بين 18 و21 مارس/آذار 2026، قامت رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكاييتشي بأول زيارة رسمية لها إلى الولايات المتحدة. وكانت قمة واشنطن هي الاجتماع الثاني بين رئيسي حكومتي اليابان والولايات المتحدة، بعد زيارة دونالد ترامب إلى طوكيو في أكتوبر/تشرين الأول 2025.
إن صورة تاكاييتشي بوصفها وريثة سياسية لرئيس الوزراء السابق شينزو آبي — الذي كان ترامب يعدّه صديقاً — إلى جانب الزيارة السابقة للرئيس الأميركي إلى اليابان، والتي نجحت خلالها رئيسة الوزراء اليابانية في توظيف علاقتها الشخصية مع ترامب بمهارة، قد خلقت ظروفاً مواتية للزيارة الحالية. وكان ترامب قد أيد تاكاييتشي حتى قبل الانتخابات البرلمانية اليابانية في فبراير/شباط 2026، في إشارة إلى استعداده لمواصلة الحوار معها على وجه الخصوص.
وقد جرى توقيت القمة الحالية أساساً لتتزامن مع زيارة دونالد ترامب إلى الصين، وكان هدفها الرئيسي نقل رغبات اليابان ومخاوفها إلى الرئيس الأميركي مسبقاً. وكان من المتوقع أن يناقش الجانبان القضايا الرئيسية في علاقاتهما الثنائية — ولا سيما الدفاع والتعاون الاقتصادي — وأن يؤكدا مجدداً رؤيتهما المشتركة للهيكل الأمني الإقليمي. غير أن الاضطرابات الدولية التي شهدها مارس/آذار 2026 دفعت إلى صدارة المحادثات الثنائية مسألة ما إذا كانت اليابان سترسل سفناً تابعة لقوات الدفاع الذاتي إلى مضيق هرمز.
إيران في دائرة الضوء
قبل وقت قصير من وصول ساناي تاكاييتشي، وفي 14 مارس/آذار 2026، لجأ دونالد ترامب إلى وسائل التواصل الاجتماعي لدعوة الحلفاء والشركاء إلى إرسال سفن لتأمين الملاحة في مضيق هرمز. غير أنه، بعد عدم تلقيه أي رد إيجابي، تخلى عن فكرة المساعدة الخارجية بعد ثلاثة أيام فقط. ولا يمكن الجزم بما إذا كان ذلك اختباراً لولاء الحلفاء أم مجرد خطوة اندفاعية، لكنه أثار ارتباكاً في طوكيو. وعلى الرغم من أن الجانب الياباني أكد أنه لم يرد أي طلب محدد من واشنطن، فإن فريق تاكاييتشي بدأ سريعاً مناقشة الردود الممكنة على الأزمة في مضيق هرمز.
وفي اللقاء الذي عقد في البيت الأبيض، أبلغت ساناي تاكاييتشي دونالد ترامب استعداد اليابان للمساهمة في تأمين المضيق، لكنها أوضحت القيود القانونية المفروضة على نشر قوات الدفاع الذاتي. ففي الوقت الراهن، لا يُعد مثل هذا الانتشار ممكناً، لأن الدستور الياباني يحظر المشاركة في العمليات داخل مناطق القتال — باستثناء الحالة الخاصة التي يُعترف فيها بأن الوضع يشكل «تهديداً وجودياً» للبلاد، وهو ما لا يرى المشرعون أنه ينطبق في هذه الحالة. وحتى الآن، تدرس طوكيو احتمال إرسال سفن للمشاركة في عمليات إزالة الألغام، لكن ذلك لا يمكن أن يتم إلا بعد توقف الأعمال القتالية.
وفضلاً عن ذلك، فإن المشاركة في العملية تعني الإقرار بشرعية التحركات الأميركية والإسرائيلية، في حين أن الحكومة اليابانية امتنعت حتى الآن عن إصدار أي تقييم قانوني للضربات على إيران. ففي عام 2015، وخلال المناقشات البرلمانية بشأن التشريعات الأمنية الجديدة، صرح شينزو آبي بأن اليابان لن تدعم دولة نفذت ضربة استباقية غير قانونية. وفي 9 مارس/آذار 2026، أكدت ساناي تاكاييتشي مجدداً ثبات هذا الموقف. كما أن تأييد التحركات الأميركية يعني التغاضي عن مبادئ سيادة القانون ودعم المحاولات الأحادية لتغيير الوضع القائم، وهي أمور أظهرت معارضتها لها بوضوح. وهناك أيضاً كلفة على مستوى السمعة إذا ما أرسلت اليابان قوات الدفاع الذاتي إلى مضيق هرمز: إذ حافظت طوكيو وطهران على علاقات ودية صمدت أمام الأزمات المحيطة بإيران. وبالتالي، فإن مساعدة الولايات المتحدة تعني تخلي اليابان عن هذا الرصيد السياسي.
ومن الواضح أن طوكيو تجد من المفيد في الوضع الراهن أن تتصرف بحذر، في محاولة جديدة للحفاظ على التوازن. فمن جهة، أدانت اليابان الضربات الإيرانية على الدول المجاورة، وانضمت إلى بيان متعدد الأطراف بشأن مضيق هرمز أعربت فيه عن استعدادها للإسهام في ضمان المرور الآمن عبر المضيق، كما أصدرت، مع شركائها في مجموعة السبع، إعلاناً داعماً للحلفاء في الشرق الأوسط. ومن جهة أخرى، حافظ وزير الخارجية الياباني توشيميتسو موتيغي على اتصال منتظم بنظيره الإيراني عباس عراقجي، الذي قال مؤخراً لوكالة كيودو اليابانية إن إيران مستعدة للسماح لناقلات النفط اليابانية بالمرور عبر مضيق هرمز.
إن طهران معنية بجذب اليابان إلى صفها، وتملك ساناي تاكاييتشي خيار اتباع نهج «مرشدها» شينزو آبي، الذي بذل جهوداً دبلوماسية نشطة خلال الأزمة الإيرانية عام 2020. ومن شأن أي وساطة محتملة من جانب طوكيو بين طهران وواشنطن أن تمنح اليابان رصيداً سياسياً ثميناً.
نتائج الزيارة بالنسبة إلى اليابان: إعادة تأكيد التضامن الياباني-الأميركي في منطقة المحيطين الهندي والهادئ
كان أحد المحاور الرئيسية في زيارة ساناي تاكاييتشي إلى واشنطن هو الرغبة في منع أي تقارب بين الولايات المتحدة والصين. وبالنسبة إلى اليابان، فإن أسوأ سيناريو ممكن يتمثل في ظهور «مجموعة ثنائية» أو ما يسمى بـ«G2». ولذلك، عشية زيارة الرئيس الأميركي إلى الصين، رأى فريق تاكاييتشي أنه من الضروري إظهار التضامن الياباني-الأميركي بشأن القضايا الإقليمية، وضمان ألا يُظهر دونالد ترامب في لقائه مع شي جين بينغ تنازلات مفرطة تجاه بكين.
وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2025، تدهورت العلاقات اليابانية-الصينية على نحو حاد بعد أن صرّحت ساناي تاكاييتشي بأن الغزو المسلح لتايوان قد يشكل «تهديداً وجودياً»، وهو ما قد يتيح لليابان ممارسة حقها في الدفاع الجماعي عن النفس ونشر قوات في المنطقة. وطالبت بكين رئيسة الوزراء بالتراجع عن تصريحاتها، وسرعان ما انتقل هذا الجدل إلى الساحة الدبلوماسية، مما أدى إلى انهيار القمة الثلاثية المخطط لها بين اليابان والصين وكوريا الجنوبية، وأشعل «حرباً كلامية» في الأمم المتحدة. وسرعان ما امتدت الأزمة السياسية إلى المجال الاقتصادي: فبينما كانت قطاعات السياحة والترفيه أول المتضررين، لجأت بكين سريعاً إلى إجراءات أكثر حساسية، من بينها فرض قيود على صادرات المعادن الأرضية النادرة والمنتجات ذات الاستخدام المزدوج إلى اليابان.
كما اتسم موقف واشنطن من هذه القضية بالغموض: إذ لم يُبدِ دونالد ترامب استعجالاً في دعم ساناي تاكاييتشي، بل نصح بعدم استفزاز الصين. وفي الوقت نفسه، رفضت رئيسة الوزراء اليابانية التراجع عن تصريحها، لأن القيام بذلك كان سيعني فقدان ماء الوجه في لحظة كان معظم الرأي العام الياباني يرى فيها أن تصريحها كان مناسباً. ثم جاءت الحرب في الشرق الأوسط لتطرح عليها تحدياً إضافياً: وهو إبقاء اهتمام ترامب منصباً على منطقة المحيطين الهندي والهادئ رغم تحوّل تركيزه إلى مناطق أخرى، وهي مهمة ازدادت إلحاحاً بسبب إعادة نشر وحدات عسكرية أميركية من منطقة المحيطين الهندي والهادئ إلى الشرق الأوسط.
وبالنظر إلى نتائج الزيارة، يمكن اعتبار أن اليابان حققت أهدافها الرئيسية. فقد جاء في البيان الصحافي الصادر عن البيت الأبيض أن الزعيمين «ملتزمان بالسلام والاستقرار في مضيق تايوان بوصفه عنصراً أساسياً من عناصر الأمن الإقليمي والازدهار العالمي»، وهو ما استدعى فوراً رداً من وزارة الخارجية الصينية شددت فيه على أن قضية تايوان شأن داخلي صيني. كما أن الصياغة التي تفيد بأن الجانبين «يعارضان أي محاولات أحادية الجانب لتغيير الوضع القائم» شكلت إشارة أخرى إلى بكين بأن اليابان والولايات المتحدة تتبنيان رؤية متقاربة إزاء الهيكل الأمني الإقليمي.
ولم تُهمَل أيضاً قضية تشغل الرأي العام الياباني بعمق، وهي قضية المواطنين الذين اختطفتهم أجهزة الاستخبارات الكورية الشمالية في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي. ففي أثناء زيارة ترامب إلى اليابان في أكتوبر/تشرين الأول 2025، نجحت ساناي تاكاييتشي في اصطحابه إلى لقاء مع عائلات المختطفين، وبعد انتخابات فبراير/شباط 2026 أكدت مجدداً عزمها السعي إلى عقد لقاء شخصي مع كيم جونغ أون. وبهذا، تواصل تاكاييتشي نهج شينزو آبي، الذي كانت «قضية المختطفين» إحدى أولوياته السياسية الأساسية، كما تبعث في الوقت نفسه بإشارة إلى اهتمامها بأي مفاوضات محتملة بين ترامب وكيم. ويمكن اعتبار ذكر «قضية المختطفين» إلى جانب مسألة نزع السلاح النووي من كوريا الشمالية في البيان الصادر عن البيت الأبيض عقب القمة اليابانية-الأميركية هدفاً آخر نجحت تاكاييتشي في تحقيقه.
نتائج الزيارة بالنسبة إلى الولايات المتحدة: تعزيز التعاون الدفاعي والاستثماري
بالنسبة إلى الولايات المتحدة، تمثلت فعالية زيارة تاكاييتشي قبل كل شيء في الاتفاقات التي جرى التوصل إليها في المجالين الدفاعي والاقتصادي. فقد أكدت اليابان نيتها المشاركة في التطوير والإنتاج المشتركين لصواريخ AMRAAM المتوسطة المدى جو-جو، فضلاً عن مضاعفة الإنتاج المشترك في اليابان لصواريخ SM-3 Block IIA أرض-جو أربع مرات.
وقبيل الزيارة، كان أكثر ما يثير قلق اليابانيين هو احتمال أن يطالب دونالد ترامب بزيادة الإنفاق العسكري الياباني — إذ كان مسؤولون أميركيون قد لمحوا في وقت سابق إلى ضرورة رفع الإنفاق الدفاعي إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي. وفي أكتوبر/تشرين الأول 2025، وقبل زيارة ترامب إلى طوكيو، كانت ساناي تاكاييتشي قد أعلنت بالفعل نيتها تنفيذ خطة رفع الإنفاق الدفاعي إلى 2% من الناتج المحلي الإجمالي قبل الموعد المحدد، وهو ما ساعد على تبديد هذه المسألة. وفي اللقاء الحالي، نجح الجانب الياباني أيضاً في تجنب هذا الموضوع غير المرغوب فيه.
وعلى الصعيد الاقتصادي، أكد الطرفان عزمهما المضي قدماً في تنفيذ حزمة استثمارية ثانية بقيمة 73 مليار دولار. وستُنَفَّذ هذه المشاريع في إطار اتفاق عام 2025 الذي ينص على استثمار اليابان 550 مليار دولار في الاقتصاد الأميركي مقابل خفض الرسوم التجارية. وكان قد أُعلن عن تنفيذ الحزمة الأولى، البالغة قيمتها 36 مليار دولار، في 17 فبراير/شباط 2026. وبهذه الطريقة، تُظهر تاكاييتشي استعدادها لتحويل الاتفاقات الورقية إلى نتائج عملية بأسرع ما يمكن — وهو أمر لا شك أنه يلقى استحسان ترامب.
كما أقر الجانبان خطة عمل لتطوير بدائل للصين في مجال المعادن الحيوية والعناصر الأرضية النادرة. وعلى وجه الخصوص، اتفقا على تسريع الأبحاث المشتركة المتعلقة باستخراج المعادن الأرضية النادرة بالقرب من جزيرة ميناميتوري، حيث أُجريت عملية تعدين تجريبية ناجحة في فبراير/شباط. كما حملت تاكاييتشي إلى واشنطن مقترحاً لإنشاء احتياطيات نفطية مشتركة على الأراضي اليابانية، على أن تُملأ بإمدادات من الحقول الأميركية. ومن المؤكد أن نية اليابان زيادة مشترياتها من نفط ألاسكا والاستثمار في تطوير حقول النفط في الولاية ستُرضي ترامب، سواء بصفته رئيساً أم رجل أعمال.
وعلى السطح، بدت الزيارة ناجحة: فقد تبادل الزعيمان الابتسامات والمجاملات والمصافحات والعناق. وفي مستهل اللقاء في البيت الأبيض، صرحت ساناي تاكاييتشي قائلة: «دونالد وحده قادر على ضمان السلام والازدهار في العالم»، وهو ما استدعى ابتسامة دافئة من الرئيس الأميركي، لكنه قوبل بالاستغراب من زعماء أحزاب المعارضة في اليابان. وتمتلئ وسائل التواصل الاجتماعي اليوم بانتقادات لرئيسة الوزراء اليابانية بسبب ردود فعلها العاطفية المفرطة خلال إقامتها في واشنطن. كما أصبحت مزحة ترامب عن بيرل هاربر من أبرز محطات اللقاء، وحتى تاكاييتشي المعروفة بدبلوماسيتها المعتادة وجدت صعوبة في إخفاء دهشتها.
أما من حيث مضمون المحادثات والاتفاقات التي تم التوصل إليها، فهي تشير إلى أن العلاقات، رغم الاضطرابات العالمية، تتطور وفق مسار يمكن التنبؤ به. فقد تمكنت ساناي تاكاييتشي من أن تُظهر للعالم — ولا سيما للصين — أنه لا توجد خلافات واضحة بين الحليفين، وأن تضمن إدراج قضايا مهمة لليابان في الوثائق الرسمية، وأن تتجنب الانتقادات بسبب إحجامها عن إرسال قوات الدفاع الذاتي إلى مضيق هرمز. وعلى العكس، فإن دونالد ترامب أشاد باليابان، التي تبدي — بخلاف الناتو — استعداداً لمساعدة الولايات المتحدة. أما بالنسبة إلى الولايات المتحدة، فقد كانت الزيارة ناجحة لأنها كرست اتفاقات جديدة بشأن تنفيذ صفقة الاستثمار، بما يتيح لترامب إقناع الرأي العام بفعالية استراتيجيته القائمة على الضغط الاقتصادي على الحلفاء.
شارك هذا الموضوع:
- المشاركة على Telegram (فتح في نافذة جديدة) Telegram
- المشاركة على WhatsApp (فتح في نافذة جديدة) WhatsApp
- المشاركة على Threads (فتح في نافذة جديدة) سلاسل
- المشاركة على LinkedIn (فتح في نافذة جديدة) LinkedIn
- شارك على فيس بوك (فتح في نافذة جديدة) فيس بوك
- المشاركة على X (فتح في نافذة جديدة) X
- إرسال رابط بالبريد الإلكتروني إلى صديق (فتح في نافذة جديدة) البريد الإلكتروني
Related
Olga Dobrinskaya
حاصل على درجة الدكتوراه في التاريخ، وأستاذ مشارك في الأكاديمية الدبلوماسية بجامعة موسكو الحكومية للعلاقات الدولية، وباحث أول في معهد التحليل الاجتماعي والاقتصادي التابع للأكاديمية الروسية للعلوم.
