الملخص
يتناول هذا المقال، وهو الثاني في سلسلة تبحث في الأسباب التي تجعل الذكاء الاصطناعي مختلفًا عن سائر التقنيات، ثلاث خصائص مميزة له: قدرته غير المسبوقة على التلاعب والتأثير، ومخاطر التراجع المعرفي وتركيز السلطة، وخصخصة المعرفة.
تتتبع هذه الدراسة تطور الدعاية من وسائل الإعلام الجماهيري إلى الفضاءات الرقمية الشخصية التي تخلقها وسائل التواصل الاجتماعي، وتسلط الضوء على قدرة الذكاء الاصطناعي على صياغة رسائل إقناعية مصممة بدقة شديدة لتناسب الأفراد، من خلال دمج كميات هائلة من البيانات. كما تثير الدراسة تساؤلات أخلاقية تتعلق بالخصوصية ونزاهة العمليات الديمقراطية.
ويحذر المقال من احتمال تراجع القدرات المعرفية نتيجة الاعتماد المفرط على الملخصات التي ينتجها الذكاء الاصطناعي، بما قد يقوّض التفكير النقدي ويسهم في تراجع المجتمع، مستندًا في ذلك إلى دراسات أكاديمية حديثة.
ويناقش المقال أيضًا دور شركات الذكاء الاصطناعي الخاصة، مثل شركة أنثروبيك (Anthropic)، بوصفها جهات فاعلة مؤثرة من غير الدول في المجالين العسكري والأمني، وما يترتب على ذلك من خصخصة المعلومات ومصادر القوة، وتحدٍّ لاحتكار الدولة التقليدي لاستخدام العنف ومساءلة الجهات المسؤولة عنه. وتستدعي التداعيات المعقدة لاندماج الذكاء الاصطناعي في المجتمع دراسة متأنية لآثاره الأخلاقية والمعرفية والسياسية.
المقدمة
تناول الجزء الأول من هذه السلسلة القصيرة، الذي حمل عنوان «لماذا لا يُعدّ الذكاء الاصطناعي مجرد تقنية أخرى؟» (متاح
)، خاصيتين يمكن القول إنهما تجعلانه مختلفًا عن أي تقنية أخرى عرفتها البشرية عبر تاريخها، وهما ظاهرة الصندوق الأسود والسلوك الناشئ. أما هذا المقال، فيتناول ثلاث خصائص أخرى تميز الذكاء الاصطناعي، هي القدرة على التلاعب والتأثير، والتراجع المعرفي، وخصخصة المعرفة (والسلطة).
3. التلاعب والتأثير – كيف يمكننا أن نعرف ما هو صحيح بعد الآن؟
يرى الكاتب أن الذكاء الاصطناعي يمتلك قدرة غير مسبوقة على التلاعب والتأثير. وبدايةً، يدرك الباحثون وقادة المجتمع منذ زمن طويل قدرة وسائل الإعلام الجماهيري على التأثير في تصورات الناس وصياغة الطريقة التي يفهمون بها الأحداث والقضايا. فقد استُخدمت هذه الوسائل تاريخيًا في «تشكيل» الرأي العام عبر حملات دعائية منظمة، ولا سيما خلال الحروب، ومن جانب النخب السياسية والاقتصادية.
وخلال الحرب العالمية الأولى، استخدمت الحكومات الصحف والملصقات والأفلام بصورة منهجية لحشد السكان وتشويه صورة الأعداء. وقد قدم هارولد لاسويل أحد أوائل التحليلات المنهجية لهذه الظاهرة، إذ عرّف الدعاية بأنها إدارة المواقف الجماعية من خلال التلاعب بالرموز ذات الدلالة.[1]
أما خلال فترة ما بين الحربين العالميتين، فقد رأى والتر ليبمان أن المواطنين لا يشكّلون آراءهم انطلاقًا من تجاربهم المباشرة، بل اعتمادًا على صور مبسطة للعالم تتكون في أذهانهم بفعل ما تقدمه الصحافة، وهو ما يتيح للنخب صناعة القبول العام وتوجيهه.[2]
ومن جانبه، طبّق إدوارد بيرنيز مبادئ علم النفس على العلاقات العامة، ودعا إلى ما أسماه «هندسة القبول» عبر وسائل الإعلام الجماهيري، بحيث يتمكن القادة من التأثير في عادات الجمهور ومواقفه السياسية دون أن يدرك المتلقون تمامًا الكيفية التي تجري بها هذه العملية.[3]
وقد شهدت الحرب العالمية الثانية تكثيفًا لهذه الممارسات. ففي ألمانيا النازية، أخضعت السلطات الإذاعة والسينما والصحافة لسيطرة مركزية تحت إشراف جوزيف غوبلز، الذي شغل منصب وزير الدعاية في الرايخ من عام 1933 حتى عام 1945، بهدف نشر الأيديولوجية النازية وقمع الأصوات المعارضة. وفي المقابل، نسّقت حكومات الحلفاء حملات دعائية مماثلة لتشجيع التجنيد وتعزيز الروح المعنوية.[4]
وبعد الحرب، كشفت الأبحاث التجريبية عن آليات أكثر دقة وأقل وضوحًا للتأثير الإعلامي. فقد أثبت باحثون وجود ما يُعرف بنظرية «ترتيب الأولويات» أو «وضع الأجندة»، ومفادها أن القضايا التي تحظى بأكبر قدر من التغطية الإخبارية تصبح، في نظر الجمهور، القضايا الأكثر أهمية.[5]
كما طرح هيرمان وتشومسكي نموذجًا بنيويًا للدعاية، يقوم على أن تركّز ملكية وسائل الإعلام، والاعتماد على الإعلانات، والاستناد إلى المصادر الرسمية، والضغوط المنظمة ضد الأصوات المخالفة، والأيديولوجية السائدة، تعمل جميعها بوصفها مرشحات تُوجّه بصورة منهجية المحتوى الذي تنتجه وسائل الإعلام الرئيسية نحو مصالح النخب. وبهذه الطريقة، يمكن صناعة القبول العام دون الحاجة إلى ممارسة الإكراه المباشر.[6]
وتُظهر هذه الدراسات مجتمعةً أن وسائل الإعلام الجماهيري لم تؤدِّ دائمًا دور القنوات المحايدة لنقل المعلومات، بل استُخدمت مرارًا أدواتٍ لبناء تصورات سياسية معينة عن الواقع وضمان قبول الجمهور بها.
ثم ظهرت وسائل التواصل الاجتماعي، ومعها حدث تحول جوهري. فهذه الوسائل تقوم على تخصيص المحتوى لكل مستخدم، ويمكن القول إن هذه الخاصية هي التي تصنع الفارق الأساسي.
يعيش مستخدم وسائل التواصل الاجتماعي داخل فقاعة من «المعلومات الترفيهية» (Infotainment)، التي تمزج المعلومات بالترفيه. وتختلف هذه الفقاعة اختلافًا جوهريًا عن الفقاعات التي تصنعها وسائل الإعلام الجماهيري التقليدية.
فالدعاية التي تنشرها وسائل الإعلام الجماهيري تقوم، في جوهرها، على فكرة تعريض مجموعة من الناس، مثل سكان دولة معينة، للنوع نفسه من المعلومات أو المعلومات الخاطئة أو حتى المعلومات المضللة المتعمدة، وغالبًا ما يكون المحتوى مزيجًا من هذه الأنواع الثلاثة. ونتيجة لذلك، تتشكل لدى أفراد هذه المجموعة تصورات مشتركة عن الواقع، سواء كانت صحيحة أم مشوهة.
أما وسائل التواصل الاجتماعي، فتقوم على التخصيص الفردي. وهذا يعني أن كل مستخدم يعيش داخل نسخته الخاصة من الواقع، وهي نسخة تشكّلها الخوارزميات وتتأثر بانحيازاته المعرفية.
يدرك الباحثون أن منصات التواصل الاجتماعي استُخدمت بصورة منهجية للتلاعب بالرأي العام من خلال ما يُعرف بـ«الدعاية الحاسوبية»، التي تعتمد على توظيف الخوارزميات والأتمتة والأنشطة البشرية المنسقة لنشر معلومات مضللة على نطاق واسع.[7] وتدير الحكومات والأحزاب السياسية فرقًا إلكترونية تستخدم الحسابات الآلية (Bots)، ومزارع المتصيدين الإلكترونيين (Troll Farms)، والحسابات الزائفة المنسقة، بهدف تضخيم انتشار المعلومات المضللة المتعمدة، وخلق انطباع زائف بوجود إجماع شعبي، وإسكات الأصوات المعارضة أو إغراقها بالمحتوى، ولا سيما خلال الانتخابات والأزمات.
وتؤدي الحسابات الآلية دورًا كبيرًا في إطلاق المحتوى منخفض المصداقية وتسريع انتشاره خلال مراحله الأولى، قبل أن يتولى المستخدمون الحقيقيون إعادة نشره على نطاق أوسع.[8] وفي الوقت نفسه، تميل خوارزميات المنصات المصممة لتعظيم تفاعل المستخدمين إلى إعطاء الأولوية للمحتوى المثير للمشاعر والاستقطاب، مما يخلق بيئات معلوماتية غير متوازنة، تدفع بعض الجماهير نحو مواقف أكثر تطرفًا وتقوّض الأرضية المشتركة للحقائق التي يستند إليها النقاش العام.[9]
وتؤدي هذه الممارسات مجتمعةً إلى تشويه عملية تحديد أولويات القضايا العامة، وتعميق الاستقطاب داخل المجتمعات، وإضعاف النقاش الديمقراطي، من خلال إظهار الروايات المصطنعة وكأنها تحظى بشعبية تلقائية وحقيقية.
ويمكن القول إن تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي تتيح إمكانات أكبر بكثير للتلاعب والتأثير. فمستوى الدقة والتفصيل في تحليل البيانات واستهداف الأفراد، إلى جانب القدرة على الاستجابة والتكيف، لم يسبق له مثيل تاريخيًا. ويسمح دمج الذكاء الاصطناعي بالبيانات الضخمة بإنشاء ملفات تعريفية شديدة التفصيل عن الأفراد، يمكن استخدامها للتأثير في آرائهم وسلوكياتهم.
ويتضح ذلك في الحملات السياسية، حيث أصبح الاستهداف الدقيق لفئات محددة من الناخبين (Micro-targeting)، إلى جانب صياغة رسائل مخصصة لكل فئة أو فرد، ممارسة شائعة.[10] وتثير هذه الأساليب مخاوف أخلاقية، لما قد تنطوي عليه من تقويض للعمليات الديمقراطية واستقلالية الأفراد في اتخاذ قراراتهم.
ويعزز الذكاء الاصطناعي قدرات الدعاية والمراقبة على حد سواء، من خلال إتاحة التخصيص الفردي، والعمل على نطاق واسع، والتكيف الفوري مع المتغيرات. فعلى سبيل المثال، يمكن للدعاية المدعومة بالذكاء الاصطناعي أن تصوغ رسائل تتوافق مع تفضيلات كل فرد ومعتقداته، مما يزيد من قدرتها على الإقناع والتأثير.[11]
وبالمثل، تستطيع أنظمة المراقبة القائمة على الذكاء الاصطناعي متابعة أعداد هائلة من السكان في الوقت نفسه، وتحديد التهديدات المحتملة والاستجابة لها بكفاءة غير مسبوقة.[12]
ويثير استخدام الذكاء الاصطناعي في الدعاية والمراقبة إشكاليات أخلاقية خطيرة، نظرًا إلى ما قد يترتب عليه من انتهاك للخصوصية، والتلاعب بالآراء، وتقويض العمليات الديمقراطية. وتتفاقم هذه المخاوف بسبب غياب الشفافية في آليات عمل خوارزميات الذكاء الاصطناعي، واحتمال تأثر القرارات التي تنتجها بتحيزات معينة.[13]
وفي تجربة حديثة أجرتها مجلة ذي إيكونوميست (The Economist)، تبيّن أن نماذج الذكاء الاصطناعي تُظهر تحيزات لافتة، خصوصًا فيما يتعلق بالمواقف السياسية والتوجهات الفلسفية بصورة عامة. ووفقًا لنتائج التجربة، تميل هذه النماذج إلى تبني مواقف أكثر علمانية وليبرالية مقارنة بالمواطن الغربي العادي.
وينطبق هذا التحيز بطبيعة الحال على نماذج «الذكاء الاصطناعي الغربية»، بخلاف النماذج الصينية التي تتضمن تحيزًا مدمجًا نحو القيم الاشتراكية الأساسية.[14]
وتطرح هذه الظاهرة بالفعل مشكلة متنامية بالنسبة إلى الأفراد الذين يعتمدون بصورة متزايدة على الذكاء الاصطناعي في تكوين فهمهم للعالم، ولا سيما عندما يلجؤون إليه للحصول على نصائح شخصية بشأن قرارات مصيرية، مثل اختيار المرشح الذي سيصوتون له أو طلب الإرشاد في شؤون الحياة.
ويؤدي ذلك إلى نشوء حالة من الاعتماد المجتمعي على الذكاء الاصطناعي، ستظهر آثارها الملموسة حتمًا في المستقبل، إن لم تكن قد بدأت بالظهور بالفعل. وقد تتمثل هذه الآثار في التشوش المعرفي، أو في أسوأ السيناريوهات، تراجع القدرات المعرفية.
فالمجتمع الذي يصبح شديد الاعتماد على الذكاء الاصطناعي يغدو أكثر عرضة لمختلف أشكال التلاعب والتأثير، سواء كانت مقصودة أم غير مقصودة.
4. التراجع المعرفي – فن التفكير المستقل الذي يتلاشى
«في الماضي، سلّم البشر مهمة التفكير إلى الآلات أملًا في أن تحررهم. لكن ذلك لم يؤدِّ إلا إلى تمكين بشر آخرين يمتلكون الآلات من استعبادهم».
ترد هذه العبارة الشهيرة في رواية الخيال العلمي الكثيب (Dune)، التي نشرها فرانك هربرت عام 1965، وتُعدّ من أبرز الأعمال في هذا النوع الأدبي. وتحمل العبارة تحذيرًا من الإفراط في الاعتماد على التكنولوجيا، إذ تشير إلى أن تفويض مهمة التفكير إلى الآلات قد يؤدي إلى تركّز القوة والسيطرة في أيدي من يتحكمون بهذه الآلات.
ويمكن القول إن البشرية تقف اليوم عند نقطة تحول حاسمة. فعلى خلاف أي تقنية أخرى ابتكرها الإنسان، يمتلك الذكاء الاصطناعي القدرة على تقويض مهارات التفكير النقدي لدينا، وربما القضاء عليها.
وأعتقد أن هناك عدة عوامل تفسر هذا الوضع غير المسبوق، يبرز من بينها عاملان على وجه الخصوص.
أولًا، نعيش في عصر يتسم بوفرة مفرطة في شتى المجالات. وجزء كبير مما يُتداول من معلومات ليس صحيحًا بالكامل، أو يُقدَّم بطريقة تؤدي إلى تكوين انطباعات غير صحيحة، وهو ما يُعرف بالمعلومات الخاطئة (Misinformation). كما أن قدرًا كبيرًا من هذا المحتوى يتضمن معلومات مغلوطة من الناحية الواقعية، تندرج ضمن ما يُعرف بالتضليل المتعمد (Disinformation).
وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في المجتمعات القائمة على المعرفة، التي تحولت فيها المعلومات والمعرفة إلى عملة جديدة للقوة والنفوذ.
في كتابه البارز الموجة الثالثة (The Third Wave)، الذي ألّفه قبل 46 عامًا، نعم، قبل ستة وأربعين عامًا!، ذهب ألفين توفلر إلى أن المجتمع الصناعي كان قائمًا على «مجال معلوماتي» مترابط بإحكام، يتكون من وسائل الإعلام الجماهيري ومكاتب البريد والهواتف، ويعمل على إيصال رسائل موحدة إلى جماهير تتسم بقدر كبير من التجانس.[15]
لكن هذا النظام أصبح اليوم مثقلًا بما يفوق قدرته على الاستيعاب.
فالتنوع المتزايد في مصادر الطاقة وأساليب الإنتاج وأشكال الأسرة والقيم الاجتماعية يضاعف حجم المعلومات التي يجب تداولها حتى يحافظ المجتمع على تماسكه.
ولهذا، تسهم أجهزة الكمبيوتر وتقنيات الاتصالات في نشوء مجال معلوماتي جديد يشهد توسعًا هائلًا، يقوم على وسائل إعلام تفاعلية لم تعد موجهة إلى الجماهير بوصفها كتلة واحدة، وعلى تبادل المعلومات بين الآلات، وظهور ما يُعرف بـ«البيئة الذكية».
أما الذاكرة الاجتماعية، التي كانت في السابق محفوظة بصورة ثابتة في الكتب المطبوعة والأرشيفات، فقد أصبحت اليوم هائلة الحجم وفاعلة في الوقت نفسه؛ إذ لم تعد البيانات تُخزَّن فحسب، بل بات من الممكن معالجتها وتحليلها واستخدامها بصورة ديناميكية.
ويؤدي هذا التحول إلى تفكيك المبادئ الأساسية التي قامت عليها «الموجة الثانية»، أي المجتمع الصناعي، وهي التوحيد القياسي والمركزية والتزامن.
فالإنتاج الضخم الموحد يفسح المجال أمام سلع مخصصة تلبي احتياجات الأفراد، وتحتوي على قدر أكبر من المعلومات والمعرفة. وفي الوقت نفسه، تتشظى وسائل الإعلام الجماهيري إلى قنوات متخصصة وتفاعلية تسمح بالتواصل في الاتجاهين، مما يؤدي إلى ما وصفه توفلر بتفكيك الطابع الجماهيري للعقل، بحيث لم يعد الأفراد يتلقون المحتوى نفسه أو يفكرون بالضرورة ضمن أنماط موحدة.
وتنتقل القوة تدريجيًا من أولئك الذين يسيطرون على المصانع أو يمتلكون المال إلى أولئك الذين يتحكمون بالمعرفة.
كما ينتقل العمل بصورة متزايدة نحو ما سماه توفلر «المنزل الإلكتروني» (Electronic Cottage)، حيث يصبح الأفراد «منتجين مستهلكين» (Prosumers)، أي أنهم يشاركون في إنتاج المعلومات والسلع واستهلاكها في الوقت نفسه.
ولا تتمثل نتيجة هذا التحول في مجرد زيادة حجم البيانات، بل في نشوء بنية اجتماعية جديدة تتسم باللامركزية، وتعاظم دور الأقليات والمجموعات الصغيرة، وتسارع وتيرة التغير، وتزايد التشظي والتنوع.
وقد حذر توفلر مما أطلق عليه «ثقافة الشذرات» (Blip Culture)، التي يتلقى فيها الإنسان تدفقًا متواصلًا من المعلومات القصيرة والمتفرقة، ومن مخاطر التخمة المعلوماتية الناتجة عن هذا التدفق الهائل.
ومع ذلك، رأى أن «الموجة الثالثة» تمثل أكثر عمليات إعادة تشكيل المجتمع إبداعًا في التاريخ، شريطة أن تتعلم المجتمعات كيفية ربط المعلومات المتفرقة وتحليلها وبناء فهم متكامل منها، بدلًا من الغرق في طوفان البيانات.
تتمثل النتيجة المباشرة لهذه الوفرة المفرطة من المعلومات في أن أدمغتنا غالبًا ما تشعر بالتشوش، إن لم يكن بالضياع التام. وبعبارة أخرى، لم يُصمَّم الدماغ البشري لمعالجة هذا الكم الهائل من المعلومات خلال فترة زمنية قصيرة إلى هذا الحد. ومع ذلك، ولأن الدماغ مهيأ لتحسين أدائه وتحقيق أكبر قدر من الكفاءة، فإنه لا يتردد في الاستفادة من خاصية التلخيص التي يوفرها الذكاء الاصطناعي. فنحن نلجأ إلى الملخصات التي ينتجها بصورة شبه تلقائية ودون وعي كامل منا.
أما العامل الثاني الذي يجعل تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي جذابة بصورة خاصة للمستهلك العادي للمعلومات، وربما حتى لصنّاع السياسات الذين يعملون باستمرار تحت ضغط الوقت، فهو السرعة.
فنحن نعيش في عصر يتسم بعجلة غير مسبوقة، أصبحت فيه الفورية مطلبًا أساسيًا. وفي ظل حياة نخضع فيها للتقييم على مدار الساعة، بل في كل ثانية، تعلم البشر ألا يهدروا وقتهم الثمين. وكما يردد أنصار الليبرالية الكلاسيكية الجديدة: «الوقت من ذهب». فكل ثانية لها قيمتها.
ونتيجة لذلك، أصبحنا نحتاج إلى إجابات عن أسئلة لم نتمكن حتى من صياغتها بصورة واضحة في أذهاننا، ونريد الحصول على هذه الإجابات فورًا، بل كان من الأفضل لو حصلنا عليها بالأمس!
إن هذا الضغط المستمر الذي يدفعنا إلى ضرورة الاطلاع على كل شيء وتكوين رأي بشأنه هو، في جانب كبير منه، ضغط نفرضه على أنفسنا. ومع ذلك، فإننا نخضع له دون قدر يُذكر من التأمل أو التفكير النقدي.
لقد تحولنا إلى ما يشبه الآلات التي تستهلك المعلومات وتنتجها في الوقت نفسه، أي آلات تمارس «الإنتاج والاستهلاك المعلوماتي» بصورة متواصلة.
وتوفر تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي أداة غير مسبوقة تتيح لنا، بوصفنا آلات لإنتاج المعلومات واستهلاكها في آن واحد،[16] التعامل مع حياتنا المزدحمة، في ظل الضغط المستمر للوقت والمتطلبات التي يكاد يكون من المستحيل تلبيتها، والتي يفرضها علينا رؤساؤنا في العمل.
ويمكن ملاحظة هذا الاتجاه بوضوح حتى في الأوساط الأكاديمية، التي يُفترض، بحكم طبيعتها، أن تقوم على البحث المتأني والتحليل المتعمق.
ومن الطبيعي، في ظل هذه الظروف، أن نلجأ إلى الذكاء الاصطناعي وملخصاته.
فبدلًا من قضاء ساعات في قراءة المصادر الأصلية وتقييمها بصورة نقدية قبل تكوين فهمنا الخاص، نكتفي بقراءة ملخص ينتجه الذكاء الاصطناعي. بل إن متصفحات الإنترنت نفسها باتت تعرض ملخصًا مولدًا بالذكاء الاصطناعي قبل أن تقدم للمستخدم قائمة بالمصادر الأصلية.
وقد بدأت آثار هذه الممارسات تظهر بالفعل، وهي للأسف آثار سلبية للغاية.
ولا تترك الأبحاث الأكاديمية مجالًا كبيرًا للشك في خطورة هذه الظاهرة. ففي ورقة بحثية حديثة نُشرت في مجلة Computers in Human Behavior Reports، توصل الباحثان نوربهبهاني وأوييبو إلى الاستنتاج التالي:
«تكشف المراجعة البحثية أن الاعتماد المفرط على الذكاء الاصطناعي يشكل تهديدًا كبيرًا للمهارات المعرفية العليا، ولا سيما التفكير النقدي، واتخاذ القرارات المعقدة، والاستدلال التحليلي، فضلًا عن تقويض الإبداع والذاكرة والوظائف التنفيذية للدماغ.
وتنبع هذه التأثيرات من آليات موثقة علميًا، مثل إسناد المهام المعرفية إلى أدوات خارجية بدلًا من أدائها ذهنيًا، والتكاسل عن مراقبة عمليات التفكير وتقييمها، والانحياز إلى القرارات التي تنتجها الأنظمة الآلية. وتتفاقم هذه الآثار بفعل السلطة المعرفية التي ينسبها المستخدمون إلى أنظمة الذكاء الاصطناعي، إلى جانب سهولة استخدامها.
وتظهر قابلية التأثر بهذه المخاطر بصورة أكبر لدى المتعلمين الأصغر سنًا، والأفراد ذوي المستويات التعليمية الأقل، والعاملين في المهن التي تنطوي على قرارات شديدة الحساسية، مثل الطب. وفي هذه المجالات، قد يؤدي ما يُعرف بتأثير التسوية إلى تراجع المهارات المهنية لدى المبتدئين والخبراء على حد سواء.
وعلاوة على ذلك، فإن التداعيات المجتمعية الأوسع نطاقًا، بدءًا من التعلم السلبي وتراجع المهارات المهنية، وصولًا إلى أوجه عدم المساواة الرقمية والتهديدات التي تطال النزاهة الأكاديمية، تؤكد الحاجة إلى استراتيجية شاملة للحد من هذه المخاطر.
وينبغي أن تجمع هذه الاستراتيجية بين المبادرات التعليمية، وتصميم أنظمة ذكاء اصطناعي تتمحور حول الإنسان، وأطر تنظيمية قوية، لضمان أن يعمل الذكاء الاصطناعي على تعزيز القدرات المعرفية البشرية، بدلًا من أن يحل محلها».[17]
ولا تكمن الكارثة المحتملة للاعتماد المفرط على المحتوى الذي ينتجه الذكاء الاصطناعي في أننا نحرم أنفسنا من أعظم قدراتنا وأقوى أدواتنا، أي التفكير النقدي، فحسب، بل أيضًا في أن الذكاء الاصطناعي نفسه، كما أثبت باحثون آخرون مؤخرًا، قد يصبح أقل «ذكاءً» بمرور الوقت، أو على الأقل بعض نماذج اللغة الكبيرة (LLMs) الشائعة الاستخدام، مثل ChatGPT.
فقد خلصت دراسة حديثة نُشرت في مجلة Nature العلمية المرموقة إلى أن:
«التعلم بصورة غير انتقائية من البيانات التي تنتجها نماذج أخرى يؤدي إلى ما يُعرف بـ«انهيار النموذج» (Model Collapse)، وهي عملية تدهور تدريجي تنسى خلالها النماذج، بمرور الوقت، التوزيع الحقيقي للبيانات الأصلية التي تتعلم منها، حتى في حال عدم حدوث أي تغير في هذا التوزيع مع مرور الزمن».[18]
وبعبارة أخرى، نظرًا إلى أن قدرًا كبيرًا من المعلومات المتاحة على الإنترنت أصبح يُنتج بواسطة الذكاء الاصطناعي، ولا سيما نماذج اللغة الكبيرة مثل GPT-3، فإن هذه النماذج باتت تتدرب بصورة متزايدة على معلومات سبق أن أنتجها الذكاء الاصطناعي نفسه.
وتؤدي هذه الظاهرة إلى تراجع جودة مخرجات النماذج، بل قد تتسبب مستقبلًا في انهيار بعض نماذج الذكاء الاصطناعي بصورة عامة.[19]
وبعبارات بسيطة وقاسية، فإن الذكاء الاصطناعي، بخلاف أي تكنولوجيا أخرى عرفتها البشرية، يمتلك القدرة على إضعاف القدرات العقلية للبشر وتراجع مستوى ذكائهم لأجيال قادمة.
5. شركات الذكاء الاصطناعي: جهات فاعلة من غير الدول تخصخص المعلومات والسلطة
تُعدّ الجهات المطوّرة لتقنيات الذكاء الاصطناعي في معظمها شركات خاصة. وفيما يلي، سيجد القارئ قائمة بهذه الشركات، وبلدان منشئها، إلى جانب أبرز منتجاتها.

أُنشئت بواسطة نموذج Grok في 29 سبتمبر 2026. الموجّه المستخدم: «الشركات الكبرى التي تطوّر الذكاء الاصطناعي».
المثال العملي خير من الشرح المطوّل؛ لذا دعونا نلقي نظرة على إحدى هذه الشركات، وهي أنثروبيك (Anthropic).
أنثروبيك شركة متخصصة في الذكاء الاصطناعي، يقع مقرها في سان فرانسيسكو، وقد تأسست عام 2021 على يد مجموعة من الباحثين السابقين في شركة أوبن إيه آي (OpenAI)، من بينهم الشقيقان داريو ودانييلا أمودي.
تطوّر الشركة عائلة نماذج اللغة الكبيرة المعروفة باسم «كلود» (Claude)، إلى جانب أدوات مرتبطة بها، مثل «كلود كود» (Claude Code)، مع تركيز معلن على السلامة، وقابلية تفسير كيفية عمل النماذج، وتطوير أنظمة يسهل توجيه سلوكها والتحكم فيه.
وتستخدم المؤسسات نماذج الشركة في الكتابة والتحليل والبرمجة وتنفيذ المهام باستخدام وكلاء الذكاء الاصطناعي. وتتوفر هذه النماذج عبر منتجات أنثروبيك الخاصة، وكذلك من خلال منصات الحوسبة السحابية الكبرى، بما فيها أمازون وغوغل.
ولا تزال أنثروبيك شركة مملوكة للقطاع الخاص، وقد أصبحت واحدة من أعلى مختبرات الذكاء الاصطناعي قيمةً في العالم، بعدما جمعت جولات تمويلية ضخمة من مستثمرين، من بينهم أمازون وغوغل.
وتتنافس الشركة مباشرة مع أوبن إيه آي وغوغل ديب مايند (Google DeepMind) وغيرها من الجهات الرائدة في تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة، مع تبنيها موقفًا يدعو إلى تطوير الذكاء الاصطناعي المتقدم وفق ضمانات سلامة أكثر صرامة من الوتيرة السائدة في القطاع.
ووفقًا لما تعلنه الشركة عن نفسها، فإنها ظلت حتى عام 2026 كيانًا مستقلًا، وليست قسمًا تابعًا لإحدى شركات التكنولوجيا الكبرى، رغم أن هذه الشركات تستثمر فيها وتوفر نماذجها عبر منصاتها في الوقت نفسه.[20]
ومن الأدق على الأرجح وصف أنثروبيك بأنها شركة تزوّد وزارة الدفاع الأمريكية (DoD) بنماذج ذكاء اصطناعي متقدمة، بدلًا من اعتبارها متعاقدًا دفاعيًا رئيسيًا تقليديًا، مثل لوكهيد مارتن أو رايثيون.
ففي يوليو 2025، منح مكتب الشؤون الرقمية والذكاء الاصطناعي التابع لوزارة الدفاع الأمريكية (Chief Digital and Artificial Intelligence Office) شركات أنثروبيك وغوغل وأوبن إيه آي وإكس إيه آي (xAI) اتفاقيات لتطوير نماذج أولية، بسقف تمويلي يصل إلى 200 مليون دولار لكل شركة، بهدف تطوير «سير عمل قائم على وكلاء الذكاء الاصطناعي» لدعم مهام الأمن القومي.[21]
كما وفرت أنثروبيك نموذج كلود عبر شركة بالانتير (Palantir) وشركاء متخصصين في الحوسبة السحابية المصنفة أمنيًا، لتصبح أول شركة رائدة في تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة تُشغّل نماذجها على شبكات مخصصة للمعلومات السرية.
وقدمت الشركة أيضًا نماذج مخصصة تحت اسم «كلود غوف» (Claude Gov)، لاستخدامها في تحليل المعلومات الاستخباراتية، والتخطيط، والعمليات السيبرانية، والمحاكاة.[22]
وجاءت هذه التطبيقات في إطار توجه أوسع داخل البنتاغون نحو استخدام نماذج اللغة الكبيرة التجارية لدعم اتخاذ القرارات، بما في ذلك التحليلات المرتبطة بمشروع «مايفن» (Maven)، واستضافة نموذج كلود ضمن بيئات الحوسبة السحابية التابعة لأمازون ويب سيرفيسز (Amazon Web Services) وبالانتير، وفق متطلبات المستوى الأمني السادس (IL-6).[23][24]
ويشير المستوى الأمني السادس إلى معيار أمني متخصص وضعته وزارة الدفاع الأمريكية، وتشرف عليه وكالة أنظمة معلومات الدفاع (DISA)، بموجب دليل متطلبات أمن الحوسبة السحابية (SRG)، بهدف تخزين معلومات الأمن القومي المصنفة حتى مستوى «سري» (Secret) ومعالجتها.
وتفيد إقرارات قُدمت إلى المحاكم بأن وكالة مكافحة التجسس والأمن الدفاعي الأمريكية منحت أنثروبيك تصريحًا أمنيًا لمنشآتها يتيح التعامل مع معلومات مصنفة «سرية للغاية» (Top Secret)، وأن نموذج كلود حصل على التصاريح اللازمة وفق البرنامج الفيدرالي لإدارة المخاطر والتصاريح الأمنية (FedRAMP).
وهو برنامج حكومي أمريكي موحد يوفر نهجًا معياريًا لتقييم أمن المنتجات والخدمات السحابية، ومنح التصاريح اللازمة لاستخدامها، ومراقبتها بصورة مستمرة.[25]
كما حصل النموذج على الموافقات اللازمة للعمل ضمن مستويَي التأثير الأمني الرابع والخامس (DoD Impact Levels 4 و5) المعتمدين لدى وزارة الدفاع الأمريكية.[26]
واستخدم المتعاقدون نموذج «كلود غوف» بوصفه مكوّنًا فرعيًا ضمن أنظمة دفاعية أكبر، وهو ما يفسر اعتبار أنثروبيك متعاقدًا من الباطن، وليس متعاقدًا دفاعيًا رئيسيًا مسؤولًا عن تطوير أنظمة الأسلحة بصورة مباشرة.[27]
غير أن العلاقة بين الطرفين شهدت انهيارًا في أوائل عام 2026.
فقد أبدت أنثروبيك استعدادها لدعم الاستخدامات العسكرية للذكاء الاصطناعي، لكنها رفضت السماح باستخدام تقنياتها في «جميع الاستخدامات القانونية» دون استثناء، بما في ذلك المراقبة الجماعية داخل الولايات المتحدة، والأسلحة الفتاكة ذاتية التشغيل بالكامل، مستندةً في موقفها إلى القيود المتعلقة بموثوقية هذه الأنظمة.[28]
وقد نُشرت في الآونة الأخيرة دراسات ومقالات عديدة حول الأهمية المتزايدة لتطوير الذكاء الاصطناعي للأغراض العسكرية.
ويمكن القول إن شركات مثل أنثروبيك أصبحت من الجهات الفاعلة الرئيسية في المجمع الصناعي العسكري الجديد.
ويندرج هذا التطور ضمن ظاهرة أوسع يعرفها الباحثون باسم «خصخصة الأمن والدفاع والحرب».
وتكتسب خصخصة الحرب[29] أهمية لعدة أسباب، يمكن تلخيص أبرز ثلاثة منها فيما يلي:
1. تآكل احتكار الدولة لاستخدام القوة: يؤدي الاعتماد على المتعاقدين العسكريين والأمنيين من القطاع الخاص إلى إضعاف الحق القانوني الحصري الذي تتمتع به الحكومات في استخدام القوة.
2. ثغرات المساءلة القانونية: يعمل المتعاقدون من القطاع الخاص في كثير من الأحيان ضمن مناطق رمادية من الناحية التنظيمية والقانونية، مما يخلق عقبات أمام ملاحقتهم قضائيًا عند ارتكاب انتهاكات.
3. تداخل الحدود القانونية: يؤدي وجود المتعاقدين الخاصين إلى تعقيد تطبيق القانون الدولي الإنساني، إذ قد يتغير وضعهم القانوني بين مدنيين يتمتعون بالحماية ومقاتلين، بحسب طبيعة الأنشطة التي يشاركون فيها.[30]
وعند الجمع بين هذه الظاهرة وما يُعرف بمفهوم «ضباب الحرب»، الذي تناوله كارل فون كلاوزفيتز في مؤلفه الشهير عن الحرب (Vom Kriege)، يتضح أن شركات الذكاء الاصطناعي تقدم حلًا لمشكلة تسهم التكنولوجيا نفسها بصورة فعالة في خلقها، وهي الوفرة المفرطة من المعلومات.
غير أن التحدي الأساسي يتمثل في مسألة الشرعية التي تستند إليها ممارسة العنف المنظم ووضع السياسات الأمنية.
فقد ظلت هذه الصلاحيات تقليديًا من اختصاص الدول، التي يُفترض أنها تمثل المصالح العامة وتعمل على تحقيق الأهداف المجتمعية، بدلًا من السعي إلى تعظيم الأرباح الاقتصادية والمكاسب السياسية الخاصة.
الخاتمة
تخلص هذه الدراسة، وهي الثانية في سلسلة من المقالات، إلى أن الذكاء الاصطناعي ليس مجرد تقنية أخرى، بل قوة تحول عميقة تتميز بخصائص فريدة وتداعيات بعيدة المدى.
وتسلط الدراسة الضوء على قدرة الذكاء الاصطناعي غير المسبوقة على التلاعب والتأثير، من خلال الدعاية المخصصة بدقة شديدة لكل فرد وأنظمة المراقبة المتقدمة، وهو ما يثير مخاوف أخلاقية تتعلق بالخصوصية ونزاهة العمليات الديمقراطية.
كما تحذر من مخاطر التراجع المعرفي الناتج عن الاعتماد المفرط على الذكاء الاصطناعي، الذي قد يقوّض مهارات التفكير النقدي والاستقلال الفكري، ويؤدي إلى حالة من التشوش المجتمعي والتدهور في القدرات العقلية والمعرفية.
وتناقش الدراسة كذلك التركّز غير المسبوق للقوة والنفوذ في أيدي شركات الذكاء الاصطناعي الخاصة، كما يتضح في حالة شركات مثل أنثروبيك، التي تسهم في تداخل الحدود الفاصلة بين مصالح الدولة والمصالح الخاصة، ولا سيما في المجالات العسكرية.
وتفرض خصخصة المعرفة والسلطة تحديات جديدة أمام المفاهيم التقليدية لسيادة الدولة وآليات المساءلة، خصوصًا فيما يتعلق بالأمن وإدارة الحروب.
وفي نهاية المطاف، تدعو هذه الدراسة إلى دراسة متأنية لتأثيرات الذكاء الاصطناعي في المجتمع، وتبني استراتيجيات تحدّ من مخاطره، مع الاستفادة من الإمكانات والفوائد التي يوفرها.
فمن دون تفكير نقدي جاد وأطر تنظيمية فعالة، قد يؤدي الذكاء الاصطناعي إلى إعادة تشكيل القدرات المعرفية للبشرية والمشهد السياسي بطرق لم يشهدها التاريخ من قبل.
