قلّما تتكرر عبارة في خطابات السياسة الخارجية المعاصرة بقدر ما تتكرر عبارة «النظام الدولي القائم على القواعد». فالزعماء الغربيون يستدعونها عند إدانة الغزو الروسي لأوكرانيا، وعند مواجهة النزعة الصينية المتشددة في بحر الصين الجنوبي، وعند الدعوة إلى التعاون متعدد الأطراف بشأن تغيّر المناخ. وقد أصبحت هذه العبارة الشعار الأبرز للسياسة الخارجية الغربية. غير أن هذا المفهوم لا يبعث على الطمأنينة لدى جزء كبير من العالم، ولا سيما في بلدان الجنوب العالمي، بل يثير شكوكاً عميقة. ومن هنا يطرح هذا المقال سؤالاً مباشراً: هل يمثل النظام الدولي القائم على القواعد إطاراً عالمياً حقيقياً، أم أنه ترتيب انتقائي يخدم في المقام الأول مصالح الدول القوية التي صاغته؟
ولا تقوم هذه الحجة على أن القواعد والأعراف والمؤسسات الدولية عديمة القيمة. فهي ذات أهمية بالغة بالفعل. لكن الحجة هنا أكثر دقة، إذ تفيد بأن النظام الدولي القائم على القواعد، كما هو مُنشأ ومُطبَّق حالياً، يعاني تناقضات بنيوية عميقة، وأن المدافعين عنه يعفون أنفسهم باستمرار من القيود التي يفرضها، كما أن بنيته المؤسسية تعكس توزيعاً للقوة يعود إلى منتصف القرن العشرين ولم يعد يتوافق مع عالم اليوم. وفهم هذه التناقضات أمر أساسي، ليس فقط لدارسي العلاقات الدولية، بل لكل من يحاول فهم سبب تراجع ثقة جزء كبير من العالم في النظام الدولي.
ما هو النظام الدولي القائم على القواعد؟
قبل تقييم ما إذا كان هذا النظام مجرد أسطورة، يجدر توضيح ماهيته أولاً. فالمصطلح نفسه حديث نسبياً على نحو لافت. وقد أشار محللون في معهد لوي إلى أن عبارة «النظام القائم على القواعد» صيغت بعد الحرب الباردة، رغم أن المدافعين عنها يربطون جذورها عادة بالتسوية التي أعقبت الحرب العالمية الثانية. أما المفهوم الأقدم فكان «النظام الدولي الليبرالي»، الذي كان يشير إلى المؤسسات، والأعراف، والترتيبات الاقتصادية التي أنشأتها الولايات المتحدة وحلفاؤها بصورة أساسية بعد عام 1945، مثل الأمم المتحدة، وصندوق النقد الدولي، والبنك الدولي، ثم لاحقاً منظمة التجارة العالمية.
وبعبارة أخرى، فإن الغاية النهائية من هذه المنظمات كانت، من الناحية المثالية، واحدة دائماً: إقامة عالم تحكمه القواعد لا القوة، وتسوي فيه الدول خلافاتها بالوسائل السلمية، مع احترام سيادة الدول. غير أن النظام الذي نشأ اتضح أنه، من جهة، «طموح وعالمي» في بنيته، لكنه، في الوقت نفسه، «مدفوع بالولايات المتحدة، التي رأت نفسها الحاكم الذي لا ينازع للنظام الناشئ».
إطار صاغه الأقوياء لخدمة الأقوياء
إن البنية المؤسسية للنظام الدولي القائم على القواعد أُنشئت في مرحلة تاريخية محددة، وعلى يد دول بعينها، لخدمة أغراض محددة سلفاً. فوفقاً لمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، هناك خمسة أعضاء دائمين يملكون حق النقض، وهم الولايات المتحدة، والمملكة المتحدة، وفرنسا، وروسيا، والصين. ويكفي أن تستخدم واحدة فقط من هذه الدول الكبرى، التي خرجت من رحم النظام الدولي بعد الحرب، حق النقض حتى تُحبط الجهود الجماعية للمجتمع الدولي. وعندما يكون أحد الأعضاء الدائمين طرفاً محارباً أو داعماً لطرف محارب في نزاع ما، فإن مجلس الأمن لا يعود قادراً على حماية السلم والأمن الدوليين.
والأثر المباشر لهذا الترتيب واضح. ففي عام 2024 وحده، استخدمت الولايات المتحدة ثلاثة أنواع من حق النقض ضد قرارات تتعلق بأزمة غزة، بما في ذلك قرارات بشأن وقف الأعمال العدائية وطلب فلسطين الحصول على عضوية الأمم المتحدة، في حين استخدمت روسيا والصين حق النقض في ما يخص الأزمتين الأوكرانية والشرق أوسطية. ووفقاً لتقرير أصدرته منظمة أوكسفام عام 2024، فإن النتيجة الجماعية لهذه الممارسات هي أن الدول الخمس الدائمة العضوية استخدمت امتيازاتها الخاصة في التصويت والتفاوض لتعزيز مصالحها الذاتية، مما أسفر عن معاناة أكثر من 230 مليون إنسان يحتاجون إلى مساعدات إنسانية بسبب 23 أزمة حول العالم، بما في ذلك أكثر من مليون وفاة.
ولا يقتصر هذا الأمر على مجلس الأمن وحده، بل ينطبق أيضاً على مؤسسات مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، حيث يقوم نظام التصويت على الثقل النسبي، بحيث ترتبط الأموال مباشرة بالنفوذ. وبذلك، تكون الدول الغربية الأكثر ثراءً هي صاحبة اليد العليا عندما يتعلق الأمر بوضع القواعد في مجال التمويل الدولي. ويرى الاقتصادي في البنك الدولي والحائز جائزة نوبل جوزيف ستيغليتز أن توصيات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي في ما يتعلق بالتقشف، وإلغاء القيود التنظيمية، والخصخصة، تميل إلى زيادة الفقر وعدم المساواة في الدخل بدلاً من الحد منهما، وبذلك تُقوّض سيادة الدول النامية من خلال فرض نموذج اقتصادي خارجي لا يتلاءم مع الظروف المحلية. وقد وُثّقت برامج التكيف الهيكلي في ثمانينيات وتسعينيات القرن العشرين على نطاق واسع بوصفها قد عكست مكاسب التنمية ودفعت ملايين الناس إلى الفقر في أميركا اللاتينية وأفريقيا وآسيا.
مشكلة الانتقائية: قواعد للبعض لا للآخرين
إن إحدى أبرز نقاط ضعف النظام الدولي القائم على القواعد لا تتعلق بالضرورة بطبيعة النظام نفسه، بل بطريقة تطبيقه. فبعض أكبر المدافعين عن هذا النظام أصبحوا أيضاً من أكبر منتهكي قواعده، وهو أمر لم يمر من دون ملاحظة.
ولعل أفضل مثال على ذلك هو غزو العراق عام 2003، الذي اعتبره تقرير لجنة دافيدز، التي أنشأتها الحكومة الهولندية، انتهاكاً للقانون الدولي. ووفقاً للتقرير، فإن «تفسير قرار مجلس الأمن رقم 1441 لا يمكن منطقياً أن يُفهم على أنه يجيز للدول الأعضاء منفردة استخدام القوة العسكرية». وفي عام 2004، وصف الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان الغزو بأنه غير قانوني بموجب القانون الدولي، كما فعلت إليزابيث ويلمشرست، نائبة المستشار القانوني في وزارة الخارجية البريطانية، التي استقالت من منصبها قائلة إن الغزو كان «جريمة عدوان».
وهذا التباين بين الاستجابة الدولية للغزو الروسي لأوكرانيا، بما تضمنه من عقوبات سريعة، وعزل دبلوماسي، وخطاب إدانة صيغ بلغة القواعد، وبين ردود الفعل في بلدان الجنوب العالمي التي تابعت هذه الأحداث، قد أصبح أمراً معترفاً به. ويرى ماتياس سبيكتور أن هناك متسعاً للدول النامية لانتقاد انتقائية الغرب وتناقضاته في صنع القواعد، بسبب اعتماده على أخلاقية القرار في تبرير سياساته. وتصبح هذه الانتقادات ممكنة لأن الولايات المتحدة وحلفاءها يعتمدون على القيم الأخلاقية في شرح قراراتهم، وهو ما تفشل دول مثل الصين وروسيا في القيام به عند صياغة سياساتها.
ولا تقتصر المسألة على مجرد ضغينة تاريخية. فقد أثار النزاع في غزة، الذي بدأ في أكتوبر/تشرين الأول 2023، موجة جديدة من الشكوك. ولجأ فاعلون من الجنوب العالمي، من حركة عدم الانحياز إلى دول مثل جنوب أفريقيا وناميبيا وغامبيا، إلى المسارات القانونية، ولا سيما محكمة العدل الدولية، في انتقادهم لما يرونه تطبيقاً انتقائياً للقانون الدولي. كما أن قرار مجلس الأمن رقم 2728 الصادر في مارس/آذار 2024 بشأن وقف إطلاق النار، والذي جاء بعد سلسلة من القرارات التي أُحبطت باستخدام الفيتو، أقنع كثيرين بأن مخرجات المجلس تُملَى أكثر بمصالح القوى الكبرى منها بأي مبدأ شامل.
تحدي الجنوب العالمي لهذا النظام
إن الإحباط الناجم عن المعايير المزدوجة التي يكشف عنها النظام الدولي القائم على القواعد دفع كثيراً من دول الجنوب العالمي إلى إعادة تقييم كبيرة لخطواتها في مجال السياسة الخارجية. وفي الواقع، فإن غياب الإدانة الواسعة للعدوان الروسي على أوكرانيا، وعدم الرغبة في الانضمام إلى الغرب في فرض العقوبات على روسيا، فُسِّرا من قِبل كثير من الدول الغربية على أنهما دليل على انهيار الوحدة الدولية. غير أن هذا الموقف يمكن النظر إليه ببساطة بوصفه رد فعل منطقياً بعد سنوات من المعاملة غير العادلة في ظل إطار النظام الدولي القائم على القواعد.
وفي مؤتمر ميونيخ للأمن لعام 2024، أشار رئيس غانا، نانا أكوفو-أدو، إلى حالة عدم استقرار كامنة في نظام عالمي يجد فيه الجنوب العالمي نفسه دائماً في موقع غير مواتٍ. وكذلك، في قمة مجموعة الـ77 والصين في سبتمبر/أيلول 2023، أعلن الرئيس الكوبي ميغيل دياز-كانيل: «بعد كل هذه السنوات التي نظم فيها الشمال العالم وفق مصالحه الخاصة، جاء الآن دور الجنوب لكي يضع قواعد اللعبة.» وهذه التصريحات ليست مواقف معزولة، بل تعبير جماعي عن مظلومية تشعر بها دول تشكل الجزء الأكبر من دول البشرية.
ويُعد اتساع عضوية بريكس لتشمل دولاً مثل البرازيل، وروسيا، والهند، والصين، وجنوب أفريقيا، وإيران، ومصر، وإثيوبيا، والإمارات العربية المتحدة، مثالاً على هذا الاستياء، رغم استمرار الخلافات داخل هذه المجموعة. وبينما قد لا تقدم هذه الكتلة بديلاً كاملاً للنظام العالمي القائم، فإن تزايد عدد أعضائها يدل على أن مزيداً من الدول لا ترغب في نظام يقوم على الهيمنة الغربية. ومن اللافت بصورة خاصة سلوك الهند في هذا السياق، إذ إنها تدعم إطار النظام الدولي القائم على القواعد في بعض المناسبات، لكنها ترفض في الوقت نفسه القبول بالصورة التي رسمها الغرب لأوكرانيا باعتبارها تهديداً لهذا النظام نفسه.
فهل يعني هذا أن النظام الدولي القائم على القواعد مجرد أسطورة؟
ينبغي التنبيه إلى أن هذه الحجة لا تعني أن النظام الدولي القائم على القواعد كيان وهمي بالكامل أو أنه يفتقر إلى أي قيمة. فقد أدت المنظمات الدولية دوراً بالغ الأهمية، طوال ما يقرب من ثمانية عقود، في إدارة النزاعات، وتنسيق جهود الإغاثة الإنسانية، وتنظيم العلاقات التجارية، ووضع المعايير الدولية. وسيكون من الخطأ الفكري تقويض الوجود الكامل لهذا النظام لمجرد أنه لا يعكس نفسه بدقة كما يدّعي.
وما ينبغي قوله هو أن النظام الدولي القائم على القواعد يمثل نظاماً غير مكتمل. وهذا يعني أنه عمل، بصورة معقولة نسبياً، لصالح الدول التي ساهمت في صياغة بنيته، وتمتلك قوة مؤسسية كبيرة داخله، وتمارس وضع القواعد بشكل انتقائي بما يتوافق مع مصالحها الخاصة. أما بالنسبة إلى الغالبية العظمى من دول العالم، فقد كان هذا النظام في كثير من الأحيان مصدراً للقيود أكثر منه مصدراً للأمن.
