DEN HAAG, NETHERLANDS - JUNE 23 2025: NATO Secretary General Mark Rutte gestures during the NATO Summit 2025 Secretary General's Pre-Summit Press Conference at the World Forum

هل سيصمد حلف الناتو؟

الملخص

تحلل هذه الورقة التحديات الراهنة التي يواجهها حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وتطرح تساؤلات حول مدى استمراريته في ظل التحولات الجيوسياسية المتسارعة. وتسلّط الضوء على الموقف الأمريكي المتطور، الذي تجسّد في استراتيجية الأمن القومي لعام 2025، والتي تعطي أولوية لاعتماد الحلفاء الأوروبيين على أنفسهم وتقليص الدور العسكري الأمريكي في أوروبا، في إطار نهج أوسع يقوم على مبدأ «أمريكا أولًا».

كما تبحث الورقة في معارضة روسيا المستمرة لتوسّع الناتو شرقًا، ولا سيما فيما يتعلق بأوكرانيا، وهو ما يغذي الصراع القائم ويهدد الاستقرار الإقليمي. وتتناول أيضًا الدور القيادي المتنامي لألمانيا في الأمن الأوروبي، من خلال استعراض التزاماتها الدفاعية المتزايدة والتحول في ثقافتها الاستراتيجية من سياسة ضبط النفس إلى الجاهزية.

وتبرز أهمية تركيا داخل الحلف نظرًا لموقعها الجيوسياسي الحاسم وقدراتها العسكرية، رغم التوترات الأخيرة. كما تناقش الورقة قضية غرينلاند بوصفها رمزًا للتوترات داخل الحلف وتحديًا لمبدأ الدفاع الجماعي المنصوص عليه في المادة الخامسة.

وفي نهاية المطاف، تُعدّ الحرب في أوكرانيا اختبارًا حاسمًا للناتو، إذ تثير شكوكًا حول تماسك الحلف وفعاليته في ظل الانقسامات الداخلية والتهديدات الخارجية.

الكلمات المفتاحية: الناتو، روسيا، الولايات المتحدة، أوروبا، الأمن.

المقدمة

يُقال إن اللورد إسماي (هاستينغز ليونيل إسماي)، أول أمين عام لحلف شمال الأطلسي (الناتو)، صرّح مقولته الشهيرة بأن الناتو أُنشئ لثلاثة أهداف رئيسية: إبقاء الأمريكيين في أوروبا، وإبقاء الروس خارجها (وكان يقصد الاتحاد السوفيتي)، وإبقاء الألمان تحت السيطرة.[i] ويتفق المؤرخون وخبراء الأمن الدولي عمومًا على أن الناتو شكّل عنصرًا أساسيًا في بنية الأمن الأوروبي، إذ ساهم في الحفاظ على السلام في القارة الأوروبية خلال الحرب الباردة في ظل تنافس القوى العظمى. فلم يقتصر الوجود الأمريكي في أوروبا على ردع احتمال غزو سوفيتي، بل لعب أيضًا دورًا مهدئًا للطموحات العسكرية والسياسية الأوروبية، وخاصة الألمانية.

أما اليوم، فيبدو أن «الحلف» (كما يُشار غالبًا إلى الناتو) يقترب من مرحلة تراجع تماسكه نتيجة أسباب داخلية وخارجية متعددة. وستتناول هذه الورقة الموجزة بعض هذه العوامل، علمًا بأن الموضوع بطبيعته يتطلب دراسة أعمق وأوسع نطاقًا.

الأمريكيون: هل ما زالوا باقين؟

في 9 ديسمبر 2025، قدّم عضو الكونغرس الجمهوري توماس ماسي من ولاية كنتاكي مشروع القانون H.R. 6508، المعروف باسم «قانون الناتو»، والذي يدعو إلى انسحاب الولايات المتحدة من الحلف. وفي بيانه — مستحضرًا (بوعي أو من دونه) مقولة اللورد إسماي — قال ماسي: «الناتو بقايا من حقبة الحرب الباردة. ينبغي أن ننسحب من الناتو ونستخدم تلك الأموال للدفاع عن بلدنا، لا عن دول اشتراكية. لقد أُنشئ الناتو لمواجهة الاتحاد السوفيتي، الذي انهار منذ أكثر من ثلاثين عامًا. ومنذ ذلك الحين، كلّفت مشاركة الولايات المتحدة دافعي الضرائب تريليونات الدولارات، ولا تزال تُعرّض الولايات المتحدة لخطر الانخراط في حروب خارجية. إن دستورنا لم يُجز الارتباطات الخارجية الدائمة، وهو أمر حذّر منه الآباء المؤسسون صراحةً. لا ينبغي لأمريكا أن تكون بطانية الأمن للعالم — خاصة عندما ترفض الدول الغنية دفع تكاليف دفاعها بنفسها.»[ii]

يمثل هذا مجرد تموج صغير في بحر أوسع من المخاوف الأمريكية بشأن انخراطها في بنية الأمن الأوروبي. وباختصار، يبدو أن هناك تيارًا قويًا داخل السياسة الأمريكية يدعو إلى «إعادة تركيز» عقيدة السياسة الخارجية للولايات المتحدة، وما يترتب عليها من استراتيجيات خارجية وأمنية. وليس من المستغرب، إذًا، أن يكشف الرئيس الأمريكي مؤخرًا عن استراتيجية الأمن القومي الجديدة للولايات المتحدة الأمريكية.

تشير استراتيجية الأمن القومي لعام 2025 (NSS)، التي أصدرتها إدارة ترامب، إلى تحول بعيدًا عن التركيز الأمريكي التقليدي على أوروبا في السياسة الخارجية والأمنية، مع التشديد على تعزيز اعتماد الحلفاء الأوروبيين على أنفسهم وإعطاء الأولوية لمناطق أخرى.[iii]

وتُصنّف الاستراتيجية المناطق العالمية بحسب الأولوية، حيث وضعت نصف الكرة الغربي في المرتبة الأولى (بعد أن كان في المرتبة الخامسة في استراتيجية 2017)، تليه آسيا في المرتبة الثانية، ثم أوروبا في المرتبة الثالثة — بعد أن كانت تحتل المرتبة الثانية سابقًا. ويتماشى هذا التحول مع نهج «أمريكا أولًا» الذي يؤكد على تقاسم الأعباء، وعدم التدخل، وتعريف أضيق للمصالح الوطنية الأمريكية، بما يجنّب الولايات المتحدة الإفراط في الانخراط في مناطق مثل أوروبا.

ومن بين العناصر الرئيسية التي تشير إلى مقاربة أقل تركيزًا على أوروبا، الدعوة إلى تعزيز الدفاع الأوروبي الذاتي. إذ تطالب الاستراتيجية أوروبا بتحمّل المسؤولية الأساسية عن أمنها بوصفها دولًا ذات سيادة. كما تدعو إلى وقف توسع الناتو، وتُلزم الحلفاء بالالتزام بنسبة إنفاق دفاعي جديدة تبلغ 5% من الناتج المحلي الإجمالي (المعروفة باسم «تعهد لاهاي»)، وهي نسبة تفوق بكثير الهدف الحالي البالغ 2%، وذلك لضمان تقاسم عادل للأعباء.

ثانيًا، تُحدد استراتيجية الأمن القومي دورًا أمريكيًا محدودًا في أوروبا. إذ يُؤطَّر الانخراط الأمريكي على أنه دعم دبلوماسي للاستقرار (مثل التفاوض لإنهاء الحرب في أوكرانيا وتعزيز العلاقات مع روسيا بهدف إعادة الإعمار وتحقيق الاستقرار الاستراتيجي)، بدلًا من التزامات عسكرية مستدامة. كما تنتقد الوثيقة التراجع الاقتصادي في أوروبا، وقضايا الهجرة، و«النزعة فوق الوطنية» في الاتحاد الأوروبي التي تُضعف السيادة، لكنها تُقدّم الولايات المتحدة بوصفها شريكًا مساعدًا فقط للدول المتحالفة المستعدة لفتح أسواقها ومكافحة الممارسات العدائية مثل النزعة التجارية الحمائية.

أما فيما يتعلق بنصف الكرة الغربي، فتؤكد الاستراتيجية على التفوق الأمريكي من خلال «ملحق ترامب» لمبدأ مونرو، مع التركيز على ضبط الهجرة، وتأمين سلاسل الإمداد، ومنع نفوذ الخصوم عبر إجراءات عسكرية واقتصادية فاعلة في أمريكا الوسطى والجنوبية ومنطقة الكاريبي.

ويمثل ذلك تحولًا عن استراتيجيات الأمن القومي السابقة، التي غالبًا ما تمحورت حول أوروبا بسبب التزامات الناتو والتهديدات مثل روسيا، نحو نهج أمريكي أكثر براغماتية وتقييدًا في المنطقة.[iv]

وفيما يتعلق بهذه النقطة الأخيرة، تؤكد أحدث استراتيجية دفاع وطني للولايات المتحدة الاتجاه بعيدًا عن أوروبا.[v] إذ تُعطي الاستراتيجية الأولوية لتحمّل أوروبا المسؤولية الأساسية عن دفاعها التقليدي، مع دعم أمريكي مهم لكنه أكثر محدودية. ويشمل ذلك اعتبار دعم دفاع أوكرانيا مسؤولية أوروبية في المقام الأول. كما تشير الوثيقة إلى أن روسيا لا تزال تمثل تهديدًا مستمرًا، لكنه قابل للإدارة، لأعضاء الناتو في الجناح الشرقي.

الروس: هل أصبحوا بالفعل في الداخل؟

أتاحت الحرب الدائرة في أوكرانيا، والتي استمرت الآن أربع سنوات، للجيش الروسي تحقيق تقدمات ميدانية كبيرة. ويدفع خبراء روس ومستشارون عسكريون باتجاه السيطرة على أوديسا (وقد تناولتُ هذا الموضوع في مقال آخر). ويبدو مرجحًا في هذه المرحلة أن تسعى روسيا للسيطرة على أكبر قدر ممكن من الأراضي الأوكرانية، وأن غياب الدبلوماسية الفاعلة يعني أن نتيجة الحرب ستُحسم في ساحة المعركة لا في قاعات التفاوض.

وبغض النظر عن السرديات السائدة التي تروّج لها وسائل إعلام مثل CNN أو BBC، فإن روسيا لم تُغيّر مطلبها الأساسي، وهو عدم السماح لأوكرانيا بالانضمام إلى حلف الناتو. ويمكن للمجتمعات الغربية ونخبها السياسية أن تعبّر عن غضبها الأخلاقي تجاه مثل هذه المطالب، لكن الوقائع — كما تراها موسكو — بسيطة ومباشرة. فبعد نهاية الحرب الباردة، تم الاتفاق على إعادة توحيد ألمانيا وقبله الاتحاد السوفيتي آنذاك، على أساس تعهد بعدم توسع الناتو شرقًا (وقد كتبتُ عن هذا أيضًا). غير أن الناتو توسع شرقًا عدة مرات لاحقًا.

ومن منظور الكرملين، فإن احتمال انضمام أوكرانيا إلى الناتو يمثل الخط الأحمر الأخير الذي لا يمكن لروسيا السماح بتجاوزه. وباختصار، فإن الجغرافيا الأوكرانية تجعل منها أصلًا استراتيجيًا مهمًا للناتو. ولا ينبغي أن ننسى أن دولًا مثل تركيا وبولندا ودول البلطيق الثلاث، ومؤخرًا حتى فنلندا، أصبحت بالفعل أعضاء في الحلف.[vi]

ومن المهم الإشارة إلى أن خبراء الأمن والعسكريين الروس ينظرون إلى هذا الأمر باعتباره تهديدًا جوهريًا لموسكو وبيئتها الأوروبية (فروسيا، في نهاية المطاف، دولة أوروبية أيضًا). وقد جاءت اللحظة المفصلية في قمة بوخارست في أبريل 2008، عندما أعلن قادة الناتو — رغم معارضة فرنسا وألمانيا — أن أوكرانيا (وجورجيا) «ستصبحان عضوين في الناتو». لم يكن ذلك دعوة فورية، بل وعدًا بعضوية مستقبلية عند استيفاء الشروط، في حين ضغطت الولايات المتحدة بقوة من أجل منح أوكرانيا خطة عمل للعضوية (MAP)، بعد أن كانت كييف قد طلبتها رسميًا في يناير 2008.[vii]

923 IMAGE01

المصدر: https://www.nationsonline.org/oneworld/map/central-europe-map.htm

وفقًا للبرلمان الأوروبي، حدّدت موسكو منذ عام 2014 عددًا من التحديات باعتبارها تهديدات لأمنها القومي، مع تركيز خاص على الغرب.

أولًا، تعارض روسيا ما تصفه بمحاولات تقييد سياستها الخارجية المستقلة. فهي ترى أن سياساتها الخارجية والداخلية المستقلة تُقابل بمقاومة من الولايات المتحدة وحلفائها، الذين يسعون — من وجهة نظرها — إلى الحفاظ على هيمنتهم في الشؤون العالمية و«احتواء» روسيا من خلال ضغوط سياسية واقتصادية وعسكرية وإعلامية.[viii]

ثانيًا، لطالما اعتبرت روسيا توسّع حلف الناتو، وتموضع بنيته التحتية العسكرية بالقرب من حدودها، و«قدراته الهجومية»، والاتجاه نحو اضطلاعه بوظائف ذات طابع عالمي، تحديات مباشرة لأمنها القومي.

ثالثًا، أبدت روسيا قلقًا إزاء مبادرات أمريكية مثل نظام الدفاع الصاروخي العالمي، وقدرات «الضربة العالمية السريعة» (Global Strike)، وعسكرة الفضاء، معتبرةً أنها جهود تهدف إلى تقويض قدرتها على الردع الاستراتيجي.

رابعًا، استاءت موسكو من الانتقادات الغربية لسياساتها في دول ما بعد الاتحاد السوفيتي، والتي تصفها موسكو غالبًا بأنها «تدخلات ذات طابع إمبريالي جديد». كما ترى أن توسع الناتو والاتحاد الأوروبي وتطوير علاقات تعاونية في «الحيّ المشترك» يمثلان توسعًا في مجالات نفوذ الغرب على حساب روسيا.

خامسًا، أدان الكرملين الجهود الرامية إلى إثارة تغييرات في الأنظمة السياسية عبر وسائل مثل «الثورات الملونة»، معتبرًا أنها محاولات لزعزعة استقراره الداخلي، وفي بعض الأحيان بدعم عسكري. ويشمل ذلك الإشارة إلى أحداث جورجيا (2003)، وأوكرانيا (2004 و«ثورة الكرامة» عام 2014)، وقيرغيزستان (2005)، والربيع العربي (2010–2012).

سادسًا، ترى موسكو أن هناك تنافسًا متزايدًا مع الغرب، يشمل أنظمة قيم ونماذج مجتمعية متنافسة، وترفض البعد المعياري للسياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي، الذي تعتبره محاولة لفرض معاييره وقيمه على روسيا.

علاوةً على ذلك، واجهت روسيا عقوبات اقتصادية، إلى جانب سياسات مالية وتجارية واستثمارية وتكنولوجية استخدمها الغرب كأدوات لمعالجة قضايا جيوسياسية واحتواء مراكز قوى بديلة، مثل روسيا.

وأخيرًا، تؤكد روسيا باستمرار في وثائقها الاستراتيجية أن الغرب (بما في ذلك الاتحاد الأوروبي) هو التحدي الرئيسي لطموحاتها كقوة عظمى ولأمنها القومي.

ففي أحدث استراتيجية للأمن القومي للاتحاد الروسي التي أقرّها الرئيس فلاديمير بوتين في يوليو 2021 (أي قبل اندلاع الحرب في أوكرانيا)، تُصوَّر دول الناتو وأوروبا الغربية كمصادر ضغط وتهديد.[ix] وتنص الاستراتيجية على أن محاولات ممارسة الضغط على روسيا وحلفائها وشركائها — بما في ذلك تعزيز البنية التحتية العسكرية للناتو قرب الحدود الروسية وتكثيف أنشطة الاستخبارات — تسهم في زيادة المخاطر والتهديدات العسكرية ضد روسيا. كما تشير إلى رغبة الدول الغربية في الحفاظ على هيمنتها، وهو ما يرتبط — بحسب الوثيقة — بأزمة نماذج التنمية الاقتصادية، وارتفاع التفاوتات الاجتماعية، ومحاولات الحد من دور الدولة، وتفاقم المشكلات السياسية والتناقضات بين الدول.

وتشير الوثيقة أيضًا إلى أن بعض الدول تنظر إلى روسيا كتهديد أو حتى كخصم عسكري، وأن هناك جهودًا لتحفيز عمليات تفكك داخل رابطة الدول المستقلة بهدف إضعاف روابط روسيا مع حلفائها التقليديين. كما تُعتبر «الأعمال غير الودية» من قبل دول أجنبية، بما في ذلك دول غربية، محاولات لاستغلال المشكلات الاجتماعية والاقتصادية في روسيا بهدف تقويض وحدتها الداخلية وتأجيج الحركات الاحتجاجية.

وعلاوة على ذلك، ترى موسكو أن الحملات الإعلامية التي تشنها دول أجنبية تهدف إلى تشكيل صورة عدائية عن روسيا، وتقييد استخدام اللغة الروسية، وحظر أنشطة وسائل الإعلام الروسية، وفرض عقوبات على الرياضيين الروس. وتصف الوثيقة هذه الإجراءات بأنها اتهامات غير مبررة وتمييز ضد المواطنين الروس وأبناء الجاليات الروسية في الخارج.

وبوجه عام، تُصوَّر دول الناتو وأوروبا الغربية في الاستراتيجية الروسية على أنها تنتهج سياسات تهدف إلى احتواء روسيا، وتقويض سيادتها، والتدخل في شؤونها الداخلية، وهي أمور تعتبرها موسكو تهديدًا لأمنها القومي وكيانها الدولتي.

وفي ضوء ما سبق، يبدو — كما ذُكر — أن نتيجة الحرب في أوكرانيا ستُحسم على الأرجح في ساحة المعركة، وأن روسيا ستواصل توسيع نطاق سيطرتها على الأراضي، وربما يشمل ذلك أوديسا، وأنها في نهاية المطاف ستسعى إلى الاحتفاظ بأكبر قدر ممكن من الأراضي الأوكرانية تحت سيطرتها المباشرة أو غير المباشرة. ومن غير المرجح في هذه المرحلة أن تستعيد أوكرانيا سلامة أراضيها كما كانت قبل عام 2014 وقبل عملية ضمّ شبه جزيرة القرم.

وصف المستشار السابق شولتس هذا التحول بأنه «تفويض للتحرك»، وليس مجرد توصيف للتغيير، مؤكدًا التزام ألمانيا بضمان السلام وتعزيز تضامن الاتحاد الأوروبي.[xiii] وقد واصل المستشار ميرتس البناء على هذا الطرح، مشيرًا إلى أن «كل شيء آخر يظل تابعًا للأمن الخارجي»، وأن أوروبا تتوقع قيادة ألمانية بعد سنوات من الأداء غير الكافي.[xiv]

وعمومًا، يبرر القادة الألمان هذا الدور من خلال مزيج من الحجج الجيوسياسية والاقتصادية والمعيارية، غالبًا ما ترتبط بإجراءات سياسية ملموسة مثل زيادة الإنفاق الدفاعي والإصلاحات المؤسسية.

أولًا، الضرورة الجيوسياسية والاستجابة للتهديدات. تُقدّم ألمانيا نفسها بوصفها في موقع فريد لمواجهة تهديدات وجودية مثل العدوان الروسي، نظرًا لموقعها المركزي في أوروبا وقربها من مناطق النزاع. فقد جادل شولتس بأن على ألمانيا أن تكون «ضامن الأمن الأوروبي الذي يتوقعه حلفاؤنا منا»، وأن تدافع عن النظام الدولي في مواجهة الأنظمة الاستبدادية، وأن تؤدي دور الجسر داخل الاتحاد الأوروبي.[xv] أما ميرتس فقد شدد على ضرورة ملء الفراغ الناتج عن تراجع اهتمام الولايات المتحدة، معتبرًا أن ألمانيا تواجه «صدمة مزدوجة» تتمثل في الإمبريالية الروسية والانكفاء الأمريكي، ما يفرض عليها تولي القيادة للحفاظ على الأمن عبر الأطلسي.[xvi] ويشمل ذلك تعزيز قدرة الناتو على الردع، مع التزام ألمانيا بمبدأ المشاركة النووية واعتبار تضامن الحلف جزءًا من «مصلحة الدولة العليا» لديها.[xvii]

ثانيًا، القوة الاقتصادية والقدرة على تعبئة الموارد. فبصفتها أكبر اقتصاد في أوروبا، تبرر ألمانيا دورها من خلال توظيف ثقلها المالي في الاستثمارات الدفاعية، مستهدفةً الوصول إلى نسبة إنفاق تتراوح بين 3% و3.5% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2029 — متجاوزةً هدف الناتو البالغ 2% ومتقدمةً على فرنسا والمملكة المتحدة.[xviii]

ويبدو أن ميرتس قام مؤخرًا بتخفيف القيود الدستورية المفروضة على الاستدانة لتمويل حزمة بقيمة 500 مليار يورو مخصصة للبنية التحتية والدفاع، معتبرًا أن ذلك يمكّن ألمانيا من قيادة عملية تجديد منهجي للأمن الأوروبي دون إثقال كاهل الحلفاء.[xix] ويُصوّر قادة مثل شولتس وميرتس هذه الخطوة باعتبارها مسؤولية تتناسب مع إمكانات ألمانيا، بحيث تتحول القوة الاقتصادية إلى قيادة أمنية، لا إلى مجرد التزام بالانضباط المالي.[xx]

ثالثًا، تبرز مسألة المسؤولية التاريخية المتصوَّرة وتطور الثقافة الاستراتيجية. فاستنادًا إلى الماضي الألماني، يجادل القادة السياسيون المعاصرون بضرورة الانتقال من «الحياد المتردد» إلى «تحديد الإيقاع»، أي إعادة تعريف القوة باعتبارها مسؤولية لا عدوانًا.[xxi] ويشمل ذلك تجاوز «المعتقدات القديمة» بشأن السلام بعد الحرب الباردة، وتبنّي «سردية جيوسياسية قائمة على اعتبارات الأمن». وقد أشار شولتس إلى واجب ألمانيا في تعزيز الحلول متعددة الأطراف ورفض الانعزال، بينما شدد ميرتس على ضرورة إعادة تشكيل التصورات العامة حول استخدام القوة العسكرية باعتبارها أداة للاستقرار. ويتماشى هذا الخطاب مع قيم أوسع مثل الدفاع عن الديمقراطية وحقوق الإنسان والنظام الدولي القائم على القواعد، واضعًا ألمانيا في موقع المدافع عن وحدة أوروبا.[xxii]

ماذا عن تركيا؟

انضمت تركيا إلى حلف شمال الأطلسي (الناتو) عام 1952، وذلك أساسًا لمواجهة التهديدات السوفيتية خلال الحرب الباردة، ولا تزال حتى اليوم حليفًا محوريًا نظرًا لموقعها الجيوسياسي الفريد، وقوتها العسكرية، وإسهاماتها في تحقيق أهداف الحلف.

من حيث الموقع الجغرافي، تمتد تركيا بين أوروبا وآسيا، وتشكل الركيزة الجنوبية الشرقية للناتو، كما تسيطر على مضيقي البوسفور والدردنيل اللذين يربطان البحر الأسود بالبحر المتوسط.[xxiii] وبموجب اتفاقية مونترو لعام 1936، تنظم تركيا حركة الملاحة البحرية عبر هذين الممرين، ما يحد فعليًا من التحركات العسكرية الروسية (وكذلك تحركات الدول غير المطلة على البحر الأسود) — وهو دور ازدادت أهميته في ظل التحركات الروسية في أوكرانيا وتعزيز حضورها في البحر الأسود.[xxiv] كما أن هذا الموقع يضع تركيا على تماس مباشر مع مناطق استراتيجية مثل الشرق الأوسط (سوريا، العراق، إيران)، والقوقاز، وأوروبا، ما يمكّن الناتو من إسقاط نفوذه والتعامل مع التهديدات من جبهات متعددة، بما في ذلك مواجهة استراتيجيات روسيا القائمة على منع الوصول/التحكم بالمناطق (A2/AD).

من ناحية القوة العسكرية، تمتلك تركيا ثاني أكبر جيش نظامي في الناتو، ما يوفر للحلف كتلة عسكرية كبيرة للدفاع عن الحدود الممتدة والحفاظ على العمليات في مناطق قد تفتقر فيها دول أخرى إلى القدرة العددية اللازمة.[xxv]

كما تستضيف تركيا أصولًا حيوية للناتو، من بينها قاعدة إنجرليك الجوية (التي يُعتقد أنها تخزن نحو 50 سلاحًا نوويًا أمريكيًا وتدعم العمليات في الشرق الأوسط)، ومقر قيادة القوات البرية المتحالفة في إزمير، ومنشآت طائرات الإنذار المبكر (أواكس) في قونية، ومحطة رادار في كورجيك ضمن منظومة الدفاع الصاروخي الباليستي التابعة للناتو.[xxvi] وتسهم هذه القدرات في تعزيز سرعة استجابة الحلف وقدرته على الردع في أوروبا والشرق الأوسط ومناطق أخرى.

وقد شاركت تركيا بفاعلية في العديد من عمليات الناتو، بدءًا من إرسال 4,500 جندي إلى الحرب الكورية (وهو ما ساعد في تأمين عضويتها في الحلف)، وصولًا إلى أدوار قيادية في أفغانستان (ضمن بعثتي إيساف والدعم الحازم)، والعراق، والبلقان، ودوريات البحر المتوسط مثل عملية «المسعى النشط».

2
المراجع
[1] NATO. (2026, January 15). A short history of NATO. NATO. https://www.nato.int/en/about-us/nato-history/a-short-history-of-nato [2] Rep. Massie Introduces Bill to Remove the United States from NATO. (2025, December 9). Congressman Thomas Massie. https://massie.house.gov/news/documentsingle.aspx?DocumentID=395782 [3] United States of America. (2025). National Security Strategy of the United States of America (November 2025). The White House. Washington. https://www.whitehouse.gov/wp-content/uploads/2025/12/2025-National-Security-Strategy.pdf [4] Grieger, G. (2025, December). The 2025 US National Security Strategy. European Parliamentary Research Service. https://eprs.in.ep.europa.eu [5] Department of War. (2025). National Defense Strategy [Unclassified document]. U.S. Government. https://media.defense.gov/2026/Jan/23/2003864773/-1/-1/0/2026-NATIONAL-DEFENSE-STRATEGY.PDF [6] See more at: https://www.nato.int/en/about-us/organization/nato-on-the-map [7] Pifer, S. (2024, August). Ukraine’s Long Path toward NATO. American Diplomacy. https://americandiplomacy.web.unc.edu/2024/08/ukraines-long-path-toward-nato [8] Facon, I. (2017). Russia’s national security strategy and military doctrine and their implications for the EU (Policy Department, Directorate-General for External Policies, EP/EXPO/B/SEDE/FWC/2013-08/Lot6/11 EN). European Parliament. https://op.europa.eu/en/publication-detail/-/publication/379ea707-e9dc-11e6-ad7c-01aa75ed71a1/language-en [9] President of the Russian Federation. (2021, July 2). National Security Strategy of the Russian Federation (Decree No. 400). Kremlin. [10] Sliwinski, K. (2025, June 16). Germany – the EU’s challenging leadership in challenging times. World and New World Journal. https://worldandnewworld.com/germany-eu-leadership/ [11] Harsch, M. F. (2025, December 30). From Restraint to Readiness? Germany Considers Conscription. War on the Rocks. https://warontherocks.com/2025/12/from-restraint-to-readiness-germany-considers-conscription/ [12] Kandyuk, O. (2025, October 15). THE END OF STRATEGIC AMBIGUITY? GERMANY’S NEW ROLE IN EUROPEAN SECURITY. Ukraine Analytica. https://ukraine-analytica.org/the-end-of-strategic-ambiguity-germanys-new-role-in-european-security/ [13] Bartenstein, A., & Wessels, W. (2024). German Claims for Leadership: From a Federalist to a Geopolitical Leadership Master Narrative. German Politics, 1–22. https://doi.org/10.1080/09644008.2024.2374371 [14] Cliffe, J., & Puglierin, J. (2025, May 6). From fence-sitter to pace-setter: How Merz’s Germany can lead Europe. European Council on Foreign Relations. https://ecfr.eu/article/from-fence-sitter-to-pace-setter-how-merzs-germany-can-lead-europe/ [15] Bartenstein, A., & Wessels, W. (2024). German Claims for Leadership: From a Federalist to a Geopolitical Leadership Master Narrative. German Politics, 1–22. https://doi.org/10.1080/09644008.2024.2374371 [16] Freytag von Loringhoven, A. (2025, December 16). Germany: Europe’s New Security Leader. Centre for European Policy Analysis. https://cepa.org/article/germany-europes-new-security-leader/ [17] Dempsey, J. (2023, June 22). Judy Asks: Is Germany Getting Serious About Security and Defense? Carnegie Europe. https://carnegieendowment.org/europe/strategic-europe/2023/06/judy-asks-is-germany-getting-serious-about-security-and-defense?lang=en [18] Koenig, N., & Schütte, L. (n.d.). Don’t Dodge Dilemmas Three Tests for German Leadership in European Defense. Munich Security Conference. Retrieved January 23, 2026, from https://securityconference.org/en/publications/analyses/dont-dodge-dilemmas-german-leadership-in-european-defense [19] Fuhrhop, P., & Kempin, R. (2025, December). New ambitions, old constraints: Germany’s role in shaping European defence. Berlin Perspectives, (08). Institut für Europäische Politik. https://www.iep-berlin.de [20] U.S. Department of State. (2024). Integrated Country Strategy: Germany (Approved May 25, 2022; Revised January 30, 2024). [Report]. https://placeholder-url-for-document.org [21] Harsch, M. F. (2025, December 30). From Restraint to Readiness? Germany Considers Conscription. War on the Rocks. https://warontherocks.com/2025/12/from-restraint-to-readiness-germany-considers-conscription/ [22] Weiss, S. (2016, October 1). Germany’s Security Policy. From Territorial Defense to Defending the Liberal World Order? Newpolitik. https://www.bfna.org/politics-society/germanys-security-policy-1ozhaghk6w/ [23] The United States and Türkiye: A Key NATO Ally and Critical Regional Partner. (2023, February 19). U.S. EMBASSY TÜRKİYE. https://tr.usembassy.gov/the-united-states-and-turkiye-a-key-nato-ally-and-critical-regional-partner/ [24] Ellehuus, R. (2019, December 2). Turkey and NATO: A Relationship Worth Saving. Centre for Strategic &International Studies. https://www.csis.org/analysis/turkey-and-nato-relationship-worth-saving [25] Jones, D. (2025, February 20). Turkish army could play key role in Europe’s security. Voice of America. https://www.voanews.com/a/turkish-army-could-play-key-role-in-europe-s-security/7982514.html [26] Turkish Armed Forces. (n.d.). Wikipedia. Retrieved January 24, 2026, from https://en.wikipedia.org/wiki/Turkish_Armed_Forces [27] Lucas, R. (2025, March 18). Turning Towards Turkey: Why NATO Needs to Lean into Its Relationship. RAND. https://www.rand.org/pubs/commentary/2025/03/turning-towards-turkey-why-nato-needs-to-lean-into.html [28] The United States and Türkiye: A Key NATO Ally and Critical Regional Partner. (2023, February 19). U.S. EMBASSY TÜRKİYE. https://tr.usembassy.gov/the-united-states-and-turkiye-a-key-nato-ally-and-critical-regional-partner/ [29] Lucas, R. (2025, March 18). Turning Towards Turkey: Why NATO Needs to Lean into Its Relationship. RAND. https://www.rand.org/pubs/commentary/2025/03/turning-towards-turkey-why-nato-needs-to-lean-into.html [30] Jakes, L., Tankersley, J., & Kanno-Youngs, Z. (2026, January 21). Trump Says He Has Framework for Greenland Deal as NATO Mulls Idea of U.S. Sovereignty Over Bases. The New York Times. https://www.nytimes.com/2026/01/21/us/politics/trump-greenland-threats-diplomacy-force.html?searchResultPosition=2 [31] Greenland and Denmark say sovereignty ‘red line’ after latest Trump remarks. (2026, January 22). Aljazeera. https://www.aljazeera.com/news/2026/1/22/trumps-greenland-pact-will-demand-allies-boost-arctic-security-nato-chief [32] Westfall, S. (2026, January 25). Trump tells one history of Greenland. Historians tell another. The Washington Post. https://www.washingtonpost.com/world/2026/01/25/greenland-deal-trump-history-denmark-europe/ [33] Adler, K. (2026, January 20). Confronted over Greenland, Europe is ditching its softly-softly approach to Trump. BBC. https://www.bbc.com/news/articles/c0lx7j1lrwro [34] Schoen, D. E. (2026, January 26). What Trump’s risking in the row over Greenland. The Hill. https://thehill.com/opinion/international/5703677-trump-greenland-geopolitical-impact/ [35] Joint Statement on Greenland. (2026, January 6). ÉLYSÉE. https://www.elysee.fr/en/emmanuel-macron/2026/01/06/joint-statement-on-greenland [36] See more at: https://www.nato.int/en/about-us/official-texts-and-resources/official-texts/1949/04/04/the-north-atlantic-treaty
First published in: World & New World Journal
Krzysztof Śliwiński

Krzysztof Śliwiński

"الدكتور كريستوف فيليكس سليفينسكي أستاذ مشارك في قسم العلوم السياسية والدراسات الدولية بجامعة هونغ كونغ المعمدانية (بروفيسور كريستوف سليفينسكي)، ويشغل كرسي جان مونيه. حصل على درجة الدكتوراه من معهد العلاقات الدولية بجامعة وارسو عام ٢٠٠٥. ومنذ عام ٢٠٠٨، يعمل في جامعة هونغ كونغ المعمدانية. يُحاضر بانتظام في مجالات التكامل الأوروبي، والأمن الدولي، والعلاقات الدولية، والدراسات العالمية. تشمل اهتماماته البحثية الرئيسية السياسة الخارجية البريطانية واستراتيجية الأمن، والسياسة الخارجية البولندية واستراتيجية الأمن، والدراسات الأمنية والاستراتيجية، وقضايا الأمن التقليدية وغير التقليدية، والذكاء الاصطناعي والعلاقات الدولية، والسياسة الأوروبية والاتحاد الأوروبي، ونظريات التكامل الأوروبي، والجغرافيا السياسية، والتعليم والتعلم."

Leave a Reply