هل يؤدي إرهاق الحرب إلى تراجع دعم أوروبا لأوكرانيا؟ يرى آدم هوليش وبنجامين مارتيل أنه رغم الضغوط المتزايدة، فإن الإجماع الأوروبي بشأن أوكرانيا أثبت قدراً لافتاً من الصمود.
عندما شنت روسيا غزوها الشامل لأوكرانيا في فبراير/شباط 2022، ردّت أوروبا بدرجة من الوحدة نادراً ما شهدتها السياسة الأوروبية. فقد فرضت الحكومات عقوبات على موسكو، ودمجت ملايين اللاجئين الأوكرانيين، وأرسلت مساعدات عسكرية إلى كييف. وفي مختلف أنحاء القارة، اصطف معظم المواطنين خلف القضية الأوكرانية، واتفق القادة السياسيون إلى حد كبير على ضرورة مقاومة العدوان الروسي.
وبعد مرور أربع سنوات، لم يعد السؤال الذي يواجه أوروبا هو ما إذا كانت تدعم أوكرانيا، بل ما إذا كان هذا الدعم قادراً على الاستمرار. فقد أصبحت الحرب اختباراً ليس فقط لصمود أوكرانيا، بل أيضاً لقدرة أوروبا السياسية على التحمّل. إذ إن ارتفاع التكاليف، وتعدد الأزمات العالمية المنافسة، وتحول الديناميات الجيوسياسية، كلها عوامل أوجدت ضغوطاً لم تكن موجودة في الأشهر الأولى من الصراع.
ومع ذلك، فقد أثبت الرد الأوروبي صموداً أكبر بكثير مما توقعه كثيرون. فإرهاق الحرب قد يكون موجوداً، لكنه لم يؤدِّ إلا إلى تصدع محدود، ولم ينجح في كسر الإجماع السياسي الداعم لأوكرانيا.
الصدمة التي وحّدت أوروبا
شكّل الغزو الروسي نقطة تحوّل في السياسة الأوروبية. فعلى مدى عقود، كان الاتحاد الأوروبي يعمل في المقام الأول بوصفه قوة اقتصادية وتنظيمية. واستمرت كثير من الدول الأعضاء في التمسك بالحياد العسكري، بينما فضّل بعضها الآخر سلوك مسارات مدنية أكثر لتحقيق الأمن. لكن بين عشية وضحاها تقريباً، وجد الاتحاد الأوروبي نفسه في مواجهة حرب كبرى على أعتابه، حرب هزّت بعمق أنماط العمل القائمة.
وكان الرد الفوري لافتاً في وحدته. فقد أدانت الحكومات الأوروبية الغزو، ونسّقت فرض العقوبات على روسيا، وبدأت في تقديم مساعدات عسكرية غير مسبوقة إلى أوكرانيا. كما اعتمد الاتحاد الأوروبي مبادرات أمنية جديدة، وأطلق بعثات تدريب للجنود الأوكرانيين، بل ومنح أوكرانيا صفة الدولة المرشحة لعضوية الاتحاد الأوروبي.
واصطفت الأحزاب السياسية، عبر مختلف الاتجاهات الأيديولوجية، في خندق واحد. فقد اتفقت الأحزاب الرئيسية من اليسار واليمين، إلى حد كبير، على ضرورة دعم أوكرانيا. وحتى بعض الأحزاب التي كانت قد أبدت في السابق مواقف متعاطفة مع موسكو، خففت من حدّة مواقفها أو التزمت الصمت بشأن القضايا الأمنية، إدراكاً منها للمخاطر السياسية التي قد تترتب على الظهور بمظهر المؤيد لروسيا.
وسار الرأي العام على النهج نفسه. فقد أظهرت استطلاعات الرأي في مختلف أنحاء أوروبا خلال عام 2022 دعماً كاسحاً للمساعدات الإنسانية، وحماية اللاجئين، وفرض العقوبات على روسيا. وحتى المساعدات العسكرية، التي كانت تُعد تقليدياً مسألة مثيرة للجدل في كثير من البلدان الأوروبية، حظيت بتأييد الأغلبية.
وقد عكست هذه الوحدة دينامية تُعرف باسم «الالتفاف حول العلم»، وهي الحالة التي يحتشد فيها المواطنون خلف حكوماتهم في أوقات الأزمات الدولية، بينما تميل أحزاب المعارضة إلى كبح انتقاداتها من أجل إظهار جبهة موحدة.
لماذا يصعب الحفاظ على الدعم
لكن الحفاظ على ائتلاف داعم في زمن الحرب، ولا سيما إذا كان ممتداً عبر دول متعددة، ليس أمراً سهلاً على الإطلاق. فالحكومات الداعمة لأوكرانيا تواجه توازناً دقيقاً، إذ يتعين عليها الحفاظ على الدعم في الداخل، وكذلك بين شركائها الدوليين. وأي تصدع في هذا الائتلاف قد يضعف الجهد الأوسع، من خلال زيادة الكلفة على بقية الأعضاء، وتشجيع مزيد من الانشقاق، أو خفض المعنويات الجماعية.
وهناك عدة عوامل تحدد ما إذا كان الدعم الشعبي قادراً على الاستمرار. أول هذه العوامل هو الكلفة. فالمساعدات العسكرية تتطلب موارد مالية كبيرة، كما أن العقوبات على روسيا باتت تخلّف تبعات اقتصادية صعبة على الاقتصادات الأوروبية، ولا سيما في صورة ارتفاع أسعار الطاقة.
أما العامل الثاني فهو مدة الحرب. فالصراعات التي تمتد لسنوات تميل إلى تقويض الحماس الشعبي، ولا سيما عندما يبدو النصر غير مؤكد. ومع مرور الوقت، قد تزيح أزمات جديدة الأزمات السابقة من صدارة الاهتمام العام.
أما العامل الثالث فهو الفعالية المتصورة للجهد المبذول. فالمواطنون يكونون أكثر استعداداً لتحمل الكلفة إذا اعتقدوا أن تلك التضحيات تحقق نتائج ملموسة. وعندما تصبح احتمالات النصر أقل وضوحاً، يمكن لارتفاع التكاليف أن يضعف بدرجة كبيرة استعداد الرأي العام لـ «إلقاء المال الجيد وراء المال السيئ». ومجتمعةً، يمكن لهذه الضغوط أن تولّد إرهاق الحرب، أي التراجع التدريجي في الدعم لمواصلة هذا الجهد.
بوادر إرهاق الحرب
بعد أربع سنوات من اندلاع الصراع، بدأت بوادر إرهاق الحرب تظهر في أنحاء أوروبا. وقد لعبت استراتيجية روسيا دوراً في هذا التحول. فمن خلال تقييد إمدادات الطاقة ودفع أسعار الوقود إلى الارتفاع، سعت موسكو إلى خلق معاناة اقتصادية في أوروبا وإضعاف الدعم الشعبي لأوكرانيا. وقد أدت أزمة الطاقة الناتجة عن ذلك في عام 2022 إلى دفع معدلات التضخم في بعض البلدان الأوروبية إلى ما يزيد على 20%.
وفي الوقت نفسه، أصبحت الأوضاع في ساحة المعركة أكثر غموضاً. فقد ولّدت النجاحات الأوكرانية المبكرة تفاؤلاً بإمكانية كسب الحرب بسرعة. لكن مع تحول الصراع إلى حالة من الجمود الاستنزافي، بدأت الشكوك تتصاعد بشأن ما إذا كان الدعم الغربي قادراً فعلاً على تغيير النتيجة بشكل حاسم.
كما أدت أزمات عالمية أخرى إلى تحويل الاهتمام بعيداً عن أوكرانيا. فقد نقلت الحرب في غزة والهجوم الأخير على إيران التغطية الإعلامية والتركيز السياسي بعيداً عن أوكرانيا. وهكذا وجدت الحكومات الأوروبية نفسها فجأة أمام مطالب متنافسة على مواردها الدبلوماسية والعسكرية.
وتعكس استطلاعات الرأي هذه الضغوط. فقد أصبح كثير من الأوروبيين أكثر تشاؤماً بشأن فرص أوكرانيا في كسب الحرب. وفي البلدان التي تستضيف أعداداً كبيرة من اللاجئين الأوكرانيين، تحوّل الحماس الأولي أحياناً إلى قلق من الأعباء الاقتصادية.
عندما يتحول الإرهاق إلى سياسة
يتمثل سؤال مهم في ما إذا كانت مؤشرات إرهاق الحرب، وكيف، تتحول إلى نزاع سياسي. ومع ذلك، فإن درجة تسييس القضية تفاوتت على نطاق واسع في أنحاء أوروبا.
ففي بعض البلدان، أصبحت أوكرانيا قضية سياسية محل نزاع. ففي سلوفاكيا وتشيكيا، أفرزت الانتخابات الأخيرة حكومات أكثر تشككاً في العقوبات المفروضة على روسيا. وفي بولندا، دارت نقاشات بين الأحزاب السياسية حول قضايا مثل واردات المنتجات الزراعية الأوكرانية وسياسات اللاجئين، كما قامت حركة كونفيديراتسيا اليمينية المتطرفة بتسييس هذه القضية. أما فيكتور أوربان فقد جعل دعم أوكرانيا جزءاً مهماً من حملته الانتخابية غير الناجحة في عام 2026.
وفي أماكن أخرى، ظل الإجماع قائماً إلى حد كبير. ففي المملكة المتحدة، واصل الحزبان الرئيسيان دعم أوكرانيا بغض النظر عن تغيّر الحكومات، في حين التزم حزب ريفورم الصمت إلى حد كبير حيال هذه المسألة.
أما الحكومة اليمينية في إيطاليا بقيادة جورجيا ميلوني، فقد حافظت على موقفها المؤيد لأوكرانيا رغم الشكوك السابقة لدى بعض شركائها في الائتلاف. وفي فنلندا والسويد، وهما دولتان تخلتا عن عقود من الحياد للانضمام إلى حلف الناتو بعد الغزو، تعمد القادة السياسيون إلى ترسيخ توافق عابر للأحزاب لمنع تحول القضية إلى عامل انقسام.
وحتى داخل البرلمان الأوروبي، حيث كسبت الأحزاب الشعبوية مقاعد في الانتخابات الأخيرة، ما زالت الأحزاب اليمينية المتطرفة منقسمة بشأن مدى الحزم المطلوب في مواجهة روسيا.
فهناك أحزاب في البرلمان العاشر تصوت بطريقة تكاد تتوافق بنسبة 100% مع مصالح روسيا، مثل فيدس المجري، والبديل من أجل ألمانيا، وحزب الحرية النمساوي، والرابطة الإيطالية، وحزب المصلحة الفلمنكية البلجيكي. في المقابل، تتخذ أحزاب أخرى مثل ديمقراطيي السويد، والقانون والعدالة في بولندا، والفنلنديين الحقيقيين موقفاً أكثر تشدداً تجاه روسيا.
عامل ترامب
كان أحد أكثر التحولات دراماتيكية في السياسة الأوروبية تحولاً لم ينشأ في أوروبا أصلاً. فقد أعادت إعادة انتخاب دونالد ترامب رئيساً للولايات المتحدة في عام 2024 تشكيل البيئة الاستراتيجية بصورة جوهرية.
إذ شكك ترامب مراراً في الدعم الأميركي لأوكرانيا، وطالب الحلفاء الأوروبيين بزيادة إنفاقهم الدفاعي بشكل كبير. كما أشارت إدارته إلى استعدادها للضغط على أوكرانيا من أجل تقديم تنازلات إقليمية لروسيا. وقد أدت هجمات ترامب الأخيرة على إيران إلى تصعيدٍ تحول إلى حرب إقليمية معقدة، ساهمت في الوقت نفسه في توحيد الأوروبيين وتقسيمهم معاً، كما أدت إلى تخفيف العقوبات الأميركية على روسيا من أجل خفض الضغط على أسعار النفط.
وبالنسبة إلى القادة الأوروبيين، فإن عودة ترامب وما أعقبها من مغامرة في السياسة الخارجية قد أبرزت مجدداً نقطة ضعف مزمنة: اعتماد أوروبا على الولايات المتحدة في أمنها. ومع تقليص واشنطن التزامها تجاه أوكرانيا، تواجه الحكومات الأوروبية تحدي الحفاظ على هذا الدعم إلى حد كبير بمفردها.
ومن المفارقات أن موقف ترامب قد يعزز الوحدة الأوروبية بدلاً من إضعافها. فاحتمال تراجع القيادة الأميركية أعاد إحياء النقاشات بشأن الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي وتعزيز التكامل الدفاعي الأوروبي.
