إن قرار دولة الإمارات العربية المتحدة الانسحاب من منظمة البلدان المصدرة للبترول (أوبك) سيترك تكتل النفط أضعف في وقت حرج. كما أنه يعكس التوترات المستمرة بين الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية، أكبر منتج في أوبك وقائدها الفعلي.
فقد أعلنت الإمارات في 28 أبريل/نيسان 2026 أنها ستغادر أوبك وأوبك+، وهي المجموعة الموسعة التي تضم روسيا، اعتباراً من 1 مايو/أيار، ما يحرم هذين التكتلين من ثالث ورابع أكبر منتج للنفط فيهما على التوالي.
ورغم أن هذه الخطوة قد تبدو مفاجئة، فإنني، بوصفي متابعاً عن كثب للإمارات ولسياسات الخليج الداخلية، أرى أن قرار أبوظبي مغادرة أوبك والعمل بشكل منفرد كان مطروحاً منذ فترة، ويأتي بعد سنوات من شكاوى أبوظبي من المنظمة.
ويأتي هذا الإعلان أيضاً بعد سنوات من التباعد بين السياسات النفطية الإماراتية والسعودية، إلى جانب تنامي التنافس بين البلدين بشأن قضايا إقليمية أوسع. وقد ظهر هذا الصدع بين أكبر دولتين سنيتين في الخليج إلى العلن في ديسمبر/كانون الأول 2025، عندما هددت الرؤى المتنافسة بشأن الأمن في اليمن بإشعال النزاع الأهلي من جديد في ذلك البلد المنهك بالحرب.
غير أن الوحدة التي ظهرت في مواجهة الهجمات الإيرانية منذ ذلك الوقت لا ينبغي أن تحجب هذا الانقسام الكامن، والذي لا يمثل قرار الإمارات بشأن أوبك سوى أحدث تجلياته.
أبرز كارتل في العالم
تأسست منظمة أوبك في عام 1960 بوصفها وسيلة تمكّن كبار منتجي النفط من تحديد سقوف الإنتاج، ومن ثم التحكم في أسعار النفط الخام على مستوى العالم.
وقد كانت الإمارات العربية المتحدة عضواً في أوبك منذ قيام الاتحاد المكوَّن من الإمارات السبع عام 1971، مع أن أبوظبي، الإمارة التي تمتلك 95% من الاحتياطيات النفطية الإماراتية، كانت عضواً في المنظمة منذ عام 1967.
في ذروة نفوذها خلال منتصف وأواخر سبعينيات القرن العشرين، أدت أوبك دوراً قوياً في إعادة تشكيل ميزان القوى بين منتجي النفط ومستهلكيه، وفي مواجهة الهيمنة الغربية في سياق ما بعد الاستعمار القائم على تأميم الموارد.
وفي حين انسحبت دول أخرى من أوبك في السنوات الأخيرة، مثل قطر في عام 2019 وأنغولا في عام 2024، فإن أثر خروج الإمارات العربية المتحدة يأتي على نطاق أكبر بكثير، إذ يمس نحو 12% من إجمالي إنتاج أوبك النفطي.
وفوق ذلك، فإن خروج الإمارات يحرم أوبك من أحد قلة من المنتجين الكبار القادرين على تعديل الإنتاج بسرعة، مما يضعف قدرة المنظمة على الاستجابة السريعة لتغيرات السوق في المستقبل.
أولويات خليجية متباينة
كانت الإمارات قد بدأت التلميح إلى احتمال حدوث انقسام منذ ما لا يقل عن خمس سنوات، عندما ظهرت خلافات في الرأي مع السعودية بشأن كيفية إدارة السياسة النفطية قبيل قمة أوبك+ في نوفمبر/تشرين الثاني 2020. وأصبح هذا الخلاف واضحاً للعلن خلال اجتماع لاحق لدول أوبك+ في يوليو/تموز 2021.
وفي كلتا الحالتين، كانت الإمارات ترغب في زيادة إنتاج النفط، الذي كانت دول أوبك قد خفّضته بشدة خلال جائحة كوفيد-19، بينما سعت السعودية إلى الإبقاء على الأسعار مرتفعة من خلال المحافظة على مستويات إنتاج أقل.
ويعكس هذا، جزئياً، اختلاف الظروف بين الدولتين الخليجيتين. فالسعودية تعتمد على الأسعار المرتفعة للنفط من أجل تأمين الإيرادات اللازمة لتمويل ميزانيتها الضخمة والإنفاق على مشروعات بنية تحتية هائلة مثل مشروع رؤية 2030. أما الاقتصاد الإماراتي، فهو أكثر تنوعاً وأقل اعتماداً بشكل مباشر على العائدات النفطية.
وفي المقابل، استثمرت أبوظبي بكثافة خلال السنوات الأخيرة لتوسيع طاقتها الإنتاجية، بحيث ترتفع من 3.4 ملايين برميل يومياً قبل الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران إلى 5 ملايين برميل يومياً بحلول عام 2027، وربما إلى مستويات أعلى بعد ذلك.
ويعكس هذا التوجه رغبة في تحقيق عائد من الاحتياطيات ونقل النفط إلى السوق، تفادياً لمخاطر تحوّل هذه الأصول إلى أصول عالقة إذا ما تراجع الطلب العالمي مستقبلاً في سياق أي انتقال بعيداً عن الوقود الأحفوري.
ومع تحررها من قيود حصص أوبك، التي ضاقت بها الإمارات لسنوات، سيكون بوسع المسؤولين في أبوظبي زيادة الإنتاج إذا أرادوا ذلك، بمجرد كسر حالة الجمود مع إيران وإعادة فتح مضيق هرمز بالكامل.
تحولات إقليمية ما بعد الحرب الإيرانية
من الواضح أن القيادة الإماراتية عازمة، قبل كل شيء، على المضي قدماً في تغليب مصالحها الوطنية، مع التركيز على إعطاء الأولوية لعلاقاتها مع الولايات المتحدة – وربما أيضاً مع إسرائيل – على حساب علاقاتها مع الدول التي ترى أبوظبي أنها تمثل عالماً قديماً تسعى اليوم إلى مغادرته.
ومع أن الحرب في إيران ربما تكون قد حجبت مؤقتاً انفجار التوترات السعودية-الإماراتية بشأن اليمن وبشأن الرؤى المتنافسة لمستقبل المنطقة، فإن هذا الخلاف لم يكن قد حُلّ قبل انطلاق العمليات العسكرية الأميركية والإسرائيلية في 28 فبراير/شباط.
كما أن تصريحات شخصيات إماراتية بارزة أوحت بأن المسؤولين في الإمارات راقبوا عن كثب، من وجهة نظرهم، أي الدول وقفت إلى جانب الإمارات وساعدتها في أوقات الأزمات، وأيها لم يفعل ذلك.
ومن ثم، فإن قرار أوبك يعكس حسابات في أبوظبي مفادها أنه لم تعد هناك جدوى من البقاء ضمن منظمة تهيمن عليها السعودية. وقد تكون مراجعة الإمارات لعضويات أخرى، مثل جامعة الدول العربية، أو منظمة التعاون الإسلامي، أو حتى مجلس التعاون الخليجي، هي الخطوة التالية، مع شروع الإمارات ودول إقليمية أخرى في التفكير في مشهد ما بعد الحرب، بما يحمله من غموض وعدم يقين.
Related
First published in:
The Conversation
Kristian Coates Ulrichsen
"كريستيان كوتس أولريشسن، الحاصل على درجة الدكتوراه، زميل متخصص في شؤون الشرق الأوسط في معهد بيكر. تتناول أبحاثه تغير مكانة دول الخليج العربي في النظام العالمي، بالإضافة إلى بروز تحديات غير عسكرية طويلة الأمد للأمن الإقليمي. عمل سابقًا محللًا أول لشؤون الخليج في مركز الخليج للدراسات الاستراتيجية، ومديرًا مشاركًا لبرنامج الكويت للتنمية والحوكمة والعولمة في دول الخليج في كلية لندن للاقتصاد. نشر كوتس أولريشسن العديد من المؤلفات حول الخليج، منها: ""دول الخليج في الاقتصاد السياسي الدولي"" (بالغريف ماكميلان، 2015)، و""الإمارات العربية المتحدة: القوة والسياسة وصنع القرار"" (راوتليدج، 2016)، و""قطر وأزمة الخليج"" (مطبعة جامعة أكسفورد، 2020). نُشرت مقالات كوتس أولريشسن في العديد من المجلات الأكاديمية، بما في ذلك مجلة السياسة العالمية ومجلة الدراسات العربية، وهو يقدم استشارات منتظمة حول قضايا الخليج للهيئات الحكومية والخاصة في جميع أنحاء العالم. يحمل كوتس أولريشسن شهادة الدكتوراه في التاريخ من جامعة كامبريدج."