Flag of Greenland painted on the brick wall

رغبة ترامب في جرين: ردّ أوروبا الفاتر يهدّد حلف ناتو والأمن العالمي

تقف أوروبا أمام منعطف خطير؛ فبعد العملية العسكرية الأميركية في فنزويلا، كرّر الرئيس دونالد ترامب ومعاونوه المقربون القول إن «جرين لاند» — وهي حاليًا إقليم يتمتع بالحكم الذاتي ويتبع للدنمارك — قد تكون الهدف التالي. وقال ترامب للصحافيين هذا الأسبوع إن الولايات المتحدة «بحاجة إلى جرين لاند لأسباب تتعلق بالأمن القومي»، معتبرًا أن الدنمارك «لن تكون قادرة على القيام بذلك»، ثم أضاف: «لنتحدث عن جرين لاند بعد عشرين يومًا». ولم يكتفِ بالكلام، إذ عيّن حاكم ولاية لويزيانا جيف لاندري، المعروف بتأييده العلني لضم جرين لاند، مبعوثًا خاصًا إليها. وفي السياق نفسه، نشرت كايتي ميلر، زوجة أحد كبار مستشاري ترامب ستيفن ميلر، صورة لجرين لاند بألوان علم الولايات المتحدة مرفقة بكلمة «قريبًا». وتبدو هذه الإشارات، مجتمعة، أقرب إلى حملة ضغط منسّقة على إقليم ذي سيادة منها إلى تصريحات عابرة. وردّ رئيس وزراء جرين لاند، ينس فريدريك نيلسن، قائلًا: «كفى الآن. لا مزيد من الضغط. لا مزيد من التلميحات. لا مزيد من أوهام الضم».

حذّر قادة الدنمارك من أن أي هجوم أميركي على «جرين لاند» سيعني «نهاية حلف ناتو»، ونهاية منظومة الأمن التي تشكّلت بعد الحرب العالمية الثانية؛ إذ قالت رئيسة وزراء الدنمارك مِتّه فريدريكسن إن مهاجمة الولايات المتحدة لدولة عضو في الحلف ستوقف «كل شيء»، بما في ذلك الحلف نفسه وما وفّره من أمن منذ نهاية الحرب. كما أن تهديدات تُوجَّه إلى دول أعضاء في الحلف مثل الدنمارك قد تُشجّع روسيا أكثر وتزيد حالة الغموض والقلق في أوروبا. والسؤال إذن: لماذا لا يواجه القادة الأوروبيون تهديدات ترامب بشأن «جرين لاند» بلهجة أشد، وكذلك تدخّل حكومته الصادم في فنزويلا؟ وما الذي يمكن أن تخسره أوروبا والعالم إذا استمر هذا التراخي؟

صورة بالأسفل: أعضاء حلف ناتو وتواريخ التوقيع

893 IMAGE01 1

ردّ أوروبا الضعيف
تنصّ المادة الخامسة في معاهدة حلف ناتو على أن أعضاء الحلف يتعاملون مع أي هجوم مسلّح على دولة عضو بوصفه هجومًا على الجميع، وأن على كل دولة أن تقدّم العون بالطريقة التي تراها ضرورية. ولو هاجمت الولايات المتحدة «جرين لاند»، فمن الطبيعي أن تتوقع الدنمارك تفعيل آليات الدفاع الجماعي داخل الحلف، حتى لو كان الطرف المعتدي هو الولايات المتحدة نفسها، لأن النصّ يتحدث عن «هجوم مسلّح» على دولة عضو لا عن هوية المهاجم. وهنا يجد القادة الأوروبيون أنفسهم أمام حقيقة كانوا يأملون تجنّبها: قد تتحوّل الولايات المتحدة، وهي من الدول المؤسسة للحلف، إلى أخطر تهديد يواجهه الحلف. لكنّ ردّ الفعل الأوروبي حتى الآن على تهديدات «جرين لاند» وعلى ما فعلته واشنطن في فنزويلا بدا ضعيفًا ومرتبكًا. وقد اعترف رئيس وزراء بريطانيا كير ستارمر بأنه يفضّل الحديث مع ترامب قبل إدانة الهجمات، في صورة تُظهر مقدار التبعية الأوروبية. وفي رسالة وقّعها رئيس وزراء الدنمارك وقادة فرنسا وألمانيا وإسبانيا وبريطانيا وإيطاليا وبولندا، اكتفوا بالتأكيد أن مستقبل «جرين لاند» يقرره أهلها والدنمارك، كما تعهّد الاتحاد الأوروبي بالدفاع عن سلامة أراضي الدول الأعضاء. ومع ذلك لم يقدّموا ردًا رادعًا واضحًا على كلام ترامب، ولم يلوّحوا بكلفة ملموسة مثل تراجع الشراكة الطويلة أو خطر انهيار أكبر تحالف عسكري أو خسارة تعاون اقتصادي وأمني تستفيد منه واشنطن مباشرة. وتبدو هذه التصريحات العامة جوفاء أكثر عندما تتردد الحكومات نفسها في إدانة انتهاكات القانون الدولي في فنزويلا؛ إذ قال المستشار الألماني فريدريش ميرتس إن «التوصيف القانوني» للتدخل الأميركي «معقّد» وإن ألمانيا تحتاج وقتًا للنظر فيه. وهذا التردد في أبسط مبادئ القانون الدولي لا يوحي بالضعف فقط، بل يضرب صدقية أوروبا حين تتحدث عن «نظام دولي قائم على القواعد» ضد روسيا في أوكرانيا، ويجعل من الصعب حشد دعم دول الجنوب العالمي أو الحفاظ على تحالفات العقوبات أو الادعاء بالتمسك بموقف مبدئي.

شكل بالأسفل: مدن جرين لاند والموارد

893 IMAGE02 1

روسيا تستفيد
تفهم روسيا هذه المعادلة جيدًا. فقد سارعت موسكو إلى تصوير أفعال الولايات المتحدة على أنها «عدوان مسلّح»، وفي الوقت نفسه ركّزت على ما تعتبره ازدواجية المعايير لدى الغرب. وتستفيد موسكو من ذلك على مستويين أساسيين: أولًا، إن ظهور الغرب بمظهر المتناقض يمنح روسيا مادة قوية لترويج روايتها القائلة إن القانون الدولي ليس سوى أداة يستخدمها الأقوياء ضد الضعفاء؛ فالتردد الأوروبي في إدانة ما جرى في فنزويلا أو في مواجهة تهديدات موجّهة إلى دولة عضو في حلف ناتو يتعارض مع الخطاب الأوروبي الذي يدين حرب بوتين، ويُضعف أثره. ثانيًا، إن احتمال انهيار حلف ناتو أو شلله يمنح موسكو نصرًا إستراتيجيًا كبيرًا لم تستطع القوة العسكرية الروسية وحدها أن تفرضه حتى الآن. وإذا ضمّت الولايات المتحدة «جرين لاند»، فستواجه الدنمارك خيارًا مصيريًا: إما القبول بالانتهاك والبقاء داخل حلف باتت حمايته مشكوكًا فيها، أو الانسحاب من حلف لم يعد يضمن أمن أعضائه؛ وسيجد بقية الأعضاء أنفسهم أمام المعضلة ذاتها. وحلف ناتو لا يستطيع العمل إذا لم يعد أعضاؤه يتشاركون قيمًا أساسية تتعلق بسيادة الدول واحترام القانون. لقد أجبر ترامب أوروبا على مواجهة سؤال حاسم: هل ستدافع عن هذه المبادئ على الجميع وبالمعيار نفسه، أم ستقبل بعالم تصبح فيه القوة هي التي تصنع الحق؟

هل تعود سياسة الاسترضاء من جديد؟
يُذكّر هذا المشهد بأزمة «اتفاق ميونيخ». ففي عام ١٩٣٨، شاركت بريطانيا وفرنسا في تسوية سمحت لألمانيا النازية بضم منطقة «السوديت» من تشيكوسلوفاكيا، في محاولة لتهدئة هتلر وتجنّب الحرب، وتم تقرير مصير تشيكوسلوفاكيا عمليًا من دون أن يكون لها القرار الحاسم في مستقبلها. ثم اكتشفت القوى الديموقراطية لاحقًا أن تهدئة العدوان — مهما بدا ذلك مريحًا سياسيًا في اللحظة نفسها — لا تؤدي إلا إلى تشجيع عدوان أكبر. واليوم تواجه أوروبا معضلة قريبة في معناها: كيف تردّ عندما يهدد أقوى حليف لها دولة عضوًا في الاتحاد الأوروبي وحلف ناتو؟ ويخشى كثيرون أن تنزلق أوروبا نحو لحظة شبيهة بميونيخ، حيث تُقدَّم التنازلات على أنها «استقرار»، ويُستعمل حديث «السلام» كغطاء للاسترضاء. وقد تحدّد أحداث الأسابيع المقبلة مستقبل القارة بدرجة كبيرة. في النهاية، تقف أوروبا أمام خيارين: إما مكاسب سياسية سريعة ومؤقتة، أو نظام دولي قائم على القواعد يرفض حرب العدوان ويحترم سيادة الدول ويؤمن بالأمن الجماعي. فهل سيكون قادتها مستعدين لمواجهة تناقضاتهم، أم سيقبلون بصمت بتآكل القواعد التي يقولون إنهم يدافعون عنها؟

2
First published in: The Conversation Original Source
Shannon Brincat

Shannon Brincat

شانون برينكات محاضر أول في العلوم السياسية والعلاقات الدولية. وقد أشرف على تحرير العديد من المجموعات، كان آخرها العدد الخاص من مجلة "العولمة" بعنوان "الجدل والسياسة العالمية"، وكتاب "الاعتراف والصراع وإشكالية المجتمع الأخلاقي" (سيصدر عن دار روتليدج عام ٢٠١٥)، وسلسلة "الشيوعية في القرن الحادي والعشرين" المكونة من ثلاثة مجلدات (دار براغر، ٢٠١٤). كما شارك في تأسيس مجلة "الخطاب العالمي" وتحريرها. وتركز أبحاثه الحالية على نظرية الاعتراف والعالمية، والجدل، ومكافحة الطغاة، والعدالة المناخية، والنظرية النقدية. وقد نُشرت له مقالات في مجلات علمية محكمة، منها "المجلة الأوروبية للعلاقات الدولية"، و"مراجعة الدراسات الدولية"، و"كونستليشنز".

Juan Zahir Naranjo Cáceres

Juan Zahir Naranjo Cáceres

"خوان زاهر نارانخو كاسيريس باحث ومحاضر كولومبي-أسترالي في جامعة صن شاين كوست (أستراليا)، حيث يُدرّس العدالة الدولية وحقوق الإنسان. وهو مرشح لنيل درجة الدكتوراه في العلوم السياسية والعلاقات الدولية والقانون الدستوري. تتناول أبحاثه الحوكمة الدستورية، ومرونة الديمقراطية، والمؤسسات القضائية من منظور مقارن وعالمي، مُبرزًا الروابط بين أمريكا اللاتينية وأستراليا والسياقات الدولية الأوسع. نشرت له مقالات في مجلتي ""الخطاب العالمي"" (منشورات جامعة بريستول) و""العولمة"" (منشورات تايلور وفرانسيس)، ويُساهم بانتظام بتعليقات تحليلية في منافذ سياسية رائدة مثل ""المترجم"" التابع لمعهد لوي والمعهد الأسترالي للشؤون الدولية. تستكشف أعماله الحديثة دور المحاكم في دعم الحوكمة الديمقراطية، وتحديات التكامل الإقليمي في أمريكا اللاتينية، وتآكل السلطة الأخلاقية في المؤسسات الدولية. كما شغل منصب المحرر الضيف للعدد الخاص ""التكامل الإقليمي في أمريكا اللاتينية: وجهات نظر نقدية في زمن الشعبوية في الخطاب العالمي"" (مطبعة جامعة بريستول الرقمية، 2024-2025)."

Leave a Reply