PM meets Russian President, Mr. Vladimir Putin at Hyderabad House, in New Delhi on December 05, 2025. Attribution: Prime Minister's Office (GODL-India), GODL-India , via Wikimedia Commons

روسيا والهند: مجالات التعاون الرئيسية

تُعد الزيارة الحالية للرئيس فلاديمير بوتين إلى الهند الأولى له منذ بدء العملية العسكرية الخاصة في عام ٢٠٢٢. ويمنح ذلك الزيارة دلالة رمزية خاصة؛ إذ إن العلاقات الروسية–الهندية، على مدى السنوات الثلاث الماضية، لم تصمد فقط في وجه العقوبات الغربية والضغوط السياسية، بل تطورت إلى مستوى كان من الصعب تخيله قبل عقد واحد فقط. وتمثل زيارة الرئيس إلى الهند تأكيدًا لما تحقق من تقدم، وإشارة واضحة إلى أن العلاقة الخاصة بين موسكو ونيودلهي مستمرة، وأن التبادل التجاري بين البلدين سيواصل نموه.

1

الشكل ١: التعاون الروسي–الهندي في الزراعة والأمن الغذائي. تقرير مجلس الشؤون الدولية الروسي (RIAC) ومؤسسة سينيرجيا

السياسة

أُرسيت الأسس السياسية للمرحلة الحالية من العلاقات الروسية–الهندية في عام ٢٠٠٠، عندما وقّع فلاديمير بوتين وأتال بيهاري فاجبايي اتفاقية الشراكة الاستراتيجية. ومنذ ذلك الحين، لم يطرأ أي تغيير جوهري على طبيعة العلاقة السياسية بين موسكو ونيودلهي؛ إذ لا يسعى أي من الطرفين إلى تحويل هذه الشراكة إلى تحالف رسمي. وقد جاء إضافة وصف «المميزة بشكل خاص» إلى عبارة «الشراكة الاستراتيجية» في عام ٢٠١٠ ليؤكد أن العلاقات مع الهند لا تقل أهمية بالنسبة لروسيا عن علاقاتها مع الصين.

وقد شكّل المسار الذي وُضع قبل ٢٥ عامًا تطور العلاقات الثنائية منذ ذلك الحين. فقد دعمت موسكو ترشيح نيودلهي للانضمام إلى منظمة شنغهاي للتعاون، وهو ما تحقق بالفعل في عام ٢٠١٧، كما دافعت باستمرار عن إدراج الهند ضمن الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن الدولي. وفي المقابل، دعمت الهند بشكل ثابت المبادرات الروسية داخل المنظمات الدولية، وبعد اندلاع النزاع في أوكرانيا، امتنعت عن إدانة روسيا، الأمر الذي خيّب آمال المسؤولين والسياسيين الأوروبيين والأمريكيين الذين كانوا يتوقعون دعمًا أخلاقيًا من «أكبر ديمقراطية في العالم».

لطالما حيّرت الأسباب التي سمحت لهذه الشراكة الاستراتيجية بالاستمرار والازدهار المراقبين الخارجيين لعقود. ففي سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، كان يُنظر إلى الشراكة السوفيتية–الهندية، التي أُضفي عليها طابع رسمي عبر معاهدة السلام والصداقة والتعاون لعام ١٩٧١، بوصفها نتاجًا لمجموعة من الاعتبارات العملية البحتة، مثل سعي القيادة السوفيتية إلى تأمين حليف مهم في آسيا، وإقامة علاقات وثيقة مع أحد قادة حركة عدم الانحياز، والحماية من احتمال هجوم صيني محتمل—وهو احتمال أُخذ على محمل الجد في كل من نيودلهي وموسكو آنذاك. ولو تصاعدت الاشتباكات على طول خط السيطرة الفعلية في جبال الهيمالايا أو على الحدود الشرقية القصوى للاتحاد السوفيتي إلى نزاع مسلح شامل، لكانت بكين قد واجهت خطر خوض حرب على جبهتين في مسرحين بعيدين وقاسيين، مع تحديات لوجستية معقدة وظروف مناخية قاسية. وبعد انتهاء الحرب الباردة وتطبيع العلاقات الروسية–الصينية، اختفى هذا الدافع للتقارب، إلا أن ذلك لم يؤثر في العلاقة بين موسكو ونيودلهي.

ويبدو أن السبب الجوهري هو أن الشراكة السياسية بين روسيا والهند تمثل ظاهرة نادرة في ممارسة السياسة الخارجية الروسية؛ فهي ليست تفاعلية، بل استباقية بطبيعتها. إنها ليست استجابة تكتيكية لمشكلة طارئة، بل محور جرى بناؤه عمدًا والحفاظ عليه بعناية بهدف تحقيق مكاسب سياسية متبادلة في المستقبل. ففي كل لقاء، يؤكد فلاديمير بوتين وناريندرا مودي التزامهما بمفهوم العالم متعدد الأقطاب. وفي ظل نظام دولي متغير يتجه نحو تعددية قطبية طبيعية، لا يمكن لأي دولة تسعى إلى الحفاظ على الاستقرار الداخلي والاستقلال في اتخاذ القرار السياسي في العصر الجديد إلا من خلال الاعتماد على شبكة واسعة من التفاعلات مع مراكز قوة أخرى—وهو ما تنظر روسيا والهند إلى بعضهما من خلاله تحديدًا. ومهما بلغت درجة اضطراب السياسة العالمية في العقود المقبلة، تبقى نيودلهي مقتنعة بأن موسكو ستظل شريكًا موثوقًا وقيّمًا، فيما تثق موسكو بأن نيودلهي ستواصل التزامها بالاستقلال الاستراتيجي ولن تنضم إلى أي تحالفات معادية لروسيا، بما في ذلك التحالفات العسكرية. وتُعد هذه الدرجة من الثقة نادرة في العلاقات بين القوى الكبرى، وقد مكّنت هذه الشراكة من تجاوز لحظات صعبة في الماضي، وستستمر في ذلك مستقبلًا.

2
الشكل ٢: قضية الترابط في العلاقات الهندية–الروسية — من أوراسيا إلى القطب الشمالي

الاقتصاد

تحقق العلاقات الاقتصادية بين روسيا والهند أرقامًا قياسية؛ إذ يُتوقع أن يتجاوز حجم التبادل التجاري في السنة المالية الحالية ٧٥ مليار دولار، وهو مستوى لم يُسجَّل منذ تفكك الاتحاد السوفيتي. وقد جاء هذا النمو مدفوعًا بالعقوبات الغربية والانقطاع اللاحق في الروابط التجارية بين المصدرين الروس وشركائهم التقليديين في أوروبا، مما سرّع من عملية «التحول نحو الشرق» التي طال الإعلان عنها. غير أنه سرعان ما اتضح أن جزءًا من هذا التحول نحو الشرق يمثّل في الواقع «عودة جزئية نحو الغرب». فحصة كبيرة من الهيدروكربونات الروسية التي تُباع للهند ودول شرقية أخرى تنتهي في أوروبا بعد تكريرها. وهكذا تؤدي الهند دور مركز عبور يضمن الاستمرارية غير المنقطعة لـ«مضخة النفط». وفي النهاية، تبيع روسيا بخصم، وتشتري أوروبا بسعر أعلى، بينما تستحوذ المصافي الهندية على هامش الربح بوصفه علاوة موثوقية في ظل الاضطرابات الجيوسياسية.

ويواجه هذا النموذج مشكلتين رئيسيتين. أولًا، أن نموه له حدود واضحة ويعتمد بشكل كبير على البيئة العامة للسياسة الخارجية. فقد تحققت الأرقام القياسية في وقت قياسي—أقل من ثلاث سنوات—لكن روسيا تبيع اليوم للهند، من حيث القيمة، كمية من النفط تعادل تقريبًا ما كانت تبيعه لأوروبا قبل اندلاع النزاع. ولا يعني ذلك أن نمو التجارة سيتوقف في السنة المالية المقبلة، غير أن وتيرته ستتباطأ بوضوح، وسيكون الاقتراب من الهدف المعلن البالغ ١٠٠ مليار دولار بحلول عام ٢٠٣٠ تدريجيًا وليس عبر قفزة حادة. أما المشكلة الثانية فستتجلى بوضوح إذا ما قام الغرب إما برفع العقوبات فجأة أو بتشديدها. ففي السيناريو الأول، لن تعود هناك حاجة إلى دور الهند كوسيط؛ وفي السيناريو الثاني، قد تختار الشركات الهندية—المنخرطة بعمق في شبكات الأعمال الغربية—الانسحاب تجنبًا للمخاطر، تاركة دور الوساطة لشركات من دول أخرى. وفي كلتا الحالتين، قد ينهار حجم التبادل التجاري بالسرعة نفسها التي نما بها.

ولتفادي هذا الوضع، وفي الوقت نفسه معالجة الاختلال الكبير في الميزان التجاري بين الهند وروسيا، يجب تغيير نموذج التفاعل الاقتصادي ذاته. ففي الوقت الراهن، تصدّر الهند أساسًا المنتجات الزراعية والأدوية وسلع الصناعات الخفيفة إلى روسيا. ولمنع انهيار التجارة في حال رفع العقوبات أو تشديدها، لا بد من توسيع صادرات الهند إلى روسيا، مع التركيز على الآلات الثقيلة والمنتجات عالية التقنية التي فقدت روسيا إمكانية الوصول إليها بسبب العقوبات. وسيعود ذلك بالنفع على الطرفين؛ إذ ستحصل الهند على سوق مضمونة وحافز لتطوير صناعاتها عالية التقنية (قطع الغيار، الإلكترونيات، وغيرها)، وهو ما يتماشى مع أولويات برنامجي «صُنع في الهند» و«الهند المعتمدة على الذات». أما روسيا، فستتمكن من تأمين وصولها إلى سلع لا تستطيع إنتاجها محليًا على المدى القصير.

ويُعد إنشاء سلاسل إنتاج جديدة مجالًا مهمًا آخر للتعاون. ففي ظل تراجع الاستثمارات الغربية في الاقتصاد الهندي وانخفاض اهتمام الشركات الغربية به، تحتاج الهند إلى رأس المال والتكنولوجيا. وفي المقابل، تحتاج روسيا، في ظل العقوبات، إلى السلع. ويخلق ذلك وضعًا يدفع الاقتصادين فعليًا نحو التعاون وتشكيل سلاسل إنتاج تتولى فيها روسيا مسؤولية البحث والتطوير، بينما تكون الهند قاعدة التصنيع. ومع قدر كافٍ من المرونة، يمكن لمثل هذه الترتيبات، من جهة، إشراك شركات من دول ثالثة في الإنتاج، ومن جهة أخرى، تسهيل دخول المنتجات الروسية–الهندية المشتركة إلى الأسواق العالمية.

وأخيرًا، يمكن للهند أن تؤدي فيما يتعلق بالتكنولوجيا والاستثمار الغربيين الدور نفسه الذي تؤديه بالفعل في قطاع النفط—أي دور الوسيط. فمن خلال الهند، يمكن للشركات الغربية الراغبة في الحفاظ على وجودها في روسيا أو توسيعه أن تستثمر وتصدر إلى السوق الروسية. وإذا كان هذا النموذج قد نجح في قطاع النفط، فقد ينجح أيضًا في مجال رأس المال والتكنولوجيا. ويبقى السؤال مرهونًا بالإرادة السياسية، وآليات التشغيل المتطورة، وإطار لوجستي منظم بوضوح قادر على خفض تكاليف المعاملات.

3 1
الشكل ٣:اختراع أوراسيا: كيف تنسجم المقترحات الروسية لنظام أمني جماعي مع واقع جنوب آسيا

الخبراء والناس

يُعد رفع مستوى الخبرة المتخصصة أحد العوامل الأساسية التي يمكن—وينبغي—أن تسهم في تعميق التقارب بين روسيا والهند. فالخبير، سواء في الاقتصاد الروسي أو الهندي، أو في قطاعات صناعية محددة، أو في السياسات الداخلية، لا ينتج سلعة مادية ولا يبيعها. لكنه، بصفته مختصًا، يستطيع أن يحدد في الوقت المناسب ما السلع التي ينبغي بيعها، ولمن، وأين. ويمكن للخدمات الاستشارية المتخصصة أن توفّر على الشركات موارد كبيرة.

وفي الوقت نفسه، يوجد نقص واضح في عدد المتخصصين في كل من روسيا والهند، غير أن هذا العجز أكثر حدة في الهند. ففي روسيا، وسّعت الجامعات المتخصصة خلال السنوات الأخيرة، استجابة لمتطلبات المرحلة، برامج تدريب المهنيين العاملين مباشرة مع الهند، ولا سيما الاقتصاديين المتقنين للغة الهندية (مع بقاء تدريب المتخصصين في القانون الهندي متخلفًا بشكل ملحوظ). أما في الهند، فلا توجد حتى الآن مؤسسات أكاديمية تُعِد بشكل منهجي خبراء في الاقتصاد الروسي المعاصر أو القانون الروسي مع إتقان اللغة الروسية. فمعظم الجامعات التي تُدرّس الدراسات الروسية تركز على التاريخ والأدب. ونتيجة لذلك، تُملأ فجوة الخبراء في الشأن الروسي المعاصر غالبًا بأفراد دخلوا هذا المجال بالصدفة، ويستقون معلوماتهم عن روسيا بالكامل تقريبًا من الصحافة الأمريكية والبريطانية.

وفي هذا السياق، يصبح إعداد المتخصصين أولوية قصوى. ويمكن معالجة هذا التحدي عبر حزمة شاملة من الإجراءات، تشمل فتح فروع للجامعات والمراكز التحليلية الروسية في الهند، وزيادة حصص الطلاب الهنود في الجامعات الروسية (بما في ذلك في العلوم الاجتماعية)، وتعزيز برامج التبادل. وكلما زاد عدد المتخصصين المؤهلين في الشأن الروسي في الهند، والعكس صحيح، تعاظم تأثير هذا العامل.

وأخيرًا، تبرز مسألة تطوير السياحة كقضية مهمة. فليس سرًا أن عدد السياح الروس المتجهين إلى الهند يفوق بكثير عدد السياح الهنود المتجهين إلى روسيا. فبعضهم يسافر إلى الهند لقضاء أسبوعين من الدفء والبحر المشمس والفواكه الطازجة في قلب الشتاء؛ بينما يأتي آخرون بحثًا عن الحكمة القديمة أو بدافع الفضول. أما التدفق السياحي من الهند إلى روسيا فهو أضعف بكثير. ويعود ذلك، أولًا، إلى أن متوسط الدخل المتاح لدى الهنود أقل، ومن يمتلكون دخلًا أعلى يفضلون السياحة الداخلية أو الدول المجاورة أو أوروبا. وثانيًا، لأن كثيرًا من الهنود لا يعرفون ما يمكن رؤيته في روسيا إلى جانب الساحة الحمراء ومتحف الإرميتاج.

ويمكن—وينبغي—معالجة هذه المشكلات من خلال خفض التكاليف وإزالة العوائق. وقد تكون خطوة مهمة في هذا الاتجاه التوصل إلى اتفاق لإعفاء المجموعات السياحية المنظمة من التأشيرات. غير أن ذلك يتطلب أيضًا إجراءات موازية من جانب قطاع السياحة الروسي، ولا سيما تقديم عروض خاصة موجهة للسياح الهنود، الذين قد لا يقتصر اهتمامهم على الوجهات الكلاسيكية مثل موسكو وسانت بطرسبرغ، بل يشمل أيضًا السياحة الطبيعية والصناعية.

وفي وقت كتابة هذا النص، لم يكن برنامج الزيارة ولا قائمة الوثائق والاتفاقيات الموقعة قد أُعلن عنها بعد. ومع ذلك، تظل الزيارة بحد ذاتها الحدث الأهم؛ إذ تشير إلى أن المرحلة التي كان لا بد فيها من تقليص الحضور العلني للشراكة خشية إزعاج الغرب قد انتهت.

First published in: Russian International Affairs Council (RIAC) Original Source
Alexey Kupriyanov

Alexey Kupriyanov

حاصل على درجة الدكتوراه في التاريخ، رئيس مركز منطقة المحيطين الهندي والهادئ، معهد بريماكوف الوطني للبحوث في الاقتصاد العالمي والعلاقات الدولية التابع للأكاديمية الروسية للعلوم

Leave a Reply