أولًا: المقدمة
تصاعدت التوترات بين الولايات المتحدة وإيران مجددًا في الآونة الأخيرة. وفور تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب التي أشار فيها إلى احتمال إنهاء اتفاق وقف إطلاق النار الهش بين البلدين، عقب الهجوم الإيراني على السفن في مضيق هرمز، أعلن الجيش الأميركي أنه نفذ يوم الأربعاء ٨ يوليو ٢٠٢٦ غارات جوية استهدفت نحو ٩٠ موقعًا في أنحاء إيران.
وردًا على ذلك، هاجمت إيران حلفاء الولايات المتحدة في مختلف أنحاء الشرق الأوسط. وصدر عدد من التحذيرات من هجمات محتملة في قطر والبحرين والكويت، ثم في الأردن بعد ساعات قليلة، في حين اتهم كل طرف الآخر بانتهاك شروط اتفاق وقف إطلاق النار.
إضافة إلى ذلك، أعلنت إيران إغلاق مضيق هرمز يوم الأحد ١٢ يوليو ٢٠٢٦، مشيرة إلى «الأعمال العدائية» والضربات الأميركية الجديدة. [١]
وأبلغ الرئيس دونالد ترامب الكونغرس الأميركي رسميًا بأن «العمل العسكري» الأميركي ضد إيران استؤنف في ٧ يوليو ٢٠٢٦.
وفي وقت لاحق، أعلن الجيش الأميركي رسميًا يوم الثلاثاء ١٤ يوليو ٢٠٢٦ استئناف حصار الموانئ الإيرانية، ردًا على الهجوم الإيراني على السفن التجارية في مضيق هرمز.
وجاء هذا الإجراء في ظل تزايد المخاوف من استئناف الحرب الشاملة، عقب اقتراب اتفاق وقف إطلاق النار من الانهيار.
وكانت الولايات المتحدة قد بدأت حصار الموانئ الإيرانية للمرة الأولى في منتصف أبريل ٢٠٢٦، لكنها رفعته في منتصف يونيو، بعد يوم واحد من توقيع اتفاق مؤقت لوقف إطلاق النار بهدف إنهاء الحرب.
ونص الاتفاق على استكمال المفاوضات بشأن البرنامج النووي الإيراني خلال ٦٠ يومًا، إلا أن المحادثات توقفت مع تصاعد القتال بين البلدين حول مضيق هرمز.
وفي يوم الاثنين ١٣ يوليو، أعلن الرئيس دونالد ترامب استئناف حصار الموانئ الإيرانية، وصرح بأنه سيفرض رسوم عبور بنسبة ٢٠ في المئة على السفن المارة عبر مضيق هرمز.
غير أن ترامب تراجع عن خطة تحصيل الرسوم قبل ساعات فقط من إعلان استئناف الحصار، مشيرًا إلى طلبات تقدمت بها دول الخليج الحليفة للولايات المتحدة. [٢]
وألقت الاشتباكات الأخيرة بين البلدين، خلال الفترة الممتدة من أوائل يوليو إلى منتصفه، بظلال من عدم اليقين على مصير اتفاق السلام الرامي إلى إنهاء الحرب.
وقد انقضى نحو نصف فترة وقف إطلاق النار البالغة ٦٠ يومًا، التي كان من المفترض أن تتوصل خلالها فرق التفاوض التابعة للبلدين إلى اتفاق نهائي.
وبموجب اتفاق وقف إطلاق النار، وافقت إيران على التنازل عن رسوم العبور عبر مضيق هرمز لمدة ٦٠ يومًا، إلا أن الاتفاق لم يحدد ما سيحدث بعد انتهاء هذه الفترة.
وتؤكد إيران امتلاكها سلطة إدارة حركة العبور وفرض الرسوم، في حين تعارض الولايات المتحدة ذلك بشدة.
وفي ظل هذه الظروف، ومع استئناف الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، شن الحوثيون في اليمن، الذين التزموا الهدوء لبعض الوقت، هجومًا صاروخيًا على مطار أبها في جنوب غرب المملكة العربية السعودية يوم ١٣ يوليو ٢٠٢٦.
وجاء الهجوم ردًا على الغارة الجوية السعودية التي استهدفت مطار صنعاء في اليمن. [٣]
وكما يوضح الشكل الأول، ندد الحوثيون المدعومون من إيران، والذين يسيطرون على شمال غرب اليمن، بالهجوم السعودي على مدرج مطار صنعاء، ووصفوه بأنه «عمل عدواني سافر».

الشكل الأول: خريطة اليمن
المصدر: مجلس العلاقات الخارجية
يمكن اعتبار تبادل الهجمات هذا أبرز تصعيد في الصراع بين الحوثيين والمملكة العربية السعودية، الذي ظل خامدًا إلى حد بعيد منذ دخول وقف غير رسمي لإطلاق النار حيز التنفيذ قبل أربعة أعوام.
وقد دمرت اليمن حرب أهلية بدأت عام ٢٠١٤، عندما أطاح الحوثيون بالحكومة الحاكمة من العاصمة صنعاء. وازداد الصراع حدة في عام ٢٠١٥، حين تدخل تحالف عربي بقيادة السعودية في الحرب الأهلية اليمنية بهدف إعادة الحكومة المعزولة إلى السلطة.
وسرعان ما تحول الحوثيون من جماعة مسلحة متمردة محلية داخل اليمن إلى قوة مسلحة على مستوى الدولة تمتلك قدرات عسكرية قوية ومتنامية باستمرار. [٤]
وبدعم من التدريب والمعلومات الاستخباراتية والأسلحة التي قدمها الحرس الثوري الإيراني وحزب الله، سيطر الحوثيون على منشآت وبنى تحتية يمنية رئيسية، من بينها ميناء الحديدة على ساحل البحر الأحمر ومواقع حيوية في صنعاء.
واستنادًا إلى هذا النفوذ، شن الحوثيون هجمات في منطقة البحر الأحمر، شملت الاعتداء على السفن التجارية العابرة لهذه المياه بين عامي ٢٠٢٣ و٢٠٢٥. كما تعرضوا في المقابل لضربات انتقامية نفذتها الولايات المتحدة والمملكة المتحدة.
وهدد الحوثيون بالمشاركة في الحرب التي اندلعت بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى في ٢٨ فبراير ٢٠٢٦، في إشارة إلى امتلاكهم القدرة على حشد الموارد اللازمة للانخراط في الصراع.
وبالفعل، تدخل الحوثيون رسميًا في الحرب يوم ٢٨ مارس من خلال إطلاق صواريخ باليستية باتجاه إسرائيل. غير أنهم التزموا الهدوء منذ ذلك الحين وامتنعوا عن شن مزيد من الهجمات على إسرائيل.
ومع إعادة فرض الحصار على مضيق هرمز نتيجة استئناف القتال بين الولايات المتحدة وإيران، أثار تبادل الهجمات بين السعودية والحوثيين مخاوف من احتمال فتح الحوثيين جبهة أخرى في الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، من خلال محاولة فرض حصار على مضيق باب المندب، الذي يبلغ عرضه ٣٢ كيلومترًا، والذي سبق أن استهدفوه خلال الحرب بين إسرائيل وحماس عام ٢٠٢٣.
ويُعد مضيق باب المندب أحد أكثر الممرات البحرية ازدحامًا في العالم، إلى جانب مضيقي ملقا وهرمز، كما يمثل المنفذ البحري الوحيد من المحيط الهندي إلى البحر الأحمر.
وفي الواقع، ذكرت صحيفة «ذا تلغراف» البريطانية في ١٥ يوليو ٢٠٢٦ أن الحوثيين المدعومين من إيران في اليمن ينسقون مع حركة الشباب المسلحة في الصومال من أجل تمهيد الطريق لفرض حصار على مضيق باب المندب. [٥]
وفي نهاية المطاف، أعلنت قيادة الحوثيين يوم الاثنين ٢٠ يوليو ٢٠٢٦ أنها ستبدأ فورًا تنفيذ حصار بحري على المملكة العربية السعودية.
وانطلاقًا من هذه الخلفية، تهدف هذه الورقة إلى تحليل ثلاث مسائل: أولًا، كيفية نشأة الحوثيين المدعومين من إيران؛ وثانيًا، طبيعة النفوذ الذي مارسوه داخل اليمن وخارجه؛ وثالثًا، ما إذا كانوا سينفذون هذه المرة حصارًا كاملًا على مضيق باب المندب بالتنسيق مع إيران.
ثانيًا: كيف نشأ الحوثيون؟
الحوثيون، المعروفون رسميًا باسم «أنصار الله»، هم جماعة مسلحة مدعومة من إيران تسيطر على مساحة واسعة في شمال اليمن وغربه، بما في ذلك العاصمة صنعاء.
ويُعد الحوثيون طرفًا رئيسيًا في الحرب الأهلية اليمنية المستمرة، وقد تعرضوا لإدانات دولية واسعة بسبب انتهاكاتهم لحقوق الإنسان، بما في ذلك استهداف المدنيين واستخدام الأطفال جنودًا.
وصنفت بعض الدول، من بينها الولايات المتحدة، حركة الحوثيين منظمة إرهابية. وتحظى الجماعة بدعم إيران، ويُنظَر إليها على نطاق واسع بوصفها جزءًا من «محور المقاومة» الذي تقوده طهران.
والحوثيون حركة سياسية وعسكرية إسلامية شيعية ذات توجه إحيائي زيدي، ظهرت في اليمن خلال تسعينيات القرن العشرين. وتتكون الحركة في معظمها من أتباع المذهب الزيدي، وتنحدر قيادتها التي تحمل اسمها بدرجة كبيرة من عائلة الحوثي. [٦]
وبرز الحوثيون، تحت قيادة الزعيم الديني الزيدي حسين الحوثي، بوصفهم حركة معارضة للرئيس اليمني علي عبد الله صالح، الذي اتهموه بالفساد وتلقي الدعم من السعودية والولايات المتحدة.
وفي عام ٢٠٠٣، وتحت تأثير حزب الله، التنظيم السياسي والعسكري الشيعي اللبناني، تبنى الحوثيون شعارهم الرسمي المناهض للولايات المتحدة وإسرائيل واليهود.
ورفض حسين الحوثي أمر صالح باعتقاله، ثم قتلته القوات المسلحة اليمنية في محافظة صعدة عام ٢٠٠٤، ما أشعل تمرد الحوثيين. ومنذ ذلك الحين، تولى شقيقه عبد الملك الحوثي قيادة الحركة في معظم مراحلها. [٧]
وشارك الحوثيون في الثورة اليمنية عام ٢٠١١ من خلال الانضمام إلى الاحتجاجات في الشوارع والتنسيق مع جماعات المعارضة اليمنية الأخرى.
كما شاركوا في مؤتمر الحوار الوطني اليمني، لكنهم رفضوا لاحقًا اتفاق المصالحة المبرم عام ٢٠١١.
وفي أواخر عام ٢٠١٤، أصلح الحوثيون علاقتهم بالرئيس السابق علي عبد الله صالح، وتمكنوا بمساعدته من السيطرة على العاصمة.
وأدى استيلاء الحوثيين على صنعاء إلى تدخل عسكري بقيادة السعودية بهدف إعادة الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا. وأسفر ذلك عن حرب أهلية لا تزال مستمرة، شملت هجمات صاروخية وبطائرات مسيّرة شنها الحوثيون ضد السعودية وحليفتها الإمارات العربية المتحدة. [٨]
وعقب اندلاع الحرب بين إسرائيل وغزة عام ٢٠٢٣، بدأ الحوثيون إطلاق الصواريخ باتجاه إسرائيل ومهاجمة السفن قبالة الساحل اليمني في البحر الأحمر.
وقال الحوثيون إن هذه الهجمات جاءت تضامنًا مع الفلسطينيين، وهدفت إلى تسهيل دخول المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة. [٩]
وتستقطب حركة الحوثيين أنصارًا داخل اليمن من خلال تقديم نفسها بوصفها حركة تسعى إلى تحقيق التنمية الاقتصادية وإنهاء التهميش السياسي للشيعة الزيديين، إلى جانب الترويج لقضايا سياسية ودينية إقليمية عبر وسائل إعلامها.
وتتسم علاقة الحوثيين بالسنة في اليمن بالتعقيد؛ فقد مارست الحركة التمييز ضد بعض السنة، لكنها أقامت في الوقت نفسه تحالفات معهم وجندت عددًا منهم في صفوفها.
ويهدف الحوثيون إلى حكم اليمن بأكمله، كما يدعمون حركات خارجية مناهضة للولايات المتحدة وإسرائيل والمملكة العربية السعودية. ونظرًا إلى الخلفية الأيديولوجية للحركة، يُنظر إلى الصراع في اليمن على نطاق واسع بوصفه إحدى جبهات الحرب بالوكالة بين إيران الشيعية والسعودية السنية. [١٠]
ثالثًا: قوة الحوثيين ونفوذهم داخل اليمن
١. نظرة عامة
بدأ الحوثيون بوصفهم حركة سياسية، ثم اتجهوا نحو العمل العسكري في أواخر العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، وخاضوا عدة حروب ضد الحكومة اليمنية.
وتختلف التقديرات المتعلقة بحجم الحركة بدرجة كبيرة، إذ تتراوح بين نحو ٢٠ ألف مقاتل أساسي، يتكونون من قوات قبلية وعسكريين سابقين في القوات الحكومية، وما يصل إلى ٣٥٠ ألف مقاتل. [١١]
وثار الحوثيون ضد الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا عام ٢٠١١، ثم أطاحوا بها عام ٢٠١٤. وأعقب ذلك اندلاع الحرب الأهلية اليمنية التي لا تزال مستمرة حتى اليوم، فيما ظلت خطوط القتال مجمدة إلى حد كبير إلى أن هاجم الحوثيون مطار أبها الدولي في المملكة العربية السعودية يوم ١٣ يوليو ٢٠٢٦.
ويسيطر الحوثيون حاليًا على نحو ثلث أراضي اليمن، حيث يعيش قرابة ثلثي سكان البلاد.
ولا تحظى حكومة الحوثيين، التي تتخذ من العاصمة صنعاء مقرًا لها، باعتراف دولي سوى من إيران، كما تتأثر بتفسيرات متشددة للشريعة الإسلامية وبالتقاليد المحلية القائمة على التراتبية الاجتماعية.
ووفقًا لقناة الجزيرة، وكما يوضح الشكل الثاني، تتنافس ثلاث قوى رئيسية على السيطرة في اليمن: مجلس القيادة الرئاسي المدعوم من السعودية، والمجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم من الإمارات، والحوثيون المدعومون من إيران. [١٢]

الشكل الثاني: القوى الرئيسية الثلاث في اليمن
المصدر: الجزيرة
أ. مجلس القيادة الرئاسي
يُعد مجلس القيادة الرئاسي الهيئة التنفيذية للحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا. وقد تأسس في ٧ أبريل ٢٠٢٢، ويتخذ من عدن مقرًا له.
ويتولى رشاد العليمي رئاسة المجلس منذ عام ٢٠٢٢، بعدما نقل الرئيس السابق عبد ربه منصور هادي صلاحياته رسميًا إلى الهيئة الجديدة المكونة من ثمانية أعضاء، التي أُنشئت بهدف توحيد الفصائل المختلفة التي تقاتل الحوثيين.
ويضم المجلس مجموعة من القادة السياسيين والعسكريين من شمال اليمن وجنوبه. وعند تأسيسه عام ٢٠٢٢، ضم المجلس الانتقالي الجنوبي في محاولة لتوحيد القوى المناهضة للحوثيين. غير أن هذا التحالف انهار في ٧ يناير ٢٠٢٦، عندما طرد مجلس القيادة الرئاسي قيادة المجلس الانتقالي الجنوبي عقب محاولتها السيطرة على المحافظات النفطية شرقي البلاد. [١٣]
وتتمثل مهمة مجلس القيادة الرئاسي في إدارة الشؤون السياسية والأمنية والعسكرية لليمن خلال المرحلة الانتقالية، وتوجيه المفاوضات نحو التوصل إلى وقف دائم لإطلاق النار.
ب. المجلس الانتقالي الجنوبي
شهد المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم من الإمارات تحولات كبيرة جعلت مستقبله غير مؤكد.
وكان المجلس قد دعم في البداية الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا في مواجهة الحوثيين في شمال البلاد، لكنه يسعى إلى إقامة دولة مستقلة في جنوب اليمن، على غرار دولة اليمن الجنوبي التي كانت قائمة قبل توحيد البلاد عام ١٩٩٠ في عهد الرئيس السابق علي عبد الله صالح.
وفي ٧ يناير ٢٠٢٦، أعلنت الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا أن رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي، عيدروس الزبيدي، ارتكب الخيانة، وقررت إقالته من مجلس القيادة الرئاسي. [١٤]
وبدلًا من حضور اجتماع في الرياض، فر الزبيدي من البلاد بصورة مفاجئة في ٨ يناير، وتردد أنه توجه إلى الإمارات عبر أرض الصومال.
وفي ٩ يناير، أعلن وفد من أعضاء المجلس الانتقالي الجنوبي الموجودين في الرياض حل المجلس. غير أن مسؤولًا في المجلس داخل اليمن رفض هذا الإعلان، وقال لقناة الجزيرة إن أعضاء الوفد في الرياض «أُجبروا» على إصدار البيان.
ومنذ فقدان المجلس الأراضي التي كان يسيطر عليها وإعلان حلّه، واصل أعضاء التنظيم المقيمون في الإمارات إصدار البيانات والدعوة إلى تنظيم الاحتجاجات.
ج. الحوثيون
الحوثيون جماعة مسلحة تحظى بالتدريب والدعم من إيران، وتسيطر على مساحة واسعة في شمال اليمن وغربه، بما في ذلك العاصمة صنعاء.
وظهرت الحركة خلال تسعينيات القرن العشرين، لكنها اكتسبت شهرة دولية واسعة عام ٢٠١٤، عندما تمردت على الحكومة اليمنية وأجبرتها على التنحي.
ثم خاضت الجماعة سنوات من القتال ضد تحالف عسكري تقوده المملكة العربية السعودية. وقد تجمدت جبهات القتال إلى حد كبير منذ الهدنة التي توسطت فيها الأمم المتحدة في أبريل ٢٠٢٢.
وكما يوضح الشكل الثالث، يسيطر الحوثيون على عدد من المواقع الاستراتيجية على امتداد ساحل البحر الأحمر، من بينها ميناء الحديدة الحيوي، ما يمنحهم نفوذًا على مضيق باب المندب، الذي يمثل ممرًا بالغ الأهمية لحركة الشحن العالمية. [١٥]

الشكل الثالث: مناطق السيطرة في اليمن حتى يناير ٢٠٢٦
المصدر: الجزيرة
يؤدي الحوثيون دور الحكومة الفعلية في شمال غرب اليمن، إذ يسيطرون على العاصمة صنعاء وعلى مناطق يعيش فيها أكثر من ثلثي سكان البلاد. ويشمل دورهم الداخلي إدارة شؤون الحكم، وترسيخ دولة دينية، وفرض قيود اجتماعية صارمة، واستغلال القضية الفلسطينية لتعزيز شرعيتهم الداخلية وصرف الانتباه عن إخفاقاتهم في إدارة البلاد.
الحكم والسيطرة المدنية
يمارس الحوثيون سيطرة استبدادية على موظفي الدولة والمؤسسات المحلية والسلطة القضائية. كما يفرضون الضرائب ويستحوذون على موارد الشركات المحلية، في حين تُوجَّه إليهم بصورة متكررة اتهامات بتحويل المساعدات الغذائية الدولية إلى مقاتليهم ومؤيديهم.
التلقين الأيديولوجي
تعمل حركة الحوثيين على تشكيل أفكار السكان من خلال مناهج دينية متشددة ومعسكرات صيفية واسعة النطاق. وتشير التقديرات إلى أن ٦٥ في المئة من الأطفال في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين يلتحقون بهذه المعسكرات، التي تُستخدم لتلقين الشباب أيديولوجيًا وتجنيد الأطفال في صفوف المقاتلين.
القيود الاجتماعية
يفرض الحوثيون قيودًا دينية صارمة، من بينها الفصل بين الجنسين في الأماكن العامة، والحد من حقوق النساء، وقمع الصحفيين والناشطين في المجتمع المدني والمعارضين السياسيين.
صرف الانتباه وتعزيز الشرعية
يعاني اليمن إحدى أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، إذ يؤثر سوء التغذية الحاد، ونقص الغذاء، وانهيار البنية التحتية في ملايين الأشخاص.
ووفقًا لمنظمة الأمم المتحدة للطفولة «اليونيسف»، أدى عقد من الحرب الأهلية والأزمة الاقتصادية وغياب الخدمات الاجتماعية وفرص العمل إلى إصابة ملايين الأطفال اليمنيين بسوء التغذية الحاد وبعشرات الأمراض.
ووفقًا للأمم المتحدة، يواجه ما لا يقل عن ١٧ مليون شخص، أي نحو نصف سكان اليمن البالغ عددهم ٤٢ مليونًا، نقصًا حادًا في الغذاء.
وفي مايو ٢٠٢٥، أفادت الأمم المتحدة بأن ٤.٩٥ ملايين مواطن يواجهون المرحلة الثالثة من انعدام الأمن الغذائي، أي مستوى الأزمة، بينهم ١.٥ مليون شخص يواجهون المرحلة الرابعة، أي مستوى الطوارئ.
كما يحتاج نحو ١١ مليون طفل إلى مساعدات إنسانية، ويحتاج قرابة ٢٠ مليون شخص إلى دعم عاجل، في حين نزح نحو ٤.٨ ملايين شخص من منازلهم منذ عام ٢٠١٥.
وفي مواجهة الانتقادات الحادة المرتبطة بهذا الدمار الاقتصادي في اليمن، يستخدم الحوثيون حملاتهم العسكرية، مثل الهجمات في البحر الأحمر والضربات الموجهة إلى إسرائيل، أداةً دعائية.
ويستغلون هذه العمليات لحشد المشاعر المحلية والقومية العربية، ويقدمون أنفسهم بوصفهم مدافعين عن المظلومين، في الوقت الذي يقمعون فيه المعارضة الداخلية.
٢. القوة العسكرية للحوثيين
وفقًا لتقرير معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام لعام ٢٠٢٣، أصبح الحوثيون ثالث أكبر متلقٍ للأسلحة والمنظومات العسكرية الإيرانية، إذ استحوذوا على ٧.٤ في المئة من إجمالي صادرات إيران من الأسلحة.
ويشير ظهور الحوثيين، بوصفهم الجهة الوحيدة من غير الدول، ضمن قائمة أكبر ٢٥ موردًا ومتلقيًا للأسلحة على مستوى العالم، إلى وضع مقلق في منطقة الخليج، ولا سيما في البحر الأحمر وبحر العرب. [١٦]
ظهرت حركة الحوثيين خلال تسعينيات القرن العشرين بوصفها جماعة مسلحة محلية متمردة في شمال اليمن. غير أنها اكتسبت، على مر السنين، مزيدًا من القوة والنفوذ، وتحولت إلى فاعل عسكري مهم من غير الدول يؤثر في الجغرافيا السياسية الإقليمية.
وبعد سيطرتها على صنعاء، عاصمة اليمن، أصبحت حركة الحوثيين إحدى القوى الرئيسية في السياسة الإقليمية.
وتلقى الحوثيون دعمًا ماديًا وأيديولوجيًا واسعًا من إيران. وقد ساعدتهم المساعدات الإيرانية، المشروعة وغير المشروعة، على امتلاك مجموعة متنوعة من الأسلحة والمعدات التي تمكّنهم من تنفيذ عمليات عسكرية تتجاوز حدود اليمن بدرجة كبيرة.
ومنذ عام ٢٠٢٠، ازدادت العمليات المسلحة للحوثيين بصورة ملحوظة في المنطقة المحيطة. غير أن نطاق عملياتهم شهد تحولًا بارزًا بعد أواخر عام ٢٠٢٣.
وأظهر هذا الاتجاه تزايد مشاركتهم في العمليات والهجمات المسلحة ضد ممرات الشحن الدولية، والأصول العسكرية الأميركية والإسرائيلية برًا وبحرًا، ما جعلهم قوة استباقية مزعزعة للاستقرار في منطقتي البحر الأحمر وبحر العرب.
أ. القدرات العسكرية للحوثيين والمكونات الرئيسية لترسانتهم
نظرًا إلى أن الحوثيين لا يمثلون جيشًا نظاميًا تابعًا لدولة، فقد افتقروا إلى قدرات متقدمة مثل أنظمة الصواريخ والدفاع الجوي، والطائرات، والغواصات، والمعدات والتجهيزات المرتبطة بها.
كما افتقر الحوثيون إلى قدرات الحرب الشبكية التي تتيح لهم الرد على الهجمات والغارات الجوية الخارجية، فضلًا عن اعتراض الأسلحة المتطورة.
ولأنهم غير قادرين على الرد على الضربات الجوية المتواصلة التي تنفذها دول قوية مثل الولايات المتحدة وإسرائيل، لجأ الحوثيون إلى استراتيجيات حرب العصابات، معتمدين على منصات إطلاق متنقلة، وقواعد يصعب اكتشافها، وتكتيكات الانتشار الواسع للصمود أمام عمليات القصف. [١٧]
ونتيجة لذلك، ورغم تعرض قواعدهم ومنشآت إطلاقهم لضربات جوية متكررة من الولايات المتحدة والمملكة المتحدة ودول أخرى، حافظ الحوثيون على قدرات هجومية كبيرة بفضل قدرتهم على الحركة والتخفي والإنتاج المحلي.
وخلال العقد الماضي، عززت حركة الحوثيين قدراتها الهجومية بصورة كبيرة بمساعدة إيران.
وإلى جانب الأسلحة الخفيفة وأنظمة الصواريخ، تتكون الترسانة الحديثة للحوثيين وقدراتهم العملياتية بصورة أساسية من ثلاثة مكونات رئيسية: القدرات الصاروخية، والطائرات المسيّرة المسلحة الحديثة، والقدرات البحرية.
وتشمل ترسانتهم معدات عسكرية موردة من الخارج وأخرى مصنعة محليًا بمساعدة إيرانية. وإلى جانب التصنيع، يعمل الحوثيون على تجميع المعدات باستخدام أجزاء ومكونات تأتي من مصادر مختلفة.
أولًا: قدرات الصواريخ الباليستية وصواريخ كروز
تضم الترسانة الحديثة للحوثيين صواريخ باليستية وصواريخ كروز، تشمل مجموعة من الأنظمة القصيرة والمتوسطة والطويلة المدى المخصصة لضرب أهداف برية وجوية وبحرية.
وتُعد جميع الصواريخ الباليستية الموجودة حاليًا في ترسانة الحوثيين ذات طبيعة تكتيكية.
وتشير تقارير تستند إلى بيانات المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية ومركز ويلسون إلى أن حركة الحوثيين تمتلك صواريخ مستندة إلى نماذج سوفيتية، مثل سلسلة صواريخ «توشكا» وما لا يقل عن ثلاثة أنواع من صواريخ «سكود»، إلى جانب نماذج إيرانية تشمل صواريخ «زلزال ٣» وسلسلة «بركان» وغيرها.
كما يمتلك الحوثيون أنظمة إيرانية متقدمة، مثل صواريخ كروز الهجومية البرية من سلسلة «قدس»، وصواريخ يصل مداها إلى ألفي كيلومتر.
وتتيح هذه الصواريخ طويلة المدى للحركة ضرب أهداف بعيدة في مسارح العمليات الإقليمية، بما في ذلك أجزاء واسعة من إسرائيل والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة.
وتسمح هذه القدرات الصاروخية للقوات الحوثية باستهداف مواقع بعيدة عن قواعدها، ما يمنحها أداة ضغط في الصراعات الإقليمية. [١٨]
وفي المجال البحري، تمثل الصواريخ الباليستية وصواريخ كروز المضادة للسفن عنصرًا بالغ الأهمية في قدرات الحوثيين القتالية.
وقد وثقت تقارير إطلاق الحوثيين صواريخ باليستية مضادة للسفن، مثل «تنكيل» و«آصف». ويُعتقد أن تصميم هذه الصواريخ مستمد من منظومتي «فاتح» و«رعد» الإيرانيتين، ويصل مداها إلى مئات الأميال.
كما يشغّل الحوثيون صواريخ «سي–٨٠٢» المضادة للسفن والمصنعة في الصين.
وجرى تهيئة هذه الأنظمة الصاروخية لاستهداف السفن في الممرات المائية الاستراتيجية، مثل مضيق باب المندب والبحر الأحمر.
وإلى جانب الأراضي البرية، تتيح هذه القدرات البحرية للحوثيين استخدام البحر منصةً لإطلاق صواريخهم وقذائفهم.
ويوضح الشكل الرابع عددًا من الصواريخ الباليستية وصواريخ كروز الحديثة الموجودة في ترسانة الحوثيين، والتي أُدخلت إلى الخدمة خلال الأعوام الخمسة الأخيرة منذ عام ٢٠١٩.

الشكل الرابع: بعض أبرز الأنظمة الصاروخية في ترسانة الحوثيين
المصدر: مركز ويلسون
إضافة إلى الصواريخ المذكورة أعلاه، يمتلك الحوثيون عددًا من الصواريخ القوية الأخرى، من بينها سلسلة «بدر»، و«ميون»، و«أوبيدينت»، و«سعير»، وسلسلة «قاهر»، و«فلق»، و«ذو الفقار»، و«مرجل»، و«فاطر»، وسلسلة «صقر»، وغيرها. [٢٠]
ثانيًا: قدرات الأنظمة الجوية غير المأهولة
ربما تمثل الطائرات المسيّرة أكثر الأسلحة المتاحة للحوثيين قابليةً للاستخدام العملياتي وأسهلها وصولًا. وتشير التقارير إلى أن الحوثيين يستخدمون الطائرات المسيّرة منذ عام ٢٠١٥، ولا سيما في الحرب الأهلية اليمنية.
وعلى الرغم من أن معظم هجماتهم بالطائرات المسيّرة استهدفت خصومهم داخل اليمن، فإنهم بدأوا منذ أواخر عام ٢٠٢٣ تنفيذ هجمات بعيدة المدى في المياه الدولية وعلى الأراضي الإسرائيلية، بما في ذلك مدينتا إيلات وتل أبيب.
وتمكنت بعض الطائرات المسيّرة الحوثية من اختراق منظومات الدفاع الجوي الإسرائيلية المتقدمة وإحداث أضرار.
وكما هي الحال مع الأسلحة الأخرى، يُعتقد أن إيران هي المورد الرئيسي للطائرات المسيّرة الجاهزة للاستخدام والتكنولوجيا المرتبطة بها إلى الحوثيين.
وبمساعدة إيران، طور الحوثيون أيضًا قدرات محلية على تصميم الطائرات المسيّرة وتصنيعها وتجميعها، بما في ذلك النماذج المصنعة بوسائل محلية بسيطة. [٢١]
ونشر الحوثيون أنظمة غير مأهولة قصيرة وطويلة المدى تحمل شحنات متفجرة، وتُستخدم في المهام القتالية والهجمات الانتحارية أحادية الاتجاه، المعروفة باسم طائرات «الكاميكازي» المسيّرة.
فعلى سبيل المثال، تستخدم طائرتا «صماد ٢» و«صماد ٣» تقنيات إيرانية منخفضة التكلفة في تنفيذ هجمات أحادية الاتجاه.
وتشمل الطائرات المسيّرة الأكثر تطورًا في ترسانة الحوثيين طائرة «يافا» بعيدة المدى، وطائرتي «شاهد ١٣٦» و«شاهد ١٣١».
وتتيح هذه الطائرات بعيدة المدى للحوثيين شن ضربات على المراكز الحضرية والمنشآت العسكرية خارج حدود اليمن. [٢٢]
وعلى الرغم من الاعتقاد بأن عددًا كبيرًا من مكونات هذه الطائرات يأتي من إيران، فإن الحوثيين يجمعونها محليًا باستخدام قطع متاحة تجاريًا وأنظمة ملاحة مستوردة، ما يعزز قدرتهم على تكييفها وتوسيع نطاق نشرها.
فعلى سبيل المثال، جمع الحوثيون أيضًا طائرات مسيّرة احتوت على أجزاء أميركية المنشأ نُقلت إليهم بصورة غير قانونية عبر الصين.
وفي أكتوبر ٢٠٢٥، أدرجت الولايات المتحدة ١٥ شركة صينية على قائمة القيود التجارية، بسبب تسهيلها شراء مكونات إلكترونية أميركية عُثر عليها داخل طائرات الحوثيين المسيّرة.
ويوضح الشكل الخامس عددًا من الطائرات المسيّرة الحديثة الموجودة في ترسانة الحوثيين والمبنية على تصاميم إيرانية.

الشكل الخامس: بعض أبرز أنظمة الطائرات المسيّرة في ترسانة الحوثيين
المصدر: مركز ويلسون
إضافة إلى أنظمة الطائرات المسيّرة الرئيسية المذكورة أعلاه، يمتلك الحوثيون مجموعة واسعة من الطائرات الأخرى، من بينها سلسلة «مرصاد»، و«رقيب»، و«شهاب».
ويوضح الشكل السادس دور المساعدات الإيرانية في تطوير القدرات الحديثة للحوثيين في مجال الصواريخ والطائرات المسيّرة.

الشكل السادس: دور إيران في تطوير قدرات الحوثيين الصاروخية وقدرات الطائرات المسيّرة
المصدر: المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية
وفقًا للشكل السادس، مارست إيران التأثير الأكبر في تطوير الطائرات المسيّرة المتطورة بعيدة المدى المخصصة للهجمات أحادية الاتجاه، والصواريخ الباليستية متوسطة المدى، وصواريخ كروز الهجومية البرية والمضادة للسفن.
ثالثًا: أنظمة الأسلحة البحرية
إضافة إلى الطائرات المسيّرة والأنظمة الصاروخية، طور الحوثيون عددًا من القدرات القتالية البحرية، تشمل المركبات السطحية غير المأهولة والألغام البحرية.
والمركبات السطحية غير المأهولة هي قوارب مفخخة تُدار عن بُعد وتُموَّه في هيئة قوارب صيد، وتُستخدم ضد السفن التجارية والعسكرية.
وتتمتع هذه القوارب القتالية، مثل «آصف» و«ملاح» و«نذير»، بالقدرة على حمل أسلحة خفيفة ومتوسطة، إلى جانب المدافع المضادة للطائرات والصواريخ. كما يمتلك الحوثيون قوارب ذاتية القيادة تُستخدم في المهام القتالية والاستطلاع البحري. [٢٣]
ويمتلك الحوثيون كذلك قدرات قوية على منع الوصول البحري، تشمل الألغام البحرية، والأفخاخ المتفجرة، والطوربيدات المأهولة أو الموجهة عن بُعد، وأنظمة الطائرات المسيّرة تحت الماء.
وعُرضت خلال استعراض عسكري في صنعاء في سبتمبر ٢٠٢٣ أنواع متعددة من الألغام البحرية الحوثية، من بينها «مسجور» و«مجاهد» و«ثاقب» و«كرار» وغيرها.
وتُزرع هذه الألغام على أعماق مختلفة في المياه، وهي أجهزة متفجرة مستقلة مصممة لإلحاق الضرر بالقوارب والسفن والغواصات أو تدميرها.
وتزيد هذه التهديدات من تعقيد العمليات البحرية وحركة التجارة في ممرات الشحن الضيقة ونقاط الاختناق الاستراتيجية، مثل مضيق باب المندب وقناة السويس.
كما تضاعف هذه القدرات البحرية مسارات التهديد، ولا سيما ضد السفن غير المحمية أو ذات الحماية المحدودة. [٢٤]
رابعًا: دور الحوثيين في السياسة الخارجية ونفوذهم الخارجي
تُعد إيران الداعم الرئيسي للحوثيين، إذ تقدم لهم مساعدات أمنية تشمل نقل الأسلحة، والتدريب، والدعم الاستخباراتي.
كما تسهّل إيران حصول الحوثيين على أسلحة أكثر تطورًا مما كان يمكنهم امتلاكه بقدراتهم الذاتية، ولا سيما الصواريخ والطائرات المسيّرة.
وقد ساعد الدعم الإيراني الحوثيين على اكتساب التفوق العسكري داخل اليمن والحفاظ عليه.
غير أن الخبراء يرون أن دعم إيران للحوثيين كان له تأثير أكبر خارج اليمن. فبوصفهم مكونًا مسلحًا رئيسيًا في «محور المقاومة» الذي تقوده إيران، وسّع الحوثيون دورهم من حركة تمرد محلية يمنية إلى قوة قادرة على إحداث اضطرابات دولية. [٢٥]
ويتركز نفوذهم الدولي في تعطيل الملاحة البحرية، والمشاركة في الصراعات الإقليمية، وبناء التحالفات الاستراتيجية.
تعطيل الملاحة في البحر الأحمر والتجارة العالمية
عقب اندلاع الحرب بين إسرائيل وحماس في أكتوبر ٢٠٢٣، هاجم الحوثيون أهدافًا مرتبطة بالولايات المتحدة وإسرائيل في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، في إطار ما وصفوه بأنه دعم للفلسطينيين وحركة حماس.
وأدت هذه الهجمات فعليًا إلى عرقلة مرور السفن، وألحقت أضرارًا كبيرة بحركة الشحن الدولية.
ومن خلال إجبار شركات الشحن العالمية على تحويل مساراتها حول رأس الرجاء الصالح، تسبب الحوثيون في إبطاء سلاسل الإمداد العالمية بصورة كبيرة، ورفع تكاليف الشحن والتأمين الدوليين.
الصراع مع إسرائيل والغرب
يعتبر الحوثيون أنفسهم جزءًا من جبهة نشطة في مواجهة إسرائيل، وقد أطلقوا موجات من الطائرات المسيّرة والصواريخ الباليستية باتجاه الأراضي الإسرائيلية، مع التركيز بصورة خاصة على استهداف مدينة إيلات الساحلية.
وفي إطار تضامنهم مع الجماعات الفلسطينية المسلحة خلال الحرب بين إسرائيل وحماس، أطلق الحوثيون بصورة متكررة طائرات مسيّرة وصواريخ باليستية على إسرائيل، ما دفع إسرائيل والولايات المتحدة إلى تنفيذ ضربات انتقامية ضدهم.
كما نفذ حزب الله والحوثيون هجمات منسقة ومتعددة الجبهات ضد إسرائيل وممرات الشحن الدولية بهدف تشتيت إسرائيل وزيادة الضغط عليها.
إضافة إلى ذلك، هدد الحوثيون منذ الأسبوع الأول من مارس ٢٠٢٦ بالمشاركة في الحرب التي خاضتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، في إشارة إلى قدرتهم على تخصيص موارد للمشاركة في الصراع.
ودخل الحوثيون الحرب فعليًا في ٢٨ مارس، عندما أطلقوا صواريخ باليستية باتجاه إسرائيل.
توسيع النفوذ الإقليمي
ينشط الحوثيون خارج اليمن من خلال تقديم الدعم اللوجستي والتكتيكي إلى جهات مسلحة أخرى من غير الدول، بما في ذلك إقامة علاقات مع جماعات مسلحة في منطقة القرن الأفريقي.
ووسع الحوثيون نفوذهم من خلال تجارة الأسلحة مع حركة الشباب، وهي جماعة صومالية مسلحة مرتبطة بتنظيم القاعدة.
وأكدت تقارير صادرة عن الأمم المتحدة ومصادر أخرى نقل أسلحة عسكرية يمتلكها الحوثيون، مثل القنابل الموجهة والطائرات المسيّرة، إلى جماعات مسلحة في الصومال، إلى جانب تقديم تدريبات تكتيكية مرتبطة باستخدامها. [٢٦]
ووفقًا لصحيفة «ذا تلغراف» البريطانية، تبيّن مؤخرًا أن الحوثيين ينسقون عمليات تهدف إلى فرض حصار على البحر الأحمر ومضيق باب المندب بالتعاون مع جماعات مسلحة في القرن الأفريقي، من بينها حركة الشباب الصومالية.
الضربات العابرة للحدود
على الرغم من استمرار هدنة هشة في اليمن بوجه عام، يواصل الحوثيون التهديد بتنفيذ ضربات عابرة للحدود بطائرات مسيّرة وصواريخ، كما ينفذونها بصورة دورية ضد دول الخليج المجاورة، مثل المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة.
فعلى سبيل المثال، نفذت حركة الحوثيين في اليمن يوم ١٧ يناير ٢٠٢٢ هجومًا على الإمارات باستخدام طائرات مسيّرة وصواريخ باليستية، استهدف ثلاث شاحنات لنقل النفط ومنشآت قيد الإنشاء ضمن مشروع توسعة أحد المطارات في أبوظبي.
وخلال الحرب الأهلية اليمنية، هاجم الحوثيون المملكة العربية السعودية مرات عدة، من بينها هجوم بطائرة مسيّرة استهدف خط أنابيب النفط الخام الممتد من شرق المملكة إلى غربها في ١٤ مايو ٢٠١٩، وهجوم آخر استهدف حقلًا للنفط والغاز في الشيبة يوم ١٧ أغسطس ٢٠١٩.
حماية المصالح الإيرانية
يتمثل أحد أدوار الحوثيين في الخارج في مساعدة إيران من خلال تهديد الحدود السعودية وحماية السفن الإيرانية في البحر الأحمر. ويمنح ذلك طهران مجالًا للالتفاف على العقوبات المفروضة على شحنات النفط، عبر تشتيت خصومها وتسهيل عمل شبكة موازية، وفقًا لما كتبه الخبير في الشؤون الإيرانية محمد آية الله تبار في مجلة «فورين أفيرز» عام ٢٠٢٤. [٢٧]
وفي الوقت نفسه، يرى خبراء أن اليمن يشكل ساحة لاختبار الأسلحة الإيرانية، سواء على خطوط القتال أو في البحر الأحمر.
وكما هي الحال مع بقية أعضاء «محور المقاومة» ضمن شبكة الوكلاء التابعة لإيران، يمنح الحوثيون طهران قدرة على الإنكار المقبول؛ إذ يعلنون بصورة متكررة مسؤوليتهم عن هجمات يُرجح أن إيران أمرت بها أو نفذتها.
فعلى سبيل المثال، حمّل كثير من الخبراء إيران مسؤولية الهجمات التي استهدفت منشآت النفط السعودية في سبتمبر ٢٠١٩، رغم أن الحوثيين أعلنوا مسؤوليتهم عنها.
خامسًا: هل سينفذ الحوثيون إغلاقًا كاملًا لمضيق باب المندب؟
منذ أن أصبح مضيق هرمز مغلقًا فعليًا مع اندلاع الحرب بين الولايات المتحدة وإيران في أواخر فبراير ٢٠٢٦، تصاعد الحديث عن احتمال إغلاق الحوثيين مضيق باب المندب.
ومنذ بداية الحرب، طلبت إيران من الحوثيين الاستعداد لإغلاق طريق نقل النفط عبر البحر الأحمر إذا استهدفت الولايات المتحدة منشآت الطاقة الإيرانية. ومع ذلك، لم ينفذ الحوثيون حتى الآن إغلاقًا لمضيق باب المندب.
يتمثل القيد الأول في طبيعة النظام الدولي. فباب المندب ليس مجرد ممر مائي إقليمي، بل شريان بحري عالمي. إذ تمر عبره نسبة مهمة من التجارة العالمية، وحركة سفن الحاويات، وشحنات الطاقة المتجهة إلى قناة السويس أو القادمة منها. [٢٨]
ولذلك، لن يُنظر إلى أي محاولة متعمدة لإغلاق الممر باعتبارها مجرد حلقة أخرى من الحرب الأهلية اليمنية، بل بوصفها تحديًا مباشرًا لحرية الملاحة والاقتصاد العالمي.
وقد أظهرت الولايات المتحدة والمملكة المتحدة بالفعل استعدادهما لاستخدام القوة لحماية حركة الملاحة البحرية، عقب الهجمات المتكررة على السفن التجارية في البحر الأحمر خلال الحرب بين إسرائيل وحماس.
وهنا تتضح حدود الاستراتيجية الإيرانية الحوثية. فقد يكون من الممكن الاستمرار في المضايقات وعمليات التعطيل والضغط المحسوب، لكن الإغلاق المطول للمضيق قد يحول تحديًا يمكن احتواؤه في مجال الأمن البحري إلى مواجهة دولية مباشرة. [٢٩]
ومع ذلك، أعلن قادة الحوثيين في اليمن فرض حصار بحري على المملكة العربية السعودية يدخل حيز التنفيذ فورًا.
وجاء الإعلان في ٢٠ يوليو ٢٠٢٦، بعد أيام من تهديد الجماعة بفرض «حصار» على السعودية ردًا على الهجوم الذي استهدف مطار صنعاء الدولي في الأسبوع السابق.
وقد يؤدي إعلان الحوثيين حصار السعودية إلى تهديد إخراج ملايين البراميل الإضافية من النفط يوميًا من السوق، في وقت تشهد فيه أسعار النفط العالمية ارتفاعًا بالفعل.
كما يعرّض الإعلان للخطر النفط المنقول عبر مضيق باب المندب، الذي يمثل نحو ٧ في المئة من الإمدادات العالمية.
وتصدر السعودية حاليًا نحو أربعة ملايين برميل من النفط يوميًا عبر ميناء ينبع على البحر الأحمر، بزيادة قدرها ٤٠٠ في المئة مقارنة بالمستويات السابقة للحرب مع إيران.
كما أصبح مضيق باب المندب بديلًا بالغ الأهمية لمضيق هرمز بالنسبة إلى تدفقات النفط العالمية، إذ عبره أكثر من سبعة ملايين برميل يوميًا في يونيو، مقارنة بنحو أربعة ملايين برميل قبل الحرب بين الولايات المتحدة وإيران.
وربما يتمثل الخطر الأكبر في ما إذا كان الحوثيون يعتزمون فرض إغلاق كامل لمضيق باب المندب، وما إذا كانوا قادرين على ذلك.
ولم يوضح الحوثيون بعد السفن التي سيستهدفونها، لكنهم ألمحوا إلى أن أي سفينة تزور الموانئ السعودية وتحمل النفط السعودي قد تصبح هدفًا.
ويرجع ذلك إلى تحذيرهم شركات الشحن من أن ناقلاتها قد تتعرض للهجوم إذا استخدمت الموانئ السعودية. [٣٠]
ومع ذلك، لن يكون من السهل على الحوثيين فرض إغلاق كامل ومستمر لمضيق باب المندب.
يتمثل القيد الأول، كما ذُكر سابقًا، في طبيعة النظام الدولي. فالإغلاق الكامل والمستمر للمضيق قد يحول تحديًا يمكن احتواؤه في مجال الأمن البحري إلى مواجهة دولية مباشرة. ولن تتسامح الولايات المتحدة والسعودية مع مثل هذه التحركات الحوثية.
وفي الواقع، قال دونالد ترامب في ٢١ يوليو ٢٠٢٦ إن الولايات المتحدة «ستضطر ببساطة إلى التعامل مع الأمر» إذا نفذ الحوثيون تهديداتهم.
وأضاف خلال اجتماع في البيت الأبيض مع الرئيس اللبناني جوزيف عون:
«كما تعلمون، لقد تعاملنا مع الحوثيين من قبل، ولم نسمع عنهم منذ فترة بعد ما فعلناه بهم في المرة الأولى». [٣١]
أما القيد الثاني، فمصدره اليمن نفسه، ولا سيما الأهمية الاستراتيجية للحديدة والساحل الغربي، كما يوضح الشكل السابع.
ووفقًا لمحمد عبد المجيد قباطي، الدبلوماسي اليمني ووزير الإعلام الأسبق، تعتمد قدرة الحوثيين على تهديد باب المندب بدرجة كبيرة على سيطرتهم على هذا الممر البحري الحيوي. [٣٢]
وفي عام ٢٠١٨، اقتربت القوات المناهضة للحوثيين من استعادة الحديدة، قبل أن يؤدي اتفاق ستوكهولم إلى تجميد المعركة وتعليق القتال على الجبهة الغربية.
وقد تؤدي أي محاولة لتحويل باب المندب إلى أداة للإكراه العالمي إلى إعادة تشكيل البيئة السياسية المحيطة بالحديدة.
كما أن انتهاء مهمة الأمم المتحدة لدعم اتفاق الحديدة أزال أحد الأطر الرئيسية التي أسهمت في الحفاظ على الوضع القائم على الساحل الغربي.

الشكل السابع: خريطة اليمن ومضيق باب المندب والحديدة
المصدر: إدارة معلومات الطاقة الأميركية
ولا يعني ذلك اتخاذ قرار باستعادة الحديدة أو أن حملة عسكرية جديدة باتت وشيكة، بل يعني أن هذا الاحتمال في حد ذاته أصبح عاملًا استراتيجيًا.
ويدرك الحوثيون أن الاستخدام الأقصى لورقة باب المندب قد يعيد فتح النقاش بشأن ما إذا كان ينبغي أن يظل الساحل الغربي تحت سيطرتهم. فما يبدو صعبًا سياسيًا اليوم قد يصبح أكثر قابلية للتحقق في حال حدوث تصعيد بحري واسع النطاق.
وهنا تكمن المفارقة الأساسية: تمنح الحديدة الحوثيين القدرة على تهديد حركة الملاحة البحرية، لكن الإفراط في استخدام هذا النفوذ قد يعرّض سيطرتهم على الحديدة نفسها للخطر في نهاية المطاف. [٣٣]
ومن ثم، قد تؤدي محاولة جادة لإغلاق المضيق إلى إعادة فتح ملف عسكري وسياسي ظل مجمدًا على مدى سنوات.
وقد تهيئ هذه المحاولة ظروفًا تسمح لقوات الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا باستئناف الضغط على الحديدة، بدعم إقليمي أقوى وحماية من القوات البحرية والجوية الدولية التي تتحرك دفاعًا عن حرية الملاحة.
ولا يوجد حاليًا أي توافق أو قرار عسكري من هذا النوع. غير أن مجرد احتمال أن يؤدي التصعيد الحوثي الشديد إلى إعادة فتح الجبهة الغربية يمثل في حد ذاته عنصرًا من عناصر الردع.
ولذلك، قد يفرض خطر فقدان الحديدة حدودًا على مدى استعداد الحوثيين لاستخدام مضيق باب المندب سلاحًا.
سادسًا: الخاتمة
هدفت هذه الورقة إلى تحليل ثلاث مسائل رئيسية: أولًا، كيفية نشأة الحوثيين المدعومين من إيران؛ وثانيًا، طبيعة النفوذ الذي مارسوه داخل اليمن وخارجه؛ وثالثًا، ما إذا كانوا سينفذون هذه المرة حصارًا كاملًا على مضيق باب المندب بالتنسيق مع إيران.
وفيما يتعلق بالسؤال الأول، أوضحت الورقة أن الحوثيين ظهروا في اليمن خلال تسعينيات القرن العشرين بوصفهم حركة سياسية وعسكرية إسلامية شيعية ذات توجه إحيائي زيدي.
وتكوّنت الحركة في معظمها من أتباع المذهب الزيدي، ونمت تحت قيادة عائلة الحوثي.
أما فيما يتعلق بالسؤال الثاني، فقد بيّنت الورقة أن الحوثيين تمردوا على الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا عام ٢٠١١، ثم أطاحوا بها عام ٢٠١٤، ما أدى إلى اندلاع الحرب الأهلية اليمنية التي لا تزال مستمرة حتى اليوم.
ويؤدي الحوثيون دور الحكومة الفعلية في شمال غرب اليمن، إذ يسيطرون على العاصمة صنعاء وعلى مناطق يعيش فيها أكثر من ثلثي سكان البلاد.
ويشمل دورهم الداخلي إدارة الحكم، وترسيخ دولة دينية، وفرض قيود اجتماعية صارمة، واستغلال القضية الفلسطينية لتعزيز شرعيتهم الداخلية وصرف الانتباه عن إخفاقاتهم في إدارة البلاد.
كما خلصت الورقة إلى أن الحوثيين تلقوا دعمًا ماديًا وأيديولوجيًا واسعًا من إيران.
وقد ساعدتهم المساعدات الإيرانية، المشروعة وغير المشروعة، على امتلاك مجموعة متنوعة من الأسلحة والمعدات، مكّنتهم من اكتساب التفوق العسكري داخل اليمن والحفاظ عليه، وتنفيذ عمليات مسلحة تتجاوز حدود البلاد بدرجة كبيرة.
وفيما يتعلق بالسؤال الثالث، خلصت الورقة إلى أنه رغم إعلان الحوثيين فرض حصار على المملكة العربية السعودية، فلن يكون من السهل عليهم تنفيذ إغلاق كامل لمضيق باب المندب، بسبب قيدين رئيسيين.
يتمثل القيد الأول في احتمال تعرضهم لرد عسكري تقوده الولايات المتحدة.
أما القيد الثاني، فيرتبط بالوضع الجيوسياسي داخل اليمن؛ إذ تمنح سيطرة الحوثيين على الحديدة قدرةً على تهديد حركة الملاحة في البحر الأحمر، لكن الإفراط في استخدام هذا النفوذ قد يهدد في نهاية المطاف استمرار سيطرتهم على الحديدة نفسها.
