Palestinian refugees gather with national flags outside the United Nations Relief and Works Agency (UNRWA) in Gaza City on June 20, 2023, to protest cuts in aid. Source: Shutterstock

مخاطر الاستهداف الإسرائيلي الأمريكي للأونروا

مقدمة: 
إثر نكبة فلسطين سنة 1948، والتطهير العرقي لأكثر من 800 ألف فلسطيني وطردهم على أيدي القوات الصهيونية، وتعبيراً عن المسؤولية السياسية والقانونية تجاه قضية اللاجئين الفلسطينيين ووفقاً للقرار الأممي رقم 302 الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة General Assembly (GA) في 8/12/1949 تأسست وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى (أونروا UNRWA)، تضمنت ديباجة قرار إنشائها بألا يُخل عملها بحقوق أساسية للاجئين الفلسطينيين كحقهم في العودة إلى بيوتهم التي أخرجوا منها، وحقّهم في التعويض، وحقّهم في استعادة ممتلكاتهم.

أولاً: ثغرات في عمل الأونروا:

منذ تأسيس الأونروا، شابَ تشكيلها أربع جوانب خلل أو ثغرات رئيسية:

الأول: التمويل، حتى اليوم تتلقى وكالة الأونروا الأموال بشكل تطوعي (وليس إلزامياً) من الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، وكان هذا مُبرَراً عند التأسيس على اعتبار أن وجود الوكالة هو وجود مؤقت، وسينتهي قريباً بعودة اللاجئين إلى بيوتهم. وبقي التمويل حتى اليوم تطوعياً يخضع لتقلب حكومات الدول وموازين القوى كما هو الحال مثلاً مع الولايات المتحدة الأمريكية التي كانت تُسهم بنحو 360 مليون دولار في الميزانية السنوية أي بنحو ثلث الميزانية. تم وقف التبرع المالي مع مجيء الرئيس دونالد ترامب Donald Trump إلى الرئاسة الأولى، وتمّ استئناف التمويل مع مجيء الرئيس جو بايدن Joe Biden، ليتم القطع مع مجيء ترامب مرة ثانية، والكثير من الدول تراجعت تبرعاتها في السنوات الأخيرة بشكل ملحوظ.

الثاني: حصر تسجيل من يستحق الخدمات باللاجئين المتواجدين في مناطق جغرافية محددة، هي خمس مناطق (الأردن، وسورية، ولبنان، والضفة الغربية بما فيها شرق القدس المحتلة، وقطاع غزة) ولم يشمل التسجيل اللاجئين الفلسطينيين في العراق أو مصر أو أيّ دولة أخرى.

الثالث: غياب الحماية الجسدية للاجئين، إذ اقتصرت الحماية التي تقدمها الأونروا على الحماية الإنسانية، والتي تعبِّر عنها الوكالة بتقديم خدمات الصحة والتعليم والإغاثة والتقارير الدورية التوعوية والتعريفية التي تصدرها تباعاً، والحماية القانونية التي تقتصر على تقديم الاستشارات فقط، ومن النادر أن توكل الأونروا محامياً لمتابعة قضايا تتعلق باللاجئين.

وتجدر الإشارة إلى أن “لجنة التوفيق الدولية حول فلسطين UNCCP”، التي انبثقت عن قرار الأمم المتحدة بحق العودة 194، وتشكلت من كل من أمريكا وفرنسا وتركيا قد أخذت بعين الاعتبار حماية اللاجئين الفلسطينيين على المستوى القانوني والسياسي والإنساني، في كافة أماكن تواجدهم بمن فيهم المهجَّرين الفلسطينيين داخل فلسطين المحتلة سنة 1948، إلا أن دور ومهام اللجنة قد تمّ تعطيله مطلع خمسينيات القرن الماضي، على الرغم من أن اللجنة تقدم تقريرها السنوي للجمعية العامة مطلع شهر أيلول/ سبتمبر من كل عام حتى الآن.

الرابع: بالتنسيق بين الأونروا والدول المضيفة للاجئين تمّ تحديد المساحة الجغرافية للمخيم الذي يقطنه اللاجئون، ففيه، حصراً، منشئات الأونروا (مكتب مدير المخيم، والعيادة، والمدرسة…)، ومع مرور عقود على النكبة تضاعفت الأعداد في المخيمات لتصل إلى أكثر من 400% مع بقاء مساحة المخيمات على حالها، واتخاذ البناء الشكل العامودي البعيد عن أيّ معايير هندسية، وبالتالي تَعرُّض الكثير من المنازل لمخاطر الانهيار وفقدان الخصوصية والمعاناة الإنسانية، ناهيك عن منع السلطات الرسمية التمدد العمراني خارج المخيمات.
وقد سعى الاحتلال الإسرائيلي والإدارة الأمريكية لاستخدام هذه الثغرات، بشكل أو بآخر وبدرجات متفاوتة، في استهدافهم للأونروا.

ثانياً: تراجع ملحوظ في خدمات الأونروا:

حسب الأونروا يوجد أكثر من 6 ملايين لاجئ فلسطيني مسجل يقيمون في 58 مخيماً في مناطق عملياتها الخمس (12 في لبنان، 8 في غزة، 19 في الضفة الغربية، 9 في سورية، و10 في الأردن).

وحتى سنة 2023، وفي مناطق عملياتها الخمس، كانت الأونروا تدير 715 مدرسة بين ابتدائي ومتوسط وثانوي تستقبل سنوياً نحو 600 ألف طالب وطالبة، ومعهدين مهنيين الأول في قلنديا في الضفة الغربية يستقبل 750 طالب وطالبة، والثاني في سبلين في لبنان يستقبل 2,000 طالب وطالبة، وتشرف على 140 مركزاً صحياً، ومستشفى وحيد في قلقيلية شمال الضفة الغربية فيه 65 سريراً، وكان يعمل في الوكالة 31 ألف موظف.

بسبب تراجع التمويل، اتخذ المفوض العام السابق للأونروا فيليب لازاريني Philippe Lazzarini، في نهاية سنة 2025، قراراً تعسفياً بفصل 575 موظفاً من قطاع غزة، بعد وضعهم في إجازة غير مدفوعة لمدة سنة، واتخذ قراراً آخر بتخفيض ساعات الدوام الأسبوعي من 37.5 ساعة إلى 30 ساعة ابتداءً من شباط/ فبراير 2026، مع خفض الرواتب لجميع الموظفين المحليين أيّ الفلسطينيين دون الدوليين بنسبة 20%، وهذا عملياً تراجع بنسبة 20% من جودة تقديم الخدمات للاجئين.

ثالثاً: الاستهداف المنهجي للوكالة:

تصاعد الاستهداف الإسرائيلي للأونروا في سنة 2018 عندما طلب بنيامين نتنياهو Benjamin Netanyahu من ترامب العمل على تفكيك الأونروا إذ إنها تشكّل شاهداً عملياً على إدامة الاحتلال الإسرائيلي لمأساتهم، ومنعهم من حق العودة الذي كفله القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة. وقد اتُخذت عملية “طوفان الأقصى” ذريعة لتحقيق رؤية نتنياهو وترامب بالتخلص من الأونروا تدريجياً، حيث بدأ الاحتلال الإسرائيلي بتوجيه اتهامات لا تستند إلى أدلة بحق موظفين من الأونروا بأنهم قد شاركوا في طوفان الأقصى أو أنهم أعضاء في المقاومة، وبأن مراكز الوكالة كانت تستخدم كنقاط عسكرية للمقاومين. وصدرت لاحقاً قوانين من الكنيست Knesset الإسرائيلي بحظر التعامل مع الأونروا، فمنذ نهاية كانون الثاني/ يناير 2025 لم تمنح سلطات الاحتلال أيّ تأشيرات أو تصاريح دخول لموظفي الأونروا الدوليين سواءً لغزة أم الضفة أم القدس.

لم تتعدَّ مواقف الأمم المتحدة من انتهاكات الاحتلال الجسيمة للوكالة عبارات الشجب والإدانة والاستنكار دون اتخاذ أيّ إجراءات رادعة، فقد اقتحم جنود الاحتلال المقر الرئيسي في حي الشيخ جراح في القدس المحتلة وحلَّ علم الاحتلال مكان علم الأمم المتحدة على سطح المقر، بينما قام الاحتلال بتدمير المقر وصادر الأرض التي استأجرتها الأونروا من الحكومة الأردنية سنة 1952، أي قبل احتلال شرق القدس في سنة 1967، وبالتالي قانونياً لا سيادة للاحتلال عليها. ويعمل الاحتلال حالياً على إقامة متحف حربي على أنقاض المقر في تحدٍّ سافر للمنظومة الأممية. كما أغلق الاحتلال 6 مدارس تابعة للأونروا في شرق القدس المحتلة في مخيم شعفاط وسلوان ووادي الجوز وصور باهر يستفيد منها نحو 800 طالب وطالبة، وأغلق عيادة الزاوية “مركز القدس الصحي”، ويعمل على إعادة هندسة مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في شمال الضفة الغربية من خلال إنهاء عمل الوكالة في مخيمات نور شمس وجنين وطولكرم وتغيير اسم المخيم إلى “حيّ” لطمس أحد معالم اللجوء، ناهيك عن أن الاحتلال قد قتل 393 موظفاً من موظفي الأونروا في قطاع غزة، ودمر ما يقارب من 312 منشأة، وحوّل بعض المنشئات إلى ثكنات عسكرية ومراكز اعتقال وتحقيق وتعذيب للفلسطينيين، مع أن الوكالة يُفترض أنها مَحميَّة ولديها حصانة أممية. لهذا فإن استمرار أو عدم استمرار عمل الأونروا وحمايتها يخضع لموازين القوى الدولية في الأمم المتحدة.

رابعاً: أبرز القوانين الإسرائيلية والأمريكية ضدّ الأونروا:

في 4/11/2024 أخطرت حكومة الاحتلال الإسرائيلي الأمم المتحدة رسمياً بإلغاء اتفاقية كوماي – ميكليمور Comay-Michelmore Agreement التي تنظم علاقاتها مع الأونروا، وقد تمّ التوقيع على الاتفاقية في 14/6/1967 بين المستشار السياسي لوزارة الخارجية الإسرائيلية مايكل كوماي Michael Comay والمفوض العام للأونروا حينها لورنس ميكليمور Lawrence Michelmore، والتي كانت تسمح للأونروا بتسهيل مهامها وحماية موظفيها داخل “إسرائيل” والأراضي الفلسطينية المحتلة.

وفي 28/10/2024 أقر الكنيست قانونين بموجبهما يحظر عمل الأونروا في فلسطين المحتلة، ينص القانون الأول على منع أيّ نشاط للأونروا أو تشغيل أيّ مكاتب تمثيلية، أو تقديم أيّ خدمات، أو تنفيذ أيّ نشاط مباشر أو غير مباشر داخل حدود “السيادة الإسرائيلية” والقدس الشرقية المحتلة، وإلغاء العمل باتفاقية كوماي – ميكليمور. وينص القانون الثاني على منع المؤسسات والموظفين الرسميين وغير الرسميين في “إسرائيل” من إجراء أيّ اتصال أو تعامل مع الوكالة أو أيّ شخص يمثلها، وسحب الحصانات والامتيازات الديبلوماسية والقانونية الممنوحة للوكالة وموظفيها.

وفي سياق مساعي الاحتلال لتقويض عمل الوكالة، صادق الكنيست الإسرائيلي في 29/12/2025، وبأغلبية 59 صوتاً مقابل 7، على تعديل قانوني يقضي بقطع إمدادات المياه والكهرباء ومنع تقديم الخدمات الحيوية والاتصالات عن مقرات ومكاتب الوكالة في القدس المحتلة، ويأتي هذا القانون امتداداً لقانونيْ 28/10/2024، ويذكر بأن القانون الأخير جاء بعد نحو شهرَين من قرار محكمة العدل الدولية الذي نصّ على أن “إسرائيل” ملزمة بالسماح لوكالة الأونروا والهيئات التابعة للأمم المتحدة بالعمل في الأراضي الفلسطينية.

وتابعت الإدارة الامريكية مساعيها في الضغط على الأونروا، سواء إدارة ترامب الأولى أم الثانية أم حتى إدارة بايدن التي جاءت بينهما. وفي أيار/ مايو 2026 قاد النائب الجمهوري مايك لولر Mike Lawler رسالة وقعها 93 عضواً جمهورياً في الكونجرس الأمريكي طلباً للرئيس ترامب بالعمل على تفكيك الأونروا في مناطق عملياتها الخمسة. وفي تموز/ يوليو 2026 قدم النائب الجمهوري كريس سميث Chris Smith وعدد من النواب مشروع قانون وقف دعم الأونروا ووقف تمويلها دون تحديد فترة زمنية لرفع الحظر، وكذلك في الشهر نفسه قُدم مشروع قانون جديد مدعوم من الحزبين الجمهوري والديموقراطي في مجلس النواب يطالب بإلغاء التفويض الممنوح للأونروا ومحاولة نقل مهامها الإغاثية إلى منظمات غير حكومية بديلة أخرى خارج مظلة الوكالة الأممية.

في 1/7/2026 أُعلن ما يسمى بـ”مجلس السلام” في غزة عبر منصة “أكس X” بأن “لا مكان للأونروا في غزة الجديدة”. هذا “المجلس” الذي أعلن ترامب تدشينه رسمياً في 22/1/2026 خالف بقراره قرارَ إنشاء الأونروا رقم 302 وبأن مرجعية عمل الوكالة هي الجمعية العامة للأمم المتحدة دون سواها، وسيكون للقرار تداعيات كبيرة، إذ سيُحوِّل أكثر من مليون و760 ألف لاجئ فلسطيني مسجل في سجلات الأونروا في قطاع غزة إلى أناس محتاجين للماء وللغذاء والدواء والإيواء وغيرها من الاحتياجات الإنسانية على أهميتها، لكنه وبشكل تدريجي سيعمل أيضاً على إضعاف عمل الأونروا، وصولاً إلى محاولة شطب حقّ العودة.

خلاصة:

يسعى الاحتلال الإسرائيلي من خلال سعيه لإلغاء الأونروا إلى محاولة شطب حقّ اللاجئين في العودة إلى بيوتهم التي أخرجوا منها، وإلى غسل يده من جريمة التطهير العرقي التي ارتكبها بحقّهم، وإلى منع الفلسطينيين من ممارسة حقّ تقرير مصيرهم فوق أرضهم؛ حيث تظل الأونروا شاهداً حيّاً على نكبة فلسطين.

غير أنّ إنهاء عمل الأونروا لن يُنهي حقّ اللاجئين الفلسطينيين بالعودة، ولن يُسقط مسمى “لاجئ” من الأجندة السياسية الدولية؛ إذ إن حقّ العودة هو حقٌّ فردي وجماعي، ولا يسقط بتقادم الزمن، ومن الحقوق غير القابلة للتصرف، عدا عن أن هذا الحقّ محميٌّ بالقوانين والقرارات الدولية، سواء القرار 194 الذي جاء قبل تأسيس الأونروا بسنة كاملة، أم على مستوى الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لسنة 1948 المادة 13، التي تتحدث عن حقّ العودة لكل لاجئ إلى بلده ولو بعد حين، ومكفول بالمادة 12 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية لتاريخ آذار/ مارس 1976، وكذلك مكفول بالمادة الخامسة من اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز العنصري لتاريخ كانون الأول/ ديسمبر 1969، وهذا الحق مكفول قبل كل ما سبق بإرادة أكثر من 8 ملايين لاجئ فلسطيني، وبإرادة أُمَّتهم وكل أحرار العالم.

من ناحية أخرى، يجب الحفاظ على الأونروا، وأن تقوم بدورها وفقاً لولايتها، مع العمل على توسيع تفويضها ليشمل التمويل الإلزامي الثابت، والحماية الجسدية والقانونية، وتوسيع دائرة تسجيل اللاجئين في أماكن خارج مناطق عملياتها الخمسة، وتوسيع مساحة المخيمات كأماكن مؤقتة، ليتمكن اللاجئون من العيش بكرامة إلى حين العودة. غير أن هذا، من ناحية واقعية، يتطلب تعديل موازين القوى في المطبخ السياسي الدولي في الأمم المتحدة، وهذا بدوره يتطلب ممارسة سياسة النفس الطويل، ومراكمة الإنجاز والحراك الممنهج والسياسي والقانوني والإعلامي والديبلوماسي والشعبي على المستوى الفلسطيني والعربي والإسلامي والدولي.

ملاحظات وهوامش
Political Insights: A periodic series that provides brief and condensed political analyses and position assessments, issued by Al-Zaytouna Centre for Studies and Consultations. The opinions expressed are those of the authors and do not necessarily reflect the views of Al-Zaytouna Centre.
First published in: Al-Zaytouna Centre for Studies and Consultations Original Source
Ali Huwaidi

Ali Huwaidi

مدير عام الهيئة 302 للدفاع عن حقوق اللاجئين.

Leave a Reply