التحديات الهائلة التي تواجه الأمم المتحدة
يوجد حالياً 65 نزاعاً مسلحاً نشطاً في العالم، وهو أعلى عدد منذ عام 1946.
كما أن اثنين من الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن الدولي، روسيا والولايات المتحدة، خاضا حروباً في انتهاك لـميثاق الأمم المتحدة.
وفي الوقت نفسه، يحذر خبراء التكنولوجيا الآن من أن الذكاء الاصطناعي قد يقضي على البشرية. كما يشكل تسارع تغير المناخ تهديداً وجودياً.
لا يمكن لأي أمين عام للأمم المتحدة أن يحل جميع هذه الأزمات. لكن المقارنات التاريخية لا تصب في مصلحة غوتيريش.
قادة استثنائيون من الماضي
واجه ثاني أمين عام للأمم المتحدة، السويدي داغ همرشولد، أيضاً فترة اتسمت بتوترات عالمية شديدة. وعلى الرغم من الحرب الباردة، أسس عمليات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، قبل أن يلقى حتفه في تحطم طائرة عام 1961 أثناء محاولته التفاوض لإنهاء صراع انفصالي دموي في الكونغو.
أما الأمين العام السابع للأمم المتحدة، الغاني كوفي عنان، فقد استخدم مهاراته الدبلوماسية لتنفيذ إصلاحات مهمة في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين.
وأدت تلك الإصلاحات إلى إنشاء مجلس حقوق الإنسان، وإطلاق «الأهداف الإنمائية للألفية» التي هدفت إلى الحد من الجوع والفقر والمرض، إلى جانب إرساء معايير دولية جديدة مثل مبدأ «مسؤولية الحماية» لحماية المدنيين من الفظائع الجماعية.
وحتى سلف غوتيريش الهادئ، الكوري الجنوبي بان كي مون، أطلق أجندة «حقوق الإنسان أولاً»، التي وجهت موظفي الأمم المتحدة الميدانيين إلى عدم الارتهان للبروتوكولات، وإلى رفع أصواتهم دفاعاً عن الأشخاص الذين تعتمد حياتهم على الحماية التي توفرها الأمم المتحدة.
وقد تحققت جميع هذه المبادرات رغم أن الأمم المتحدة منظمة تتسم بالحذر والبيروقراطية والبطء في اتخاذ القرارات.
إرث غوتيريش أقل إثارة للإعجاب
في ما يتعلق بأبرز إنجازاته، سيُذكر غوتيريش لدوره في التوسط للتوصل إلى مبادرة حبوب البحر الأسود عام 2022 بين أوكرانيا وروسيا، وتشجيعه على تولي المزيد من النساء مناصب قيادية عليا في الأمم المتحدة، وممارسته دبلوماسية نشطة في مجال المناخ، وإدخاله منظوراً عالمياً في النقاشات المتعلقة بما يمثله الذكاء الاصطناعي من تهديدات وفرص.
لكن الإخفاقات كانت عميقة للغاية.
فقد اضطر غوتيريش إلى فرض تخفيضات قاسية في الميزانية، ويرجع ذلك إلى حد كبير إلى امتناع الولايات المتحدة عن دفع نحو 4 مليارات دولار أمريكي من مستحقاتها للأمم المتحدة.
كما يبدو أن عملية إصلاح «UN80»، التي أطلقها غوتيريش في مارس/آذار 2025 بهدف إعادة هيكلة الأمم المتحدة وتبسيط عملها بمناسبة الذكرى الثمانين لتأسيسها، تركز بدرجة أكبر على تقليص البيروقراطية منها على إعادة توجيه الرؤية الأخلاقية للمنظمة. فقد فقد مئات من موظفي الأمم المتحدة وظائفهم، فيما سيواجه ملايين الأشخاص حول العالم الجوع بسبب النقص في تمويل المساعدات الإنسانية.
والأكثر مأساوية أن غوتيريش لم يتمكن من المساعدة في إنهاء الصراعات المستمرة في أوكرانيا وميانمار والسودان وغزة. ويرى العديد من منتقديه أنه كان ينبغي عليه بذل المزيد، مشيرين إلى أن غوتيريش لم يزر مطلقاً ميانمار أو السودان أو عدداً من بؤر الأزمات الكبرى الأخرى التي كان يمكن لحضوره فيها أن يبعث بإشارة سياسية قوية.
صعود غوتيريش إلى أعلى منصب في الأمم المتحدة
قبل انتقاله إلى مقر الأمم المتحدة في نيويورك، شغل غوتيريش منصب رئيس وزراء البرتغال بين عامي 1995 و2002، ثم منصب المفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين بين عامي 2005 و2015. وقد استند ترشحه لمنصب الأمين العام للأمم المتحدة إلى حد كبير إلى السمعة التي اكتسبها أثناء عمله مفوضاً سامياً في جنيف.
وفي عهد غوتيريش، شهدت مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين تغييرات هيكلية عميقة استجابة لحالات الطوارئ الإنسانية في سوريا ومناطق أخرى. وكان يُنظر إلى غوتيريش باعتباره مصلحاً نشطاً يسعى إلى تحديث المؤسسة. كما زار مخيمات اللاجئين، وعُد مدافعاً فعالاً، وإن كان حذراً، عن الفئات الأكثر ضعفاً في العالم.
لكن منذ تعيين غوتيريش أميناً عاماً عام 2016، تضاعف تقريباً عدد الأشخاص الذين نزحوا حول العالم بسبب الاضطهاد والصراعات والفظائع، من 65.6 مليون شخص إلى 118 مليوناً. ويشمل ذلك 45 مليون طفل يعيشون حالياً كلاجئين أو يقيمون في خيام بجوار أنقاض منازلهم.
ورغم أن غوتيريش لم يكن مسؤولاً عن معاناتهم، فإن حضوره كان أقل بروزاً بشكل ملحوظ من بعض أسلافه عندما تعلق الأمر بالدفع نحو حلول دبلوماسية للأزمات.
وفي حين أدى تصاعد الاحتكاك بين الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن الذين يتمتعون بحق النقض، وهم الصين وفرنسا وروسيا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة، إلى تفاقم هذا الوضع الخطير، بدا غوتيريش صوتاً مرهقاً وهامشياً يناشد الأطراف التوصل إلى تسويات.
وكان من نصيب غوتيريش، وإن لم يكن ذلك خطأه، أن يتولى قيادة الأمم المتحدة في حقبة دونالد ترامب وفلاديمير بوتين وشي جين بينغ. وقد عمل هؤلاء الثلاثة، كل بطريقته الخاصة، على تهميشه وتهميش الأمم المتحدة.
مستقبل الأمم المتحدة غير المؤكد
أتذكر اجتماعاً عقدته في وقت ما من عام 2018 مع غوتيريش في مقر الأمم المتحدة في نيويورك. كنت قد دُعيت، إلى جانب عدد من كبار ممثلي المجتمع المدني، لمناقشة قضايا حقوق الإنسان.
وخلال حديثنا، أشرت إلى أنه سيُحكم على إرثه، كما حدث مع جميع قادة الأمم المتحدة السابقين، من خلال قدرته على حماية المدنيين ووقف الفظائع التي تصدم ضمير الإنسانية.
فأومأ برأسه موافقاً بجدية.
وسيكون حكم التاريخ قاسياً فيما يتعلق بإخفاق غوتيريش في هذا المجال.
وعندما يغادر الطابق الثامن والثلاثين من مبنى الأمم المتحدة في 31 ديسمبر/كانون الأول، ويستقل المصعد نزولاً إلى البهو ذي الرخام الأخضر، فإنه سيترك وراءه أمماً متحدة أكثر هشاشة مما كانت عليه في أي وقت منذ سقوط جدار برلين.
وإذا كان لهذه المنظمة الدولية أن تستمر، فيتعين على الأمين العام المقبل للأمم المتحدة أن يبذل المزيد لسد الفجوة الخطيرة بين الوعود والنتائج الفعلية.
