ردّ أوروبا الضعيف
تنصّ المادة الخامسة في معاهدة حلف ناتو على أن أعضاء الحلف يتعاملون مع أي هجوم مسلّح على دولة عضو بوصفه هجومًا على الجميع، وأن على كل دولة أن تقدّم العون بالطريقة التي تراها ضرورية. ولو هاجمت الولايات المتحدة «جرين لاند»، فمن الطبيعي أن تتوقع الدنمارك تفعيل آليات الدفاع الجماعي داخل الحلف، حتى لو كان الطرف المعتدي هو الولايات المتحدة نفسها، لأن النصّ يتحدث عن «هجوم مسلّح» على دولة عضو لا عن هوية المهاجم. وهنا يجد القادة الأوروبيون أنفسهم أمام حقيقة كانوا يأملون تجنّبها: قد تتحوّل الولايات المتحدة، وهي من الدول المؤسسة للحلف، إلى أخطر تهديد يواجهه الحلف. لكنّ ردّ الفعل الأوروبي حتى الآن على تهديدات «جرين لاند» وعلى ما فعلته واشنطن في فنزويلا بدا ضعيفًا ومرتبكًا. وقد اعترف رئيس وزراء بريطانيا كير ستارمر بأنه يفضّل الحديث مع ترامب قبل إدانة الهجمات، في صورة تُظهر مقدار التبعية الأوروبية. وفي رسالة وقّعها رئيس وزراء الدنمارك وقادة فرنسا وألمانيا وإسبانيا وبريطانيا وإيطاليا وبولندا، اكتفوا بالتأكيد أن مستقبل «جرين لاند» يقرره أهلها والدنمارك، كما تعهّد الاتحاد الأوروبي بالدفاع عن سلامة أراضي الدول الأعضاء. ومع ذلك لم يقدّموا ردًا رادعًا واضحًا على كلام ترامب، ولم يلوّحوا بكلفة ملموسة مثل تراجع الشراكة الطويلة أو خطر انهيار أكبر تحالف عسكري أو خسارة تعاون اقتصادي وأمني تستفيد منه واشنطن مباشرة. وتبدو هذه التصريحات العامة جوفاء أكثر عندما تتردد الحكومات نفسها في إدانة انتهاكات القانون الدولي في فنزويلا؛ إذ قال المستشار الألماني فريدريش ميرتس إن «التوصيف القانوني» للتدخل الأميركي «معقّد» وإن ألمانيا تحتاج وقتًا للنظر فيه. وهذا التردد في أبسط مبادئ القانون الدولي لا يوحي بالضعف فقط، بل يضرب صدقية أوروبا حين تتحدث عن «نظام دولي قائم على القواعد» ضد روسيا في أوكرانيا، ويجعل من الصعب حشد دعم دول الجنوب العالمي أو الحفاظ على تحالفات العقوبات أو الادعاء بالتمسك بموقف مبدئي.
شكل بالأسفل: مدن جرين لاند والموارد

روسيا تستفيد
تفهم روسيا هذه المعادلة جيدًا. فقد سارعت موسكو إلى تصوير أفعال الولايات المتحدة على أنها «عدوان مسلّح»، وفي الوقت نفسه ركّزت على ما تعتبره ازدواجية المعايير لدى الغرب. وتستفيد موسكو من ذلك على مستويين أساسيين: أولًا، إن ظهور الغرب بمظهر المتناقض يمنح روسيا مادة قوية لترويج روايتها القائلة إن القانون الدولي ليس سوى أداة يستخدمها الأقوياء ضد الضعفاء؛ فالتردد الأوروبي في إدانة ما جرى في فنزويلا أو في مواجهة تهديدات موجّهة إلى دولة عضو في حلف ناتو يتعارض مع الخطاب الأوروبي الذي يدين حرب بوتين، ويُضعف أثره. ثانيًا، إن احتمال انهيار حلف ناتو أو شلله يمنح موسكو نصرًا إستراتيجيًا كبيرًا لم تستطع القوة العسكرية الروسية وحدها أن تفرضه حتى الآن. وإذا ضمّت الولايات المتحدة «جرين لاند»، فستواجه الدنمارك خيارًا مصيريًا: إما القبول بالانتهاك والبقاء داخل حلف باتت حمايته مشكوكًا فيها، أو الانسحاب من حلف لم يعد يضمن أمن أعضائه؛ وسيجد بقية الأعضاء أنفسهم أمام المعضلة ذاتها. وحلف ناتو لا يستطيع العمل إذا لم يعد أعضاؤه يتشاركون قيمًا أساسية تتعلق بسيادة الدول واحترام القانون. لقد أجبر ترامب أوروبا على مواجهة سؤال حاسم: هل ستدافع عن هذه المبادئ على الجميع وبالمعيار نفسه، أم ستقبل بعالم تصبح فيه القوة هي التي تصنع الحق؟
هل تعود سياسة الاسترضاء من جديد؟
يُذكّر هذا المشهد بأزمة «اتفاق ميونيخ». ففي عام ١٩٣٨، شاركت بريطانيا وفرنسا في تسوية سمحت لألمانيا النازية بضم منطقة «السوديت» من تشيكوسلوفاكيا، في محاولة لتهدئة هتلر وتجنّب الحرب، وتم تقرير مصير تشيكوسلوفاكيا عمليًا من دون أن يكون لها القرار الحاسم في مستقبلها. ثم اكتشفت القوى الديموقراطية لاحقًا أن تهدئة العدوان — مهما بدا ذلك مريحًا سياسيًا في اللحظة نفسها — لا تؤدي إلا إلى تشجيع عدوان أكبر. واليوم تواجه أوروبا معضلة قريبة في معناها: كيف تردّ عندما يهدد أقوى حليف لها دولة عضوًا في الاتحاد الأوروبي وحلف ناتو؟ ويخشى كثيرون أن تنزلق أوروبا نحو لحظة شبيهة بميونيخ، حيث تُقدَّم التنازلات على أنها «استقرار»، ويُستعمل حديث «السلام» كغطاء للاسترضاء. وقد تحدّد أحداث الأسابيع المقبلة مستقبل القارة بدرجة كبيرة. في النهاية، تقف أوروبا أمام خيارين: إما مكاسب سياسية سريعة ومؤقتة، أو نظام دولي قائم على القواعد يرفض حرب العدوان ويحترم سيادة الدول ويؤمن بالأمن الجماعي. فهل سيكون قادتها مستعدين لمواجهة تناقضاتهم، أم سيقبلون بصمت بتآكل القواعد التي يقولون إنهم يدافعون عنها؟