أولًا: المقدمة
كما يوضح الشكل 1، على الرغم من أن تركيا كانت أول دولة إسلامية تعترف بإسرائيل عام 1949، فإن العلاقات بين البلدين شهدت تدهورًا حادًا في الآونة الأخيرة. وقد أثار تصاعد التوترات بين هاتين القوتين في الشرق الأوسط مخاوف من احتمال اندلاع صراع مسلح بينهما، مع اعتبار سوريا وشرق البحر الأبيض المتوسط الساحتين الأكثر ترجيحًا لمثل هذا السيناريو.

الشكل 1: خريطة تركيا وإسرائيل (المصدر: مجلة ذي إيكونوميست)
ظهرت بوادر هذا الصراع منذ أكتوبر 2024، أي قبل عامين فقط، عندما حذّر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان من أن «الهدف التالي لإسرائيل سيكون تركيا»، وذلك قبل وقت قصير من شنّ فصائل المعارضة السورية هجومًا للإطاحة بالرئيس السوري بشار الأسد.[1]
ومن المرجح أن تُسجَّل الغارة الجوية الإسرائيلية على قاعدة أبو الظهور الجوية في سوريا، في 18 أغسطس 2026، بوصفها بداية تحقق ذلك التحذير، واللحظة التي تحوّل فيها التدهور المستمر منذ سنوات في العلاقات الإسرائيلية التركية إلى مواجهة عسكرية.
وتقع القاعدة على بُعد نحو 80 كيلومترًا من الحدود التركية، كما يوضح الشكل 2. وكانت قد زارتها بعثة عسكرية تركية قبل ساعات فقط من الغارة، بهدف تفقد أعمال إعادة تأهيلها.
وبرّرت إسرائيل الغارة بأن سوريا كانت على وشك انتهاك الاتفاقيات الأمنية من خلال السماح بوجود قوات تركية على أراضيها. غير أن تركيا وسوريا رفضتا التبرير الإسرائيلي لهذا الهجوم.

الشكل 2-1: قاعدة أبو الظهور الجوية في سوريا (المصدر: عرب نيوز)

الشكل 2-2: قاعدة أبو الظهور الجوية في سوريا (المصدر: فيسبوك)
في ظل هذه التطورات، تهدف هذه الدراسة إلى بحث الأسباب التي أدت إلى التدهور السريع في العلاقات بين تركيا وإسرائيل خلال الفترة الأخيرة، وتحديد المناطق التي قد تشهد صراعات محتملة بين البلدين.
ثانيًا: نظرة عامة على العلاقات التركية الإسرائيلية
أقامت إسرائيل وتركيا علاقات دبلوماسية رسمية في مارس 1949. فبعد أقل من عام على إعلان قيام دولة إسرائيل، اعترفت تركيا بالسيادة الإسرائيلية، لتصبح بذلك أول دولة ذات أغلبية مسلمة في العالم تتخذ هذه الخطوة.
وقد أولى البلدان أهمية كبيرة للتعاون الثنائي في المجالات الدبلوماسية والعسكرية والاستراتيجية، في ظل مخاوف مشتركة بشأن حالة عدم الاستقرار الإقليمي في الشرق الأوسط.[2]
وفي عام 1999، ذكرت صحيفة نيويورك تايمز أن الشراكة الاستراتيجية بين تركيا وإسرائيل تمتلك القدرة على تغيير المشهد السياسي في الشرق الأوسط.
فقد شهدت التجارة والسياحة بين البلدين ازدهارًا ملحوظًا، وكانت القوات الجوية الإسرائيلية تجري مناورات في المجال الجوي التركي، بينما تولى فنيون إسرائيليون تحديث الطائرات المقاتلة التركية.
كما وُضعت خطط للتعاون في مجالات التكنولوجيا المتقدمة وتقاسم الموارد المائية.
وفي عام 2005، أجرى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان زيارة رسمية إلى إسرائيل، أعرب خلالها عن أمله في أداء دور إيجابي في حل الصراع الإسرائيلي الفلسطيني.[3]
غير أن العلاقات بين البلدين شهدت تدهورًا كبيرًا خلال العقود الأخيرة، ولا سيما في ظل حكومة أردوغان في تركيا.
فقد تراجعت العلاقات عقب حرب غزة بين عامي 2008 و2009، ثم ازدادت سوءًا بعد الهجوم الإسرائيلي على أسطول المساعدات المتجه إلى غزة عام 2010.
وفي مارس 2013، قدمت إسرائيل اعتذارًا عن الهجوم على الأسطول، مما فتح الطريق أمام استعادة العلاقات الطبيعية بين البلدين.
لكن التوترات تجددت في أكتوبر 2013، على خلفية اتهامات بتورط تركيا في كشف هويات عملاء إسرائيليين يعملون سرًا في إيران.
وفي ديسمبر 2015، عقدت تركيا وإسرائيل اجتماعًا سريًا للتفاوض بشأن استعادة العلاقات الدبلوماسية، وتوصل الطرفان في 27 يونيو 2016 إلى اتفاق لبدء تطبيع العلاقات.
غير أن أردوغان هدد مجددًا في ديسمبر 2017 بقطع العلاقات مع إسرائيل، وهذه المرة بسبب اعتراف الولايات المتحدة بالقدس عاصمةً لإسرائيل.
ومع ذلك، أُعيدت العلاقات الدبلوماسية بعد مبادرة لتطبيع العلاقات في منتصف عام 2022.
لكن العلاقات تدهورت مرة أخرى عقب هجمات السابع من أكتوبر والحرب في غزة، التي يشير النص إلى وقوعها عام 2022، إذ أدانت تركيا إسرائيل وأعلنت دعمها لحركة حماس.
وفي 13 نوفمبر 2024، أعلن أردوغان عزمه قطع علاقات تركيا مع إسرائيل.
ومع ذلك، ظل البلدان يحتفظان بعلاقات دبلوماسية حتى أغسطس 2026.
ثالثًا: القضايا الخلافية بين تركيا وإسرائيل
1. نظرة عامة
في الوقت الذي يواجه فيه الشرق الأوسط تداعيات الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، تتصاعد التوترات بين إسرائيل وتركيا.
وكان الهجوم الإسرائيلي على القواعد الجوية السورية، التي كان الجيش التركي قد قيّم مؤخرًا إمكانية استخدامها، في 18 أغسطس 2006، أحد المؤشرات المبكرة على هذا التصعيد.
فعلى مدى سنوات، اعتقد محللون في الولايات المتحدة وأوروبا أن التوتر بين تركيا وإسرائيل لا يتجاوز كونه حربًا كلامية متبادلة، تستهدف أساسًا تحقيق مكاسب سياسية داخلية.
غير أن الدمار الذي لحق بقاعدة أبو الظهور في سوريا كشف مدى خطأ هذه التقديرات المتفائلة.
فقد انتهى رسميًا عصر إدارة الأزمات بين تركيا وإسرائيل بالاكتفاء بتبادل المذكرات والاحتجاجات الدبلوماسية.
وأدى انهيار المناطق العازلة التقليدية في الشرق الأوسط إلى وضع المؤسستين الدفاعيتين التركية والإسرائيلية على مسار مواجهة مباشرة.
ولم تعد تركيا تكتفي بالإدانات الدبلوماسية، بل بدأت تعمل فعليًا على بناء استراتيجية ردع ميدانية لمواجهة التدخلات العسكرية الاستباقية الإسرائيلية.
وأصبح تقلص المناطق العازلة بين البلدين في سوريا وشرق البحر الأبيض المتوسط، وكذلك في المجال الاستخباراتي، يدفع العلاقات نحو مواجهة عسكرية.
وباتت تركيا تنظر إلى إسرائيل باعتبارها التهديد الإقليمي الأكثر إلحاحًا بالنسبة إليها.
وفي المقابل، ومع تراجع القدرات الإيرانية نتيجة العمليات العسكرية الأمريكية الإسرائيلية، أصبح المسؤولون الإسرائيليون ينظرون بصورة متزايدة إلى تركيا بوصفها «التحدي الكبير التالي» أمام الهيمنة الإقليمية لإسرائيل.
ورغم أن أيًا من البلدين لا يتوقع اندلاع صراع عسكري فوري، فإن تصاعد التوترات يبدو أمرًا لا مفر منه مع سعي كل منهما إلى ترسيخ موقعه ونفوذه في المنطقة الأوسع.[4]
2. فلسطين وغزة وحركة حماس
تتمثل الجذور الأساسية للتوتر بين تركيا وإسرائيل في القضية الفلسطينية، ولا سيما غزة وحركة حماس.
فعلى الرغم من أن تركيا كانت أول دولة ذات أغلبية مسلمة تعترف بدولة إسرائيل، فإنها طالبت منذ فترة طويلة بإقامة دولة فلسطينية.
وينظر الرئيس أردوغان إلى حركة حماس بوصفها حركة مقاومة تناضل ضد الاحتلال الإسرائيلي ومن أجل إقامة دولة فلسطينية مستقلة.
في المقابل، تتهم إسرائيل تركيا بأنها من أبرز الجهات الداعمة لحركة حماس، التي تصنفها إسرائيل منظمة إرهابية وتعتبرها تهديدًا وجوديًا لأمنها.[5]
وقد أثار الدعم التركي المستمر لحماس قلق المسؤولين الإسرائيليين.
أما المسؤولون الأتراك، فقد اعتبروا منذ فترة طويلة أن أعمال العنف الإسرائيلية ضد الفلسطينيين ترقى إلى مستوى الإبادة الجماعية.
لكن على أرض الواقع، اتسم الموقف التركي بخطاب سياسي شديد اللهجة، يقابله قدر كبير من الحذر في اتخاذ الإجراءات العملية.
فقد دفعت تركيا، تحت ضغط الولايات المتحدة، معظم عناصر حركة حماس إلى مغادرة أراضيها.
كما استدعت سفيرها لدى إسرائيل، لكنها أبقت في الوقت نفسه على حضور دبلوماسي كبير هناك.
وفي 2 مارس 2024، تجمع متظاهرون في إسطنبول للاحتجاج على استمرار العلاقات التجارية بين تركيا وإسرائيل.
وفي 2 مايو 2024، أعلنت تركيا تعليق جميع أشكال التجارة مع إسرائيل، على أن يدخل القرار حيز التنفيذ فورًا، وذلك بسبب ما وصفته بـ«المأساة الإنسانية المتفاقمة» في الأراضي الفلسطينية.
وفي 9 مايو 2024، ادعى وزير الخارجية الإسرائيلي آنذاك، يسرائيل كاتس، أن الحكومة التركية خففت القيود المفروضة على التجارة مع إسرائيل.
لكن وزير التجارة التركي عمر بولات رفض تصريحات كاتس، واصفًا إياها بأنها «مختلقة بالكامل».
وفي 7 أكتوبر 2024، قدم مصطفى ينر أوغلو تقريرًا إلى البرلمان التركي بشأن الارتفاع الحاد في الصادرات المتجهة إلى الأراضي الفلسطينية.
وطالب ينر أوغلو وزير التجارة عمر بولات بالرد على تقارير نشرتها وسائل إعلام محلية، تفيد بأن التجارة مع إسرائيل كانت مستمرة بصورة غير معلنة عبر شركات فلسطينية.
ووفقًا لهذه التقارير، كانت وثائق الشحن تُظهر أن البضائع متجهة إلى الأراضي الفلسطينية، بينما كانت وجهتها الفعلية إسرائيل.
وقد نفى بولات هذه الادعاءات.
وفي 8 أكتوبر 2024، ذكرت وكالة رويترز أن الصادرات التركية إلى الأراضي الفلسطينية ارتفعت بنسبة 35%، بعد خمسة أشهر من فرض تركيا حظرًا على التجارة مع إسرائيل، وذلك استنادًا إلى بيانات جمعية المصدّرين الأتراك.
وبحسب صحيفة يديعوت أحرونوت الإسرائيلية، بدأ المصدّرون الأتراك والمستوردون الإسرائيليون استخدام مسار لوجستي جديد للالتفاف على الحظر التجاري.
ويقوم هذا المسار على شحن المنتجات التركية أولًا إلى دول ثالثة، مثل اليونان ورومانيا وبلغاريا، قبل إعادة إرسالها إلى إسرائيل.
ورغم أن هذا المسار يؤدي إلى ارتفاع تكاليف الشحن، فإنه يضمن استمرار تدفق البضائع بين الطرفين.[6]
وفي خضم هذه الخلافات، فرضت تركيا منذ أغسطس 2025 حظرًا شاملًا على التجارة مع إسرائيل، إلى جانب منع الطائرات الإسرائيلية من استخدام مجالها الجوي.
ومع ذلك، سمحت باستمرار مرور النفط الأذربيجاني عبر أراضيها إلى إسرائيل، وهو النفط الذي يمثل ما يقرب من 50% من واردات إسرائيل النفطية.
واتسم الحذر أيضًا برد فعل تركيا على الحملة العسكرية الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران.
فقد أدانت أنقرة الصراع وحذرت من أي انتهاك لسيادتها، لكنها في الوقت نفسه حرصت على تجنب إثارة استياء الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.[7]
غير أن إسرائيل أضعفت مكانتها بوصفها شريكًا إقليميًا نتيجة الخسائر البشرية والتداعيات المتسلسلة لحملتها العسكرية في غزة.
كما أثار الهجوم الإسرائيلي على قادة حركة حماس المقيمين في قطر، الحليفة للولايات المتحدة، في سبتمبر 2025، صدمة واسعة في أنحاء المنطقة.
ورغم أن العلاقات والتحالفات الإقليمية لا تزال تشهد تغيرات مستمرة، ولا سيما في ظل التنافس السعودي الإماراتي، فإن قوى إقليمية تسعى إلى الحفاظ على الوضع القائم، مثل السعودية ومصر، بدأت تنظر إلى تركيا باعتبارها قوة محتملة لتحقيق الاستقرار، في حين باتت تنظر إلى إسرائيل بوصفها طرفًا يصعب التنبؤ بتصرفاته وقد يقدم على خطوات غير محسوبة.
3. سوريا
انتقلت ساحة الصراع المحتمل بين إسرائيل وتركيا من غزة إلى سوريا، التي تتمتع بأهمية استراتيجية أكبر بكثير بالنسبة إلى تركيا. وتشترك كل من تركيا وإسرائيل في حدود مع سوريا، حيث تقع إسرائيل إلى الجنوب وتركيا إلى الشمال. وفي ظل افتقار سوريا إلى قدرات عسكرية وتجهيزات تسليحية كبيرة، يسعى كل من البلدين إلى منع الآخر من توسيع نفوذه العسكري داخل الأراضي السورية.
وقد اشتدت المنافسة بين إسرائيل وتركيا عقب سقوط نظام الأسد في سوريا. فبينما تسعى تركيا إلى ضمان قيام دولة سورية موحدة ومستقرة تحت قيادة أحمد الشرع، تبدو إسرائيل مصممة على الحد من تعزيز سلطة الدولة السورية، ولا سيما على طول الحدود السورية الإسرائيلية.
وتنظر إسرائيل إلى هذه التطورات من منظور مختلف تمامًا، إذ تسعى إلى الحفاظ على حرية تحرك قواتها داخل الأراضي السورية، ومنع ظهور قدرات عسكرية، سواء كانت سورية أم تركية، يمكن أن تقيّد عملياتها العسكرية في سوريا.[8]
وقد أدى سقوط نظام الأسد وتشكيل حكومة برئاسة أحمد الشرع إلى تعزيز النفوذ التركي في سوريا بصورة كبيرة.
فقد أصبحت تركيا الحليف العسكري والسياسي الأهم للحكومة السورية الجديدة، حيث تقدم لها الأسلحة والمعلومات الاستخباراتية والمساعدة التقنية.
وأصبحت سوريا في مرحلة ما بعد الأسد الساحة الرئيسية التي تسعى تركيا من خلالها إلى تطبيق رؤيتها الاستراتيجية الأساسية.
وتعمل القوات المسلحة التركية والأجهزة الاستخباراتية بنشاط على بناء منظومة أمنية جديدة تمتد عبر مساحة جغرافية واسعة داخل الأراضي السورية.
وتقدم تركيا دعمًا سياسيًا وعسكريًا مباشرًا للحكومة الجديدة في دمشق، بقيادة أحمد الشرع، بهدف مساعدتها على إنشاء جيش نظامي مركزي، وإنهاء السيطرة الميدانية للجماعات المسلحة غير التابعة للدولة، مثل وحدات حماية الشعب وحزب العمال الكردستاني، وتهيئة الظروف الأمنية والاستقرار اللازمين لعودة اللاجئين.
وتُعدّ القواعد العسكرية المتقدمة، مثل قاعدة أبو الظهور التي استهدفتها القوات الإسرائيلية، ركائز أساسية لهذا المشروع الجيوسياسي التركي.
ويهدف هذا المشروع إلى إخراج سوريا من حالة الضعف المزمن التي جعلتها دولة عاجزة عن أداء وظائفها الأساسية وساحة مفتوحة لنشاط الميليشيات المسلحة، وتحويلها إلى دولة مستقرة وفاعلة على حدود تركيا.
وفي المقابل، شنّت إسرائيل غارات جوية واسعة النطاق فور سقوط نظام الأسد، مما أدى إلى إضعاف الترسانة العسكرية المتاحة للحكومة السورية الجديدة بصورة كبيرة.
وبينما لم تقدم إسرائيل دعمًا يُذكر للقوات الكردية التي تراجع وجودها في شمال سوريا، فقد أظهرت دعمًا واضحًا للطائفة الدرزية في الجنوب، وبدرجة أقل للطائفة العلوية.[9]
ونتيجة لذلك، أصبحت سوريا ساحة تصادم بين رؤيتين متعارضتين لمستقبلها.
فتركيا تفضّل استعادة دولة سورية ذات سيادة، موحدة الأراضي، وترتبط بها بعلاقات وثيقة.
أما إسرائيل، فتفضّل بقاء سوريا دولة ضعيفة ولامركزية، لا تستطيع فيها أي قوة عسكرية كبيرة ترسيخ وجودها على نحو يقيّد حرية العمليات العسكرية الإسرائيلية.
ويعزز استمرار الوجود العسكري الإسرائيلي في أجزاء من جنوب سوريا، إلى جانب الهجمات المتكررة على البنية التحتية العسكرية السورية، التقديرات التركية بأن إسرائيل تسعى إلى إبقاء سوريا ضعيفة عسكريًا ومجزأة جغرافيًا.[10]
وهذا ما يمنح الهجوم على قاعدة أبو الظهور أهمية خاصة.
ففي هذه المرة، لم تكن إسرائيل تستهدف قافلة أسلحة إيرانية أو منشأة تابعة لحزب الله، وهي المبررات المعتادة التي استخدمتها حتى الآن لتفسير عملياتها العسكرية داخل سوريا.
بل استهدفت بنية تحتية عسكرية كان الجيش التركي يتولى أعمال إعادة تأهيلها.
وقد صرّح وزير الخارجية السوري بأن بلاده أبلغت إسرائيل صراحةً بعدم وجود أي خطط لإنشاء قاعدة عسكرية تركية دائمة في الموقع.[11]
وعليه، يبدو أن الرسالة الإسرائيلية الضمنية تتجاوز مسألة قاعدة أبو الظهور نفسها، ومفادها أن هناك حدودًا للدور العسكري التركي في سوريا لن تسمح إسرائيل بتجاوزها.
غير أن توجيه مثل هذه الرسالة إلى تركيا ينطوي على مخاطر كبيرة.
فعلى خلاف إيران، تُعدّ تركيا عضوًا في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وتمتلك واحدة من أكبر القوات المسلحة وأكثرها تطورًا في المنطقة.
وفضلًا عن ذلك، تعزز الموقع الاستراتيجي التركي مؤخرًا من خلال اتفاقية مكة للدفاع المشترك مع السعودية وباكستان، التي تنص على أن أي هجوم على إحدى الدول الثلاث سيُعدّ هجومًا عليها جميعًا.
ومع ذلك، فقد تضع الهجمات الحوثية الأخيرة على السعودية هذا الالتزام أمام أول اختبار عملي له في المستقبل القريب.
ولا ترغب إسرائيل ولا تركيا فعليًا في خوض حرب، وقد اكتفى أردوغان حتى الآن بالردود الكلامية على الاستفزازات الإسرائيلية المتكررة، دون اللجوء إلى رد عسكري مباشر.
لكن فاعلية الردع تصبح أكثر هشاشة عندما يعتقد الطرفان أن مصالحهما الاستراتيجية الحيوية أصبحت على المحك.
ولا تستطيع تركيا أن تقبل إلى أجل غير مسمى بأن تمتلك إسرائيل حق الاعتراض على تعاونها العسكري مع حكومة سورية ذات سيادة، خصوصًا أن أنقرة تعتبر استقرار سوريا ضرورة أساسية لأمنها القومي، ولا سيما في ظل الوجود الكردي على جانبي الحدود التركية السورية.
ولهذا السبب، يستحق التحذير الذي أطلقه توم باراك، المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا والعراق والسفير الأمريكي لدى تركيا، اهتمامًا جديًا.
وتحاول واشنطن بناء آلية ثلاثية لمنع الاحتكاك العسكري بين إسرائيل وتركيا وسوريا، غير أن هذه الجهود لم تسفر حتى الآن عن نتائج ملموسة.
ورغم الحاجة الملحّة إلى مثل هذه الآلية، فإنها تعالج أعراض الأزمة بدلًا من التصدي لأسبابها الجذرية.
4. شرق البحر الأبيض المتوسط
كما يوضح الشكل 3، يُعدّ شرق البحر الأبيض المتوسط منطقة أخرى للخلاف بين تركيا وإسرائيل.
ومع تصاعد التوترات بين البلدين خلال الأشهر الأخيرة، كثّف الطرفان جهودهما لترسيخ نفوذهما وتوسيعه في مناطق مختلفة.
وفي هذا السياق، عاد شرق البحر الأبيض المتوسط، الذي شكّل لسنوات ساحة للخلافات التركية الإسرائيلية، ليبرز مجددًا بوصفه منطقة مواجهة محتملة.

الشكل 3: خريطة شرق البحر الأبيض المتوسط (المصدر: الذكاء الاصطناعي)
ولم تعد الاحتكاكات الناتجة عن تقلص المناطق العازلة في سوريا مقتصرة على المجال البري، بل امتدت بقوة إلى المجال البحري.
ولفترة طويلة، جرى التعامل مع الخلافات المتعلقة بالمسوحات الزلزالية والمناطق الاقتصادية الخالصة في شرق البحر الأبيض المتوسط باعتبارها مجرد نزاعات قانونية.
غير أن القيادة البحرية التركية تنظر إلى هذه التطورات بوصفها تهديدًا أمنيًا أكثر خطورة، يمس مصالح البلاد الاستراتيجية الأساسية.
فالتحالف الذي أقامته إسرائيل مع اليونان والإدارة القبرصية اليونانية، والذي تمحور في بدايته حول التعاون في مجال الطاقة، يتوسع بصورة مستمرة مع دخول فرنسا بثقلها الجيوسياسي والعسكري في هذه المعادلة.
وتنظر تركيا بوضوح إلى هذا التكتل الناشئ باعتباره محاولة لتطويقها عسكريًا.
وترى أن استراتيجية إسرائيل القائمة على توقيع اتفاقيات أمنية وبناء تحالفات مع اليونان والقبارصة اليونانيين، إلى جانب أنشطتها المرتبطة بذلك في شرق البحر الأبيض المتوسط، تشكل جزءًا من سياسة تهدف إلى محاصرتها.
وقد أجرت القوات المسلحة اليونانية والإسرائيلية مؤخرًا مناورات عسكرية مشتركة في بحر إيجه.
وفي واشنطن، يمارس أعضاء جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل واليونان ضغوطًا على المشرّعين الأمريكيين لمنع تزويد تركيا بمعدات عسكرية متطورة، في ظل تقارير تفيد بأن إسرائيل تقدم دعمًا لجماعات كردية مسلحة بالقرب من الحدود التركية.
ومع تصاعد التوترات بين إسرائيل وتركيا خلال الأشهر الأخيرة، كثّف الطرفان مساعيهما لتعزيز نفوذهما وتوسيعه في مناطق متعددة.
وفي الوقت نفسه، عاد شرق البحر الأبيض المتوسط، الذي كان مسرحًا للخلافات التركية الإسرائيلية لسنوات طويلة، ليصبح مجددًا إحدى ساحات المواجهة بين البلدين.
وفي هذا السياق، لا يمكن النظر إلى اتفاقية الدفاع الجوي المعروفة باسم «درع أخيل» (Achilles Shield)، التي وقّعتها إسرائيل واليونان يوم السبت بقيمة ثلاثة مليارات دولار، باعتبارها مجرد صفقة تجارية.
فبموجب هذه الاتفاقية، ستقوم إسرائيل، للمرة الأولى، بتسليم منظومة دفاع جوي متكاملة وموحدة إلى دولة أخرى.
ووفقًا لوزارة الدفاع الإسرائيلية، صُممت هذه المنظومة للتصدي لمجموعة واسعة من التهديدات، بما في ذلك الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة.[12]
كما وقّع البلدان اتفاقية إضافية بقيمة 26 مليون دولار لبيع منظومة الدفاع الجوي المضادة للطائرات المسيّرة «درون دوم» (Drone Dome)، التي تنتجها شركة رافائيل لأنظمة الدفاع المتقدمة (Rafael Advanced Defense Systems).
وسيشمل التعاون أيضًا نقل التكنولوجيا إلى الصناعات المحلية اليونانية في إطار مشروع مشترك.
أ. اتفاقية دفاعية موجهة ضد تركيا
نظرًا إلى أن أحد الأهداف الرئيسية لهذه الاتفاقية الدفاعية يتمثل في تعزيز قدرات الردع في مواجهة النفوذ التركي في شرق البحر الأبيض المتوسط، فمن المرجح أن تدفع المنافسة الإقليمية بين تركيا وإسرائيل إلى مرحلة جديدة وأكثر حساسية.
فمن وجهة نظر تركيا، لا يُعدّ نشر منظومات الدفاع الجوي «مقلاع داوود» (David’s Sling) و«سبايدر» (Spyder) على الجزر اليونانية، وحتى في قبرص التي تشهد خلافات حادة بين تركيا واليونان بشأنها، مجرد إجراء دفاعي.
بل تعتبره أنقرة جزءًا من مناورة استراتيجية تهدف إلى تشديد الطوق حول تركيا والحد من قدرتها على التحرك بحرية في شرق البحر الأبيض المتوسط.[13]
ويكمن السبب الرئيسي وراء تصاعد التوترات في التحول الذي طرأ على طبيعة التعاون بين اليونان وقبرص وإسرائيل، واتساع نطاقه وعمقه.
فما بدأ أساسًا بوصفه تعاونًا اقتصاديًا وفي مجال الطاقة، تطور تدريجيًا، بدعم من الولايات المتحدة، إلى تنسيق أمني وعسكري، وأصبح يُظهر اليوم مؤشرات واضحة على التحول إلى تحالف عسكري متماسك في شرق البحر الأبيض المتوسط.
ولذلك، ليس من المستغرب أن تنظر تركيا إلى هذا التقارب العسكري باعتباره تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي ولموقعها في شمال قبرص.
وترى أنقرة أن تعزيز الروابط العسكرية بين هذه الأطراف الثلاثة قد يؤدي إلى تغيير ميزان القوى الإقليمي بصورة حاسمة ضد مصالحها.
وفي أحدث ردودها، ذهبت الحكومة التركية إلى حد وصف الإدارة القبرصية اليونانية بأنها أصبحت أشبه بـ«محمية» تابعة لإسرائيل.
ويرى بعض المحللين أن شبكة الدفاع الجوي الإسرائيلية اليونانية يجري إنشاؤها خصيصًا للحد من التفوق التركي في مجال حرب الطائرات المسيّرة، وهو ما قد يؤدي إلى زيادة حدة المنافسة والاحتكاك بين تركيا وإسرائيل في شرق البحر الأبيض المتوسط.
وتساعد هذه الخلفية على فهم الأسباب التي دفعت وزير الدفاع التركي يشار غولر إلى الإعلان، في 2 أغسطس، أن بلاده تجري «تحديثًا دقيقًا وشاملًا» لاستعداداتها العسكرية في قبرص، مشيرًا صراحةً إلى الأنشطة الإسرائيلية في جنوب سوريا والمناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة القبرصية اليونانية.
ومن الجدير بالملاحظة أن التحركات العسكرية التركية والإسرائيلية دخلت مرحلة جديدة منذ أن استهدف الجيش الإسرائيلي قاعدة أبو الظهور العسكرية في شمال سوريا.
ويكتسب توقيت هذه التطورات أهمية خاصة، لأنه يشير إلى أن تعزيز الوجود التركي في قبرص ليس مجرد رد فعل مؤقت على الأحداث في سوريا.
فقد أفادت وسائل إعلام تركية بوجود حشد عسكري كبير في شمال قبرص الخاضع للسيطرة التركية، مع توقعات بارتفاع عدد القوات الموجودة هناك إلى أكثر من الضعف في المستقبل القريب، كما يوضح الشكل 4.
وذكرت قناة «تي آر تي خبر» (TRT Haber) أن تركيا تعمل على تعزيز وجودها العسكري في الجزيرة، في ظل تزايد الأهمية الاستراتيجية لقبرص نتيجة حالة عدم الاستقرار التي يشهدها الشرق الأوسط وشرق البحر الأبيض المتوسط.

الشكل 4: خريطة قبرص (المصدر: ديميتريوس كاراميتروس / Shutterstock.com)
وقد رفع المجلس العسكري الأعلى التركي رتبة قائد القوات التركية في شمال قبرص إلى رتبة فريق، في خطوة تشير إلى توجه نحو ترسيخ وجود عسكري أكثر ديمومة وتنظيمًا من الناحية المؤسسية.
ووفقًا لمصادر تركية، قد يتجاوز عدد القوات التركية في المنطقة 100 ألف جندي، مع تحول الوجود العسكري من وحدات محدودة إلى منظومة ردع إقليمية متكاملة، تشمل القوات البرية والبحرية والجوية، وقدرات الحرب الإلكترونية ووحدات الدعم والإسناد.[14]
ويبدو أن هذه الخطوات تندرج ضمن حسابات استراتيجية تركية أوسع نطاقًا، تهدف إلى مواجهة التوسع المتزايد في الوجود العسكري الإسرائيلي ونفوذه في البحر الأبيض المتوسط.
وبعبارة أخرى، تتحول قبرص بسرعة إلى ركيزة أساسية في الاستراتيجية التركية الرامية إلى التعامل مع الضغوط الأمنية الناجمة عن التحركات الإسرائيلية واحتوائها.
ب. احتمال وقوع مواجهة بين تركيا وإسرائيل
أدى تصاعد التوترات بين تركيا وإسرائيل في شرق البحر الأبيض المتوسط إلى زيادة احتمالات امتداد الخلافات إلى شمال قبرص، بل واحتمال وقوع اشتباك عسكري مباشر بين البلدين.
وذكرت صحيفة معاريف الإسرائيلية مؤخرًا أنه في حال خلصت إسرائيل إلى أن الوجود العسكري التركي في شرق البحر الأبيض المتوسط يشكل تهديدًا لمصالحها الأمنية هناك، فقد تدرس شن هجمات على بعض المواقع العسكرية التركية في شمال قبرص.
ووفقًا للصحيفة، فإن مطار إرجان وقاعدة بحرية عسكرية في كيرينيا (غيرنه) يُعدّان من الأهداف المحتملة لأي ضربة إسرائيلية، كما يوضح الشكل 5، ولا سيما إذا قررت تركيا نشر سفن حربية في المنطقة.

الشكل 5: مطار إرجان في كيرينيا، شمال قبرص (المصدر: فيسبوك)
وفي المقابل، أفادت هيئة البث الإسرائيلية الرسمية «كان»، الأسبوع الماضي، نقلًا عن مصادر لم تسمّها، بأن سفنًا حربية تركية اقتربت من قطع بحرية إسرائيلية في البحر الأبيض المتوسط، وأبلغتها بمسارات إبحارها.
وردًا على ذلك، رفعت البحرية الإسرائيلية مستوى التأهب والاستعداد تحسبًا لأي تطورات محتملة في البحر.
وقال كونستانتينوس فيليس، الأستاذ في الكلية الأمريكية باليونان ومدير معهد الشؤون العالمية، إن فترة الهدوء الأخيرة بين اليونان وتركيا لم تؤدِّ إلى حل الخلافات الجوهرية بينهما، بل منحت الطرفين مساحة أكبر لتعزيز قدراتهما العسكرية.
وأضاف أن غياب آلية دائمة للحوار لم يسهم إلا في تعميق انعدام الثقة المتبادل.
ورغم أن تركيا وإسرائيل تسعيان إلى تجنب المواجهة المباشرة، فإن تضارب مصالحهما في مجالات متعددة قد يدفعهما في نهاية المطاف نحو مسار تصادمي.
ج. الوجود العسكري الإسرائيلي في قبرص بوصفه تهديدًا للأمن التركي
بالنسبة إلى تركيا، لا تُعدّ قبرص مجرد جزيرة أخرى في شرق البحر الأبيض المتوسط.
فبفضل موقعها الاستراتيجي وقربها من الساحل التركي، تُعدّ من أهم المواقع التي تستند إليها أنقرة لحماية مصالحها الأمنية والعسكرية والجيوسياسية في المنطقة.
وقد حافظت تركيا على وجود عسكري مستمر في شمال قبرص منذ عام 1974، حيث يتمركز نحو 35 ألف جندي تركي.
كما تدير تركيا قواعد جوية وبنية تحتية عسكرية في المنطقة، ولا تحتاج إلى موافقة الحكومة القبرصية لنشر مقاتلات من طراز إف-16 (F-16) أو توسيع مدارج الطائرات.
ومن هذا المنظور، فإن حديث وزير الدفاع التركي عن «تحديث دقيق» للاستعدادات العسكرية في قبرص يشير فعليًا إلى تعزيز موقع تسيطر عليه تركيا بصورة مباشرة منذ عقود.
ويختلف هذا التحرك اختلافًا جوهريًا عن الجدل والبيانات النافية المتعلقة بالوجود العسكري التركي في قاعدة أبو الظهور الجوية في سوريا.
وفي هذا السياق، لا تنظر تركيا إلى تنامي التعاون والانخراط العسكري الإسرائيلي مع الإدارة القبرصية اليونانية باعتباره مجرد تطور أمني اعتيادي.
وتتضح الأهمية الاستراتيجية للوجود الإسرائيلي في قبرص بصورة أكبر عند النظر إليه بالتوازي مع توسع العلاقات العسكرية بين إسرائيل واليونان.
فخلال السنوات الأخيرة، عمّقت إسرائيل تعاونها الدفاعي مع اليونان وقبرص من خلال إجراء مناورات عسكرية مشتركة، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، وتنفيذ برامج تدريبية.
وقد أدى ذلك إلى تشكّل مثلث أمني تدريجي في شرق البحر الأبيض المتوسط، يربط إسرائيل واليونان وقبرص بعلاقات استراتيجية متزايدة الترابط، وهو تطور تراقبه تركيا بحساسية شديدة.
وكان وزير الخارجية التركي هاكان فيدان قد حذّر في وقت سابق من التعاون الثلاثي بين اليونان وقبرص وإسرائيل، واصفًا إياه بأنه وصفة تؤدي إلى «مزيد من انعدام الثقة، ومزيد من المشكلات، ومزيد من الحروب».[15]
وبالنسبة إلى تركيا، لا تقتصر القضية على تعزيز قبرص لقدراتها العسكرية.
فمصدر القلق الأعمق يتمثل في احتمال حدوث تحول في ميزان القوى على امتداد المناطق البحرية المحيطة بتركيا.
وقد يسهم نشر أنظمة دفاع جوي متطورة، وتعزيز التعاون الاستخباراتي، وإجراء التدريبات العسكرية المشتركة في زيادة قدرات اليونان والقبارصة اليونانيين على المراقبة والاستجابة السريعة.
وفي حال اندلاع أزمة، قد تؤدي هذه القدرات إلى تقييد حرية التحرك التركي في شرق البحر الأبيض المتوسط.
وفضلًا عن ذلك، ضاعفت المنافسة التركية الإسرائيلية على موارد الطاقة والحدود البحرية من الأهمية الاستراتيجية لهذه المنطقة.
فقد أصبح شرق البحر الأبيض المتوسط خلال السنوات الأخيرة ساحة محتدمة للتنافس على موارد الغاز الطبيعي، وخطوط نقل الطاقة، وترسيم المناطق الاقتصادية الخالصة.
وتسعى تركيا إلى ترسيخ مكانتها بوصفها أحد الأطراف الرئيسية المؤثرة في هذه المعادلة.
وفي المقابل، يمكن للتعاون الإسرائيلي مع اليونان وقبرص أن يسهم في تشكيل جانب من النظام الإقليمي للطاقة والأمن دون مشاركة تركية.
ولهذا السبب تحديدًا، لا تمثل قبرص بالنسبة إلى إسرائيل مجرد موقع جغرافي على الخريطة، بل قد تصبح جزءًا من عمقها الاستراتيجي في شرق البحر الأبيض المتوسط.
فهي تمنح إسرائيل فرصًا أوسع للوصول إلى المنطقة، وتعزز قدراتها على المراقبة، وتتيح تنسيقًا عسكريًا أوثق مع اليونان، في موقع قريب للغاية من إحدى أكثر الجبهات الأمنية حساسية بالنسبة إلى تركيا.
وقد لجأت إسرائيل أيضًا إلى الهيئات الدولية في محاولة للحد من النفوذ التركي في قبرص.
ففي تصريحات حديثة، اتهم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الاتحاد الأوروبي بازدواجية المعايير، قائلًا إن الاتحاد يلتزم الصمت إزاء ما وصفه بـ«الاحتلال التركي غير القانوني لنصف قبرص»، بينما يعارض الحق التاريخي للشعب اليهودي في العيش في وطن أجداده.
د. استمرار العداء التركي الإسرائيلي في ظل نظام إقليمي جديد
ينبغي تحليل المواجهة بين تركيا وإسرائيل في السياق الأوسع للعلاقات الثنائية بينهما والتنافس الإقليمي الذي يجمعهما.
فقد أسهمت التطورات في سوريا، والحرب في غزة، والتنافس على النفوذ الإقليمي، والصراع حول مستقبل النظام الأمني في المنطقة، في دفع البلدين نحو مواقف أكثر عدائية أحدهما تجاه الآخر.
وفي ظل هذه الأجواء، لم تعد إسرائيل تنظر إلى تركيا باعتبارها مجرد طرف ينتقد سياساتها، بل أصبحت تراها منافسًا استراتيجيًا طويل الأمد.
وفي المقابل، تنظر تركيا إلى تنامي الوجود العسكري الإسرائيلي في المناطق المحيطة بها بوصفه جزءًا من جهود منسقة لاحتواء قوتها الإقليمية والحد من نفوذها.
ومن اللافت أن المخاوف الإسرائيلية بشأن تصاعد النفوذ التركي في غرب آسيا قد ازدادت منذ توقيع تركيا والسعودية وباكستان اتفاقية مكة في منتصف أغسطس.
وتؤكد هذه الاتفاقية الدفاعية مبدأ الدفاع المشترك وتعزيز التعاون العسكري بين الدول الثلاث.
وتنظر بعض الأوساط الإسرائيلية إلى الاتفاقية باعتبارها خطوة قد تسهم في تعزيز مكانة تركيا ضمن الترتيبات الأمنية الإقليمية.
ولهذا، ترى إسرائيل أن تعميق مشاركة تركيا في المنظومة الأمنية لغرب آسيا قد يؤدي إلى تغيير ميزان القوى على نحو لا يخدم مصالحها.
وفي مواجهة هذا التطور، تتجه إسرائيل بصورة متزايدة إلى تعزيز شراكاتها مع أثينا ونيقوسيا بهدف موازنة النفوذ التركي.
ومن هذا المنطلق، كلما تعمق التعاون الإسرائيلي مع اليونان وقبرص، واتسع الوجود العسكري الإسرائيلي في المنطقة، ازدادت حساسية تركيا تجاه هذه التحركات.
وفي المقابل، فإن أي تعزيز للقدرات والانتشار العسكري التركي سيؤدي بدوره إلى تصاعد المخاوف لدى إسرائيل وحلفائها.
وما تشهده قبرص اليوم لا يقتصر على زيادة التعاون العسكري بين عدد محدود من الأطراف.
بل يمثل مؤشرًا مبكرًا على تشكّل نظام أمني جديد في المنطقة، تجد فيه إسرائيل وتركيا نفسيهما على جانبين متعارضين بصورة متزايدة من خط صدع جيوسياسي.
وإذا استمر هذا الاتجاه، فقد يتحول شرق البحر الأبيض المتوسط من ساحة لخلافات متفرقة إلى واحدة من أهم مناطق الاحتكاك المباشر والمستمر بين تركيا وإسرائيل، مع تداعيات قد تمتد إلى مناطق بعيدة نسبيًا، بما فيها سوريا.
رابعًا: العوامل التي قد تحول دون اندلاع صراع بين تركيا وإسرائيل
1. التدخل الأمريكي
اتهم توم باراك، السفير الأمريكي لدى تركيا والمبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا، إسرائيل بعدم تقديم أي تحذير مسبق قبل تنفيذ ضرباتها العسكرية في سوريا يوم 18 أغسطس 2026، رغم إصرار المسؤولين الإسرائيليين على أنهم قدموا بالفعل مثل هذا التحذير.
وكان رد فعل توم باراك أكثر لفتًا للانتباه.
فقد قال السفير الأمريكي إنه نظرًا إلى عدم إبلاغ تركيا مسبقًا بالعملية الإسرائيلية، فمن المحتمل أن تكون أنقرة قد اعتبرت الطائرات الإسرائيلية تهديدًا لأمنها، وأرسلت مقاتلاتها الحربية ردًا على ذلك.
كما أثار باراك احتمال أن تكون إسرائيل قد حاولت استدراج تركيا إلى صراع عسكري.
وبصرف النظر عن الدوافع الحقيقية وراء التحرك الإسرائيلي، فإن هذا الحادث يكشف مدى التحول الكبير الذي طرأ على المشهد الاستراتيجي في الشرق الأوسط.
فقد كانت تركيا وإسرائيل في السابق ركيزتين أساسيتين لتحالف إقليمي غير رسمي.
وخلال تسعينيات القرن الماضي، تعاونت المؤسستان العسكريتان في البلدين بصورة وثيقة، وتبادلتا المعلومات بنشاط، ونظر كل منهما إلى الآخر باعتباره قوة مفيدة لموازنة نفوذ الدول المجاورة المعادية.
غير أن العلاقات بين البلدين شهدت تدهورًا سريعًا منذ وصول الرئيس أردوغان إلى السلطة، ولا سيما بعد حادثة سفينة «مافي مرمرة» عام 2010، عندما شنّت إسرائيل هجومًا أسفر عن مقتل عشرة أتراك.
ومع استمرار التوترات، بُذلت عدة محاولات لتحقيق المصالحة بين البلدين، إلى أن أعادا العلاقات الدبلوماسية الكاملة في عام 2022.
وفي الوقت الراهن، يبدو أن تجنب صراع مباشر بين تركيا وإسرائيل لا يزال ممكنًا، بفضل الحذر المتبادل والوساطة الأمريكية.
فعلى سبيل المثال، انتقدت السفارة الأمريكية ووزارة الخارجية الأمريكية الغارة الإسرائيلية، ووصفتاها بأنها «تصعيد غير ضروري».
وبدأت واشنطن العمل على إنشاء آلية ثلاثية لمنع الاحتكاك العسكري بين سوريا وإسرائيل وتركيا.
ومع ذلك، فإن المسار الذي تتجه إليه التطورات ينطوي بوضوح على مخاطر كبيرة.
فإذا استمرت إسرائيل في النظر إلى توسع الدور التركي في سوريا باعتباره تهديدًا لأمنها، وفي الوقت نفسه واصلت تركيا تفسير التحركات العسكرية الإسرائيلية على أنها محاولة للسيطرة على النظام الإقليمي، فقد تتجاوز القوتان العسكريتان غير العربيتين الرئيسيتان في الشرق الأوسط حدود التنافس السياسي والاستراتيجي، وتتجهان نحو مواجهة مباشرة.
ومن شأن مثل هذا السيناريو أن يدفع الشرق الأوسط، الذي يعاني أصلًا من حالة شديدة من عدم الاستقرار، إلى وضع خطير قد يخرج عن السيطرة.
2. الانتخابات الإسرائيلية
يشهد نوفمبر 2026 استحقاقات انتخابية في كل من الولايات المتحدة وإسرائيل، وسط مخاوف لدى كل من دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو من خسارة الانتخابات.
ورغم أن ترامب لا تزال أمامه سنتان في منصبه، فإن تحقيق الحزب الديمقراطي نتائج قوية في الانتخابات قد يؤدي إلى إضعاف سيطرة الحزب الجمهوري على الكونغرس، بما في ذلك مجلس الشيوخ.
أما في إسرائيل، فهناك احتمال لخروج نتنياهو من السلطة نتيجة هذه الانتخابات، التي ستكون الأولى منذ الهجوم المفاجئ الذي شنّته حركة حماس في 7 أكتوبر 2023 خلال فترة حكمه.
ومنذ ذلك الهجوم، شنّت القوات الإسرائيلية عمليات عسكرية في غزة وسوريا ولبنان واليمن وإيران، كما شددت سيطرتها على الضفة الغربية.
غير أن تصريحات السياسيين الإسرائيليين توحي بأن تركيا أصبحت العدو الجديد لإسرائيل، أو ما يصفه البعض بـ«إيران الثانية».
لكن تركيا عضو في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وحليفة للولايات المتحدة، وتمتلك قوة عسكرية كبيرة.
ولهذا، يبدو من المرجح على المدى القصير أن يسعى نتنياهو إلى تصوير تركيا بوصفها تهديدًا أيديولوجيًا، بدلًا من التعامل معها باعتبارها دولة معادية ينبغي خوض حرب فعلية ضدها.
وبطبيعة الحال، يظل خطر وقوع اشتباك غير مقصود قائمًا في مثل هذه الظروف.
أما إذا خسر نتنياهو السلطة نتيجة انتخابات نوفمبر، فقد يشهد الوضع في الشرق الأوسط تغيرات كبيرة.
ولا توجد عداوة تاريخية متجذرة بين تركيا وإسرائيل، بل هناك العديد من الروايات والأحداث التاريخية التي تعكس الروابط الوثيقة بين الأتراك واليهود.
وعلى الرغم من أن الشعب التركي لا يعادي اليهود بوصفهم جماعة دينية أو عرقية، فإنه ينظر إلى الحكومة الإسرائيلية الحالية ومؤيديها باعتبارهم متطرفين دينيًا يتبنون أجندة توسعية.
وبعبارة أخرى، يرى هؤلاء الأتراك أن الحكومة الإسرائيلية تسعى إلى الاستيلاء على أراضي الدول المجاورة، في إطار هدف أوسع يتمثل في إقامة ما يُعرف بـ«إسرائيل الكبرى»، التي يعتقد أنصار هذا المشروع أنها موعودة في التوراة.
ولذلك، إذا غادر نتنياهو منصبه بعد هزيمة انتخابية، فقد تنشأ أجواء أكثر ملاءمة لخفض التوترات بين البلدين.
3. سوابق الدعم المتبادل
إن معارضة كثير من الأتراك لتصرفات الحكومة الإسرائيلية لا تعني بالضرورة أنهم يكرهون اليهود أو يرغبون في زوال دولة إسرائيل.
بل تعكس هذه المعارضة دعمهم لإقامة دولة فلسطينية ورفضهم للظلم الذي يتعرض له الشعب الفلسطيني.
وعلى الرغم من ظهور معاداة السامية في مراحل مختلفة من التاريخ الأوروبي، فإن الثقافة التركية، وفقًا لهذا الطرح، لم تعرف تاريخيًا الظاهرة نفسها.
بل على العكس، هناك تاريخ طويل من التعايش والدعم المتبادل بين الأتراك واليهود.
وربما لا يكون هذا الإرث التاريخي كافيًا وحده لإحداث تحول كبير في العلاقات الحالية.
ومع ذلك، إذا ظهرت مبادرات على مستوى المجتمع المدني تهدف إلى تخفيف التوترات بين البلدين، فمن المرجح أن يكون الرأي العام الإسرائيلي، الذي أنهكته بالفعل الصراعات الطويلة، بما في ذلك الحروب في غزة ومع إيران، أقل استعدادًا لتقبّل الدخول في صراع إضافي مع تركيا.
خامسًا: الخاتمة
سعت هذه الدراسة إلى تحليل الأسباب التي أدت إلى التدهور الأخير في العلاقات بين تركيا وإسرائيل، وتحديد المناطق التي قد تشهد صراعًا محتملًا بين البلدين.
وخلصت الدراسة إلى أن الجذور الأساسية للتوتر التركي الإسرائيلي تكمن في القضايا المرتبطة بفلسطين وقطاع غزة وحركة حماس.
وعلى وجه التحديد، ترى الدراسة أن العلاقات بين البلدين تدهورت بسبب الخلاف حول إقامة دولة فلسطينية، إلى جانب دعم تركيا لحركة حماس.
كما أوضحت الدراسة أن التنافس بين إسرائيل وتركيا اشتد عقب سقوط نظام الأسد في سوريا.
ويعود ذلك إلى أن تركيا تدعم إقامة دولة سورية مستقرة وموحدة في ظل الحكومة الجديدة بقيادة أحمد الشرع، في حين أظهرت إسرائيل توجهًا نحو منع توحيد الدولة السورية وتعزيز سلطتها على كامل أراضيها.
وأخيرًا، أكدت الدراسة أن تدهور العلاقات يرتبط أيضًا بالاستراتيجية الإسرائيلية القائمة على إبرام اتفاقيات أمنية وبناء تحالفات مع اليونان وقبرص في شرق البحر الأبيض المتوسط.
وتنظر تركيا إلى هذه التحركات، وما يرتبط بها من أنشطة عسكرية وأمنية في المنطقة، باعتبارها جزءًا من استراتيجية تهدف إلى تطويقها والحد من نفوذها الإقليمي.
وبناءً على ذلك، حددت الدراسة سوريا وشرق البحر الأبيض المتوسط بوصفهما المنطقتين الأكثر احتمالًا لاندلاع صراع بين تركيا وإسرائيل.
