Map showing the Bab el Mandeb Strait and Gulf of Aden connecting the Red Sea to the Arabian Sea. Important global trade corridor often associated with geopolitical tensions, shipping disruptions and maritime security concerns

تأثيرات إغلاق الحوثيين لمضيق باب المندب على أسعار النفط العالمية

أولاً: المقدمة

دخل الحوثيون في اليمن على خط الحرب مع إيران من خلال شن ضربات على إسرائيل في 28 مارس/آذار 2026. وكانت هذه هي المرة الأولى التي تتدخل فيها الميليشيا المدعومة من إيران في الحرب التي تقودها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران.

وأعلن العميد يحيى سريع، المتحدث العسكري باسم الحوثيين، يوم السبت 28 مارس/آذار، أول هجوم للجماعة المدعومة من إيران على إسرائيل. وفي يوم الأحد 29 مارس/آذار، قال إن الحوثيين نفذوا «عملية عسكرية ثانية» ضد إسرائيل باستخدام صواريخ كروز وطائرات مسيّرة، وأضاف أن الحوثيين سيواصلون تنفيذ العمليات العسكرية في الأيام المقبلة إلى أن «توقف إسرائيل هجماتها وعدوانها».

وقد حذر بعض المحللين من أن دخولهم قد يفتح جبهة أخرى في الصراع، تتمثل في احتمال فرض حصار على باب المندب، وهو مضيق يمثل نقطة اختناق أخرى في تجارة السلع العالمية، كما يوضح الشكل 1.

Image01

الشكل 1: خريطة مضيق باب المندب

يثير تحذير الحوثيين احتمال اندلاع حرب إقليمية أوسع، ولا سيما بالنظر إلى قدرة الجماعة على إغلاق باب المندب وضرب أهداف تقع على مسافات بعيدة تتجاوز اليمن.

تحاول هذه الورقة الإجابة عن سؤال بالغ الأهمية: ماذا سيحدث لأسعار النفط العالمية إذا أغلق الحوثيون باب المندب؟ وللقيام بذلك، تشرح هذه الورقة أولاً ما الذي يعنيه انخراط الحوثيين في الحرب مع إيران، ثم تتناول احتمال قيام الحوثيين بإغلاق باب المندب. وأخيراً، تبحث الورقة في آثار إغلاق باب المندب على أسعار النفط العالمية.

ثانياً: لماذا يهم انخراط الحوثيين في الحرب مع إيران؟

الحوثيون جماعة سياسية وعسكرية يمنية ظهرت في العقد الأول من الألفية الثانية، وتسيطر على جزء كبير من شمال اليمن. وتحمل هذه الجماعة اسم مؤسسها حسين الحوثي، وتنتمي إلى الفرع الزيدي من الإسلام الشيعي.

وعلى الرغم من أن الحوثيين مدعومون من إيران ومتحالفون معها، فإنهم ليسوا وكيلاً مباشراً لها بصورة بسيطة، وكثيراً ما يعطون الأولوية لمصالحهم الداخلية الخاصة. وعلى الرغم من أن إيران زودتهم بتكنولوجيا متطورة للصواريخ الباليستية، فإن الجماعة طورت أيضاً القدرة على تجميع وصناعة أسلحتها الخاصة داخل اليمن.

برز الحوثيون بقوة بعد سيطرتهم على صنعاء في عام 2014. وقد أدى ذلك إلى اندلاع حرب أهلية دامية ضد الحكومة المعترف بها دولياً، وإلى حملة قصف قادتها السعودية. وقد أظهر الحوثيون قدرة لافتة على الصمود في وجه الحملات الجوية التي اعتمدت على الدعم الأميركي وأدت إلى مقتل نحو 9,000 مدني.

وأثارت هجمات الحوثيين خلال يومي 28 و29 مارس/آذار 2026 في البحر الأحمر وخليج عدن مخاوف لدى بعض محللي الأسواق من أنهم قد يهاجمون السفن والناقلات في هذا الممر المائي كما فعلوا في السنوات الماضية.

ولم يعلق لا الحوثيون ولا إيران على ما إذا كانت هناك خطة لإغلاق مضيق باب المندب، أحد أكثر الممرات البحرية ازدحاماً في العالم.

لكن في 28 مارس/آذار، قال محمد منصور، نائب وزير الإعلام لدى الحوثيين، لوسائل إعلام محلية إن الجماعة «تخوض هذه المعركة على مراحل، وإن إغلاق مضيق باب المندب هو أحد خياراتنا». [1]

ومع ارتفاع التوترات بالفعل حول مضيق هرمز، فإن احتمال قيام حركة الحوثيين في اليمن بإغلاق باب المندب يرسل موجات صدمة عبر أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية.

ولدى جماعة الحوثي سجل في مهاجمة السفن والناقلات في البحر الأحمر ومضيق باب المندب.

وبعد أن كانت الحروب أو الصراعات المرتبطة بالحوثيين محصورة في اليمن في البداية، توسعت لتشمل مناطق بحرية حيوية، منها البحر الأحمر، وبحر العرب، وخليج عدن، وشمال غرب المحيط الهندي، مما أسفر عن أكثر من 300 صراع بين أكتوبر/تشرين الأول 2023 وديسمبر/كانون الأول 2024 (انظر الشكل 2). وفي البحر الأحمر وحده، نفذت قوات الحوثيين 201 هجوماً على سفن تجارية خلال هذه الفترة، ما أدى إلى مقتل 12 شخصاً.

وفي سياق أوسع، شاركت قوات الحوثيين في أكثر من 2,300 صراع عبر منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، مما أدى إلى سقوط ما مجموعه 1,467 قتيلاً. وقد ترافق توسع النشاط العسكري الحوثي مع تكثيف تهريب الأسلحة إلى اليمن، من خلال عمليات نقل سرية من سفينة إلى أخرى أو عبر سفن أصغر مثل المراكب الشراعية التقليدية التي تتفادى الرصد. وتستمر هذه المسارات، التي ترتبط غالباً بشبكات بحرية في إيران، في خليج عدن والبحر الأحمر. وتظل موانئ يمنية رئيسية مثل الحديدة والصليف محوراً أساسياً في هذه العمليات، إذ تتيح إيصال الأسلحة إلى المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، في حين تدفع إلى تكثيف جهود الاعتراض الدولية.

Image02

الشكل 2: أحداث الصراع المبلغ عنها في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا التي شاركت فيها قوات الحوثي، من 17 نوفمبر/تشرين الثاني 2023 إلى 31 ديسمبر/كانون الأول 2024 (المصدر: ACLED, https://acleddata.com؛ تقديرات موظفي البنك الدولي)

ومنذ ذلك الحين، واجهت جماعة الحوثي حملتي قصف نفذتهما إدارتا بايدن وترامب.

فقد شن جو بايدن، سلف ترامب، غارات جوية على اليمن في 10 يناير/كانون الثاني 2024، رداً مباشراً على هجمات الحوثيين غير المسبوقة على السفن البحرية الدولية في البحر الأحمر.

غير أن تلك الضربات فشلت في ردع الحوثيين، ولم تتوقف إلا عندما جرى التوصل إلى وقف إطلاق نار بوساطة بين إسرائيل وحماس في يناير/كانون الثاني 2025.

واستأنف الحوثيون هجماتهم عندما فرضت إسرائيل حصاراً على دخول المساعدات والغذاء إلى غزة في مارس/آذار 2025.

كما أطلقت إدارة ترامب أيضاً حملات قصف في أبريل/نيسان 2025 لوقف هجمات الحوثيين، وانتهت تلك الحملات عندما أبرم ترامب اتفاقاً مع الحوثيين في مايو/أيار يقضي بوقف الضربات الجوية إذا أوقفت الجماعة هجماتها على الملاحة البحرية. ولم يتضمن الاتفاق التزاماً بوقف الهجمات على إسرائيل، التي استمرت إلى أن جرى التوصل لاحقاً إلى وقف لإطلاق النار في غزة.

وبعد التوصل إلى هدنة مع الحوثيين، قال ترامب عن الجماعة: «لقد ضربناهم بقوة شديدة. وكانت لديهم قدرة كبيرة على تحمل العقاب». [2]

وأضاف: «يمكنك أن تقول إن هناك قدراً كبيراً من الشجاعة لديهم».

وفيما يتعلق بهجمات الحوثيين على السفن والناقلات في البحر الأحمر، فقد أطلقت جماعة الحوثي في نوفمبر/تشرين الثاني 2023 موجة متواصلة من الهجمات على السفن التجارية العابرة للبحر الأحمر ومضيق باب المندب. وقد زعم الحوثيون في البداية أنهم يستهدفون السفن المرتبطة بإسرائيل على خلفية الحرب في غزة. وخلال الأشهر التالية، وسّع الحوثيون عملياتهم العسكرية، مستخدمين طائرات مسيّرة محمّلة بالمتفجرات، وصواريخ مضادة للسفن، وزوارق هجومية سريعة، لضرب أو مضايقة سفن تجارية تابعة لقائمة متزايدة من الدول.

وبحلول أوائل عام 2024، بدأت شركات شحن كبرى بتحويل مسارات السفن حول جنوب أفريقيا لتجنب البحر الأحمر، مما أدى إلى ارتفاع كبير في أزمنة العبور والتكاليف. واستمرت هجمات الحوثيين بشكل متقطع خلال عامي 2024 و2025، بما في ذلك حوادث بارزة ألحقت أضراراً بسفن تجارية أو أغرقتها، وأدت إلى تكرار الضربات الجوية الأميركية على مواقع الحوثيين. وقد عطلت الحملات العسكرية الحوثية في البحر الأحمر ممراً ملاحياً بالغ الأهمية للتجارة العالمية وتدفقات الطاقة، مما أجبر كثيرين على إعادة توجيه المسارات، وأسهم في ارتفاع تكاليف الشحن والوقود عالمياً.

والآن، ومع انخراط الحوثيين علناً في الحرب مع إيران، فإن أي حملة متجددة ضد الملاحة قد تكون لها آثار مماثلة — أو أكبر — ولا سيما في ظل سوق طاقة تعاني أصلاً من ضغوط شديدة.

ويعتمد الكثير على ما إذا كان الحوثيون سيوسعون تدخلهم إلى ما هو أبعد من الضربات الصاروخية، ويبدؤون مجدداً باستهداف السفن والناقلات التجارية.

وتراقب شركات الشحن وعدد من الحكومات الوضع الحالي عن كثب، وهي توازن بين خيار إعادة توجيه السفن أو نشر حماية بحرية إضافية. وأي تصعيد في البحر من شأنه أن يزيد تقلبات الأسواق بشكل كبير.

ثالثاً: هل سيغلق الحوثيون باب المندب؟

بعد مرور أسبوع على الحرب مع إيران، لم يهبّ الحوثيون للدفاع عن إيران، لكنهم حذروا في اتصالات رسمية من أن «أصابعهم على الزناد». وقد شكّل هذا التقاعس الظاهري من جانب الحوثيين مفاجأة لأولئك الذين يرون فيهم مجرد وكيل إيراني أو ميليشيا متهورة سريعة اللجوء إلى السلاح. [3]

وقد قرر الحوثيون الآن إدخال أنفسهم في الحرب مع إيران. ومع ذلك، لم يعلّق لا الحوثيون ولا إيران على ما إذا كانوا سيغلقون مضيق باب المندب.

وتدفع إيران الحوثيين إلى الاستعداد لحملة عسكرية متجددة ضد الملاحة في البحر الأحمر، على أن يكون ذلك مشروطاً بأي تصعيد إضافي من جانب الولايات المتحدة في حربها على إيران، بحسب مسؤولين أوروبيين مطلعين على الأمر.

وقال المسؤولون الأوروبيون إن قادة الحوثيين المتمركزين في اليمن يدرسون خيارات تتعلق باتخاذ إجراءات أكثر عدوانية بعد تنفيذ ضربات بصواريخ باليستية ضد إسرائيل.

وأضاف هؤلاء المسؤولون أن هناك انقسامات داخل قيادة الحوثيين بشأن مدى العدوانية التي ينبغي انتهاجها، وكان ذلك جزءاً من السبب الذي جعل الجماعة تدخل الحرب مع إيران بعد شهر فقط من اندلاعها. [4]

وفي إعلان صدر في 28 مارس/آذار 2026، قال الحوثيون إنهم سيواصلون العمليات العسكرية إلى أن تتوقف الهجمات الأميركية-الإسرائيلية على إيران وعلى الجماعات المتحالفة معها، بما في ذلك حزب الله في لبنان.

لكنهم لم يقولوا على وجه التحديد إنهم سيستهدفون ناقلات النفط أو السفن الأخرى العابرة للبحر الأحمر.

وهناك ثلاثة سيناريوهات لانخراط الحوثيين في الحرب مع إيران، وفقاً لأليسون ماينور من المجلس الأطلسي. [5] ومن بين السيناريوهات الثلاثة التي اقترحتها ماينور استئناف الهجمات على الملاحة التجارية في البحر الأحمر.

أما الخيار الأقل خطراً بالنسبة إلى الحوثيين، فهو استئناف الهجمات على إسرائيل. فمع أن الغالبية العظمى من هجمات الحوثيين بالطائرات المسيّرة والصواريخ على إسرائيل خلال حرب غزة قد فشلت أو تم اعتراضها قبل الوصول إلى أهدافها، فإن الجماعة أثبتت أنها قادرة على اختراق المجال الجوي الإسرائيلي. وفي الواقع، أوقعت ضربات الحوثيين على إسرائيل عشرات الضحايا وألحقت أضراراً بمطار بن غوريون. ومن شأن هذا السيناريو أن يستدعي تجدد الضربات الجوية الإسرائيلية على اليمن، وهي ضربات كانت مكلفة اقتصادياً وعسكرياً بالنسبة إلى جماعة الحوثي، لكنها ساعدت أيضاً في حشد الدعم الشعبي الداخلي. وكانت الضربات الإسرائيلية على ميناء الحديدة مدمرة بصورة خاصة للحوثيين، لأن الميناء يمثل شريان حياة أساسياً لبلد يعتمد على الاستيراد، كما يمثل مصدراً لإيرادات النفط غير المشروعة التي يحصل عليها الحوثيون. وفي الوقت نفسه، أظهر الحوثيون قدراً كبيراً من الصمود في وجه الضربات الجوية، بعد أن تحملوا الآن حملات جوية كثيفة طوال معظم العقد الماضي. ومع أن ضربة إسرائيلية قتلت بعض القادة السياسيين في صنعاء، فإن القيادة العسكرية للحوثيين والفاعلين الحقيقيين في الحركة لم يمسّوا.

أما الخيار الثاني، فهو أن يستأنف الحوثيون الهجمات على الملاحة التجارية في البحر الأحمر، وهو ما قد يهدد علاقتهم بالسعودية. فتعطيل الملاحة التجارية أسهل كثيراً بالنسبة إلى الحوثيين من تنفيذ ضربات عسكرية على إسرائيل، نظراً إلى موقعهم الاستراتيجي على طول نقطة الاختناق البحرية في باب المندب. وقد أغرق الحوثيون عدة سفن تجارية خلال حرب غزة باستخدام مزيج من الصواريخ، والطائرات المسيّرة، والزوارق المأهولة وغير المأهولة. وكادت المخاطر الناجمة عن هجماتهم أن توقف العبور عبر البحر الأحمر وقناة السويس في عام 2023. وسيكون استهداف البحر الأحمر في عام 2026 أكثر تأثيراً وأكثر خطورة بكثير بالنسبة إلى الحوثيين. فمع الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز بسبب الحرب الجارية مع إيران، تعتمد السعودية على منشآتها الواقعة على البحر الأحمر للحفاظ على جزء من صادراتها النفطية، التي يتجه معظمها إلى آسيا، وكان من المعتاد أن تمر جنوباً باتجاه اليمن. ومن دون مسار البحر الأحمر، قد تتوقف تدفقات النفط في منطقة الخليج بالكامل بعد أسابيع قليلة أخرى من الحرب مع إيران. وبناء على ذلك، من المرجح أن تُبلغ السعودية الحوثيين بأن الهجمات على الملاحة في البحر الأحمر أصبحت الآن خطاً أحمر، وقد تستدعي رداً عسكرياً سعودياً. ولدى الحوثيين ميل إلى اختبار الخطوط الحمراء، ولذلك قد ينفذون هجمات محدودة في البحر الأحمر ثم يتراجعون إذا خلصوا إلى أن ذلك سيقوّض حالة التهدئة مع السعودية. وبدلاً من ذلك، قد يسعى الحوثيون إلى استغلال المخاوف السعودية المتزايدة من اضطراب الملاحة في البحر الأحمر من أجل انتزاع تنازلات جديدة من الرياض.

الخيار الثالث والأكثر خطورة يتمثل في أن يستأنف الحوثيون هجماتهم على السعودية و/أو الإمارات العربية المتحدة. وقد يتطور هذا السيناريو بالتزامن مع هجمات في البحر الأحمر، وهجمات برية داخل اليمن تهدف إلى السيطرة على موارد اليمن من النفط والغاز، وإضعاف الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً. وبهذا، سيعيد الحوثيون فعلياً إشعال الحرب في اليمن. وإذا قررت الإمارات أو السعودية الرد عسكرياً على الهجمات الإيرانية التي تستهدف البنية التحتية الاقتصادية والمدنية في كلا البلدين، فقد يستخدم الحوثيون ذلك الرد ليقولوا إن دول الخليج هي التي خرقت التهدئة، لا الحوثيون. وإذا قرر الحوثيون سلوك هذا المسار، فإن ذلك سيكون مدفوعاً أساساً بحساباتهم المتعلقة بالوضع داخل اليمن، لا بالحرب مع إيران.

ولا يزال من غير المؤكد أيّ السيناريوهات سيتحقق. غير أن الحوثيين لديهم تاريخ طويل في مهاجمة السفن والناقلات في البحر الأحمر، كما أوضحت هذه الورقة أعلاه.

ولذلك، هناك احتمال كبير بأن يهاجم الحوثيون السفن والناقلات المبحرة في البحر الأحمر، بل وقد يفرضون حصاراً على مضيق باب المندب. وستعتمد تحركات الحوثيين على تطورات الحرب الأميركية-الإيرانية، مثل الهجمات الأميركية على منشآت الطاقة ومحطات الكهرباء الإيرانية، وكذلك على موقف إيران وتفاصيل الاتفاقات بين النظام الإيراني والحوثيين.

رابعاً: تأثير إغلاق مضيق باب المندب

أولاً: أهمية مضيق باب المندب

يقع مضيق باب المندب عند مفترق طرق حيوي بين القارات، إذ يفصل بين اليمن في شبه الجزيرة العربية وبين إريتريا وجيبوتي في القرن الأفريقي.

ويشكل المضيق صلة بحرية ضيقة بين قناة السويس شمالاً وخليج عدن والمحيط الهندي جنوباً، وهو مسار يدعم التجارة بين آسيا وأوروبا.

ويمتد باب المندب على مسافة تقارب 100 كيلومتر (62 ميلاً)، ويضيق عند أضيق نقطة فيه إلى نحو 30 كيلومتراً (19 ميلاً)، ما يجعله ممراً تمر عبره كميات هائلة من التجارة العالمية.

وكما يوضح الشكل 3، تقسم جزيرة بريم المضيق إلى قناتين: ممر شرقي ضحل تستخدمه السفن المحلية، وممر غربي أعمق تستخدمه الملاحة الدولية.

Image03

الشكل 3: جزيرة بريم ومضيق باب المندب (المصدر: www.dreamstime.com/ illustration/perim.html)

يمر عبر المضيق يومياً ملايين البراميل من النفط، والغاز الطبيعي المسال، وحاويات الشحن، مما يجعله واحداً من أكثر نقاط الاختناق البحرية حساسية في العالم.

ويعكس اسمه العربي، «باب الدموع»، قروناً من أخطار الملاحة القاتلة، فضلاً عن أسطورة تتحدث عن زلزال مدمر شق الفاصل بين آسيا وأفريقيا.

ومع أن مضيق باب المندب ظل لفترة طويلة يربط بين الجزيرة العربية وشرق أفريقيا وجنوب آسيا، فإن أهميته العالمية ارتفعت بشكل كبير بعد افتتاح قناة السويس عام 1869، التي أوجدت طريقاً بحرياً مباشراً إلى أوروبا عبر البحر المتوسط، من دون الحاجة إلى الإبحار حول أفريقيا.

ما مدى أهمية باب المندب بالنسبة إلى الطاقة العالمية؟

يعد باب المندب واحداً من أهم نقاط اختناق الطاقة في العالم.

وكما يبين الجدول 1، فقد مر عبر مضيق باب المندب في عام 2023 نحو 9.3 ملايين برميل يومياً من النفط الخام والسوائل البترولية، أي ما يقارب 12% من النفط المتداول بحراً على مستوى العالم، وفقاً لإدارة معلومات الطاقة الأميركية (EIA). ولم يتجاوز هذا الرقم في عام 2023 سوى مضيق ملقا، الذي مر عبره 24 مليون برميل يومياً، ومضيق هرمز الذي بلغ 21.8 مليون برميل يومياً. غير أنه بعد هجمات الحوثيين في البحر الأحمر خلال 2023-2024، انخفضت تدفقات النفط الخام والسوائل البترولية عبر مضيق باب المندب بشكل كبير إلى 4.2 ملايين برميل يومياً في النصف الأول من عام 2025، كما يوضح الجدول 1 والشكل 4.

الجدول 1: حجم النفط الخام والسوائل البترولية المنقولة عبر نقاط الاختناق العالمية، 2020 – النصف الأول من 2025 (1H25)

Image04

Image05

الشكل 4: تدفقات النفط الخام والسوائل البترولية عبر باب المندب ونقاط الاختناق الأخرى (المصدر: EIA)

قبل عام 2024، كانت معظم صادرات النفط والغاز الطبيعي من الخليج العربي إلى أوروبا والساحل الأطلسي لأميركا الشمالية تمر عبر قناة السويس أو خط أنابيب سوميد، وكذلك عبر باب المندب ومضيق هرمز. غير أنه بعد أن بدأت جماعة الحوثي شن هجمات على السفن التجارية العابرة للبحر الأحمر في نوفمبر/تشرين الثاني 2023، بدأت بعض السفن تسلك طرقاً أطول وأكثر كلفة حول رأس الرجاء الصالح، وهو ما يتيح لها تجنب باب المندب وكذلك قناة السويس.

وقد عبر نحو 4.9 ملايين برميل يومياً من النفط الخام والسوائل البترولية قناة السويس وخط أنابيب سوميد في النصف الأول من عام 2025، كما عبر ما يقدر بنحو 4.2 ملايين برميل يومياً باب المندب. وكان كلا الحجمين يعادل تقريباً نصف التدفقات المسجلة في عام 2023، كما يوضح الجدول 2.

الجدول 2: حجم النفط الخام والمكثفات والمنتجات البترولية المنقولة عبر قناة السويس وخط أنابيب سوميد ومضيق باب المندب، 2020-النصف الأول من 2025

Image06

انخفضت أحجام النفط الخام والمكثفات السعودية العابرة عبر باب المندب أيضاً بأكثر من 50% من عام 2023 إلى عام 2024؛ ومع ذلك، لم تنخفض الأحجام السعودية العابرة عبر قناة السويس وخط سوميد إلا بنسبة 10% فقط، إذ زادت السعودية صادراتها عبر خط أنابيب النفط الخام شرق-غرب ومحطات البحر الأحمر.

وفي النصف الأول من عام 2025، نقلت روسيا نفطاً خاماً ومكثفات عبر قناة السويس وباب المندب أكثر من أي دولة أخرى. فبعد اندلاع الحرب في أوكرانيا في فبراير/شباط 2022، تحولت معظم صادرات روسيا من غرب البلاد من أوروبا إلى آسيا، ولا سيما إلى الهند. ونادراً ما استهدفت جماعة الحوثي سفن النفط الروسية في هجماتها في باب المندب، كما أن أحجام النفط الخام والمكثفات الروسية المارة عبر قناة السويس وباب المندب في عام 2024 والنصف الأول من عام 2025 لم تتغير كثيراً مقارنة بعام 2023.

أما تدفقات الغاز الطبيعي المسال عبر باب المندب فكانت شبه معدومة في عام 2024 وفي النصف الأول من عام 2025 (انظر الجدول 2). وقد انخفضت تدفقات الغاز الطبيعي المسال عبر كل من قناة السويس وباب المندب بشكل كبير في عام 2024، إذ تجنبت السفن مضيق باب المندب بسبب المخاوف الأمنية وارتفاع معدلات التأمين. ومنذ عام 2023، أصبحت تدفقات الغاز الطبيعي المسال عبر قناة السويس تكاد تكون مخصصة بالكامل للتسليم إلى مصر أو الأردن.

والتهديد الذي تتعرض له الملاحة عبر باب المندب انطلاقاً من اليمن هو تهديد حقيقي. ففي عام 2016، أطلقت جماعة الحوثي صواريخ على سفينة حربية تابعة للبحرية الأميركية قرب باب المندب. كما نشرت قوات الحوثيين ألغاماً على طول الساحل اليمني، واستخدمت زورقاً موجهاً عن بعد ومحشواً بالمتفجرات في هجوم غير ناجح على ميناء المخا اليمني في يوليو/تموز 2017. كذلك شن الحوثيون عدة هجمات بحرية غير ناجحة على سفن في البحر الأحمر، من بينها زوارق مسلحة ألحقت أضراراً بناقلة نفط سعودية قرب ميناء الحديدة في أبريل/نيسان 2018.

وبعد فترة قصيرة من اندلاع الحرب في غزة عام 2023، بدأت جماعة الحوثي بإطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة على إسرائيل. كما أطلقت النار على سفن تجارية في البحر الأحمر، ولا سيما في باب المندب، البوابة البحرية الجنوبية لقناة السويس، مما ألحق أضراراً بالاقتصاد العالمي. وأعلنت الجماعة أنها لن توقف هجماتها حتى توقف إسرائيل حرب غزة.

وأعلن الحوثيون أن أي سفينة مرتبطة بإسرائيل تُعد هدفاً للهجوم، بما في ذلك السفن الحربية البريطانية والأميركية، لكنهم هاجموا أيضاً سفناً وناقلات تعود إلى دول لا صلة لها بإسرائيل. وهاجم الحوثيون 178 سفينة طوال حصارهم الذي استمر عامين، وفقاً للمنظمة غير الحكومية المعروفة باسم مشروع بيانات مواقع وأحداث النزاعات المسلحة، وأغرقوا أربع سفن وقتلوا تسعة بحارة. ولتفادي التعرض للهجوم، أُعيد توجيه مئات السفن التجارية للإبحار حول جنوب أفريقيا. [6]

وانخفض ذلك التدفق بشكل حاد في عام 2024 إلى نحو 4.1 ملايين برميل يومياً بعد أن عطلت هجمات الحوثيين على الملاحة حركة المرور. ولم تقتصر الآثار على المضيق نفسه، بل امتدت إلى ما وراءه. فقد انخفضت التدفقات عبر قناة السويس وخط أنابيب السويس-البحر المتوسط من 8.8 ملايين إلى 4.8 ملايين برميل يومياً.

وقد استدعت هجمات الحوثيين في البحر الأحمر ردوداً عسكرية من عدد من الدول، من بينها الولايات المتحدة. ففي يناير/كانون الثاني 2024، اعتمد مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة القرار 2722، الذي أدان هجمات الحوثيين وأكد حرية الملاحة. [7] وأُطلقت العملية التي تقودها الولايات المتحدة والمعروفة باسم «حارس الازدهار» لحماية الملاحة في البحر الأحمر. وابتداءً من 12 يناير/كانون الثاني 2024، شنت قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة والمملكة المتحدة ضربات جوية وصاروخية على الحوثيين، في حين تهاجم دول أخرى بصورة مستقلة سفن الحوثيين في البحر الأحمر. وفي 3 مايو/أيار 2024، قال القيادي الحوثي يحيى سريع: «سنستهدف أي سفن متجهة إلى الموانئ الإسرائيلية في البحر المتوسط في أي منطقة نتمكن من الوصول إليها». [8] وفي 6 مايو/أيار 2025، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب وقف الضربات الأميركية نتيجة وقف إطلاق نار ثنائي بين الولايات المتحدة والحوثيين. وقد أوقف الحوثيون هجماتهم على الملاحة الدولية وعلى إسرائيل بعد دخول خطة السلام الخاصة بغزة حيز التنفيذ في 10 أكتوبر/تشرين الأول 2025. وبعض شركات الشحن الكبرى، مثل ميرسك،

استأنفت منذ ذلك الحين مساراتها عبر البحر الأحمر، في حين أحجمت شركات أخرى عن ذلك بسبب الوضع المتقلب. وفي 28 فبراير/شباط 2026، ورداً على الهجمات التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران، هدد الحوثيون بتصعيد الصراع، وفي 28 مارس/آذار، استأنفوا أخيراً هجماتهم على إسرائيل في خضم الحرب مع إيران.

2. تأثير إغلاق مضيق باب المندب

ماذا يمكن أن يحدث إذا أغلق الحوثيون مضيق باب المندب؟

يُعد باب المندب أحد أكثر الممرات البحرية أهمية في العالم بالنسبة إلى السلع المنقولة بحراً، ولا سيما نفط الخليج المتجه إلى أوروبا، وكذلك البضائع المتجهة نحو الأسواق الآسيوية.

ومع ارتفاع التوترات بالفعل حول مضيق هرمز، فإن احتمال قيام الحوثيين بإغلاق باب المندب يرسل موجات صدمة عبر أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية.

ووفقاً لإدارة معلومات الطاقة الأميركية (EIA)، كان مضيق هرمز يُستخدم لشحن متوسط قدره 20 مليون برميل من النفط يومياً. وقد أدى الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز خلال الحرب الحالية مع إيران إلى خنق الإمدادات النفطية العالمية، كما أن الصادرات عبر المسارات البديلة لا تزال تترك الإمدادات العالمية أقل بنحو 13 مليون برميل يومياً، وهي فجوة لا يوجد لها بديل واضح. ويعود ذلك إلى أن نحو 7 ملايين برميل يومياً من هذه الخسارة يجري تعويضها بوسائل أخرى، مثل مضيق باب المندب، والفجيرة في الإمارات العربية المتحدة، والسحب من الاحتياطيات الاستراتيجية، وفقاً لشركة كبلر.

وكما يبين الشكل 5، فإن اثنين من أهم البدائل لمضيق هرمز هما خط أنابيب أبوظبي للنفط الخام (ADCOP) في دولة الإمارات العربية المتحدة، الذي يغذي محطة التصدير في الفجيرة، وخط الأنابيب السعودي شرق-غرب، الذي ينتهي عند ميناء ينبع على البحر الأحمر.

Image07

الشكل 5: اثنان من أهم البدائل لمضيق هرمز
(المصدر: ABC News & Kpler)

كما يوضح الشكل 6، تجاوزت تدفقات النفط الخام والمكثفات عبر باب المندب في مارس/آذار 2026 أكثر من 4 ملايين برميل يومياً، وهو أعلى مستوى منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، وذلك مع قيام السعودية بزيادة صادراتها النفطية عبر ميناء ينبع بسبب الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز.

Image08

الشكل 6: عبور النفط الخام والمكثفات عبر مضيق باب المندب في عام 2026 بحسب موانئ المنشأ، ألف برميل يومياً (المصدر: Kpler)

تُظهر بيانات شركة كبلر في الشكل 6 أن 3.97 مليون برميل يومياً من النفط الخام قد عبرت مضيق باب المندب حتى الآن في مارس/آذار 2026، وهي زيادة حادة مقارنة بـ 2.95 مليون برميل يومياً في فبراير/شباط، وتمثل أعلى مستوى منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، قبل أن يبدأ الحوثيون باستهداف السفن العابرة. ومن هذا الحجم، جرى تحميل 1.75 مليون برميل يومياً من ميناء ينبع السعودي، في حين أن الجزء الأكبر من الكمية المتبقية، أي 1.79 مليون برميل يومياً، كان من النفط الخام الروسي المتجه إلى آسيا.

وقد رفعت السعودية صادراتها من النفط الخام عبر بنيتها التحتية في البحر الأحمر بعدما أُغلق مضيق هرمز فعلياً لمدة شهر. وقد جرى تحميل 3.23 مليون برميل يومياً من النفط الخام حتى 26 مارس/آذار، وهو أعلى مستوى مسجل على الإطلاق. وقبل الحرب مع إيران، كان ميناء ينبع يشحن عادة ما بين 750 و850 ألف برميل يومياً من النفط الخام. ويُعد هذا المسار حيوياً بالنسبة إلى السعودية للحفاظ على إنتاج واسع النطاق، في وقت تضطر فيه معظم الدول المنتجة الأخرى في منطقة الخليج إلى خفض إنتاجها بشكل كبير وسط تصاعد الضغوط المرتبطة بتراكم المخزونات، كما أنه حيوي للمشترين من أجل الحفاظ على إمكانية الوصول إلى نحو ثلث النفط الخام غير الإيراني القادم من الشرق الأوسط.

وقد أبلغت شركة أرامكو السعودية، عملاق النفط السعودي، عملاءها الرئيسيين في آسيا أن جميع الشحنات المخصصة للتحميل في أبريل/نيسان ستُنقل من ميناء ينبع، على أن تتلقى المصافي الصينية نحو 1.33 إلى 1.36 مليون برميل يومياً، والمصافي الهندية ما بين 766 و833 ألف برميل يومياً. كما تُظهر بيانات تتبع السفن لدى كبلر وجود نحو 30 ناقلة تنتظر قبالة ينبع للتحميل، وهو ما يبرز مدى إلحاح المصافي في تأمين الإمدادات وتخفيف أزمة نقص اللقيم الوشيكة.

ومن اللافت أن شحنات النفط الخام من ميناء ينبع تتجه حتى الآن إلى الصين بمقدار 933 ألف برميل يومياً، وإلى مصر بمقدار 720 ألف برميل يومياً، وإلى الهند بمقدار 702 ألف برميل يومياً، وإلى ميانمار بمقدار 143 ألف برميل يومياً، على أن تتدفق الأخيرة إلى مصفاة يونّان التابعة لبتروتشاينا عبر خط أنابيب. وعلى الرغم من تصاعد المخاوف بشأن نقص الإمدادات والبحث النشط عن شحنات فورية، فإن كوريا الجنوبية واليابان لم ترفعا سوى 98 ألف برميل يومياً و53 ألف برميل يومياً من النفط الخام السعودي من ينبع على التوالي. وقد قال مشاركون في السوق لشركة كبلر إن كوريا الجنوبية واليابان تبدوان وقد تصرفتا بحذر إزاء توجيه النفط الخام عبر مضيق باب المندب حتى قبل إعلان الحوثيين.

وإذا ما عمد الحوثيون إلى تعطيل حركة النفط عبر مضيق باب المندب، فإن الدول الآسيوية ستفقد أكثر فأكثر إمكانية الوصول إلى إمدادات الشرق الأوسط من النفط الخام، وهي إمدادات تعاني أصلاً من القيود. وقد يلجأ مالكو السفن إلى إعادة توجيه الشحنات غرباً عبر قناة السويس ثم حول رأس الرجاء الصالح لتسليم النفط الخام السعودي إلى آسيا. غير أن هذه الرحلة ستستغرق قرابة 50 يوماً، أي أكثر من ضعف مدة العبور عبر البحر الأحمر، وهو ما سيقلص فعلياً من التوافر الفوري في السوق، كما سيرفع التكاليف بشكل كبير نتيجة ارتفاع أجور الشحن وزيادة استهلاك الوقود. وسيستلزم ذلك أيضاً إعادة تموضع إضافية لأسطول الناقلات العالمي، إذ إن ناقلات النفط العملاقة جداً لا تستطيع عبور قناة السويس، مما يقلل من الكفاءة العامة للسوق.

ولا يزال من غير الواضح كيف سيعرّف الحوثيون الدول «المعادية»، وما إذا كانت ناقلات النفط الروسية قد تصبح هي الأخرى عرضة للتهديد. وتُظهر بيانات كبلر أنه في حين تراجعت تدفقات النفط الخام عبر مضيق باب المندب في عامي 2024 و2025 بعد هجمات الحوثيين، فإن شحنات النفط الخام الروسي ظلت مستقرة إلى حد كبير عند نحو 1.9 مليون برميل يومياً، بما يتماشى مع مستويات ما قبل الهجمات. وبما أن الصادرات الروسية تتعرض بالفعل للتقويض بفعل الهجمات الأوكرانية المتصاعدة في الأسابيع الأخيرة، فإن أي تعطيل في البحر الأحمر من شأنه أن يقيّد أكثر التدفقات المتجهة إلى آسيا، ولا سيما إلى الهند.

ومع ذلك، فإن دخول الحوثيين في الحرب مع إيران يمثل تصعيداً كبيراً ويضيف ضغوطاً صعودية على أسعار النفط. فالتهديد وحده يكفي لردع بعض مالكي السفن عن تحميل النفط الخام السعودي من ينبع، مما يدفع إلى ارتفاع أسعار خام عُمان ومربان، اللذين يُحمّلان من خارج مضيق هرمز، وكذلك فروق أسعار النفط الخام الأفريقي والأميركي في دورة التداول الجديدة.

وفي ظل هذه الأوضاع القاتمة لأسواق النفط، فإن المخاطر التي تهدد تدفقات النفط عبر مضيق باب المندب قد تؤدي إلى مزيد من تشديد إمدادات النفط الخام مع دخول الحوثيين في الحرب مع إيران.

إن اثنين من أهم الممرات البحرية في العالم، وهما مضيق هرمز وباب المندب، أصبحا حالياً عرضة للخطر من جانب إيران ووكلائها مع دخول الحرب مع إيران شهرها الثاني، الأمر الذي يفاقم الضغوط على التجارة العالمية وتدفقات الطاقة. ويُدخل هذا التصعيد مخاطر صعودية جديدة إلى سوق النفط، ومن المتوقع أن يعمق اختناق الإمدادات في آسيا.

وفي حين أن أسعار النفط العالمية قد ارتفعت بالفعل إلى نحو 110 دولارات للبرميل، يقول محللو جيه بي مورغان إن أي مشكلات تتعلق بمرور النفط عبر مضيق باب المندب قد تضيف 20 دولاراً للبرميل إلى أسعار النفط العالمية. ويحذر بعض محللي النفط من أن التعطل الكامل لكلا نقطتي الاختناق، أي باب المندب وكذلك مضيق هرمز، قد يدفع أسعار النفط نحو 150 دولاراً، مهدداً ما يقرب من 25 إلى 30% من إمدادات النفط العالمية المنقولة بحراً. كما يخشى خبراء آخرون أن تقفز أسعار النفط إلى 150-200 دولار أو أكثر للبرميل إذا أُغلقت نقطتا الاختناق كلتاهما لفترات مطولة. [9]

ورغم أن باب المندب قد لا يتعامل مع الكمية نفسها من النفط التي يمررها مضيق هرمز، فإنه يظل نقطة اختناق رئيسية أخرى لسوق النفط. وإذا أُغلق هو الآخر أمام حركة الناقلات، فسوف يقوض الحل الجزئي الذي تلجأ إليه السعودية، مما سيؤدي إلى تفاقم صدمة الإمدادات النفطية بلا شك ويدفع أسعار النفط إلى الارتفاع بدرجة أكبر بكثير. وقد يفيد ذلك شركات النفط التي تعمل أساساً خارج هذه نقاط الاختناق الرئيسية، مثل كونوكو فيليبس وأوكسيدنتال. غير أن ذلك سيلحق على الأرجح ضرراً كبيراً بالاقتصاد العالمي. وهذه العوامل تجعل من باب المندب منطقة مهمة تستحق المتابعة.

وقد بدأت شركات الشحن بالفعل في التفاعل مع هذه التطورات. فقد علقت شركات كبرى مثل ميرسك، وهاباغ لويد، وCMA CGM العديد من خطوطها عبر ممر البحر الأحمر، وأعادت توجيه السفن حول أفريقيا. ويؤدي هذا التحول إلى زيادة كبيرة في أزمنة الشحن وتكاليفه.

خامساً: الخاتمة

حاولت هذه الورقة الإجابة عن سؤال بالغ الأهمية، وهو: «ما تأثير فرض حصار على مضيق باب المندب في أسعار النفط العالمية؟»، وذلك في ظل دخول الحوثيين الحرب مع إيران من خلال الهجمات على إسرائيل. ولتحقيق ذلك، شرحت هذه الورقة أولاً أهمية مشاركة الحوثيين في الحرب مع إيران، ثم بحثت في احتمال قيام الحوثيين بفرض حصار على مضيق باب المندب.

واستناداً إلى التجارب السابقة للحوثيين في مهاجمة السفن في البحر الأحمر بعد نوفمبر/تشرين الثاني 2023 ولمدة زمنية طويلة، ذهبت هذه الورقة إلى أن احتمال إغلاق الحوثيين لمضيق باب المندب احتمال قائم بدرجة كبيرة. وأخيراً، خلصت هذه الورقة إلى أنه إذا أغلق الحوثيون مضيق باب المندب، فإن صادرات النفط الخام السعودية والروسية، التي وسعت صادراتها من خلال تجاوز مضيق هرمز، ستواجه صعوبات. ونتيجة لذلك، فإن أسعار النفط العالمية، التي كانت تتقلب مؤخراً حول 110 دولارات للبرميل، قد ترتفع إلى 150-200 دولار.

First published in: World & New World Journal
World & New World Journal Policy Team

World & New World Journal Policy Team

Leave a Reply