صناعية أخرى.
وكانت الولايات المتحدة تجري عمليات تفتيش متكررة في كوريا الجنوبية لضمان الالتزام بالمبادئ التوجيهية، فيما اضطر الباحثون إلى كبح طموحاتهم نحو الاستقلال التكنولوجي.
ومع ذلك، لم يستسلم الباحثون رغم توقف تطوير الصواريخ الباليستية. فقد استمرت الأبحاث الأساسية على راجمات الصواريخ المتعددة، مثل غوريونغ، وعلى الصواريخ المضادة للسفن، مما أبقى على الخبرة التقنية حيّة.
وفي أكتوبر/تشرين الأول 1983، وبعد الاستفزازات الكورية الشمالية في حادثة ضريح أونغ سان، أصدر الرئيس تشون دو-هوان أمراً بتطوير نسخة مطورة من بايكغوم بمدى 180 كيلومتراً، وهي النسخة التي أصبحت لاحقاً هيونمو-1.
وهكذا وُلد بايكغوم من جديد. فقد أُعيد إحياء التصاميم القديمة، لكن مع مراعاة الرقابة الأميركية أُطلق على المشروع اسم «هيونمو»، نسبة إلى الحارس الأسطوري للشمال. واجتمع علماء وكالة تطوير الدفاع، الذين كانوا قد تفرقوا في أوائل الثمانينيات، مجدداً، وكرسوا أنفسهم لإعادة بناء التكنولوجيا ليلاً ونهاراً.
وفي أكتوبر/تشرين الأول 1987، ظهر هيونمو-1. وعلى الرغم من أن مظهره الخارجي كان يشبه صاروخ نايك هيركوليز الأميركي وصاروخ بايكغوم السابق، فإن جميع أنظمته الداخلية كانت مطورة محلياً بشكل مستقل.
وقد تحقق آنذاك قفزة تكنولوجية مهمة، إذ جرى توطين أنظمة التوجيه والملاحة بالقصور الذاتي، وهي «عقل» الصاروخ، بنجاح. كما دُمجت تكنولوجيا التحكم الرقمي لتجاوز القيود التناظرية في صاروخ نايك، مما أدى إلى تحسين الدقة بصورة كبيرة.
محطات التطوير:
في عام 1985، اكتمل تطوير صاروخ هيونمو-1 (NHK-2). وفي عام 1986، بدأ الإنتاج الواسع في شركة غومسونغ بريسيجن. وفي عام 1987، دخل هيونمو-1 الخدمة الفعلية.
5) دروس في «السيادة التكنولوجية»
كانت ثمانينيات القرن الماضي بلا شك فترة مؤلمة للباحثين، لكنها لقّنتهم أيضاً درساً حاسماً، وهو أنه من دون الاستقلال التكنولوجي لا يمكن الحفاظ على الأمن القومي ولا على اتساق السياسات. وقد أدى الانقطاع الذي فرضه الضغط الخارجي، على نحو مفارق، إلى تعزيز إصرار العلماء على السعي إلى امتلاك تقنيات صاروخية دقيقة وقوية ومحلية.
[الخط الزمني الموجز]
في عام 1979، وُضعت أول المبادئ التوجيهية للصواريخ بين الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية، مع فرض حد أقصى للمدى يبلغ 180 كيلومتراً. وفي عام 1980، شهدت وكالة تطوير الدفاع تسريحات واسعة وتقليصاً كبيراً في عدد العاملين في مجال الصواريخ الموجهة. وفي عام 1982، جرى تشديد المبادئ التوجيهية للصواريخ، مما زاد من عرقلة التطوير. وفي عام 1983، أدت حادثة ضريح أونغ سان إلى إعادة فتح النقاش بشأن استئناف تطوير الصواريخ. ومنذ منتصف ثمانينيات القرن الماضي، بدأت عملية سرية لإعادة بناء القدرات التكنولوجية تحت مشروع هيونمو. ومنذ تلك الفترة أيضاً، جرى توطين المكونات الأساسية بنجاح، مثل أنظمة التوجيه، والملاحة بالقصور الذاتي، ومنظومات الدفع، مع الالتزام بقيود المدى. وفي عام 1987، دخل هيونمو-1 الخدمة، وكان يشبه من الخارج صاروخي نايك هيركوليز وبايكغوم، لكنه كان محلياً بالكامل من الداخل، مع نظام ملاحة بالقصور الذاتي تناظري جرى تعزيزه جزئياً بتصحيح رقمي لتحسين الدقة.
3.3. بعث هيونمو من جديد: شحذ الخنجر في تسعينيات القرن الماضي
العنوان الفرعي: الغضب الناجم عن هجوم ضريح أونغ سان ودخول هيونمو-1 إلى الخدمة العملياتية
بعد مرحلة الجمود في ثمانينيات القرن الماضي، مثلت تسعينيات القرن الماضي فترة بدأت فيها القدرات الصاروخية لكوريا الجنوبية تتخذ شكل منظومات تسليح عملياتية كاملة. فقد أُعيد تجميع الخبرة التقنية التي كانت قد تشتتت وسط الاضطرابات السياسية، وأصبح الجيش الكوري الجنوبي يمتلك أخيراً «خنجراً» مستقلاً قادراً على توجيه الضربات إلى عمق قلب الخصم.
الدخول في الخدمة والدمج ضمن بنية القوة في أوائل التسعينيات
مع دخول التسعينيات، بدأ إنتاج هيونمو-1 على نطاق واسع. وقد أدخل نشر هيونمو-1 إلى الجيش الكوري الجنوبي مفهوم عمليات الصواريخ، متجاوزاً مجرد اقتناء سلاح جديد. وقد أصبح هذا لاحقاً أساساً لإنشاء قيادة الاستراتيجية الصاروخية التابعة للجيش. وبمدى يبلغ 180 كيلومتراً، كان بوسع هيونمو-1 استهداف المنشآت العسكرية الرئيسية في كوريا الشمالية بدقة عند إطلاقه من قرب المنطقة منزوعة السلاح. وهكذا أصبح أحد أهم القدرات الأساسية للرد على تهديدات المدفعية بعيدة المدى والصواريخ الكورية الشمالية.
أزمة أواخر التسعينيات والقفزة الجديدة في أغسطس/آب 1998
في أواخر تسعينيات القرن الماضي، واجه الجيش الكوري الجنوبي صدمة كبيرة أخرى. ففي أغسطس/آب 1998، أطلقت كوريا الشمالية الصاروخ بعيد المدى تايبودونغ-1، مثبتة قدرتها على التحليق فوق الأرخبيل الياباني. وقد أعاد هذا الحدث إشعال النقاش حول ضرورة مراجعة القيود المفروضة على مدى الصواريخ الكورية الجنوبية.
وأصبح السؤال الاستنكاري القائل: «إذا كان العدو قادراً على الطيران لآلاف الكيلومترات، فلماذا يبقى حدنا 180 كيلومتراً؟» بمثابة الشرارة التي أطلقت حقبة جديدة من تمديد المدى وتطوير الصواريخ الجوالة في العقد الأول من الألفية الجديدة.
التقييم التاريخي: استكمال منظومة صواريخ باليستية مستقلة
إن دخول هيونمو-1 إلى الخدمة العملياتية في تسعينيات القرن الماضي كان إشارة إلى العالم بأن كوريا الجنوبية لم تعد مجرد دولة تستعير الأسلحة الأجنبية أو تجري تعديلات شكلية عليها. فقد كان هذا الإنجاز ثمرة السعي الدؤوب للباحثين نحو الاستقلال التكنولوجي. وأصبح هيونمو-1 الأخ الأكبر لعائلة صواريخ هيونمو التي باتت اليوم بمستوى عالمي، مؤدياً دوره بوصفه الأساس الذي قامت عليه القوة النارية المتقدمة لكوريا الجنوبية.
[الخط الزمني الموجز]
في أوائل تسعينيات القرن الماضي، بدأ نشر هيونمو-1 عملياتياً في الوحدات الميدانية. وفي مايو/أيار 1993، أجرت كوريا الشمالية تجربة إطلاق ناجحة لصاروخ نودونغ-1 الذي يزيد مداه على ألف كيلومتر. وفي يناير/كانون الثاني 1995، بدأت المفاوضات بشأن مراجعة المبادئ التوجيهية للصواريخ بين الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية. وفي يونيو/حزيران 1998، أُجريت اختبارات على أسلحة موجهة دقيقة مضادة للسفن ومضادة للغواصات، بما في ذلك غومسونغ-1 (K-ASROC). وفي أغسطس/آب 1998، أطلقت كوريا الشمالية صاروخ تايبودونغ-1، مما أبرز الحاجة إلى تمديد مدى الصواريخ الكورية الجنوبية. وفي أبريل/نيسان 1999، جرى الإطلاق التجريبي لهيونمو-2 (JDK-G2)، وهو صاروخ باليستي من الجيل التالي بمدى موسع يبلغ 300 كيلومتر.
تأملات في تطور الصواريخ الكورية خلال الفترة من السبعينيات إلى التسعينيات
كانت الفترة الممتدة من سبعينيات القرن الماضي إلى تسعينياته زمناً اتسم في آنٍ واحد بالمحن والمثابرة، وهي أيضاً المرحلة التي وُضعت فيها الأسس الأولى لبرنامج الصواريخ في كوريا الجنوبية. فقد كشفت الانتكاسات التي تعرض لها مشروع بايكغوم عن التحديات العميقة المرتبطة بتحقيق الاستقلال التكنولوجي، في حين أظهر هيونمو-1 أن من الممكن الوصول إلى نتائج عملية حتى في ظل ظروف تقييدية صارمة.
وقد أوضحت المبادئ التوجيهية الأميركية الخاصة بالصواريخ على نحو جلي المعضلة الاستراتيجية التي واجهتها كوريا الجنوبية، والمتمثلة في كيفية التوفيق بين سيادة الأمن القومي وإدارة التحالف. كما أن الخبرة التقنية، والموارد البشرية، والإصرار على تجاوز القيود، التي تراكمت خلال هذه المرحلة، شكلت الأساس الذي انطلقت منه سلسلة هيونمو، بمختلف أجيالها 2 و3 و4 و5، إلى تطور سريع في العقد الأول من الألفية الجديدة.
وكان الدرس الرئيسي في هذه المرحلة المبكرة واضحاً: فالأصول الأمنية الحيوية لا يمكن أن تعتمد كلياً على المصادر الخارجية، وأن الاستثمار المستدام وتطوير التكنولوجيا المحلية هما الوسيلتان الوحيدتان لضمان الأمن القومي على المدى الطويل.
3.4. التطور المتوسط المدى في العقد الأول من الألفية: قفزة في القدرات المحلية
تطوير هيونمو-2A و2B: تجاوز القيود وتطور قدرات الضربة الدقيقة
مع دخول العقد الأول من الألفية الجديدة، دخل تطوير الصواريخ في كوريا الجنوبية مرحلة قفزة نوعية. وكان الصاروخ الباليستي هيونمو-2 في قلب هذا التحول. فإذا كان هيونمو-1 منظومة محدودة تستند إلى التكنولوجيا الأميركية، فإن هيونمو-2 أصبح أول مثال تطبق فيه كوريا الجنوبية التصميم المحلي والتقنيات الأساسية على نطاق كامل.
أما هيونمو-2A، الذي يبلغ مداه نحو 300 كيلومتر، فقد جاء تطويره مباشرة بعد أول تخفيف للمبادئ التوجيهية الأميركية-الكورية الجنوبية الخاصة بالصواريخ في عام 2001، عندما رُفع الحد الأقصى للمدى إلى 300 كيلومتر. وكان الهدف من ذلك هو تأمين قدرة ضاربة استراتيجية تغطي كامل أراضي كوريا الشمالية. ومن الناحية التقنية، استند هذا الصاروخ إلى التصميم ثنائي المراحل العامل بالوقود الصلب في هيونمو-1، لكن جرى إدخال تحسينات على خفة وزن الصاروخ، وعلى أداء المواد الدافعة، وعلى دقة التوجيه بالقصور الذاتي. وقد أتاح ذلك حمل رأس حربي أكبر أو تحقيق دقة أعلى ضمن المدى نفسه، وكل ذلك بفضل التكنولوجيا المحلية ومن دون دعم أميركي.
أما هيونمو-2B، الذي يبلغ مداه نحو 500 كيلومتر، فقد كانت له دلالة خاصة، إذ إن ظهوره العلني في عام 2012 مثّل المرة الأولى التي تمتلك فيها كوريا الجنوبية بصورة مستقلة صاروخاً يبلغ مداه 500 كيلومتر. وقد أتاح ذلك تحقيق ردع شامل في ساحة المعركة، مع القدرة على ضرب المنشآت العسكرية في العمق الخلفي لكوريا الشمالية. واعتمد الوصول إلى هذا المدى الأطول على تعظيم كفاءة الطاقة في المواد الدافعة الصلبة وتحسين التحكم في مسار الطيران. وأصبحت تكنولوجيا الوقود الصلب عالي الأداء، والمحركات الكبيرة المطورة محلياً، أساساً لبرامج تطوير الصواريخ بعيدة المدى اللاحقة.
ولم تقتصر الدلالة الاستراتيجية لسلسلة هيونمو-2 على مجرد زيادة المدى، بل أثبتت هذه السلسلة أن كوريا الجنوبية باتت دولة تمتلك القدرة على تشغيل منظومات ضرب دقيقة. فقد اعتُبرت القدرة على إصابة الأهداف بدقة عاملاً ردعياً موثوقاً في مواجهة المنشآت الكورية الشمالية المحصنة أو الموجودة تحت الأرض، وشكلت بذلك ركناً رئيسياً من أركان استراتيجية الردع الكورية الجنوبية.
تخفيف قيود المدى من 300 كيلومتر إلى 800 كيلومتر: مراجعة المبادئ التوجيهية
شكّل تعديل المبادئ التوجيهية للصواريخ بين الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية في العقد الأول من الألفية الجديدة حدثاً دبلوماسياً واستراتيجياً فاصلاً في مسار تطوير الصواريخ الكورية الجنوبية. فقد جاء أول تخفيف في عام 2001، عندما رُفع الحد الأقصى للمدى إلى 300 كيلومتر. وقد جرى التفاوض حول هذا التعديل استجابة للتهديد الذي مثله صاروخ نودونغ الكوري الشمالي البالغ مداه 1300 كيلومتر، وكذلك في ظل تصاعد الدعوات الداخلية في كوريا الجنوبية إلى تعزيز الدفاع الذاتي. وأسفر هذا التعديل عن تخفيف قيد المدى إلى 300 كيلومتر، مع الإبقاء على حد أقصى لوزن الرأس الحربي يبلغ 500 كيلوغرام، وهو ما وفر الأساس القانوني لتطوير هيونمو-2A. ومع ذلك، ظل القيد الاستراتيجي قائماً، إذ لم يكن بالإمكان تغطية كامل أراضي كوريا الشمالية، ولا سيما مناطقها الشمالية، بصورة كاملة.
ثم جاء التحول الأهم في أكتوبر/تشرين الأول 2012، عندما نجحت كوريا الجنوبية في تعديل المبادئ التوجيهية مرة أخرى لرفع المدى إلى 800 كيلومتر مع الإبقاء على حد الرأس الحربي عند 500 كيلوغرام، وذلك رداً على الاستفزازات الكورية الشمالية المتعلقة بالصواريخ بعيدة المدى. وقد مثّل هذا التعديل نقطة تحول كبيرة، لأنه وسّع المدى الاستراتيجي لكوريا الجنوبية بحيث لم يعد يقتصر على كامل شبه الجزيرة الكورية، بل امتد نظرياً إلى مناطق رئيسية في شمال شرق آسيا، باستثناء بكين وطوكيو. واعتمدت كوريا الجنوبية في استراتيجيتها التفاوضية على إبراز تصاعد التهديد الصاروخي الكوري الشمالي، وربط ذلك أيضاً بمسألة استعادة السيطرة العملياتية في زمن الحرب من الولايات المتحدة، لتبرير حاجتها إلى امتلاك قدرة صاروخية بعيدة المدى خاصة بها.
وفي سبتمبر/أيلول 2017، في عهد إدارة مون جاي-إن، تمكنت كوريا الجنوبية من الحصول على إزالة كاملة لقيود وزن الرأس الحربي. وقد أتاح ذلك مرونة استراتيجية كبيرة، إذ أصبح بالإمكان استخدام رؤوس حربية خفيفة لزيادة المدى إلى أبعد، أو رؤوس حربية أثقل لتدمير المنشآت الموجودة تحت الأرض، بما يعظم هامش المناورة الاستراتيجي لكوريا الجنوبية.
جهود تأمين التكنولوجيا المحلية: بناء قدرة منهجية متكاملة
شهد العقد الأول من الألفية الجديدة تحوّل الإنجازات الدبلوماسية مباشرة إلى قفزات تقنية. فقد سعت كوريا الجنوبية بصورة منهجية إلى امتلاك التقنيات الأساسية اللازمة لتحقيق السيادة الصاروخية الكاملة. وفي مجال تكنولوجيا الدفع، أتاح تطوير هيونمو-2B إنتاج وقود صلب عالي الطاقة محلياً، كما جرى تأسيس القدرة على تصنيع المحركات الصلبة الكبيرة، وهو ما أصبح لاحقاً الأساس لتطوير هيونمو-4. وفي الوقت نفسه، بدأت التكنولوجيا المتراكمة في مجال المحركات العاملة بالوقود السائل، التي جرى اكتسابها من خلال تطوير مركبات الإطلاق الفضائي مثل نارو-1 ومحركات الفئة 75 طناً، تُدرس بوصفها خياراً لصواريخ بعيدة المدى في المستقبل.
أما في مجال أنظمة التوجيه والملاحة والتحكم، فقد جرى تحقيق تقدم ملحوظ من خلال دمج أنظمة الملاحة بالقصور الذاتي عالية الدقة مع تصحيحات نظام تحديد المواقع العالمي، وهو ما أدى إلى خفض هامش الخطأ الدائري المحتمل من عشرات الأمتار إلى بضعة أمتار فقط. كما أن تطوير تكنولوجيا التوجيه النهائي، بما يشمل القدرة على المناورة وتنفيذ الضربات الدقيقة أثناء إعادة الدخول، مهّد الطريق أمام صواريخ هيونمو-3 الجوالة، التي تجمع بين نظام مطابقة التضاريس TERCOM ونظام GPS لتنفيذ ضربات مركزة ضد أهداف برية وبحرية.
وفي ما يتعلق بالبنية التحتية للاختبار والتقييم، جرى توسيع منشآت الاختبار الكبيرة، بما في ذلك موقع آنهونغ للتجارب، كما طُورت أنظمة ذاتية لتحليل بيانات اختبارات الطيران، وهو ما أتاح لكوريا الجنوبية التحقق بصورة مستقلة من أداء صواريخها وتحسينه باستمرار.
أهمية مرحلة التطور في منتصف العقد الأول من الألفية
أرست هذه المرحلة أساساً حاسماً لصعود كوريا الجنوبية بوصفها قوة صاروخية. فقد أدى النجاح المؤكد في التطوير المحلي من خلال سلسلة هيونمو-2 إلى بناء ثقة تقنية كبيرة، كما أن الوصول إلى مدى 800 كيلومتر منح البلاد حرية استراتيجية أوسع بكثير.
ولم يكن نجاح هذه الحقبة إنجازاً تقنياً فحسب، بل كان أيضاً ثمرة التقاء عدة عوامل، من بينها التفاوض الدبلوماسي الناجح لتعديل المبادئ التوجيهية الأميركية الخاصة بالصواريخ، ووجود توافق سياسي داخلي واسع يتجاوز الانقسامات الحزبية حول أولوية الأمن القومي، إلى جانب الاستثمار المنهجي في التكنولوجيا.
ومن خلال ذلك، رسخت كوريا الجنوبية مكانتها بوصفها طرفاً يمتلك قدرة ردع نشطة في البيئة الأمنية لشبه الجزيرة الكورية، ووضعت الأساس للتطورات اللاحقة في الصواريخ الدقيقة، بعيدة المدى، وفرط الصوتية، كما يتجلى في هيونمو-3 وهيونمو-4 وهيونمو-5. وفي المحصلة، مثّل العقد الأول من الألفية المرحلة التي تحررت فيها كوريا الجنوبية من «القيود» الأميركية، وسلحت نفسها بقدراتها الذاتية، لتبدأ بذلك العصر الحديث للدفاع الوطني المستقل.
أدت روسيا دوراً حاسماً بوصفها منصة تقنية انتقالية رفعت القدرات الصاروخية لكوريا الجنوبية إلى مستويات عالمية. ويمكن تلخيص مسار هذا التبادل التكنولوجي الفريد، الذي بدأ في تسعينيات القرن الماضي، على النحو الآتي في صياغة متصلة: فقد بدأ تدفق التكنولوجيا عبر «مشروع الدب» بعد إقامة العلاقات الدبلوماسية بين كوريا الجنوبية والاتحاد السوفياتي عام 1990، حين قدمت سيول قروضاً للتعاون الاقتصادي بقيمة 1.5 مليار دولار. وبعد انهيار الاتحاد السوفياتي، ورثت روسيا هذا الدين لكنها واجهت صعوبات في السداد، فوافقت في نهاية المطاف على تسوية جزء منه عبر توريد معدات عسكرية. ومنذ عام 1995، أتاح «مشروع الدب» استيراد أسلحة روسية بصورة مباشرة، مما منح كوريا الجنوبية فرصة الاطلاع المباشر على تقنيات صاروخية متقدمة.
وترجع جذور منظومة تشونغونغ، التي كثيراً ما توصف بأنها «باتريوت الكوري»، إلى هذا التعاون، إذ جرى تطويرها المشترك استناداً إلى أنظمة الدفاع الجوي الروسية المتقدمة من طرازي S-350 وS-400. كما حصلت كوريا الجنوبية من روسيا على تقنية الإطلاق البارد الفريدة، التي يُقذف فيها الصاروخ عمودياً من أنبوب الإطلاق قبل أن يشتعل محركه في الجو، وهي تقنية استُخدمت لاحقاً في الصواريخ البحرية أرض-جو. كذلك جرى تطوير تقنية التحكم في اتجاه الدفع محلياً عبر التعاون مع روسيا، وهي التقنية التي تتيح للصاروخ تغيير اتجاهه بحدة في الجو باستخدام دافعات جانبية. أما الرادار متعدد الوظائف المثبت على منظومة تشونغونغ، فقد جرى استكماله بدعم تقني من شركة ألماز-أنتي الروسية. وفي ما يتعلق بتصميم هيونمو-2، فإن الصاروخ الباليستي الرئيسي لكوريا الجنوبية يُظهر أوجهاً واضحة من الشبه في الشكل وخصائص الطيران مع صاروخ إسكندر الروسي، متبعاً مساراً تقنياً متقارباً. كما أسهمت الخبرة الروسية بدرجة كبيرة في تطوير خوارزميات الطيران المراوغ، ولا سيما مناورات الارتفاع المفاجئ المعقدة الهادفة إلى تفادي دفاعات العدو الجوية.
وفي مجال الصواريخ الحاملة، وهو امتداد طبيعي لتكنولوجيا الصواريخ العسكرية، استوردت كوريا الجنوبية من روسيا محرك المرحلة الأولى لصاروخ ناروهو (KSLV-I)، ما أتاح لها اكتساب تكنولوجيا المحركات السائلة الكبيرة. كما استوعبت تقنيات روسية أساسية تتعلق بالمواد المركبة المقاومة للحرارة العالية والمضخات التوربينية ذات الضغط المرتفع، وهي عناصر ضرورية للبقاء أثناء إعادة الدخول في الغلاف الجوي أو أثناء الطيران الفرط صوتي، وقد أدى ذلك إلى تحسين متانة الصواريخ بصورة كبيرة. وقد تعاونت روسيا مع كوريا الجنوبية في مجالات لم تكن الولايات المتحدة مستعدة لنقل التكنولوجيا فيها، مما وضع الأساس لتطوير كوريا الجنوبية بصورة مستقلة صواريخ «هائلة» مثل هيونمو-4 وهيونمو-5. وفي المحصلة، فإن التقنيات الروسية الأساسية، حين اقترنت بقدرات كوريا الجنوبية في التطبيق والتصنيع الدقيق، شكلت الأساس الحاسم للمكانة العالمية الفريدة التي بات يحتلها «الصاروخ الكوري» اليوم.
بدأ عصر جديد في تطوير الصواريخ في كوريا الجنوبية رسمياً في مايو/أيار 2021، مع الإنهاء الكامل للمبادئ التوجيهية للصواريخ بين الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية. وقد أنهى هذا التطور جميع القيود المتبقية من اتفاق عام 1979، وأتاح لكوريا الجنوبية أن تحدد بحرية مدى صواريخها ووزن رؤوسها الحربية وفقاً لاحتياجاتها الأمنية الخاصة، وبذلك استعادت سيادتها الاستراتيجية الكاملة.
ويرجع إنهاء هذه المبادئ التوجيهية إلى عدة أسباب مترابطة. أولها التغير النوعي في التهديدات الكورية الشمالية، إذ طورت بيونغ يانغ بسرعة صواريخ باليستية عابرة للقارات، وصواريخ باليستية تطلق من الغواصات، وأسلحة فرط صوتية، مما كشف حدود منطق الردع غير المتماثل الذي كان قائماً سابقاً. وثانيها ازدياد المتطلبات الاستراتيجية لكوريا الجنوبية، إذ باتت الحاجة إلى رؤوس حربية عالية القدرة، تتجاوز زنتها طنين، وصواريخ عالية الأداء، معترفاً بها على نطاق واسع كشرط لازم لضرب الأهداف المحصنة أو الموجودة تحت الأرض، بما في ذلك منشآت القيادة. أما السبب الثالث فتمثل في إعادة التوجيه الاستراتيجي للولايات المتحدة، التي رفعت، في ظل استراتيجية المحيطين الهندي والهادئ، مكانة كوريا الجنوبية بوصفها شريكاً أمنياً رئيسياً، وأيدت تعزيز قدراتها الاستراتيجية.
وكان لإنهاء المبادئ التوجيهية دلالات استراتيجية بعيدة المدى. فقد حصلت كوريا الجنوبية على استقلال استراتيجي فعلي، إذ لم تعد مقيدة بحد المدى البالغ 800 كيلومتر، ما أزال العوائق القانونية والدبلوماسية أمام تطوير صواريخ بعيدة المدى تغطي كامل شمال شرق آسيا. كما جرى إضفاء الطابع الرسمي على قدرة الضرب العميق، إذ برزت الحاجة إلى صواريخ دقيقة وعالية التدمير مثل هيونمو-5، القادرة على تعطيل القدرات العملياتية للخصم قبل أن يتمكن من الرد بصورة كاملة، وهو ما يشكل عنصراً بالغ الأهمية في مفهوم «سلسلة القتل».