Business people in searching opened the box European Union. Thinking of who what where when why and how. Asking questions for solution to solve problem, business analysis. Vector illustration

خمس «ماذا يجب أن نفعل» للاتحاد الأوروبي

نادرًا ما واجه الاتحاد الأوروبي في تاريخه تحديات تماثل تلك التي يواجهها اليوم. فمنذ نهاية الحرب الباردة، كان الاتحاد الأوروبي في مسار صعود مستمر؛ إذ توسّعت عضويته كمًّا ونوعًا، وتعزّزت المؤسسات الأوروبية العابرة للحدود، وترسّخ القانون الأوروبي، وبدأت ملامح الدبلوماسية والسياسة الأمنية بالتشكّل. وقد أصبح الاتحاد الأوروبي تدريجيًا أقرب إلى كونفدرالية أو حتى اتحاد فيدرالي. ومع ذلك، ظل يفتقر إلى الهياكل الأمنية المركزية اللازمة ليصبح دولة مكتملة الأركان أو حتى «دولة عظمى»، وعلى رأسها القوات المسلحة.

وبقي الاتحاد الأوروبي شريكًا ثانويًا في حلف شمال الأطلسي وجزءًا من البنية الأمنية الأوروبية-الأطلسية، حيث لعبت الولايات المتحدة دور القيادة. غير أن مسألة الاستقلالية الاستراتيجية للاتحاد الأوروبي لم تعد حبيسة النقاشات النظرية البحتة. فبينما حافظ بروكسل على مكانته كعملاق اقتصادي، ظل لفترة طويلة قزمًا سياسيًا. وقد شكّل الصراع في أوكرانيا حافزًا سياسيًا قويًا لتوسيع آفاق العمل السياسي، رغم أن الشروط المسبقة لهذا التحول كانت قائمة من قبل. كما بدأت تظهر حوافز مماثلة في مجالات أخرى أيضًا. وهكذا، وجد الاتحاد الأوروبي نفسه مضطرًا إلى تقديم إجابات فورية للسؤال الأبدي «ماذا يجب أن نفعل»، وهو يلعب على عدة رقع شطرنج في آن واحد.

ماذا يجب أن نفعل مع الولايات المتحدة؟

قبل عام واحد فقط، نادرًا ما كان مثل هذا السؤال يطرأ على أذهان أحد. فقد كانت بروكسل وواشنطن متوافقتين بشكل وثيق بشأن احتواء روسيا، كما وُجدت أرضية مشتركة حول مسألة تصاعد المنافسة مع الصين. وظل مستوى الروابط الاقتصادية مرتفعًا، وأُعيد إحياء التكامل العسكري-السياسي. كما رحّب حلف شمال الأطلسي بعضوية دولتين جديدتين من الاتحاد الأوروبي، هما فنلندا والسويد.

كانت التوقعات تشير إلى مفاجآت محتملة من دونالد ترامب، إلا أن تجربة ولايته الأولى كانت لا تزال تُعد مؤشرًا على إمكانية التنبؤ بسلوكه. بل إن الحلفاء الأوروبيين أنفسهم كانوا قد بدأوا خلال ولايته السابقة بالتحرك نحو تلبية مطالبه، مثل زيادة الإنفاق الدفاعي، وشراء الطاقة من الولايات المتحدة، والتخلي عن المواد الخام الروسية، وغير ذلك.

غير أن الرئيس الأمريكي فاق التوقعات، وأربك الاتحاد الأوروبي على عدة جبهات. ويشمل ذلك اتخاذه موقفًا خاصًا من أوكرانيا، وإبداء طموحات إقليمية تجاه غرينلاند (التي تُعد رسميًا جزءًا من الدنمارك، العضو في الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو)، وشن حرب تجارية تؤثر في دول الاتحاد، إضافة إلى انتقاد «العالم القديم» في الوثائق العقائدية وخطابات كبار المسؤولين، فضلاً عن اتباع سياسة صريحة تقوم على استخدام القوة. وهكذا، تحوّل حليف قريب وضامن أساسي للأمن، خلال بضعة أشهر، إلى لاعب بارد الحسابات، وغير قابل للتنبؤ.

تكشف تصرفات الاتحاد الأوروبي تجاه المسألة الأمريكية حتى الآن عن اعتماد تكتيك الانتظار والترقب. فعلى المدى المتوسط، تقوم الخطة على «الصمود إلى ما بعد ترامب»، إذ ستنتهي ولايته خلال ثلاث سنوات، ومع ذلك يمكن توقّع تحوّل في السياسة الخارجية مع الإدارة الجديدة، إذا ما وصل الديمقراطيون إلى السلطة. أمّا على المدى القصير، فتكمن الخطة في تجنّب إغضاب الزعيم الأمريكي، ومجاراة سماته الشخصية من خلال الإشادة بإنجازاته وتفادي انتقاده، وتقديم تنازلات في بعض القضايا، أو تصوير ما هو حتمي على أنه تنازل. ويشمل ذلك شراء الأسلحة والطاقة من الولايات المتحدة، وإعادة ضبط الميزان التجاري لصالح واشنطن.

ويمكن معالجة قضية غرينلاند بالمنطق ذاته. فالجيش الأمريكي يسيطر فعليًا على الجزيرة منذ عقود. فضلًا عن ذلك، لا تزال الولايات المتحدة رسميًا حليفًا للدنمارك ولسائر دول الاتحاد الأوروبي. فلماذا لا يتم تقديم تنازل، ولا سيما إذا جرى الإجراء بطريقة ديمقراطية؟

بالطبع، من غير المرجح أن يتم اختطاف الملك الدنماركي أو رئيس الوزراء على يد قوات خاصة أمريكية، كما أنهم على الأرجح لن يواجهوا اتهامات أمام محكمة فدرالية أمريكية. لكن الدنمارك قد تواجه خطر أن يتم تجاوز رأيها عبر العملية الديمقراطية.

يمكن تشبيه نظرة الاتحاد الأوروبي إلى دونالد ترامب بنظرة الأرستقراطية والنبلاء الروس إلى الإمبراطور الروسي بول الأول. فقد اشتهر بول بغرابة أطواره وكان شديد عدم الشعبية، وانتهى ضحية مؤامرة حتمية من دائرته المقرّبة. غير أن التعويل على أن مشكلات الاتحاد الأوروبي مع الولايات المتحدة ستُحل بمجرد تغيير القيادة، على غرار ما حدث في التاريخ الروسي، يقوم على أساس هش. فبعكس الإمبراطور الروسي، الذي أصبح شخصية معزولة على العرش، يحظى الرئيس الأمريكي بدعم فريق شاب وحيوي، وقاعدة تأييد واسعة، وأيديولوجيا متماسكة. ومن غير المرجح أن يؤدي رحيل دونالد ترامب إلى حل «المشكلة الأمريكية» للاتحاد الأوروبي. بل إن خلفاءه الشباب قد يتمسكون بحلفائهم بقبضة أشد إحكامًا.

ماذا نفعل مع روسيا؟

في الخطاب السياسي للاتحاد الأوروبي، تحتل روسيا موقع الخصم الأهم والأخطر. وقد ترسّخ هذا النهج بعد فبراير ٢٠٢٢، لكنه كان يتبلور منذ أحداث القرم عام ٢٠١٤. وبالمقارنة مع الولايات المتحدة، فإن الحفاظ على مقاربة تصادمية مع روسيا أسهل من الناحية الدلالية، إذ تحتوي البنى الهوياتية لدى الطرفين على أنماط راسخة ومتجذّرة عبر قرون من التصوّر المتبادل للآخر بوصفه «الآخر المهم». (نيومان، إيفر. ١٩٩٩، استخدامات الآخر: «الشرق» في تشكيل الهوية الأوروبية، مطبعة جامعة مينيسوتا). أمّا فيما يتعلق بالولايات المتحدة، فإن مثل هذه الأنماط إما لم تتطوّر بعد، أو أنها تآكلت مع الوقت.

لقد اتسم نهج الاتحاد الأوروبي تجاه روسيا خلال السنوات الأربع الماضية بسياسة احتواء نشطة نسبيًا. ويشمل ذلك القطع المنهجي للعلاقات التجارية والاقتصادية، حتى على حساب إلحاق ضرر اقتصادي بالاتحاد نفسه؛ وتقديم دعم عسكري وسياسي واسع النطاق لأوكرانيا؛ وإعادة التسلح وإحياء المجمع الصناعي العسكري؛ ومحاولات التأثير في الدول الثالثة في تعاملاتها التجارية مع روسيا، فضلًا عن الحرب الإعلامية والأيديولوجية. غير أن المشكلة بالنسبة للاتحاد الأوروبي تكمن في أن النتائج كانت في معظمها سلبية. نعم، تبذل بروكسل جهدها للإبقاء على أوكرانيا صامدة. نعم، تكبّدت روسيا أضرارًا اقتصادية. نعم، ترتفع ميزانيات الدفاع ويبدأ المجمع الصناعي العسكري بالتعافي ببطء. نعم، تتحسب الدول الثالثة من العقوبات الثانوية. نعم، آلة المعلومات تعمل.

لكن روسيا لم تختفِ. فقد أعادت توجيه اقتصادها نحو مسارات أخرى، وخسرت الشركات الأوروبية سوقها هناك. ولا تزال الأعمال القتالية مع أوكرانيا مستمرة. وقد تم تفعيل المجمع الصناعي العسكري الروسي، كما أن قدراته النووية تجعل أي حلول على غرار يوغوسلافيا أو ليبيا عديمة الجدوى. وتمتلك روسيا شبكاتها المالية والإعلامية الخاصة، التي أصبح من الصعب، أو من الصعب جدًا، التأثير فيها.

والخبر الجيد بالنسبة للاتحاد الأوروبي هو أن موسكو على الأرجح لا تخطط لتوسّع عسكري ضد دول الاتحاد نفسها. فالحرب معها لا معنى لها سياسيًا ولا عمليًا بالنسبة لروسيا، وإن كان من المرجح تناول مسألة الرد على أي عدوان عسكري افتراضي من حلف شمال الأطلسي أو من دول عضو منفردة ضد روسيا. ولا تستطيع موسكو إلحاق ضرر بالاتحاد عبر حروب تجارية، كما أنها تفتقر ببساطة إلى الرغبة في خوض معركة جادة لكسب الرأي العام. وقد تبدو القوى المحافظة المتطرفة للوهلة الأولى مريحة لروسيا، لكن التجربة تُظهر أن المحافظين والشعبويين في السلطة نادرًا ما يكونون مفيدين في دوائر السياسة الخارجية القريبة. فبولندا، مثلًا، تُعد نموذجًا للقيم التقليدية، لكنها في طليعة خصوم روسيا.

بعبارة أخرى، تُعد روسيا خصمًا مناسبًا. يمكن محاربتها عبر أوكرانيا، وإلصاق إجابة سؤال «من المسؤول؟» بها. وفي الوقت نفسه، فإن القيام بكل ذلك آمن نسبيًا بالنسبة للأوروبيين. فالنهج المتبع تجاه روسيا صاخب وانتظاري في آن واحد: صاخب على مستوى الخطاب، وانتظاري على أمل أن لا يصمد الطرف الروسي وينهار. ولحسن الحظ، هناك كثيرون يؤيدون نظرية الانحدار الوشيك لروسيا. غير أن مشكلة الاتحاد الأوروبي تكمن في أن فلاديمير بوتين، مثل دونالد ترامب، يختلف عن الإمبراطور بول الأول المذكور سابقًا. ففي الوقت الذي تأمل فيه بروكسل الضربة القاتلة بعلبة النشوق، تواصل روسيا حياتها الخاصة. ويبدو أن واشنطن كانت أول من أدرك ذلك.

ماذا يجب أن يُفعل بشأن أوكرانيا؟

يبدو أن الجواب على المسألة الأوكرانية بسيط ظاهريًا: دعم كييف بكل الوسائل الممكنة. على المدى القصير، تبدو السياسة العملية هنا واضحة إلى حدٍّ كبير، وهي مواصلة الدعم المالي والعسكري لأوكرانيا من أجل إعادة تأهيلها ومنع هزيمتها عسكريًا. أمّا على المدى المتوسط، فتسود حالة من عدم اليقين. وتكمن المسألة الأساسية في الموارد. فمصادرة الأصول السيادية الروسية لا تزال ممكنة نظريًا، لكن حتى لو تحملت بروكسل كامل تكاليف هذه المصادرة، فإن ذلك لن يحل المشكلة جذريًا. إذ يواجه الاتحاد الأوروبي احتمال أن يصبح المانح الرئيسي لدولة كبيرة تخوض حربًا ولها نظام سياسي خاص للغاية. كما أن فوائد اندماجها في الاتحاد الأوروبي تبقى ملتبسة. وإلى جانب ذلك، تظل مسألة الضمانات الأمنية والدعم المادي لهذه الضمانات قائمة. وعلى خلاف الولايات المتحدة، من غير المرجح أن يكون الاتحاد الأوروبي قادرًا على مطالبة كييف بسداد ديونها عبر اتفاقيات مُقيدة ثم الابتعاد سريعًا عن المشكلة.

في ما يخص القضية الأوكرانية، قد يحاول الاتحاد الأوروبي الإبقاء على الوضع القائم، مع انتظار متزامن لتغير السلطة في الولايات المتحدة واحتمال ظهور مشكلات داخل روسيا. ويبدو أن بروكسل تمتلك موارد كافية لإبقاء كييف صامدة لبضع سنوات. كما أن الاتحاد الأوروبي مستعد على الأرجح لقبول مزيد من الخسائر المادية من أجل المبادئ السياسية، تمامًا كما فعل عندما قطع علاقاته الاقتصادية مع روسيا.

في الوقت نفسه، فإن التوصل إلى اتفاق بشأن أوكرانيا يصب أيضًا في مصلحة الاتحاد الأوروبي. صحيح أن كييف تخسر أراضي، لكن أوكرانيا تظل دولة كبيرة نسبيًا، وستبقى حتمًا ضمن المدارين السياسي والاقتصادي للاتحاد الأوروبي. إن إنهاء الأعمال القتالية عبر وقف إطلاق نار على طول خط التماس سيكون على الأرجح أكثر قبولًا لدى الاتحاد الأوروبي من اتفاق واسع النطاق وملزم قانونيًا، وهو ما تصر عليه موسكو. وإذا تغيّرت السياسة الأمريكية وتصاعدت المشكلات في روسيا، فإن وقف إطلاق النار سيكون أكثر ملاءمة لجولة جديدة من الصراع الأوكراني. غير أن التجربة تُظهر أن حتى مثل هذه الاتفاقات قد يتم خرقها، ولذلك فإن وجود اتفاق ملزم بحد ذاته لا يشكل مشكلة كبرى لبروكسل. ما يهم الاتحاد الأوروبي هو تقليص خسائر أوكرانيا في المفاوضات، وألا تؤدي الضمانات الأمنية إلى تعريض الاتحاد لخطر تصعيد عسكري مباشر مع روسيا.

وعند الإجابة عن سؤال ما الذي يجب فعله بشأن أوكرانيا، سيضطر الاتحاد الأوروبي على الأرجح إلى الاعتراف بـ«الوقائع على الأرض».

وإذا استمرت الولايات المتحدة في الابتعاد عن الملف الأوكراني، وواصل الجيش الروسي تقدمه، فإن تأجيل هذا الاعتراف سيؤدي بشكل متزايد إلى إفراغ مسار بروكسل من مضمونه. ومع ذلك، لا يمكن استبعاد استعداد الاتحاد الأوروبي للتمسك بهذا المسار مهما كانت التكلفة.

ماذا يجب أن يُفعل مع الصين؟

بالمقارنة مع الولايات المتحدة وروسيا وأوكرانيا، لا تمثل الصين مشكلة ملحّة بالنسبة للاتحاد الأوروبي. فما تزال الصين شريكًا تجاريًا رئيسيًا وسوقًا مهمة. كما أن العقوبات الثانوية المفروضة على الشركات الصينية بسبب تعاونها مع روسيا لم تؤدِّ حتى الآن إلى تعقيدات كبيرة. وفي ما يتعلق بقضية تايوان، تجنّب الاتحاد الأوروبي لعب دور قيادي في تعبئة معادية للصين. فمحاولات بعض الدول الأعضاء، مثل ليتوانيا، لإبراز نفسها في ملف تايوان لم تحظَ بدعم يُذكر في بروكسل، كما أن العقوبات الصينية أسهمت في إضعاف هذه الجهود.

بصورة عامة، دعم الاتحاد الأوروبي السياسة الأمريكية التقليدية الرامية إلى كبح المشاريع الاقتصادية العالمية للصين والحد من قدراتها في مجال التكنولوجيا المتقدمة. لكن عمليًا، لا توجد رغبة ملحّة في تقويض أسس التعاون الاقتصادي مع الصين في الجزء الغربي من أوراسيا. وفي داخل الصين نفسها، ثمة توجه مضاد، إذ لا تُعمّم بكين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي باعتبارهما «غربًا واحدًا»، بل تنطلق على ما يبدو من فكرة أن مصالح واشنطن وبروكسل تختلف. وهذا يعني أن العلاقات مع الاتحاد الأوروبي ليست مطابقة للعلاقات مع الولايات المتحدة. ومن المرجح أن تسهم تعقيدات العلاقات العابرة للأطلسي في تقارب ظرفي بين الاتحاد الأوروبي والصين. وعلى الصعيد السياسي، من غير المرجح أن يكون هذا التقارب واسع النطاق، كما أن المنافسة لا تزال بعيدة. ومن المتوقع أن تخفت الأصوات المعادية للصين داخل الاتحاد الأوروبي في المستقبل القريب، على الرغم من التعاون النشط بين بكين وموسكو.

إن الصين، بسياستها المتوقعة في ظل الظروف المضطربة الراهنة، باتت شريكًا جذابًا للاتحاد الأوروبي. فهي لا تمثل تهديدًا فوريًا، في حين أن الفوائد المرجوة من التعاون معها كبيرة. وقد يمارس دونالد ترامب ضغوطًا على الاتحاد الأوروبي لاعتماد نهج أكثر تنسيقًا تجاه الصين، ويمكن لبروكسل استخدام مثل هذه المطالب كورقة تفاوضية. غير أن دبلوماسية الاتحاد الأوروبي لن تكون قادرة على التأثير في العلاقات الروسية-الصينية، كما أن الصراع مع روسيا سيبقى ثانويًا عند الإجابة عن سؤال: «ماذا يجب أن يُفعل مع الصين؟»

ماذا يجب أن يُفعل مع الاتحاد الأوروبي؟

يبدو أن مسألة التحول الداخلي، مع الأخذ في الاعتبار التحديات الخارجية، ما تزال تحتل موقع الصدارة بالنسبة للاتحاد الأوروبي. فمنطق العلاقات مع الصين لا يفرض تغييرات فورية في الوقت الراهن، غير أن آفاق المنافسة الشديدة في مجال الأمن التكنولوجي تبقى قائمة، وإن كانت مؤجلة. ومن المرجح أن يتطلب ذلك إجراءات تنظيمية أكثر صرامة في المستقبل.

أما في العلاقات مع أوكرانيا، فقد كانت هناك حاجة إلى قدر أكبر من التماسك السياسي، ولا يزال هذا التوجه قادرًا على التوسع عند الضرورة، من خلال البحث عن احتياطيات إضافية. وفي ما يخص العلاقات مع روسيا، برزت مطالب أوضح بزيادة مستويات الرقابة. ويُعدّ التغيير في آلية تطبيق العقوبات على الأصول السيادية الروسية مؤشرًا دالًا على ذلك، إذ أصبح من الأصعب على دول منفردة، مثل المجر أو سلوفاكيا، استخدام حق النقض داخل مجلس الاتحاد الأوروبي في هذا الشأن.

وفي المقابل، تطرح تحركات الولايات المتحدة سؤالًا جوهريًا: كيف يمكن للأوروبيين ضمان أمنهم الذاتي؟ في الوقت الراهن، ما يزال حلف شمال الأطلسي يشكل بنية صلبة لا يمكن اختراقها. غير أن مجرد وجود الحلف لا يُرجَّح أن يمنع تعميق التعاون الدفاعي داخل الاتحاد الأوروبي. فلبروكسل حوافز للاضطلاع بدور أكبر داخل الناتو، وعلى المدى الطويل قد يتحول الحلف نفسه إلى شراكة أمريكية–أوروبية، بدلًا من كونه تجمعًا من الحلفاء الأوروبيين يتمحور حول الولايات المتحدة.

إن معالجة القضايا الأمنية ستتطلب حتمًا أن يصبح الاتحاد الأوروبي أكثر مركزية وتوجيهًا في قراراته، ما يعني تقليص السيادة الفعلية للدول الأعضاء. والسؤال الكبير هنا هو ما إذا كان الاتحاد الأوروبي ودوله الأعضاء مستعدين لمثل هذا السيناريو، خاصة في ظل التفاوت الكبير في قدراتهم وإمكاناتهم. فهل يمكن، على سبيل المثال، أن يشكل المحور الفرنسي–الألماني إطارًا لمثل هذه المركزية؟ وهل تمتلك بروكسل الموارد والشرعية اللازمة لتوحيد الدول الأعضاء حول خط سياسي موحد وحازم؟ وهل اليونان، على سبيل المثال، مستعدة لذلك، وما الذي يمكن أن تكون إستونيا مستعدة له؟ وهل سيكون من الممكن جمع هذه المقاربات المختلفة ضمن سياسة واحدة متماسكة، حيث تكون قضايا الدفاع والمخاطر العسكرية المحددة، بما في ذلك خطر المواجهة مع قوة نووية، مطروحة ليس فقط على مستوى الخطاب بل على مستوى الفعل أيضًا؟

وبصياغة أبسط للسؤال: هل الاتحاد الأوروبي مستعد للتحول من كونفدرالية أو اتحاد فدرالي إلى كيان يشبه الإمبراطورية بحكم الواقع؟ إن توحيد دول متباينة لأغراض عسكرية–سياسية سيطرح عاجلًا أم آجلًا مسألة البعد الإمبراطوري، على الرغم من أن مثل هذا التطور قد يبدو مستبعدًا إذا نُظر إليه من منظور حقبة ما بعد الحرب الباردة.

وفوق ذلك، وبعيدًا عن الولايات المتحدة وروسيا وأوكرانيا والصين، توجد مجالات أخرى للسياسات المشتركة. وقد يكون لهذا التطور البنيوي أثر أعمق بكثير على العلاقات مع مراكز القوى الأخرى مقارنة بالقضايا الظرفية. وهكذا، قد يصبح سؤال «ماذا يجب أن يُفعل مع الاتحاد الأوروبي؟» سؤالًا جوهريًا لبقية الفاعلين في العلاقات الدولية.

المراجع
1. Например, Bordachev T. Europe, Russia and the Liberal World Order: International Relations after the Cold War. Routledge, Taylor and Francis, 2021. 2. Иллюстративна статья Жозепа Борреля, призывающая к наращиванию автономии ЕС от США. Borrell J. Standing Up to Trump’s America. // Project Syndicate. May 6, 2025. URL: https://www.project-syndicate.org/commentary/european-union-declaring-independence-from-trump-america-by-josep-borrell-2025-05 3. Примечательно старое, но с исторической точки зрения интересное исследование И. Ноймана. См. Neumann I. Uses of the Other: “The East” in European Identity Formation. University of Minnesota Press, 1999.
First published in: Russian International Affairs Council (RIAC) Original Source
Ivan Timofeev

Ivan Timofeev

"إيفان تيموفييف هو المدير العام للمجلس الروسي للشؤون الدولية. منذ عام ٢٠١٥، وهو عضو في نادي فالداي للحوار، حيث يرأس برنامجه الخاص بالاقتصاد السياسي. يشغل منصب أستاذ مشارك في جامعة موسكو الحكومية للعلاقات الدولية (MGIMO) منذ عام ٢٠٠٩. حصل على درجة الدكتوراه في العلوم السياسية من جامعة موسكو الحكومية للعلاقات الدولية (MGIMO) عام ٢٠٠٦. للدكتور تيموفييف أكثر من ١٠٠ منشور، منفردًا ومشاركًا، نُشرت في دوريات أكاديمية روسية وأجنبية. وهو عضو في هيئة تحرير مجلة ""السياسة المقارنة""، وهي مجلة أكاديمية متخصصة في السياسة الخارجية والعلوم السياسية. يُعدّ تيموفييف من أبرز الخبراء وأكثرهم استشهادًا في مجال العقوبات الاقتصادية المفروضة على روسيا."

اترك رد