الروس: هل أصبحوا بالفعل في الداخل؟
أتاحت الحرب الدائرة في أوكرانيا، والتي استمرت الآن أربع سنوات، للجيش الروسي تحقيق تقدمات ميدانية كبيرة. ويدفع خبراء روس ومستشارون عسكريون باتجاه السيطرة على أوديسا (وقد تناولتُ هذا الموضوع في مقال آخر). ويبدو مرجحًا في هذه المرحلة أن تسعى روسيا للسيطرة على أكبر قدر ممكن من الأراضي الأوكرانية، وأن غياب الدبلوماسية الفاعلة يعني أن نتيجة الحرب ستُحسم في ساحة المعركة لا في قاعات التفاوض.
وبغض النظر عن السرديات السائدة التي تروّج لها وسائل إعلام مثل CNN أو BBC، فإن روسيا لم تُغيّر مطلبها الأساسي، وهو عدم السماح لأوكرانيا بالانضمام إلى حلف الناتو. ويمكن للمجتمعات الغربية ونخبها السياسية أن تعبّر عن غضبها الأخلاقي تجاه مثل هذه المطالب، لكن الوقائع — كما تراها موسكو — بسيطة ومباشرة. فبعد نهاية الحرب الباردة، تم الاتفاق على إعادة توحيد ألمانيا وقبله الاتحاد السوفيتي آنذاك، على أساس تعهد بعدم توسع الناتو شرقًا (وقد كتبتُ عن هذا أيضًا). غير أن الناتو توسع شرقًا عدة مرات لاحقًا.
ومن منظور الكرملين، فإن احتمال انضمام أوكرانيا إلى الناتو يمثل الخط الأحمر الأخير الذي لا يمكن لروسيا السماح بتجاوزه. وباختصار، فإن الجغرافيا الأوكرانية تجعل منها أصلًا استراتيجيًا مهمًا للناتو. ولا ينبغي أن ننسى أن دولًا مثل تركيا وبولندا ودول البلطيق الثلاث، ومؤخرًا حتى فنلندا، أصبحت بالفعل أعضاء في الحلف.[vi]
ومن المهم الإشارة إلى أن خبراء الأمن والعسكريين الروس ينظرون إلى هذا الأمر باعتباره تهديدًا جوهريًا لموسكو وبيئتها الأوروبية (فروسيا، في نهاية المطاف، دولة أوروبية أيضًا). وقد جاءت اللحظة المفصلية في قمة بوخارست في أبريل 2008، عندما أعلن قادة الناتو — رغم معارضة فرنسا وألمانيا — أن أوكرانيا (وجورجيا) «ستصبحان عضوين في الناتو». لم يكن ذلك دعوة فورية، بل وعدًا بعضوية مستقبلية عند استيفاء الشروط، في حين ضغطت الولايات المتحدة بقوة من أجل منح أوكرانيا خطة عمل للعضوية (MAP)، بعد أن كانت كييف قد طلبتها رسميًا في يناير 2008.[vii]

المصدر: https://www.nationsonline.org/oneworld/map/central-europe-map.htm
وفقًا للبرلمان الأوروبي، حدّدت موسكو منذ عام 2014 عددًا من التحديات باعتبارها تهديدات لأمنها القومي، مع تركيز خاص على الغرب.
أولًا، تعارض روسيا ما تصفه بمحاولات تقييد سياستها الخارجية المستقلة. فهي ترى أن سياساتها الخارجية والداخلية المستقلة تُقابل بمقاومة من الولايات المتحدة وحلفائها، الذين يسعون — من وجهة نظرها — إلى الحفاظ على هيمنتهم في الشؤون العالمية و«احتواء» روسيا من خلال ضغوط سياسية واقتصادية وعسكرية وإعلامية.[viii]
ثانيًا، لطالما اعتبرت روسيا توسّع حلف الناتو، وتموضع بنيته التحتية العسكرية بالقرب من حدودها، و«قدراته الهجومية»، والاتجاه نحو اضطلاعه بوظائف ذات طابع عالمي، تحديات مباشرة لأمنها القومي.
ثالثًا، أبدت روسيا قلقًا إزاء مبادرات أمريكية مثل نظام الدفاع الصاروخي العالمي، وقدرات «الضربة العالمية السريعة» (Global Strike)، وعسكرة الفضاء، معتبرةً أنها جهود تهدف إلى تقويض قدرتها على الردع الاستراتيجي.
رابعًا، استاءت موسكو من الانتقادات الغربية لسياساتها في دول ما بعد الاتحاد السوفيتي، والتي تصفها موسكو غالبًا بأنها «تدخلات ذات طابع إمبريالي جديد». كما ترى أن توسع الناتو والاتحاد الأوروبي وتطوير علاقات تعاونية في «الحيّ المشترك» يمثلان توسعًا في مجالات نفوذ الغرب على حساب روسيا.
خامسًا، أدان الكرملين الجهود الرامية إلى إثارة تغييرات في الأنظمة السياسية عبر وسائل مثل «الثورات الملونة»، معتبرًا أنها محاولات لزعزعة استقراره الداخلي، وفي بعض الأحيان بدعم عسكري. ويشمل ذلك الإشارة إلى أحداث جورجيا (2003)، وأوكرانيا (2004 و«ثورة الكرامة» عام 2014)، وقيرغيزستان (2005)، والربيع العربي (2010–2012).
سادسًا، ترى موسكو أن هناك تنافسًا متزايدًا مع الغرب، يشمل أنظمة قيم ونماذج مجتمعية متنافسة، وترفض البعد المعياري للسياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي، الذي تعتبره محاولة لفرض معاييره وقيمه على روسيا.
وصف المستشار السابق شولتس هذا التحول بأنه «تفويض للتحرك»، وليس مجرد توصيف للتغيير، مؤكدًا التزام ألمانيا بضمان السلام وتعزيز تضامن الاتحاد الأوروبي.[xiii] وقد واصل المستشار ميرتس البناء على هذا الطرح، مشيرًا إلى أن «كل شيء آخر يظل تابعًا للأمن الخارجي»، وأن أوروبا تتوقع قيادة ألمانية بعد سنوات من الأداء غير الكافي.[xiv]
وعمومًا، يبرر القادة الألمان هذا الدور من خلال مزيج من الحجج الجيوسياسية والاقتصادية والمعيارية، غالبًا ما ترتبط بإجراءات سياسية ملموسة مثل زيادة الإنفاق الدفاعي والإصلاحات المؤسسية.
أولًا، الضرورة الجيوسياسية والاستجابة للتهديدات. تُقدّم ألمانيا نفسها بوصفها في موقع فريد لمواجهة تهديدات وجودية مثل العدوان الروسي، نظرًا لموقعها المركزي في أوروبا وقربها من مناطق النزاع. فقد جادل شولتس بأن على ألمانيا أن تكون «ضامن الأمن الأوروبي الذي يتوقعه حلفاؤنا منا»، وأن تدافع عن النظام الدولي في مواجهة الأنظمة الاستبدادية، وأن تؤدي دور الجسر داخل الاتحاد الأوروبي.[xv] أما ميرتس فقد شدد على ضرورة ملء الفراغ الناتج عن تراجع اهتمام الولايات المتحدة، معتبرًا أن ألمانيا تواجه «صدمة مزدوجة» تتمثل في الإمبريالية الروسية والانكفاء الأمريكي، ما يفرض عليها تولي القيادة للحفاظ على الأمن عبر الأطلسي.[xvi] ويشمل ذلك تعزيز قدرة الناتو على الردع، مع التزام ألمانيا بمبدأ المشاركة النووية واعتبار تضامن الحلف جزءًا من «مصلحة الدولة العليا» لديها.[xvii]
ثانيًا، القوة الاقتصادية والقدرة على تعبئة الموارد. فبصفتها أكبر اقتصاد في أوروبا، تبرر ألمانيا دورها من خلال توظيف ثقلها المالي في الاستثمارات الدفاعية، مستهدفةً الوصول إلى نسبة إنفاق تتراوح بين 3% و3.5% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2029 — متجاوزةً هدف الناتو البالغ 2% ومتقدمةً على فرنسا والمملكة المتحدة.[xviii]
