بسبب عملية الإنتاج المجزأة، تُعدّ المشتريات الدفاعية الأوروبية غير كفؤة وغير قادرة على المنافسة مقارنة بالولايات المتحدة. ويمكن لاعتماد نهج جديد يضع التعاون العابر للحدود في صميمه أن يحسّن هذا الوضع، غير أنّ ذلك لن يخلو من تحديات خاصة به.
تم تقديم الاستراتيجية الصناعية الدفاعية الأوروبية في شهر مارس من عام ٢٠٢٤، وهي تشكّل حجر الزاوية في السياسة الصناعية الدفاعية الأوروبية. وتهدف هذه الاستراتيجية إلى تعزيز القدرة التنافسية والتجهيز لقاعدة تكنولوجية والصناعية في خط الدفاع الأوروبي من خلال زيادة التعاون بين الدول الاروبية.
وتتضمن الاستراتيجية أهدافًا طموحة، جميعها مصمّمة لتخصيص موارد أكبر للقاعدة الصناعية الدفاعية الأوروبية. فعلى سبيل المثال، بحلول عام ٢٠٣٠، يتمثّل الهدف في أن يأتي خمسون بالمئة من ميزانيات المشتريات الدفاعية، وما لا يقل عن أربعين بالمئة من مشتريات المعدات الدفاعية، من خلال التعاون المشترك. كما خُصصت ميزانية قدرها مليار وخمسمئة مليون يورو لما يُعرف بـ «التجهيز» الصناعة الدفاعية الأوروبية.
ويأتي هذا التوجه في سياق إعادة التسلح البريطاني والأوروبي، أو ما يُعرف بالتجهيز الخط الدفاعى، وذلك إلى حد كبير استجابةً لتزايد التهديد الروسي، لا سيما بعد ضمّ شبه جزيرة القرم والعمليات العسكرية غير القانونية في أوكرانيا. وقد ارتفع الإنفاق الدفاعي الأوروبي من ثلاثمئة وثلاثة وأربعين مليار يورو في عام ٢٠٢٤ إلى ثلاثمئة وواحد وثمانين مليار يورو في عام ٢٠٢٥.
يوضح الشكل الأول إنفاق الدفاع في عام ٢٠٢٤ كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي حسب كل دولة أوروبية. وباعتماد نسبة اثنين بالمئة كهدف، نجد أن إيطاليا وإسبانيا والبرتغال تقع تحت هذا الحد. في المقابل، أنفقت بولندا، التي تشترك في حدود مع أوكرانيا التي تمزقها الحرب، أكثر من ضعف الهدف في العام الماضي، بنسبة أربعة فاصل خمسة عشر بالمئة. وفي الوقت نفسه، أنفقت روسيا في العام نفسه ما يُقدّر بسبعة فاصل خمسة بالمئة من ناتجها المحلي الإجمالي على «الدفاع».

الشكل الاول: إنفاق الدفاع الأوروبي كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي
كيف تؤثر أوجه القصور في السوق الدفاعية الأوروبية على الإنفاق؟
تُشكّل أوجه القصور داخل السوق الدفاعية الأوروبية أنماط الإنفاق. ومن الأمثلة على ذلك تكرار أنشطة البحث والتطوير الدفاعي، وتجزؤ الأسواق الدفاعية الوطنية، وشراء المعدات الجاهزة من الموردين من خارج الاتحاد الأوروبي، والفشل العام في الاستفادة من وتوفير في الحجم و التعلم. وبالمقارنة مع السوق الأمريكية، فإن أوروبا ليست كفؤة ولا هي فلا وضع التنافس مع السوق الامريكى.
ويتجلى هذا القصور في قيام أوروبا بإنتاج ثلاثة أنواع مختلفة من الطائرات القتالية: الطائرة الأوروبية، والطائرة الفرنسية، والطائرة السويدية. ويُنتج كل نوع منها لتلبية الأسواق الوطنية وأسواق التصدير. وحتى شهر أكتوبر من عام ٢٠٢٥، تم طلب أو تسليم سبعمئة واثنتين وثمانين طائرة من النوع الأول، وسبعمئة وعشر طائرات من النوع الثاني، وثلاثمئة وتسع وستين طائرة من النوع الثالث.
ولو أن كل دولة أوروبية وافقت على شراء نوع واحد فقط من الطائرات القتالية، لبلغ إجمالي الإنتاج نحو ألف وثمانمئة طائرة. كما كان من شأن الشراء المشترك أن يقلل تكاليف الإنتاج بنسبة تُقدّر بين عشرة وعشرين بالمئة. وعلى النقيض من ذلك، يبلغ إجمالي الإنتاج المخطط للطائرة القتالية الأمريكية من الجيل الحالي ثلاثة آلاف وخمسمئة وستًا وخمسين طائرة، أي ما يقارب ضعف إجمالي الإنتاج الأوروبي.
ماذا عن طائرات الجيل السادس؟
يبدو سوق الطائرات القتالية من الجيل السادس شديد التنافس بالفعل. فبحلول عام ٢٠٢٧، تخطط أوروبا لبناء نظام الطائرات القتالية المستقبلية بمشاركة فرنسا وألمانيا وإسبانيا. وفي الوقت نفسه، تعمل المملكة المتحدة على تطوير طائرة قتالية جديدة بالشراكة مع إيطاليا واليابان، ومن المقرر أن تقوم بأول رحلة لها أيضًا في عام ٢٠٢٧.
وفي المقابل، أعلنت الولايات المتحدة في شهر مارس من عام ٢٠٢٥ أن شركة أمريكية كبرى ستتولى تطوير طائرة التفوق الجوي من الجيل التالي، المصمّمة لتحل محل الطائرة الحالية، على أن تكون أول رحلة لها في عام ٢٠٢٨. وقد تم تسجيل مئة وخمسة وثمانين طلبًا عليها حتى الآن.
ومن منظور السياسات العامة، تبرز تساؤلات حول ما إذا كانت أوروبا قادرة على تمويل مشروعين متشابهين للطائرات القتالية. ومن ناحية، يمكن القول إن أوروبا والمملكة المتحدة قادرتان على تحمّل تكلفة تطوير مشروعين مستقلين. ومع ذلك، توجد خيارات سياسية أخرى بتكاليف مختلفة. فمن جهة، يمكن للدول الأوروبية تعزيز التعاون وتقاسم الأعباء بشكل أوسع. ومن جهة أخرى، يمكنها ببساطة شراء طائرات أمريكية.
يُعدّ التعاون الأوسع جذابًا من الناحيتين الاقتصادية والسياسية. فاقتصاديًا، يؤدي انضمام عدد أكبر من الدول إلى زيادة تقاسم تكاليف البحث والتطوير وتجميع طلبيات الإنتاج. غير أن هذا يفترض بقاء بقية العوامل دون تغيير، وهو أمر غير مرجّح. فالتعاون الإضافي مكلف، إذ تطالب كل دولة شريكة بنصيبها من التكنولوجيا المتقدمة، بما في ذلك هياكل الطائرات والمحركات والإلكترونيات الجوية، فضلًا عن مراكز اختبار الطيران المكررة. كما يطالب الشركاء أيضًا بحصص من أعمال الإنتاج، ما يؤدي إلى تعدد خطوط التجميع النهائية وزيادة التكاليف الإجمالية، وإن كانت أقل من تكاليف المبادرات الوطنية المنفردة.
وفي المقابل، قد يؤدي التعاون الأوسع إلى تقاسم التكاليف وتحقيق وفورات، ما يعني أسعارًا أقل لكل دولة مشاركة مقارنة بحلول وطنية مستقلة.
لكن التعاون الأوسع قد يجلب مشكلات أيضًا. فزيادة عدد الدول الشريكة من ثلاث إلى ست يرفع تكاليف المعاملات. والأصعب من ذلك هو اختيار «المشروع الفائز» وما يصاحبه من اختيار «البطل الوطني»، أي المفاضلة بين شركتين دفاعيتين أوروبيتين رائدتين. ومن الناحية النظرية، ينبغي لتقاسم أعمال التصميم بين شركتين عالميتين أن ينتج تصميمًا متفوقًا، لكن الواقع غالبًا ما يؤدي إلى حلول وسط وتقاسم متساوٍ للعمل التطويري، وهو ما قد لا يكون الحل الأكثر كفاءة. ومع ذلك، تبقى بعض أوجه القصور ثمنًا للتعاون الأوسع.
كخيار بديل، يمكن للحكومات الأوروبية شراء وحدات أمريكية، إما جاهزة بالكامل أو مع ترتيبات تعويض صناعي توفّر قدرًا متفاوتًا من العمل للدولة المستوردة. وتشمل هذه الخيارات فوائد وتكاليف مختلفة؛ فالواردات المباشرة تتطلب مدفوعات بالعملة الأجنبية، بينما يوفر التعويض الصناعي وظائف ويحافظ على بعض القدرات الصناعية المحلية. كما يمكن التفاوض على شراكة خاصة شبيهة بتجربة سابقة، تتيح للدولة المشاركة حصة صناعية معتبرة من البرنامج.
إعادة تشكيل الدفاع الأوروبي: بين التعاون والكلفة والكفاءة
يتعين على السياسة الصناعية الدفاعية الأوروبية معالجة مسألة الطائرة القتالية من الجيل التالي. والحل الأبسط هو الاستمرار في المشروعين الحاليين كمسارين مستقلين. غير أن الإطار الجديد للاستراتيجية الصناعية الدفاعية الأوروبية، والتزامه بالحلول الأوروبية، يشير إلى أن الخيار الأفضل يتمثل في السعي إلى تعاون جديد يجمع المشروعين معًا.
قد يحقق هذا التعاون توفير في تكاليف البحث والتطوير والإنتاج، إذ سيتم تقاسم التكاليف الثابتة بين ست دول بدلًا من ثلاث، كما ستزداد طلبيات الإنتاج بشكل كبير، وربما تتضاعف. ومن شأن ذلك أن يتيح مزيدًا من توفير فى الحجم والتعلم، مع خفض تكلفة الوحدة بما لا يقل عن عشرة بالمئة. وتشير التقديرات إلى أن دمج المشروعين قد يرفع عدد الوحدات المنتجة إلى ما بين أربعمئة وستّمئة طائرة.
ومع ذلك، ستظل هناك تكاليف معاملات ناتجة عن التعاون بين ست دول، وهو أمر ليس جديدًا، إذ توجد بالفعل برامج أوروبية كبرى تشارك فيها عدة دول في مجالات أخرى.
الخلاصة
قد يمثّل دمج برنامجي الطائرات القتالية مسارًا ممكنًا لكلا المشروعين، من خلال إنشاء مجمع صناعي عسكري سياسي كبير، لا تزال فوائده وتكاليفه الاقتصادية بحاجة إلى تقييم دقيق. كما يمكن أن يشكّل هذا الدمج محورًا أساسيًا في السياسة الصناعية الدفاعية الأوروبية الجديدة، وقد يجذب عملاء تصدير جدد من داخل الاتحاد الأوروبي وخارجه.
أما الهدف الأكثر طموحًا، فيتمثل في إنشاء جيش وبحرية وقوة جوية أوروبية موحدة، وهو ما يتطلب آلية صنع قرار أوروبية واحدة تحل محل النظام الحالي القائم على الدول الأعضاء المنفردة. وسيسمح ذلك بسياسات شراء مشتركة وعمليات شراء واسعة النطاق للأسلحة البرية والبحرية والجوية. ورغم أن هذا الهدف يبدو بعيد المدى، إلا أنه قد يكون جديرًا بالسعي إليه. فإزالة أوجه القصور في أسواق الدفاع الأوروبية عبر إنشاء سوق أوروبية موحدة للمعدات الدفاعية يمكن أن تحقق مكاسب كبيرة، اقتصاديًا وأمنيًا على حد سواء.
