Tokyo, Japan, December 2022.Semiconductor printed circuit board. Concept: Asia semiconductor.

المستقبل بوصفه سياسة: شرق آسيا والنظام العالمي

غالباً ما يُوصَف النظام العالمي وصفاً مكانياً، إذ تدافع الدول عن حدودها، وتبني مجالات نفوذ، وتتنازع على المناطق البحرية، وتؤمّن سلاسل الإمداد، وتتنافس على النفوذ والمواقع داخل المؤسسات. غير أن ما لا يحظى بالتقدير الكافي في العلاقات الدولية هو أن السياسة الدولية تُنظَّم أيضاً زمنياً، لأن مفاهيم مثل النظام، والقوة، والأزمة، والاستراتيجية تعتمد على افتراضات تتعلق بالزمن السياسي، وإن كانت تلك الافتراضات غالباً ما تظل ضمنية (Hom 2020, 106–7؛ Hutchings 2008, 11–13). ومن الواضح أن الفاعلين السياسيين، سواء كانوا دولاً، أو منظمات متعددة الأطراف، أو أفراداً، لا يعملون في الحاضر بمعزل عن المستقبل وهم ينتظرونه بشكل سلبي؛ بل إنهم يحكمون من خلال التوقعات، والتحذيرات، والمواعيد النهائية، والسرديات، والتكنولوجيا، ووعود التجدد والتقدم.

تجادل هذه المقالة بأن المستقبل ليس أفقاً محايداً قائماً إلى جانب السياسة الدولية أو خارجها، بل هو في الواقع وسيلة تُدار من خلالها العلاقات الدولية. فتصورات المستقبل تشكل الفعل السياسي من خلال ربط الخبرات الموروثة من الماضي بإمكانات المستقبل المتوقعة، والأهم من ذلك أن «المستقبلات المتخيلة» يمكنها حتى أن تنسق السلوك في الحاضر تحت شرط عدم اليقين في العلاقات الدولية (Beckert 2016, 20–24؛ Mische 2009, 697–99؛ Koselleck 2004, 256–60). وأذهب إلى أن شرق آسيا يمثل ساحة حاسمة يمكن من خلالها اليوم ملاحظة التصورات العالمية، والتوقعات، والمخاطر، والآمال، والصراعات السياسية على حد سواء. وما هو على المحك في نهاية المطاف هو: أي فاعل يمتلك السلطة الزمنية، أي القدرة على تحديد أيّ مستقبل يُعَد مشروعاً، أو مرغوباً، أو خطِراً، أو قابلاً للحكم.

ولأسباب واضحة، تقدم الصين الحالة الأوضح، لأن سردياتها الرسمية والفكرية المتعلقة بالمستقبل تمتد من النهضة الوطنية إلى الحوكمة العالمية، مروراً بمبادرات متعددة موجهة نحو المستقبل، وطموح التفوق التكنولوجي (SCIO 2023؛ Callahan 2013, 1–8). غير أن الفاعلين الآخرين في المنطقة، مثل اليابان، وكوريا الجنوبية، وتايوان، يعبّرون كذلك عن أنماط متميزة من صناعة المستقبل من خلال استخدام السرديات الاستراتيجية والتكيف الأمني، وتموضعهم الخاص في ظل التنافس المتواصل والمتصاعد بين القوى الكبرى، إضافة إلى الزمنيات غير المحسومة للسيادة والهوية السياسية (Kang et al. 2025, 70–79؛ Yoshimatsu 2025, 374–76, 378–81؛ Cook et al. 2024, 1–10). ومن ثم، فإن مستقبلات شرق آسيا تشكل حقلاً تعددياً تُتخيل وتُنازع داخله المستقبلات الإقليمية والعالمية، ويصبح السؤال هو: كيف يستخدم الفاعلون في شرق آسيا المستقبل من أجل تنظيم السلطة في الحاضر؟ وتكتسب هذه المسألة أهمية بالنسبة إلى دارسي العلاقات الدولية لأن النظام العالمي لا يتحدد فقط عبر المؤسسات، أو التحالفات، أو الإكراه، بل أيضاً عبر الادعاءات المتعلقة بنوع المستقبل الذي يُعد مرغوباً ومشروعاً، وهي مسألة تكتسب أهمية خاصة لأن النظام في شرق آسيا ظل طويلاً هرمياً ومحل نزاع (Goh 2013, 209–12؛ Duara 2013, 5–6؛ Cook et al. 2025, 24).

غالباً ما تعاملت العلاقات الدولية مع الزمن والزمانية بوصفهما معطيين جاهزين، أو ضمناً بوصفهما مجرد خلفية. ففي معظم الأعمال، تقع الأحداث ضمن تسلسل زمني ذي سببية مفترضة سلفاً. فالحروب، على سبيل المثال، تبدأ ثم تنتهي، والدول تصعد ثم تتراجع. غير أن تياراً بحثياً ناشئاً حول الزمانية يفترض أن الزمن يؤثر في العلاقات الدولية من خلال «أنشطة التوقيت» و**«الافتراضات الزمنية»، بما يجعل السياسة الدولية ممكنة في المقام الأول. كما أن الحبك السردي هو بحد ذاته نشاط توقيتي، تتحول من خلاله أحداث سياسية مختلفة إلى موضوعات للعلاقات الدولية. وبالمثل، تعتمد نظريات السياسة العالمية على افتراضات متنازع عليها بشأن الزمن السياسي، بما في ذلك سرديات التكرار، والتقدم، والانحدار، والأزمة، والتحول (Hom 2020, 2, 21؛ Hutchings 2008, 5–9). ومن الطبيعي أن يكون المستقبل، لا مجرد التنبؤ به، محورياً في مسألة الزمانية في العلاقات الدولية. ويميز العمل الكلاسيكي لكوزيليك (2004, 256–57) بين «فضاءات الخبرة» و«آفاق التوقع»**، موضحاً لماذا تكون المستقبلات قوية التأثير سياسياً: فالدول تفسر الحاضر من خلال ربط الموروث من الماضي بالإمكانات المتصورة لما سيأتي. وتوضح الأدبيات اللاحقة أن التصورات المستقبلية لا يشترط أن تكون دقيقة؛ يكفي أن تشكل الطريقة التي يفكر بها الفاعلون، ويشعرون، وينظمون أنفسهم، ويتصرفون بها في الحاضر. كما ثبت أن التوقعات التخيلية والقصص المتعلقة بمستقبلات غير مؤكدة يمكن أن تنسق الفعل الاقتصادي والمؤسسي (Beckert 2016, 23؛ Mische 2009, 699–701).

وتؤثر هذه الرؤى في العلاقات الدولية لأن الدول كثيراً ما تحكم من خلال ادعاءات مستقبلية. فخطط التحديث العسكري، على سبيل المثال، تعمل من خلال إسقاط الخطر إلى الأمام؛ واستراتيجيات التنمية تعد بالتحديث والتقدم؛ وأهداف المناخ تربط الحاضر بكوارث مستقبلية أو بأمن مستقبلي؛ كما أن سرديات النهضة الوطنية توظف التاريخ غير المفكَّر فيه بوصفه تفويضاً للعمل السياسي. وتحدد هذه الادعاءات ما الذي يجب تسريعه أو الدفاع عنه، وما الذي يمكن التضحية به أو التخلي عنه. ومع ذلك، ثمة أيضاً إشكاليات تتعلق بالأهداف المقصودة، لأن الدول الحديثة كثيراً ما تنتج نتائج ذات امتداد زمني طويل، في حين أن مؤسساتها لا تسند المسؤولية إلا ضمن آفاق سياسية ومعرفية قصيرة. فضلاً عن ذلك، فإن القدرة على التطلع، أي إسقاط مستقبلات متخيلة، موزعة بصورة غير متكافئة في الأصل. فبعض أعضاء المجتمع الدولي الأكثر ثراءً وامتيازاً، وبالتالي الأقوى، قادرون على إسقاط المستقبلات ومأسستها وحكم الزمن، في حين أن معظم الأعضاء الأفقر والأكثر تهميشاً، وبالتالي الأضعف، يواجهون المستقبل بوصفه حقل إمكانات آخذ في الانكماش (Adam and Groves 2007, 181–84؛ Appadurai 2013, 188–89). ومن ثم فإن سياسة المستقبل هي أيضاً سياسة عدم مساواة. فبعض المستقبلات، والدول التي تنتجها، تحظى بسلطة ووجاهة؛ أما معظم المستقبلات الأخرى فتبدو غير قابلة للتصديق.

لماذا مستقبلات شرق آسيا؟

يمثل شرق آسيا ساحة كاشفة لدراسة الزمانية والمستقبلات، لأن سياساته الحديثة تشكلت من خلال مشاريع زمنية متداخلة، مثل الإقليمية الإمبراطورية، والقومية المناهضة للإمبريالية، وإعادة الإعمار بعد الحرب، واللحاق التنموي، والثورة الاشتراكية وما بعد الاشتراكية، والنظام الأمني الذي تقوده الولايات المتحدة، والقلق الديموغرافي، والتحديث التكنولوجي، والنزاعات حول السيادة والأقاليم. وهذه المشاريع الزمنية تتعايش أحياناً وتتصادم في الوقت نفسه. ومع ذلك، هناك فرق بين المنطقة وإضفاء الطابع الإقليمي، إذ تنشأ المناطق من خلال الاعتماد المتبادل، بينما ينشأ الإقليم من خلال مشاريع نشطة لصنع المنطقة (Duara 2013, 5–6). وخلال العقود الماضية، جرى تشكيل شرق آسيا عبر الإمبراطورية، والرأسمالية، والهجرة، والحرب، والتراتبيات الأمنية. ولذلك فإن مستقبلاته المتخيلة العديدة هي، بالضرورة، علاقية إلى حد بعيد. فالمستقبل الصيني القائم على النهضة والمصير المشترك، والمستقبل الياباني القائم على هندوباسيفيك مفتوح، والمستقبل الكوري القائم على الاستقلال الاستراتيجي، والمستقبل التايواني القائم على تقرير المصير الديمقراطي، كلها مستقبلات متبادلة التكوين ومتداخلة.

وفي تأكيده على طبيعة العلاقية في شرق آسيا، يجادل وومَك بأن النظام العالمي المعاصر يُفهم على نحو أفضل بوصفه «متعدد العقد» (multinodal) لا متعدد الأقطاب. وهو يعرّف التعدد العقدي بأنه «مصفوفة غير متناظرة من الفاعلين، يتموضع كل واحد منهم داخل شبكة من العلاقات»، حيث تنتج الأفعال ارتدادات أوسع، ويصبح إدارة عدم اليقين مهمة استراتيجية للدولة (Womack 2024, 24). وفي هذا الإطار، يمثل شرق آسيا موقعاً عقدياً تُنتج فيه المستقبلات المتخيلة من خلال شبكات الإنتاج الصناعي، والمعايير العالمية، وطرق التجارة، وتدفقات الاستثمار، والتحالفات، والعقوبات، والتوقعات الاستراتيجية. وكخاصية أساسية من خصائص التعدد العقدي، فإن النقاشات الخطابية، وكذلك التطورات الميدانية الملموسة المرتبطة بمعايير الذكاء الاصطناعي أو سلاسل الإمداد، كلها ترتد داخل شرق آسيا، ولكن أيضاً إلى الخارج نحو أوروبا، وأفريقيا، وأميركا الجنوبية، وأميركا الشمالية، بما يؤثر في التجارة والأمن. وهكذا، فإن صناعة المستقبل في شرق آسيا تساعد في تحديد الهرميات الإقليمية والعالمية، وتقرر أي أشكال القيادة تُعد مشروعة. ولذلك فإن الادعاءات المتعلقة بمستقبلات شرق آسيا هي، في جوهرها، ادعاءات بالسلطة الزمنية، وهي شكل قوي من أشكال النفوذ يمس كل جانب من جوانب العلاقات الدولية، ويتيح لطيف واسع من الفاعلين ذوي المصالح المتنوعة، سواء كانوا ليبراليين، أو سلطويين، أو ديمقراطيين، أو حضاريين، أو تكنوقراطيين.

الصين: النهضة والمستقبل المشترك

بالنسبة إلى كثيرين، تُعد الصين الفاعل الأكثر وضوحاً وبروزاً في سعيه إلى ممارسة السلطة الزمنية، لأن خطابها الموجَّه نحو المستقبل يربط بصورة صريحة بين الشرعية الداخلية والنظام العالمي. فـ**«الحلم الصيني»** (zhongguo meng) يصوغ «النهضة العظيمة للشعب الصيني» (Zhonghua minzu weida fuxing) بوصفها مستقبلاً متخيلاً وجواباً على سرديات الإذلال التاريخي، ونقص التحديث، ومكانة الصين. غير أن الحلم الصيني ليس مجرد شعار ترفعه الدولة-الحزب في الصين، بل هو حقل خطابي يتجادل داخله المسؤولون، والمثقفون، والمنتجون الثقافيون، وعامة الناس بشأن موقع الصين في السياسة الدولية وكذلك مستقبلها في العالم (Callahan 2013, 1–8). وتكمن القوة السياسية هنا في الصلة الدقيقة بين المعرفة والسلطة، لأن تعريف مستقبل الصين يساوي، في الوقت نفسه، تصوّر دور الصين الحالي في العالم.

أما المفهوم الرسمي لـ**«المجتمع العالمي ذي المصير المشترك»** (renlei mingyun gongtongti)، والذي تُرجم سابقاً في كثير من الأحيان إلى «مجتمع المصير المشترك للبشرية»، إضافة إلى الورقة البيضاء لعام 2023، فيقدمان هذا المفهوم بوصفه رؤية الصين وإجابتها عن سؤال: أي نوع من العالم ينبغي بناؤه، وكيف ينبغي بناؤه؟. فهو يربط بين السلام، والتنمية، والأمن، والحضارة، والبيئة ضمن مفهوم سياسي واحد موجَّه نحو المستقبل، ويشكّل حتى الآن أوجز أشكال التمثيل الذاتي للصين (SCIO 2023). ويستخدم مفهوم المجتمع العالمي ذي المصير المشترك المستقبلية من أجل طرح ادعاء صريح بشأن النظام العالمي، عبر سرد عالم مستقبلي تصبح فيه المفاهيم التي تفضلها بكين هي النواة الشرعية للحوكمة العالمية.

وفضلاً عن ذلك، كثيراً ما تشير الصين إلى مفهوم «تيانشيا» (كل ما تحت السماء) بوصفه بديلاً صينياً أزلياً للأشكال الغربية للنظام. وقد جرى تفسير تيانشيا تقليدياً بوصفه «مشهداً عالمياً» متغيراً يتشكل من خلال الكونية، والتراتبية، والطقوس، والجغرافيا عبر فترات طويلة من التاريخ الصيني، بما يوحي بأن النظام العالمي المتمركز حول الصين كان هو القاعدة في علاقات الماضي الدولية (Wang 2012, 369–70). غير أن الأدبيات تشير إلى أنه، رغم أن المثقفين الصينيين يحاولون بنشاط تعبئة التقاليد الماضية لتخيّل مستقبلات بديلة، فإن مثل هذه السرديات «العودة إلى المستقبل» تظل غير مكتملة لفهم العلاقات الدولية المعاصرة إذا جرى فصلها عن الأشكال الحديثة لـالرأسمالية، والقومية، والمؤسسات (Murthy 2022, 1–3). ومن ثم، فإن صناعة الصين للمستقبل ليست مجرد دعاية ولا مخططاً متماسكاً بالكامل. إنها تفاوض حول المفاهيم والمصطلحات المحددة، أو ما يمكن وصفه بـالبنية التحتية للحوكمة العالمية، التي من خلالها تصبح السيادة، والتراتبية، والنظام أشياء قابلة للتفكير. فالنهضة الوطنية، والمستقبل المشترك، وتيانشيا، كلها تروي قصصاً زمنية مختلفة تتموضع الصين في مركزها.

اليابان وكوريا: مستقبلات إقليمية متنافسة

تمثل اليابان نمطاً مختلفاً من سياسات المستقبل، إذ إنه دفاعي جزئياً ومعياري جزئياً، لأنه ينطوي على تكيّف مطلوب مع صعود الصين، وعلى السعي إلى الحفاظ على النظام الإقليمي، وعلى سرد دور اليابان بوصفها جهة تضطلع بمسؤولية الضبط والتقييد. ويقارن الباحثون بين السرديات الدبلوماسية الصينية واليابانية من خلال التعامل مع مفهوم «المجتمع العالمي ذي المصير المشترك» الصيني ومفهوم «المحيطين الهندي والهادئ الحر والمفتوح» (FOIP) الياباني بوصفهما أداتين سرديتين متنافستين، ترتبطان، على التوالي، بـ مبادرة الحزام والطريق وبالقيم المعيارية (Yoshimatsu 2025, 373, 378). وبالنسبة إلى اليابان، يشكل FOIP «طريقاً ثالثاً» للتنمية بين ضغوط الصين والولايات المتحدة. غير أن سياسات اليابان المستقبلية تشمل أيضاً إنتاجاً مؤسسياً لـ«التهديد» و«القلق» (kenen). ولا يمكن تفسير تصاعد تأطير الصين أمنياً في اليابان فقط من خلال السلوك الصيني؛ إذ إن ترقية وكالة الدفاع اليابانية إلى وزارة الدفاع اليابانية أسهمت في إنتاج خطاب أمني أكثر حدّة، وفي وقت أبكر مما توحي به الجداول الزمنية التقليدية (Schulze 2018, 241–42). وتتميز سرديات التهديد بطابعها الزمني ونتائجها الحاسمة، لأنها تحدد خطراً آخذًا في التشكل، وتسقط مسار تطوره إلى الأمام، وتبرر التغييرات في المؤسسات والسلوكيات قبل أن يصل المستقبل المخيف إلى التحقق الكامل.

وتضيف كوريا الجنوبية بُعداً آخر إلى صناعة المستقبل، يتمثل في التموضع الاستراتيجي تحت شروط عدم اليقين الجيوسياسي. فهي تقف عند تقاطع احتمالات كوريا الشمالية، وسياسات التحالف مع الولايات المتحدة، والانكشاف الاقتصادي على الصين، والذاكرة التاريخية تجاه اليابان، والتجاذب السياسي الداخلي، ولهذا تبدو كوريا الجنوبية شديدة التأثر بالزمانية وبالمستقبلات المتخيلة القادمة من اتجاهات وفاعلين متعددين. ويجادل كوك وآخرون بأن سيول كانت «تقصّص التحوّط» من خلال إزالة حلول مؤقتة سابقة كانت قد ثبّتت العلاقات مع الصين مؤقتاً، كما حدث في أزمة THAAD، وعبر اصطفافها المتزايد مع الولايات المتحدة أمنياً، مع بقائها مقيدة بالاعتماد الاقتصادي المتبادل مع الصين، وإن كان هذا أيضاً يبدو في حالة تغير تحت تأثير السلوك المتقلب للولايات المتحدة في ظل إدارة ترامب (Cook et al. 2024, 1–3, 10). ومن اللافت أن هذا يمثل صراعاً مستمراً حول فن إدارة الدولة الموجّه نحو المستقبل في كوريا الجنوبية: هل ينبغي الحفاظ على الغموض، أم ترسيخ الاصطفاف، أم الاستمرار في التحوّط تحت ضغط التنافس بين القوى الكبرى؟ فإلى جانب كونه سؤالاً أمنياً، فهو أيضاً سؤال عن الزمانية والمستقبلات المتخيلة.

تايوان ومستقبل السيادة

تمثل تايوان، ومستقبلها بوصفه سياسة، شكلاً حاداً من التطور الزمني، لأن السيادة فيها تظل ادعاءً زمنياً غير محسوم. ومن الأهمية بمكان أن تايوان لا تتعلق فقط بالأرض، والردع، والاعتراف الدبلوماسي، بل تمس أيضاً مسألة ما إذا كان الزمن السياسي يُتخيل بوصفه حالة من حرب أهلية غير منتهية، أو نهضة وطنية، أو تقرير مصير ديمقراطي، أو سيادة موروثة، أو غموضاً استراتيجياً دائماً. وكل شكل من أشكال الزمن السياسي هذا يُمكّن حاضراً مختلفاً. وضمن التفكير الصيني، تُعد تايوان كذلك مسألة غير قابلة للتفاوض تتعلق بالسيادة والهوية الوطنية، مع أن أبحاثاً حديثة تشير إلى أن أهداف الصين «عابرة للسلالات الحاكمة» و**«غير متزايدة في نطاقها»**، وأنها أقل هيمنة بكثير مما يفترضه العديد من المحللين الغربيين (Kang et al. 2025, 75, 80–81). وفي نهاية المطاف، فإن سرد تايوان بوصفها سؤالاً غير محسوم بشأن الهوية الوطنية ووحدة الأرض يفسر لماذا تتجاوز تايوان كونها مجرد نقطة اشتعال جيوسياسية تتعلق بـ «حاملة الطائرات غير القابلة للغرق» وأشباه الموصلات الحيوية. فبالنسبة إلى بكين، يمثل توحيد تايوان مع البر الرئيسي مستقبلاً متخيلاً لـ إغلاق التاريخ، أما بالنسبة إلى تايبيه، فإن مستقبلاتها المتخيلة تتركز حول تقرير المصير الديمقراطي، والاستقلال السياسي، ورفض التخلي عن الوضع القائم، وإن كانت هذه المستقبلات مهددة بادعاء الصين السيادة على الجزيرة. ومن ثم، يصبح سؤال الزمانية هو: من يستطيع أن يصبح المنسق لمستقبل مقنع وناجح، ويفضل أن يكون سلمياً، لجماعة سياسية ما؟ وكيف يمكن تسويق هذا المستقبل إلى الأعضاء المحتملين في تلك الجماعة؟

ما الذي يغيّره هذا بالنسبة إلى العلاقات الدولية

أذهب إلى أن أخذ مستقبلات شرق آسيا على محمل الجد يغيّر أربعة أمور بالنسبة إلى العلاقات الدولية ودارسيها. أولاً، إنه يحوّل الانتباه التحليلي من التنبؤ السلبي إلى الإنتاج الفاعل للمستقبل. فالسؤال عما إذا كانت رؤية المستقبل التي ستتحقق في النهاية مطابقة تماماً لما يُدَّعى — سواء كانت المجتمع العالمي ذي المصير المشترك الصيني، أو المحيطين الهندي والهادئ الحر والمفتوح الياباني، أو خيارات الاصطفاف الكورية الجنوبية، أو الاستقلال السياسي التايواني — أقل أهمية من تأثير هذه المستقبلات المتخيلة في الحاضر وما الذي تتيحه. فالحقيقة هي أن هذه المستقبلات المتخيلة تبرر الاستثمارات، وبنى التحالفات، والتغيير المؤسسي، وتعبئة الرأي العام، والردع، والجهود الدبلوماسية.

ثانياً، تُظهر مستقبلات شرق آسيا أن النظام العالمي يُصنع قبل أن يستقر بالكامل. ففي حين تدرس العلاقات الدولية النظام من خلال المؤسسات، والتراتبية، والقواعد، فإن سرديات المستقبل والمستقبلات المتخيلة هي التي تحدد أي نوع من التراتبيات ينبغي قبوله، وأي القواعد ينبغي الدفاع عنها أو مراجعتها.

ثالثاً، إن تحليل مستقبلات شرق آسيا يمنع اختزال المنطقة وتأثيرها في مجرد «صعود الصين» أو «التنافس الأميركي-الصيني». فرغم أن الصين تحتل موقعاً مركزياً، فإن فاعلين آخرين مثل اليابان، وكوريا الجنوبية، وتايوان يكتسبون أهمية أيضاً من خلال صياغة مستقبلات متخيلة للنظام الإقليمي، وللمخاطر، والتهديدات، والانكشاف الاقتصادي، وهي مستقبلات تتطور في علاقتها بعضها ببعض، كما في علاقتها برؤية بكين للمستقبل.

رابعاً، إن مستقبلات شرق آسيا، سواء على المستوى الفردي أو في أثرها التراكمي، لا تبقى محلية أو إقليمية؛ ففي نظام متعدد العقد، ترتد الاحتمالات الأمنية، والإكراه الاقتصادي، وإعادة هيكلة التحالفات، وحسابات المخاطر إلى ما هو أبعد كثيراً من المنطقة، وتؤثر في السياسة في جميع القارات وفي النظام العالمي ككل. وليس المقصود بذلك أن شرق آسيا يحدد ما يحدث في مناطق العالم الأخرى، بل إن مستقبلات شرق آسيا تعيد توزيع عدم اليقين، والفرص، والمخاطر، والقيود عبر الشبكة الأوسع متعددة العقد للعلاقات الدولية.

المراجع
Adam, Barbara, and Chris Groves. 2007. Future Matters: Action, Knowledge, Ethics. Brill. https://doi.org/10.1163/ej.9789004161771.i-218. Appadurai, Arjun. 2013. The Future As Cultural Fact: Essays on the Global Condition. Verso. Beckert, Jens. 2016. Imagined Futures: Fictional Expectations and Capitalist Dynamics. Harvard University Press. Callahan, William A. 2013. China Dreams: 20 Visions of the Future. Oxford University Press. Cook, Richard J., Maximilian Ohle, and Zhaoying Han. 2024. ‘South Korea’s Foreign Policy Shifts Under President Yoon and Implications for the Sino-US Peer Competition’. Korea Observer 55 (1): 1–28. https://doi.org/10.29152/KOIKS.2024.55.1.1. Cook, Richard J., Maximilian Ohle, and Zhaoying Han. 2025. Asia Pacific Secondary States as Kingmakers: Alignment Roles in the China-US Strategic Competition. Routledge. https://doi.org/10.4324/9781003512165. Duara, Prasenjit, ed. 2013. Asia Redux: Conceptualizing a Region for Our Times. Institute of Southeast Asian Studies. Goh, Evelyn. 2013. The Struggle for Order: Hegemony, Hierarchy, and Transition in Post-Cold War East Asia. Oxford University Press. Hom, Andrew R. 2020. International Relations and the Problem of Time. Oxford University Press. Hutchings, Kimberly. 2008. Time and World Politics: Thinking the Present. Manchester University Press. Kang, David C., Jackie S. H. Wong, and Zenobia T. Chan. 2025. ‘What Does China Want?’ International Security 50 (1): 46–81. https://doi.org/10.1162/ISEC.a.5. Koselleck, Reinhart. 2004. Futures Past: On the Semantics of Historical Time. Columbia University Press. Mische, Ann. 2009. ‘Projects and Possibilities: Researching Futures in Action’. Sociological Forum 24 (3): 694–704. https://doi.org/10.1111/j.1573-7861.2009.01127.x. Murthy, Viren. 2022. The Politics of Time in China and Japan: Back to the Future. Routledge. Schulze, Kai. 2018. ‘Japan’s New Assertiveness: Institutional Change and Japan’s Securitization of China’. International Relations of the Asia-Pacific 18 (2): 221–47. SCIO. 2023. ‘Full Text: A Global Community of Shared Future: China’s Proposals and Actions’. State Council Information Office of the People’s Republic of China, September 1. https://www.chinadaily.com.cn/a/202309/26/WS65124140a310d2dce4bb7dce.html. Wang, Mingming. 2012. ‘All under Heaven (Tianxia): Cosmological Perspectives and Political Ontologies in Pre-Modern China’. HAU: Journal of Ethnographic Theory 2 (1): 337–83. https://doi.org/10.14318/hau2.1.015. Womack, Brantly. 2024. ‘Strategic Principles for Co-Existence in a Multinodal World’. China International Strategy Review, no. 6 (May): 22–38. https://doi.org/10.1007/s42533-024-00155-8. Yoshimatsu, Hidetaka. 2025. ‘Examining China and Japan’s Narratives as Diplomatic Tools: Competitive Nature and International Influence’. Journal of Contemporary China 34 (153): 367–82. https://doi.org/10.1080/10670564.2024.2352760.
First published in: E-International Relations Original Source
Igor Sevenard

Igor Sevenard

إيغور سيفينارد طالب دكتوراه في جامعة دويسبورغ-إيسن بألمانيا، وعضو في مجموعة التدريب البحثي 2833، بعنوان "مستقبل شرق آسيا: رؤى وتحقيقات على المستويات الوطنية والإقليمية والعالمية". يحمل شهادة ماجستير في الدراسات الصينية المعاصرة من جامعة أكسفورد. تشمل اهتماماته البحثية النظام والمكانة والسرد في العلاقات الدولية، بالإضافة إلى تنافس القوى العظمى والسياسة الخارجية الصينية. نُشرت أعماله في مجلات "Politics" و"Journal of Current Chinese Affairs" و"Asian Review of Political Economy". كما ساهم في "The Diplomat" و"E-International Relations" و"The Loop – ECPR".

Leave a Reply