Etihad Rail line captured along a Saudi Arabia roadway, showcasing the modern tracks cutting through desert landscapes.19 January 2026 Abu Dhabi Uae. Source: Shutterstock

كيف يمكن للقطارات أن تعيد تشكيل سياسات الخليج العربي والأمن العالمي؟

لقد أوضحت الأزمة في مضيق هرمز، والتوترات الأوسع في البحر الأحمر، والارتفاعات في أسعار النفط التي تسببت فيها هذه الظروف، حقيقة واحدة بوضوح شديد: دول الخليج والأسواق العالمية تعتمد على طرق بحرية معرضة للخطر.

لكن في الوقت الذي يعمل فيه القادة الوطنيون والدبلوماسيون على إعادة فتح الممرات المائية الحيوية التي يمر عبرها جزء كبير من التجارة العالمية، يجري على نحو متدرج تطور آخر في مجال النقل. فمنذ أكثر من ١٥ عامًا، تتعاون ست دول عربية خليجية بهدوء على إنشاء شبكة سكك حديدية، وقد تسارعت وتيرة المشروع مؤخرًا.

ويهدف المشروع إلى تعزيز التكامل الاقتصادي في الخليج وتحسين قدرة المنطقة على الصمود وأمنها. لكن بصفتنا متخصصين في الحوكمة العالمية والاقتصاد السياسي، فإننا نطرح أيضًا سؤالًا آخر: هل يمكن لمشروع سكك حديدية من هذا النوع أن يساعد على إعادة تشكيل السياسة والصراعات في المنطقة؟

ويكتسب هذا السؤال أهمية خاصة في الوقت الراهن، بالنظر إلى أن الحرب بين الولايات المتحدة وإيران أدت إلى اضطرابات شديدة استمرت لأشهر، وإلى توقف شبه كامل لحركة الشحن عبر مضيق هرمز.

وضع التكامل الإقليمي على السكة الصحيحة

لطالما خضعت طرق الدخول إلى منطقة الخليج العربي والخروج منها لتأثير قوى عسكرية خارجية، وكذلك لتنافسات وصراعات إقليمية حادة. وشمل ذلك السيطرة البرتغالية على هرمز خلال جزء من القرنين السادس عشر والسابع عشر، إلى جانب النفوذ البحري والجوي البريطاني والأميركي.

ومنذ تأسيس مجلس التعاون الخليجي عام ١٩٨١، وجه قادة دوله الست — البحرين والكويت وعُمان وقطر والسعودية والإمارات العربية المتحدة — جهودًا نحو تعزيز التكامل الإقليمي. لكن رغم مرور ٤٥ عامًا من القمم والإعلانات المشتركة، ظل التعاون الاقتصادي والسياسي في معظم الأحيان دون مستوى الخطاب المعلن.

وقد أبرزت الحرب الحالية مع إيران الحاجة إلى مزيد من التعاون الخليجي، وربما يكون مشروع «سكة حديد مجلس التعاون الخليجي» الوسيلة التي يمكن من خلالها تحقيق ذلك أخيرًا.

وقد أُعلن المشروع خلال القمة الثلاثين لمجلس التعاون عام ٢٠٠٩، ويهدف إلى إنشاء شبكة سكك حديدية بطول ١٣٥٢ ميلًا، أي نحو ٢١٧٧ كيلومترًا، تربط بين الدول الست الأعضاء في المجلس، بتكلفة متوقعة تبلغ نحو ٢٥٠ مليار دولار أميركي.

وتتضمن الخطة خدمات موحدة لنقل البضائع والركاب، بسرعات تتراوح بين ٨٠ و١٠٠ كيلومتر في الساعة لقطارات الشحن، ونحو ٢٠٠ كيلومتر في الساعة لقطارات الركاب، على أن تكون جميعها مجهزة بتقنيات أوروبية للتحكم في القطارات.

وبعد تقدم بطيء في البداية، كان سببه في الغالب فترات انخفاض أسعار النفط التي أدت إلى تأجيل العديد من الاستثمارات في الدول الغنية بالوقود الأحفوري، قادت الإمارات العربية المتحدة والسعودية تسريع وتيرة المشروع خلال عشرينيات القرن الحالي.

ثم جاءت الحرب مع إيران.

ففي أبريل ٢٠٢٦، اجتمع قادة دول مجلس التعاون الخليجي في جدة بالسعودية، في ظل ضربات إيرانية استهدفت دولًا خليجية وأزمة إغلاق مضيق هرمز.

ودعا قادة الدول المجتمعون إلى تعزيز التعاون الأمني، إلى جانب إنشاء روابط مشتركة لشبكات الكهرباء وخطوط أنابيب النفط بين دول مجلس التعاون.

كما تعهدوا بتسريع أعمال البناء واستكمال مشروع سكة حديد مجلس التعاون الخليجي.

ومع تولي كل دولة من دول المجلس مسؤولية بناء وتشغيل الجزء الواقع داخل أراضيها من المشروع، حققت السعودية والإمارات العربية المتحدة أكبر قدر من التقدم حتى الآن.

سكة حديد مجلس التعاون الخليجي: ربط منطقة الخليج بالقطارات

عند اكتمالها، ستمتد الشبكة من مدينة الكويت إلى مسقط في عُمان.

1076 Image

أطلقت الإمارات العربية المتحدة خدمة «قطار الاتحاد» في يونيو ٢٠٢٦، لنقل الركاب بين أبوظبي والفجيرة. ومن المقرر افتتاح خط متكامل يمتد من خليج عُمان إلى الحدود السعودية بحلول نهاية العام، فيما تتقدم أعمال إنشاء الجزء الرابط بين الإمارات وعُمان بوتيرة جيدة. وفي الوقت نفسه، تمضي قطر والبحرين والكويت في مراحل التخطيط والتصميم الخاصة بأجزاء الشبكة الواقعة داخل أراضيها.

وفي وقت سابق من عام ٢٠٢٦، أشار مدير هيئة سكك حديد مجلس التعاون الخليجي إلى أن المشروع وصل إلى نسبة إنجاز تبلغ ٥٠ في المئة، وأنه يسير وفق الجدول الزمني ليبدأ التشغيل في عام ٢٠٣٠.

مزيد من الروابط مع أوروبا وآسيا

عند اكتمالها، ستنشئ الشبكة أول منظومة سكك حديدية متكاملة وعابرة للحدود في منطقة الخليج، تمتد من الموانئ الواقعة على خليج عُمان إلى مدينة الكويت.

لكن هناك خططًا أكثر تحولًا للتكامل بدأت تتبلور أيضًا.

ويجري حاليًا بحث أو تطوير عدد من الروابط المحتملة مع أوروبا.

ويمكن لسكة حديد مجلس التعاون الخليجي أن تربط خليج عُمان والدول الست الأعضاء في المجلس بأوروبا عبر عدة مسارات محتملة:

  • من الكويت عبر العراق وتركيا.
  • عبر السعودية، مرورًا بالأردن وسوريا وتركيا.
  • عبر السعودية، ثم الأردن، وصولًا إلى ميناء حيفا الإسرائيلي.
  • عبر مشروع «الجسر البري» السعودي إلى موانئ البحر الأحمر، ثم بحرًا عبر قناة السويس.

كما ستربط موانئ سكة حديد مجلس التعاون الخليجي الواقعة على خليج عُمان، بما في ذلك ميناء الفجيرة القائم في الإمارات والمنشآت التي يجري توسيعها في صحار بعُمان، دول الخليج بالأسواق الآسيوية عبر بحر العرب والمحيط الهندي.

وستوفر هذه الشبكة بدائل مهمة لمضيق هرمز خلال فترات الأزمات.

يمكن لسكة حديد مجلس التعاون الخليجي أن تربط الخليج بالعالم الخارجي

ستتيح شبكة السكك الحديدية المتكاملة لدول الخليج الاتصال بالأسواق الأوروبية عبر:

* من الكويت عبر العراق وتركيا.
* عبر السعودية، مرورًا بالأردن وسوريا وتركيا.
* عبر السعودية، ثم الأردن، وصولًا إلى ميناء حيفا الإسرائيلي.
* عبر مشروع «الجسر البري» السعودي إلى موانئ البحر الأحمر، ثم بحرًا.

كما ستتيح الوصول إلى آسيا والأسواق العالمية عبر موانئ الفجيرة وصحار.

1076 Image

تجري بالفعل عدة جهود لتحويل هذه الممرات إلى واقع، وتحظى بدعم استثمارات كبيرة من داخل منطقة الخليج وخارجها.

وتشمل هذه الجهود «الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا»، المدعوم من الهند والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وعدد من دول الخليج العربي؛ ومشروع «الجسر البري» السعودي الممتد من الرياض إلى مدينة جدة على البحر الأحمر، والذي تم بالفعل توقيع عقد تصميمه؛ إضافة إلى «مشروع طريق التنمية» في العراق.

وفي يونيو ٢٠٢٦، وقعت السعودية وتركيا مذكرة تفاهم بشأن الربط بالسكك الحديدية، تتضمن إحياء وتحديث «سكة حديد الحجاز» التي يعود تاريخها إلى أكثر من قرن، بهدف إعادة ربط تركيا بالسعودية عبر الأردن وسوريا.

وتهدف المبادرات الأربع جميعها إلى توسيع روابط السكك الحديدية من دول الخليج باتجاه أوروبا أو البحر المتوسط.

إعادة تشكيل النظام الإقليمي والعالمي؟

غير أن «سكة حديد مجلس التعاون الخليجي» وروابطها المستقبلية لا تمثل مجرد بنية تحتية.

فهي ستربط أيضًا عشرات الملايين من المسافرين عبر الحدود لأغراض الأعمال والسياحة. كما ستجعل شبكة السكك الحديدية من الأسهل على الزوار الدوليين التنقل بين عدة دول خليجية، ما يفتح فرصًا جديدة أمام السياحة الإقليمية.

ويمكن لمثل هذه الروابط أن تدعم الاستقرار السياسي والتنمية أيضًا.

فعلى سبيل المثال، يمتلك «مشروع طريق التنمية» العراقي القدرة على تحويل علاقات دول مجلس التعاون مع العراق من علاقة يهيمن عليها القلق الأمني وانتشار النفوذ الإيراني إلى علاقة تتمحور حول الترابط الاقتصادي والمصالح المشتركة في التنمية.

وبالمثل، قد يؤدي تعميق التكامل بين دول مجلس التعاون إلى زيادة الاستثمارات والنمو الاقتصادي في سوريا ما بعد الحرب الأهلية.

إضافة إلى ذلك، قد توفر شبكات الربط الجديدة فرصًا لتجنب نزاعات مستقبلية بين دول مجلس التعاون، على غرار الحصار الذي فُرض على قطر.

وعلى المدى القصير، من المرجح أن ينظر قادة دول مجلس التعاون إلى تحسين التعاون الاقتصادي والسياسي بوصفه وسيلة لتحقيق توازن في مواجهة إيران.

أما على المدى الطويل، فقد تؤدي آثار المشروع إلى تحسين العلاقات بين إيران ودول مجلس التعاون الخليجي.

روابط قادرة على إحداث تحول محتمل

تاريخيًا، أدت السكك الحديدية أدوارًا تحوّلية في بناء الدول، بما في ذلك الولايات المتحدة وكندا. كما أسهمت في ربط أوروبا، وساعدت على تحديث اليابان بعد الحرب والصين المعاصرة.

ونرى أن أفضل طريقة لفهم مشروع «سكة حديد مجلس التعاون الخليجي» هي وضعه ضمن هذا السياق التاريخي الأوسع. فهو يتجاوز كونه مجرد بنية تحتية مادية، إذ يمثل جهدًا استراتيجيًا مشتركًا لتعزيز قدرة المنطقة على الصمود، وتعميق التكامل الاقتصادي، وتقليل الاعتماد على مضيق هرمز، وترسيخ موقع دول مجلس التعاون بوصفها حلقة وصل بين آسيا والشرق الأوسط وأوروبا.

ولا تستطيع السكك الحديدية منع الحروب أو إنهاء المنافسات الجيوسياسية. لكنها تستطيع، بمرور الوقت، إعادة تشكيل الحوافز والهويات التي تؤثر في السلوك والقرارات.

ومن هذا المنظور، يمكن للسكك الحديدية أن تضع تعاونًا إقليميًا أكثر عمقًا وفاعلية على المسار الصحيح.

First published in: The Conversation Original Source
Stacy D. VanDeveer

Stacy D. VanDeveer

أستاذ الحوكمة العالمية والأمن البشري، جامعة ماساتشوستس بوسطن

Screenshot

Firmesk Rahim

طالب دكتوراه، جامعة ماساتشوستس بوسطن

Leave a Reply