Digital transformation technology, IoT, internet of things. Businesswoman with laptop holding DIgital icons on virtual screen.Source: Shutterstock

هل يستطيع الذكاء الاصطناعي سد الفجوة بين الجنسين في دول جنوب البحر الأبيض المتوسط؟

 

يشهد الذكاء الاصطناعي تحولًا متسارعًا في طريقة عمل الاقتصادات وإدارة الخدمات العامة وإنتاج المعرفة، حتى أصبح أحد أهم محركات التنمية في العالم. وفي دول جنوب البحر الأبيض المتوسط، التي تسعى إلى تسريع التحول الرقمي وتعزيز اقتصاد المعرفة، يطرح هذا التحول سؤالًا أساسيًا: هل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يصبح أداة لتقليص الفجوة بين الجنسين، أم أنه قد يعيد إنتاج أشكال جديدة من عدم المساواة؟

تشترك دول جنوب البحر الأبيض المتوسط، وهي المغرب والجزائر وتونس وليبيا ومصر والأردن ولبنان وفلسطين، في تحديات وفرص متشابهة على صعيد التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي. ورغم تفاوت سياساتها الوطنية ومستويات الاستثمار في التكنولوجيا، فإنها تواجه جميعًا تحديًا مشتركًا يتمثل في توسيع مشاركة النساء في الاقتصاد الرقمي، بما يضمن لهن دورًا أكبر في تطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي والاستفادة من فرصها الاقتصادية والاجتماعية.

ولا يتعلق هذا السؤال بالتكنولوجيا وحدها، بل بقدرة النساء على الوصول إلى المهارات الرقمية، والمشاركة في البحث العلمي، والحصول على التمويل، والمساهمة في تطوير حلول الذكاء الاصطناعي. وتشير التجارب الدولية إلى أن التكنولوجيا ليست محايدة بطبيعتها، بل تعكس البيئة التي تُطوَّر فيها. ولذلك، فإن نجاح التحول الرقمي في دول جنوب البحر الأبيض المتوسط لن يقاس بعدد التطبيقات أو مراكز البيانات فقط، وإنما بمدى قدرة النساء على المشاركة في صناعتها والاستفادة من فرصها.

الفجوة الرقمية… نقطة البداية

قبل الحديث عن الذكاء الاصطناعي، تكشف المؤشرات أن الفجوة تبدأ من الوصول إلى العالم الرقمي نفسه. فوفقًا لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، استنادًا إلى بيانات الاتحاد الدولي للاتصالات (ITU)، تستخدم “39% فقط من النساء” الإنترنت في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، مقابل “48% من الرجال”. ويعني ذلك أن ملايين النساء ما زلن خارج الاقتصاد الرقمي، وهو ما ينعكس لاحقًا على فرص التعلم والعمل والوصول إلى الخدمات الرقمية.

ولا تقتصر الفجوة الرقمية على النوع الاجتماعي، بل تتداخل مع عوامل جغرافية واقتصادية واجتماعية وثقافية. ففي المنطقة العربية، لا تتجاوز تغطية شبكات الجيل الرابع 44% في المناطق الريفية، مقارنة بـ76% في المناطق الحضرية، وهو تفاوت يؤثر بصورة أكبر على النساء، لأن ضعف البنية التحتية الرقمية يحد من فرص اكتساب المهارات التقنية، والعمل عن بُعد، والاستفادة من منصات التعليم الرقمي، خاصة في المناطق الأقل حظًا.

ولا يقف الأمر عند حدود البنية التحتية، إذ تمثل تكلفة الأجهزة الذكية وخدمات الاتصال عائقًا أمام كثير من النساء، خاصة في الأسر ذات الدخل المحدود. كما أن بعض الأعراف الاجتماعية لا تزال تحد من وصول النساء والفتيات إلى التكنولوجيا أو تشجعهن بدرجة أقل على التوجه نحو التخصصات الرقمية. ويضاف إلى ذلك محدودية برامج محو الأمية الرقمية الموجهة للنساء، إلى جانب المخاوف المرتبطة بالعنف والتحرش عبر الإنترنت، وهي عوامل تجعل الفجوة الرقمية أكثر تعقيدًا من مجرد نقص في الاتصال بالإنترنت، وتؤثر مباشرة في فرص المشاركة في الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي.

وتشير تجارب عدد من دول جنوب البحر الأبيض المتوسط إلى أن تقليص هذه الفجوة يتطلب سياسات عملية تتجاوز توسيع البنية التحتية الرقمية، لتشمل برامج وطنية لمحو الأمية الرقمية، وتوفير اتصال ميسور التكلفة، وتعزيز وصول النساء والفتيات إلى التعليم الرقمي منذ المراحل الدراسية الأولى، باعتبارها الخطوة الأساسية نحو المشاركة في اقتصاد الذكاء الاصطناعي.

من البحث العلمي إلى اقتصاد الذكاء الاصطناعي

رغم التحديات المرتبطة بالفجوة الرقمية، تمتلك المنطقة قاعدة علمية يمكن البناء عليها. فبحسب اليونسكو، تمثل النساء “41% من الباحثين في الدول العربية”، وهي نسبة تفوق المتوسط العالمي لمشاركة النساء في البحث العلمي. ويعكس ذلك وجود كفاءات نسائية قادرة على الإسهام في مجالات الابتكار والتكنولوجيا.

لكن هذه القوة لا تنعكس بالقدر نفسه في ريادة الأعمال والاقتصاد الرقمي. فوفقًا لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، لا تتجاوز نسبة النساء المالكات لشركات قائمة في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا “4.5%”، مقارنة بمتوسط عالمي يبلغ “6.2%”. وتشير المنظمة إلى أن محدودية الوصول إلى التمويل، وضعف المهارات الرقمية المتقدمة، وصعوبة بناء شبكات الأعمال، ما تزال من أبرز العوامل التي تحد من نمو المشاريع التي تقودها النساء.

وتظهر المقارنة بين دول جنوب البحر الأبيض المتوسط تفاوتًا في مسارات التحول الرقمي. ففي المغرب، أُنجز بالتعاون مع اليونسكو تقييم وطني لمدى الجاهزية لاعتماد الذكاء الاصطناعي بشكل مسؤول، بهدف تحديد نقاط القوة والثغرات ووضع توصيات لتطوير استراتيجية وطنية في هذا المجال. أما مصر، فقد اعتمدت استراتيجية وطنية للذكاء الاصطناعي تركز على تنمية القدرات الرقمية والابتكار. وفي الأردن، يجري توسيع برامج المهارات الرقمية وريادة الأعمال، في حين تستفيد تونس من قاعدة قوية من الكفاءات العلمية، بينما يبرز لبنان من خلال مبادرات يقودها المجتمع المدني، مثل “All Girls Code”، التي تشجع الفتيات على تعلم البرمجة والذكاء الاصطناعي. وتؤكد هذه التجارب أن الاستثمار في النساء لم يعد يقتصر على برامج التدريب، بل أصبح جزءًا من استراتيجيات التنمية الرقمية في عدد متزايد من دول المنطقة.

وتكشف هذه المقارنات أن التحدي لا يكمن في نقص الكفاءات، بل في تحويل المعرفة والبحث العلمي إلى مشاريع مبتكرة وشركات قادرة على المنافسة في الاقتصاد الرقمي. ويتطلب ذلك سياسات تربط التعليم بالابتكار، وتوسع فرص التمويل والاحتضان، وتدعم انتقال الباحثات ورائدات الأعمال من الجامعات ومراكز البحث إلى الشركات الناشئة والأسواق، خاصة في القطاعات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.

الذكاء الاصطناعي ليس محايدًا دائمًا

ورغم ما يتيحه الذكاء الاصطناعي من فرص غير مسبوقة، فإن هذه التقنيات ليست بمنأى عن التحيز. فالخوارزميات تتعلم من البيانات التي تُدرب عليها، وإذا كانت تلك البيانات تعكس صورًا نمطية أو فجوات قائمة في المجتمع، فإنها قد تعيد إنتاجها في مجالات مثل التوظيف، والخدمات المالية، والرعاية الصحية، والتعليم.

وتشير تقارير اليونسكو وهيئة الأمم المتحدة للمرأة إلى أن بعض نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي ما زالت تعزز الصور النمطية المرتبطة بالنوع الاجتماعي. كما أظهرت دراسة شملت “133 نظامًا للذكاء الاصطناعي” أن “44%” منها أظهر تحيزًا جندريًا، بينما سجل “25%” تحيزات متقاطعة مرتبطة بالنوع الاجتماعي وعوامل أخرى. وفي الوقت نفسه، لا تمثل النساء سوى “22%” من المهنيين العاملين في مجال الذكاء الاصطناعي عالميًا، وهو ما يحد من تنوع وجهات النظر المشاركة في تصميم هذه التقنيات.

ولا تعني هذه المؤشرات أن الذكاء الاصطناعي سيؤدي بالضرورة إلى تعميق عدم المساواة، بل تؤكد أن بناء أنظمة أكثر عدالة يتطلب مشاركة أوسع للنساء في تطويرها، وتحسين جودة البيانات المستخدمة في تدريب النماذج، واعتماد معايير واضحة للشفافية والمساءلة، بما يضمن أن تخدم هذه التقنيات جميع فئات المجتمع على قدم المساواة.

من تشخيص الفجوة إلى بناء الحلول

إذا كانت المؤشرات تكشف حجم التحديات، فإنها تكشف أيضًا أن الحلول بدأت تتشكل في عدد من دول جنوب البحر الأبيض المتوسط. فبدل الاكتفاء بتشخيص الفجوة الرقمية بين الجنسين، تتجه بعض الحكومات والمؤسسات والجامعات إلى الاستثمار في التعليم والابتكار وريادة الأعمال، بهدف زيادة مشاركة النساء في الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي.

في “لبنان”، برزت مبادرة **All Girls Code** كنموذج يركز على تعليم الفتيات البرمجة والذكاء الاصطناعي منذ سن مبكرة، بهدف توسيع قاعدة الكفاءات النسائية في القطاع التكنولوجي. ولا تقتصر أهمية المبادرة على التدريب التقني، بل تمتد إلى كسر الصور النمطية حول المهن الرقمية وتشجيع الفتيات على دخول مجالات العلوم والتكنولوجيا.

 

أما في المغرب، فقد أطلقت اليونسكو، بالشراكة مع مركز **AI Movement** بجامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية، مبادرة **African Women in Tech and AI (AWITAI)**، التي توفر برامج للتدريب والإرشاد واحتضان المشاريع، وتدعم رائدات الأعمال الإفريقيات في تطوير حلول قائمة على الذكاء الاصطناعي في مجالات مثل الصحة والتعليم والزراعة والتنمية المستدامة. ويبرز هذا النموذج أهمية الربط بين البحث العلمي وريادة الأعمال، وتحويل المعرفة إلى مشاريع ذات أثر اقتصادي واجتماعي.

وعلى المستوى الإقليمي، أطلق “الاتحاد من أجل المتوسط” النسخة الأولى من **Women in AI Awards** لتكريم النساء المبتكرات في مجال الذكاء الاصطناعي، وتشجيع الحلول التقنية التي تستجيب للتحديات الاجتماعية والاقتصادية في المنطقة الأورو-متوسطية. ويعكس هذا التوجه انتقالًا من التركيز على قياس الفجوة بين الجنسين إلى دعم المبادرات القادرة على تقليصها من خلال الابتكار.

ورغم اختلاف هذه المبادرات في أهدافها ونطاقها، فإنها تتقاطع في نقطة أساسية، وهي أن الاستثمار في النساء لا يقتصر على توفير التدريب، بل يشمل بناء منظومة متكاملة تربط التعليم بالبحث العلمي وريادة الأعمال والتمويل، بما يسمح بتحويل المهارات الرقمية إلى فرص اقتصادية حقيقية.

 

ما السياسات التي تحتاجها دول جنوب البحر الأبيض المتوسط؟

تكشف التجارب الإقليمية أن الاستثمار في الذكاء الاصطناعي لن يحقق أثرًا شاملًا ما لم يتحول إلى سياسات عامة قابلة للقياس. وتبدأ هذه السياسات بإدراج أساسيات البرمجة والذكاء الاصطناعي ضمن المناهج الدراسية، مع تصميم برامج خاصة تشجع الفتيات على الالتحاق بالتخصصات العلمية والتكنولوجية منذ المراحل التعليمية الأولى.

كما تحتاج دول المنطقة إلى توسيع برامج المنح البحثية وحاضنات الأعمال المخصصة للباحثات ورائدات الأعمال، وتقديم حوافز مالية وضريبية للشركات الناشئة التي تقودها نساء في مجالات الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا المتقدمة، بما يعزز قدرتها على النمو والمنافسة.

ومن الإجراءات التي أوصت بها منظمات دولية أيضًا إنشاء قواعد بيانات وطنية لقياس مشاركة النساء في التعليم الرقمي، والبحث العلمي، وسوق عمل الذكاء الاصطناعي، بما يساعد الحكومات على تطوير سياسات تستند إلى بيانات دقيقة، بدل الاعتماد على تقديرات عامة.

وفي الوقت نفسه، يكتسب اعتماد مبادئ “الذكاء الاصطناعي المسؤول” أهمية متزايدة، من خلال تقييم أثر الخوارزميات قبل استخدامها في القطاعات الحساسة، مثل التوظيف والتعليم والرعاية الصحية، وتعزيز الشفافية والمساءلة، وضمان مشاركة النساء في تصميم الأنظمة الذكية وتطويرها واختبارها، بما يقلل من مخاطر التحيز ويزيد ثقة المجتمع بهذه التقنيات.

فرصة لبناء اقتصاد رقمي أكثر شمولًا

تشير المؤشرات إلى أن دول جنوب البحر الأبيض المتوسط لا تعاني من نقص في الكفاءات النسائية، بل من فجوة بين الإمكانات المتاحة والفرص الفعلية. فارتفاع نسبة الباحثات في عدد من دول المنطقة لم ينعكس بعد على مشاركة مماثلة في ريادة الأعمال أو في تطوير تطبيقات الذكاء الاصطناعي، وهو ما يجعل الاستثمار في المهارات والابتكار ضرورة اقتصادية، وليس مجرد قضية تتعلق بالمساواة بين الجنسين.

ومع تسارع التحول الرقمي، تمتلك المنطقة فرصة لإعادة صياغة سياساتها بحيث يصبح الذكاء الاصطناعي أداة لتعزيز المشاركة الاقتصادية والاجتماعية للنساء، بدل أن يعمق الفجوات القائمة. ويتطلب ذلك رؤية طويلة الأمد تربط بين التعليم والبحث العلمي وريادة الأعمال والحوكمة الرقمية، بما يضمن مشاركة النساء في مختلف مراحل تطوير التقنيات المستقبلية.

الخاتمة

لن يحل الذكاء الاصطناعي وحده مشكلة عدم المساواة بين الجنسين، لكنه قد يصبح أحد أهم الأدوات لتقليصها إذا بُني على أسس الشمول والعدالة. وتوضح التجارب في عدد من دول جنوب البحر الأبيض المتوسط أن الاستثمار في التعليم الرقمي، ودعم رائدات الأعمال، وتعزيز الشراكات بين الجامعات والقطاع الخاص، وتبني مبادئ الذكاء الاصطناعي المسؤول، بدأت تفتح مسارات جديدة أمام مشاركة النساء في الاقتصاد الرقمي.

ويبقى التحدي الحقيقي هو تحويل هذه المبادرات إلى سياسات وطنية وإقليمية مستدامة، تُقاس نتائجها بمؤشرات واضحة، مثل ارتفاع مشاركة النساء في تخصصات الذكاء الاصطناعي، وزيادة عدد الشركات التقنية التي تقودها نساء، وتعزيز حضورهن في مراكز صنع القرار والبحث والابتكار. فعندها فقط لن تكون النساء مستفيدات من ثورة الذكاء الاصطناعي، بل شريكات في تصميمها وقيادتها، بما يسهم في بناء اقتصاد رقمي أكثر ابتكارًا وشمولًا واستدامة في دول جنوب البحر الأبيض المتوسط.

1072 Image1 2

المراجع
* UNESCO – *Women’s Access to and Participation in Technological Developments*. * UNESCO – *Women in Science Report*. * UNESCO – *Generative AI: Evidence of Gender Stereotypes*. * OECD – *Joining Forces for Gender Equality: The Potential of Digitalisation for Women’s Economic Empowerment in MENA*. * International Telecommunication Union (ITU) – Digital Connectivity Data. * UN Women – *Artificial Intelligence and Gender Equality*. * Union for the Mediterranean – *Women in AI Awards*. * UNESCO & AI Movement – *African Women in Tech and AI (AWITAI)*. * UNESCO – *All Girls Code Initiative*.
First published in: World & New World Journal
Hind Al-Subai Al-Idrissi

Hind Al-Subai Al-Idrissi

صحفية وباحثة فازت بالجائزة الأولى لأفضل تحقيق استقصائي في شمال إفريقيا لعام 2019 من قبل مركز المادة 19 الدولي للصحافة والإعلام (JMIC) في جامعة أوسلو متروبوليتان في النرويج.

اترك رد