الحرب في اليمن والصدع بين الرياض وأبوظبي
في خضم التطورات الدراماتيكية التي شهدتها الحرب الأهلية اليمنية مع مطلع العام، أُعيد تشكيل توازن القوى الإقليمي بين المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة بشكل جذري. فالهجوم العسكري الذي شنّه الانفصاليون المدعومون من الإمارات، والهجوم المضاد الذي نفذته الحكومة اليمنية المتحالفة مع السعودية، لا يمثلان مجرد فصل جديد في الحرب، بل أدّيا إلى تفجّر التوترات المتراكمة منذ سنوات بين الملكيتين الخليجيتين.
وللمرة الأولى، خرج العداء العميق الجذور بين الرياض وأبوظبي إلى العلن. كما أن هذه المواجهة تزيد من احتمالية اندلاع جولة جديدة من النزاعات في الخليج، وتثير تساؤلات جوهرية حول الاستقرار في الشرق الأوسط، وهي منطقة كانت دول الخليج تُعدّ فيها سابقًا ضامنة للأمن.
وقد تكون مرحلة جديدة من السياسة الخليجية بصدد التشكل، حيث يظهر قطبان متعارضان داخل مجلس التعاون الخليجي يسعيان إلى تحقيق رؤى إقليمية متباينة عبر تحالفات مختلفة. كما أن انهيار التحالف السابق بين السعودية والإمارات ستكون له تداعيات على السياسة الخارجية الأوروبية في الشرق الأوسط، التي اعتمدت تاريخيًا على الطرفين كركيزتين للاستقرار.
الهجوم الخاطف في حضرموت شرق اليمن
شكّل الهجوم السريع في محافظة حضرموت شرقي اليمن صدمة للسعودية وللحكومة اليمنية الوثيقة الصلة بالمملكة. فقد سيطر المجلس الانتقالي الجنوبي – وهو حركة انفصالية يمنية مدعومة من الإمارات – ليس فقط على حضرموت الغنية بالنفط، بل أيضًا على مناطق أخرى في شرق اليمن خلال أيام قليلة.
وفي العاصمة المؤقتة عدن، استولت الميليشيا على القصر الرئاسي للحكومة المعترف بها دوليًا – والتي ينتمي إليها المجلس الانتقالي رسميًا، لكنه سعى دائمًا للانفصال عنها تحقيقًا لهدف إقامة دولة مستقلة على أراضي جنوب اليمن السابق (حتى عام 1990). وعندما فرّ رئيس الحكومة اليمنية، المقيم مؤقتًا في عدن، إلى السعودية، بدا أن حلم المجلس الانتقالي بإقامة دولة مستقلة أصبح في متناول اليد.
غير أن حملة المجلس الانتقالي تلاشت بعد ذلك بسرعة كما لو كانت سرابًا. فالتقدم العسكري لم يغيّر فقط ديناميكيات الحرب الأهلية المستمرة منذ اثني عشر عامًا، بل هدد أيضًا بإعادة تشكيل ميزان القوى بين السعودية وجارتها الإمارات، اللتين تعدان فاعلين خارجيين رئيسيين في اليمن منذ أكثر من عقد.
وبعد سنوات من التحفظ في الصراع اليمني، اتخذت المملكة موقفًا مفاجئًا ضد المجلس الانتقالي: إذ قصفت المقاتلات السعودية أولًا شحنة أسلحة قادمة من مدينة الفجيرة الإماراتية في ميناء المكلا الخاضع لسيطرة المجلس الانتقالي. ثم أطلقت الحكومة اليمنية، بدعم جوي سعودي، هجومًا مضادًا أدى إلى تفكك المجلس الانتقالي، وفرار زعيمه عيدروس الزبيدي، وانسحاب القوات الإماراتية من اليمن.
هذه الأحداث الدراماتيكية مع مطلع العام لا تمثل مجرد منعطف جديد في الحرب الأهلية اليمنية المعقدة، بل تكشف أيضًا عن صدوع أعمق بين دولتين خليجيتين محوريتين، ظلّ انخراطهما – من السودان إلى غزة، ومن سوريا إلى الصومال – عاملًا رئيسيًا في استقرار المنطقة (أو عدم استقرارها).
وقبل أقل من خمس سنوات، كان مجلس التعاون الخليجي – الذي يضم السعودية والإمارات وأربع ملكيات مجاورة في شبه الجزيرة العربية – مشلولًا بسبب الخلاف مع إمارة قطر. فهل يتجه الخليج الآن نحو صراع جديد بين دول شقيقة؟
بين التهديد والطموح، بين السيطرة والقوة
على الرغم من أن المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة تدخلتا معًا عام 2015 ضد ميليشيا الحوثي في الحرب الأهلية اليمنية، فإن القوتين الخليجيتين كانتا منذ البداية تحملان أولويات مختلفة، وأحيانًا متعارضة. وقد تسببت هذه الاختلافات مرارًا في توترات لم يكن يجري احتواؤها غالبًا إلا عبر مناورات دبلوماسية دقيقة.
تنظر السعودية إلى الحرب باعتبارها تهديدًا جيوسياسيًا مباشرًا على حدودها. فالمملكة تتشارك حدودًا برية طويلة ومفتوحة نسبيًا مع اليمن تمتد لنحو 1300 كيلومتر. كما أن الوصول من الموانئ السعودية على البحر الأحمر إلى المحيط الهندي يمر عبر عنق زجاجة بحري ضيق هو مضيق باب المندب، الواقع قبالة السواحل اليمنية. وحتى قبل سيطرة الحوثيين على صنعاء عام 2014، كانت الجماعة — وهي جزء من «محور المقاومة» بقيادة إيران — قد شنت هجمات على الأراضي السعودية. وفي ظل هذه التهديدات المتعددة على الجبهة الجنوبية، لم تكتفِ السعودية بالتدخل العسكري، بل سعت أيضًا إلى فرض سيطرة مباشرة على الحكومة اليمنية، ويتجلى ذلك في أن الرئيس السابق عبد ربه منصور هادي كان يؤدي معظم مهامه من الرياض بين عامي 2016 و2022 بدلًا من عدن.
أما أبوظبي، فعلى الرغم من إدراكها لتهديد الحوثيين، فإنها كانت أقل تأثرًا مباشرة بعدم الاستقرار في اليمن بسبب البعد الجغرافي. وقد أتاح لها ذلك التركيز على طموحاتها الاستراتيجية، لا سيما السيطرة على الموانئ الرئيسية والمناطق الحيوية على امتداد خليج عدن وجنوب البحر الأحمر وأرخبيل سقطرى. ولتأمين مناطق النفوذ هذه على طول طرق التجارة الدولية، اعتمدت الإمارات على فاعلين من غير الدول بمختلف أنواعهم بدلًا من الاعتماد على الحكومة اليمنية.
ومن بين هؤلاء الوكلاء المجلس الانتقالي الجنوبي الذي تأسس عام 2017 بدعم إماراتي، والذي لم يقتصر دوره على قتال الحوثيين، بل سعى أيضًا لتحقيق مصالحه الخاصة. وهكذا تداخلت التعقيدات الداخلية اليمنية بعمق مع التحركات الاستراتيجية للإمارات. إضافة إلى ذلك، أولت الإمارات — التي تعد أحد أبرز القوى المناهضة للتطرف والإسلام السياسي في المنطقة — أولوية لمحاربة فرع تنظيم القاعدة في اليمن، ولإضعاف حزب الإصلاح، الفرع المحلي لجماعة الإخوان المسلمين، والذي كان جزءًا من حكومة هادي. وحتى عام 2021، تمثلت أبرز إنجازات المجلس الانتقالي في إقصاء حزب الإصلاح من سقطرى ومن محافظتي أبين وشبوة الجنوبيتين.
هذا التباعد بين منطق السيطرة ومنطق الخوف، وبين الطموح والقوة، اتسع تدريجيًا، ما اضطر السعودية إلى تقديم تنازلات دبلوماسية متكررة لشريكتها الإماراتية. فقد توسطت الرياض في اتفاقات لتقاسم السلطة مع المجلس الانتقالي عامي 2019 و2022، أدت في نهاية المطاف إلى استقالة الرئيس هادي. ومع ذلك، استمرت الخلافات السعودية-الإماراتية في التصاعد، لتبلغ ذروتها أواخر عام 2025 في حضرموت.
وتُعد هذه المحافظة الغنية بالنفط في جنوب شرق اليمن، والتي تمتد حدودها مع السعودية لمسافة 700 كيلومتر وتشكل قاعدة خلفية استراتيجية، منطقة انقسام مزمن: إذ كانت المناطق الداخلية خاضعة لائتلاف مدعوم من الرياض، بينما سيطرت قوات موالية للإمارات على المناطق الساحلية، بما في ذلك ميناء المكلا الاستراتيجي. وعندما سيطر تحالف قبلي مدعوم من الرياض على أكبر حقل نفطي في المحافظة أواخر نوفمبر، رد المجلس الانتقالي بالهجوم، فاستولى أولًا على مدينة سيئون في الداخل، ثم بعد أيام قليلة على محافظة المهرة المجاورة المحاذية لسلطنة عمان.
أولوية الدولة في مواجهة الطموحات الانفصالية
ما قد يبدو فصلًا جديدًا في الحرب الأهلية اليمنية هو في الواقع أحد أوجه لعبة إقليمية معقدة، تتسم بتنافس على النفوذ واختلاف في الرؤى السياسية بين المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة. ولم تعد سياسات القوتين الخليجيتين الخارجية، سواء في اليمن أو خارجه، متكاملة كما في السابق، بل أصبحت في كثير من الأحيان متعارضة بشكل مباشر.
تتبنى المملكة نهجًا محافظًا وحذرًا يركز على الدولة. فبحسب رؤية الرياض، لا يمكن ضمان الاستقرار إلا من خلال وجود دولة مركزية قوية تتمتع بسيادة غير متنازع عليها على أراضيها. ويُطبق هذا المنهج دون مساومة، لا سيما في محيطها المباشر. ومن هذا المنطلق، تدعم السعودية ليس فقط الحكومة اليمنية، بل أيضًا الهياكل الدولتية في سوريا ولبنان ومصر، عبر تقديم المساعدات والمعدات والمشورة. كما أنها تتسامح مع أنظمة قمعية أو هشة، كما يتضح من دعمها للحكومة الصومالية في مقديشو أو للجنرال عبد الفتاح البرهان في السودان.
وعلاوة على ذلك، وبعد سنوات من المواجهات غير المثمرة في نهاية العقد الثاني من الألفية مع خصوم إقليميين مثل إيران أو قطر، تسعى السعودية حاليًا إلى تجنب الانخراط في نزاعات الجوار بقدر الإمكان. فمن إنهاء الأزمة مع قطر عام 2021، إلى وقف إطلاق النار مع الحوثيين عام 2022، إلى استئناف العلاقات الدبلوماسية مع طهران عام 2023، اتجهت الرياض نحو خفض التصعيد وفك الارتباط بالصراعات الإقليمية، بهدف تحقيق الاستقرار في محيطها وتأمين مستوى من الهدوء الإقليمي اللازم لتنفيذ أجندتها الطموحة للإصلاح الاقتصادي حتى عام 2030.
في المقابل، تبدو الاستراتيجية الإقليمية للإمارات وكأنها النموذج المعاكس مباشرة للمركزية السعودية ونهج خفض التصعيد. فمن المكلا إلى بربرة وصولًا إلى بنغازي، أنشأت الإمارات «سلسلة من اللآلئ» تتكون من موانئ ومناطق نفوذ، معتمدةً على شبكة من الفاعلين المسلحين غير الحكوميين في بيئات دول ضعيفة على سواحل البحر الأحمر والبحر المتوسط. وخلف هذه «السلسلة» تكمن مصالح اقتصادية مربحة، مثل الوصول إلى مناجم الذهب في السودان أو تشاد، إضافة إلى أراضٍ خصبة وأسواق أفريقية استراتيجية. كما توفر هذه المناطق عمقًا استراتيجيًا للإمارات ومصدرًا للقوى البشرية يمكن توظيفه كمرتزقة في نزاعات إقليمية أخرى.
وفي حين كان النهجان الإماراتي والسعودي يتكاملان سابقًا — كما حدث خلال إطاحة محمد مرسي في مصر عام 2013، أو التدخل في اليمن عام 2015، أو حصار قطر عام 2017، أو حتى في السودان حتى عام 2021 — فإن النزعة البراغماتية الانتهازية لأبوظبي باتت اليوم تُربك المقاربة السعودية المرتكزة على الدولة. فالإمارات تواصل دعم وتسليح قوات الدعم السريع (RSF)، التي تخوض منذ عام 2023 صراعًا ضد الجنرال البرهان المدعوم من السعودية في الحرب الأهلية السودانية، كما أن توسع النفوذ الإماراتي في الصومال غذّى النزعات الانفصالية في أرض الصومال. وفي كلتا الحالتين، تُضعف التحركات الإماراتية الدولة المركزية وتزعزع استقرار الجوار المباشر للمملكة، كما يحدث حاليًا في اليمن.
ويُعدّ محاربة الإسلام السياسي أحد المبادئ الموجهة للاستراتيجية الإقليمية الإماراتية، حتى وإن تم ذلك عبر التحالف مع فاعلين مسلحين غير حكوميين مثل قوات الدعم السريع. صحيح أن المملكة تنظر أيضًا بعين الريبة إلى جماعة الإخوان المسلمين وغيرها من الحركات الإسلامية، غير أن عقيدتها القائمة على دعم الدولة القوية ترتكز على مساندة الأنظمة القائمة حتى عندما تضم قوى إسلامية، كما يتضح من دعمها للبرهان في السودان ولحزب الإصلاح في اليمن.
وهكذا، لم يعد هناك سوى قدر ضئيل من التقاطع بين المقاربتين الإقليميتين للقوتين الرئيسيتين في الخليج، السعودية والإمارات، بعدما كانتا في السابق تسيران في مسار متقارب إلى حد بعيد.
دور إسرائيل كعامل مُسرِّع
لعبت تحركات إسرائيل في المنطقة، وطريقة تعامل دول الخليج معها، دورًا مهمًا في تسريع التحول في العلاقات السياسية بين الرياض وأبوظبي. فقبل الهجوم الوحشي الذي شنّته حركة حماس في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، كانت السعودية على وشك تطبيع علاقاتها مع إسرائيل. إلا أن المسار انعكس خلال العامين التاليين. فقد أسهمت حرب إسرائيل في غزة وعملياتها الإقليمية الأوسع — ولا سيما هجومها على قطر في سبتمبر/أيلول 2025 — في عودة الرياض إلى موقفها التقليدي تجاه إسرائيل، وتعزيز الانطباع داخل المملكة بأن الحكومة الإسرائيلية الحالية تُسهم بشكل كبير في زعزعة استقرار المنطقة.
في المقابل، حافظت الإمارات على علاقاتها المُطبَّعة مع إسرائيل، التي أُرست بموجب «اتفاقيات أبراهام» في يناير/كانون الثاني 2020. وعلى الرغم من أن أبوظبي أدانت مرارًا العمليات الإسرائيلية في قطاع غزة وشاركت دول الخليج الأخرى مخاوفها بشأن الأثر المزعزع للاستقرار الناتج عن التمدد العسكري الإسرائيلي في المنطقة، فإن نهجها المتوازن نسبيًا تجاه إسرائيل، وابتعادها الواضح عن مواقف بقية الدول الخليجية في عدد من القضايا المرتبطة بالنزاع الإسرائيلي–الفلسطيني، إضافة إلى التوسع الانتقائي في التعاون الاقتصادي بين الإمارات وإسرائيل منذ وقف إطلاق النار في غزة، غذّت — من منظور استراتيجي سعودي — التصور بوجود «محور إماراتي–إسرائيلي» مفترض. كما أن الاعتراف المتبادل بين إسرائيل وأرض الصومال المدعومة من الإمارات في ديسمبر/كانون الأول 2025 عزز هذا الانطباع في الرياض.
وقد كان للعامل الإسرائيلي أيضًا انعكاس في اليمن. فبعد وقت قصير من بدء ميليشيا الحوثي حملتها ضد إسرائيل وضد السفن المدنية في البحر الأحمر عام 2023، أشارت تقارير إلى أن المجلس الانتقالي الجنوبي أبدى استعداده لدعم إسرائيل في حال ردّت عسكريًا. كما عبّر زعيم المجلس عيدروس الزبيدي مرارًا عن انفتاحه على احتمال انضمام جنوب اليمن المستقل — الخاضع لسيطرة المجلس — إلى «اتفاقيات أبراهام». وفي السياق الإقليمي، أدت التطورات المتتالية المتمثلة في الحملة العسكرية للمجلس الانتقالي وتطبيع إسرائيل مع أرض الصومال إلى تصاعد القلق في الرياض من احتمال نشوء جبهة جنوبية في شبه الجزيرة العربية، خاضعة لسيطرة أطراف منافسة، يمكن أن تمثل تحديًا استراتيجيًا للمملكة، لا سيما على الساحل المقابل لخليج عدن.
هل يلوح في الأفق صراع أخوي جديد؟
بقدر ما كانت الردّة السعودية غير مألوفة، فإن التنازل الإماراتي كان لافتًا بالقدر نفسه. فقبيل ليلة رأس السنة 2025، شكّلت الغارات السعودية بداية هجوم بري شنّه الجيش اليمني وقوات «درع الوطن» التي درّبتها المملكة. وخلال عشرة أيام فقط، لم يقتصر الأمر على استعادة المكاسب الإقليمية الأخيرة للمجلس الانتقالي الجنوبي، بل شمل أيضًا استعادة العاصمة المؤقتة عدن التي كانت تحت سيطرة المجلس. ولم يقتصر التطور على تفكك الانفصاليين، بل امتثل الإماراتيون أيضًا للمطالب السعودية، فسحبوا قواتهم المتبقية من الساحل الجنوبي لليمن وأخلوا قاعدتهم في جزيرة سقطرى. وهكذا أدى أول تدخل مباشر للرياض ضد وكلاء جارتها الأصغر إلى انهيار المشروع الإماراتي الممتد لعشر سنوات في اليمن كما لو كان بيتًا من ورق.
ومن خلال النظر إلى اليمن اليوم، يتضح أن قوة خارجية واحدة فقط باتت تمسك بزمام الأمور في عدن. غير أن هذا الموقع الجديد يحمّل الرياض مسؤوليات كبيرة: إذ يتعين عليها ضمان الاستقرار في المناطق الخاضعة للحكومة، وتعزيز التحالف المناهض للحوثيين، ودفع القيادة المعترف بها دوليًا إلى تقديم الخدمات لمواطنيها. كما سيكون على المملكة التعامل مع الحركات الانفصالية التي لا تزال تحظى بدعم واسع رغم تفكك المجلس الانتقالي. وفي هذا السياق، سيكون الحوار المزمع عقده في فبراير مع ممثلين عن مختلف الفصائل الجنوبية اختبارًا حقيقيًا. فبعد أن حاولت الرياض، بوصفها قوة مهيمنة مترددة في السنوات الأخيرة، الانسحاب من الحرب المستعصية في اليمن، تجد نفسها اليوم عائدة بقوة إلى موقع المسؤولية. غير أن تعويض شبكات الدعم الإماراتية السابقة، التي كانت حاسمة عسكريًا واقتصاديًا، ليس بالمهمة السهلة.
أما خارج اليمن، فالسؤال الرئيسي يتمثل في ما إذا كان الشرخ العلني بين الرياض وأبوظبي سيهز وحدة مجلس التعاون الخليجي، ويشكّل مؤشرًا على صراعات مستقبلية في منطقة الخليج. فتصاعد النزعة القومية المفرطة في البلدين، ولا سيما في السعودية، والتي تجلّت في سجالات حادة على وسائل التواصل الاجتماعي وحملات تشويه في صحف مرتبطة بالدولة، قد يصعب احتواؤه عبر الدبلوماسية التقليدية. ومع ذلك، ليس من المؤكد أن هذه الأجواء العدائية ستؤثر مباشرة في دوائر صنع القرار في الرياض وأبوظبي.
على المدى القصير، أدى الخلاف الإماراتي–السعودي إلى انقسام أوضح بين الدول الهشة المجاورة في المنطقة. فقد أعلنت الحكومة في عدن في ديسمبر إلغاء اتفاقها الدفاعي مع الإمارات، كما ألغت مقديشو جميع الاتفاقات الثنائية مع أبوظبي في يناير. وكان الحكام العسكريون في السودان قد علقوا علاقاتهم الدبلوماسية مع الإمارات بالفعل في مايو 2025. ومع ذلك، من غير المرجح أن يتحول هذا الانقسام بين الدول القريبة من الرياض وتلك المائلة إلى أبوظبي إلى أزمة إقليمية بحجم حصار قطر. فاندلاع صراع ثنائي شامل سيُلحق ضررًا بالغًا بكلا البلدين، لا سيما في ظل علاقاتهما التجارية الوثيقة واعتماد السعودية على استثمارات إماراتية بمليارات الدولارات وعلى بنية دبي التحتية المينائية لصادراتها.
ومع ذلك، يبدو أن حقبة التحالفات السعودية–الإماراتية المشتركة كما شهدها عقد 2010 قد انتهت على الأرجح. ومن المرجح أن تتحرك أبوظبي والرياض ضمن تحالفات متعارضة في المستقبل. فعلى سبيل المثال، تجد السعودية وتركيا نفسيهما بشكل متزايد على الجانب نفسه في قضايا إقليمية، كما يتضح من دعمهما لحكومات سوريا والسودان والصومال. كما ستكتسب الشراكة السعودية مع باكستان، التي وُقّع معها ميثاق دفاعي ثنائي في سبتمبر 2025، أهمية أكبر. في المقابل، ستواصل الإمارات تعزيز علاقاتها مع إسرائيل وتوسيع تعاونها الأمني مع الهند. غير أن معظم هذه الدول غير العربية، مثل الهند وباكستان وتركيا، لن تكون على الأرجح مستعدة للمخاطرة بعلاقاتها مع أي من الطرفين، وستسعى إلى الحفاظ على الحياد قدر الإمكان.
وتواجه ألمانيا وأوروبا اليوم تحديات كبيرة في ظل الوضع الجديد في الخليج. فكل من الرياض وأبوظبي يمثلان ركيزتين مهمتين للاستقرار في منطقة مضطربة، بفضل ثقلهما الاقتصادي وعلاقاتهما الجيدة مع معظم الأطراف ونفوذهما السياسي في الدول المجاورة. غير أن تصاعد التنافس بين القوتين لا يزعزع علاقتهما الثنائية فحسب، بل يعني أيضًا أن شريكين أوروبيين رئيسيين لم يعودا يتحركان بانسجام، وأن أي سوء تفاهم أو مواجهة ثنائية قد يؤدي إلى تجاوز خطوط حمراء والتصعيد العسكري خارج شبه الجزيرة العربية. كما أن تفكك الشرق الأوسط على طول خط الصدع بين الرياض وأبوظبي لا يخدم مصالح ألمانيا، كما أن الانقسام داخل مجلس التعاون الخليجي لا يسهل تعزيز الشراكة الاستراتيجية بين المجلس والاتحاد الأوروبي.
وفوق ذلك، تُبرز أحداث الأسابيع الأخيرة مرة أخرى حدود التأثير الأوروبي على الأرض: فمع غياب أدوات قوة حقيقية في شبه الجزيرة العربية، وضعف الاهتمام السياسي بالصراعات في دول يُنظر إليها على أنها هامشية مثل اليمن، لم تكن برلين ولا بروكسل فاعلين ذوي صلة — ولو بوساطة — في النزاع الأخير. وبدلًا من ذلك، تجد أوروبا نفسها متفرجة على التحولات الاستراتيجية في الخليج، رغم أن هذه التطورات ستكون لها في نهاية المطاف تداعيات مباشرة على مصالحها.
Related
Philipp Dienstbier
"يتولى فيليب دينستبير رئاسة البرنامج الإقليمي لدول الخليج التابع لمؤسسة كونراد أديناور (KAS)، ومقره عمّان، الأردن، منذ عام ٢٠٢٣. وقد عمل سابقًا في المؤسسة كباحث مشارك في البرنامج الإقليمي من عام ٢٠١٦ إلى عام ٢٠١٨. ويركز البرنامج على دول مجلس التعاون الخليجي واليمن، بالإضافة إلى إيران، المصنفة كدولة مراقبة. من عام ٢٠١٨ إلى عام ٢٠٢٢، شغل السيد دينستبير منصب مستشار سياسات في المقر الرئيسي لمؤسسة كونراد أديناور (KAS) في برلين، وكان آخر منصب شغله مستشارًا للسياسات في العلاقات عبر الأطلسية في قسم السياسة الدولية والأمن، وقبل ذلك مستشارًا للسياسات القطرية في قسم أوروبا/أمريكا الشمالية. وقبل انضمامه إلى المؤسسة، عمل باحثًا مشاركًا في معهد السياسات العامة العالمية في برلين. كما اكتسب خبرة في الأمم المتحدة، ومركز التعاون المدني العسكري التابع للقوات المسلحة الألمانية، وفي قطاع الطاقة. يحمل السيد دينستبير شهادتي ماجستير (ماجستير العلوم في الاقتصاد السياسي الدولي وماجستير الآداب في الأمن الدولي) من كلية لندن للاقتصاد والعلوم السياسية ومعهد الدراسات السياسية في باريس. وقد أكمل دراسته الجامعية في جامعة ماستريخت في هولندا وجامعة كاليفورنيا في بيركلي بالولايات المتحدة الأمريكية، متخصصاً في العلاقات الدولية والاقتصاد."
Nicolas Reeves
.
