لم يكن المقصود من اتفاقية الولايات المتحدة–المكسيك–كندا (USMCA) أن تكون اتفاقاً تجارياً جامداً. فعندما حلّت محل اتفاقية التجارة الحرة لأميركا الشمالية (NAFTA) في 1 يوليو/تموز 2020، تضمّنت في بنيتها نفسها آلية مراجعة إلزامية بعد ست سنوات، تُجبر أعضائها على إعادة تقييم ليس الاتفاقية وحدها، بل المنطق الأوسع للتكامل في أميركا الشمالية. ولذلك، وعملاً بالمادة 34.7، يتعين على الحكومات الثلاث أن تجتمع في 1 يوليو/تموز 2026 لتقرر ما إذا كانت ستمدد الاتفاقية حتى عام 2042، أو تُبقيها قائمة مع إخضاعها لمراجعات سنوية، أو تتركها تستمر في طريقها نحو الانتهاء في عام 2036.
غير أنه، مع اقتراب هذا التاريخ، فإن الظروف المحيطة بهذا الحدث المهم تطورت في إطار أكثر تعقيداً بكثير مما كان متصوراً عند نشأة الاتفاقية. فما صُمم في الأصل بوصفه محطة إجرائية للمراجعة، تحول الآن إلى نقطة انعطاف جيوسياسية واختبار للتسلسل الهرمي السياسي داخل أميركا الشمالية. ومن الواضح أن هذا التحول في الإدراك له أهميته.
فأميركا الشمالية اليوم تعمل في بيئة عالمية تشكلها التجزئة أكثر مما تشكلها العولمة. إذ يُعاد تنظيم سلاسل الإمداد، وعادت السياسة الصناعية لتظهر من جديد بوصفها أداة مركزية من أدوات قوة الدولة، كما أن التنافس بين الولايات المتحدة والصين غيّر بصورة جذرية الطريقة التي يُفهم بها مفهوم التجارة. وفي هذا السياق، تطورت USMCA من مجرد اتفاق تجاري تقليدي يركز على الرسوم الجمركية أو الوصول إلى الأسواق، إلى إطار للمرونة، والتنسيق الاستراتيجي، وقدرة ثلاثة شركاء غير متكافئين على العمل بوصفهم كتلة اقتصادية متماسكة.
ولذلك، فبدلاً من النظر إليها باعتبارها اتفاقاً تجارياً ضيقاً، من الأفضل فهمها بوصفها بنية قانونية ومؤسسية، تشمل قواعد المنشأ، وإنفاذ معايير العمل، وتنسيق سلاسل الإمداد، وهي البنية التي تسند اقتصاداً قارياً، ولا سيما في القطاعات الأساسية مثل صناعة السيارات، والمعادن الحيوية، والإلكترونيات، واللوجستيات، والطاقة.
وأخيراً، تُظهر مؤشرات مختلفة أن الاتفاقية قد عمّقت التكامل الاقتصادي عبر القارة. فقد رسّخت سلاسل الإمداد، وعززت التدفقات التجارية، ووفرت إطاراً لتسوية النزاعات. لكن خلف هذا الاستقرار الظاهري تكمن مجموعة متنامية من التوترات، وهي ناتجة عن تباين الأولويات الوطنية، والضغوط السياسية الداخلية، والتحولات العالمية. ومن ثم، فإن مراجعة عام 2026 ليست مجرد تقييم روتيني، بل اختبار لما إذا كانت أميركا الشمالية قادرة على الحفاظ على مشروع اقتصادي مشترك في عالم تزداد فيه المنافسة.
النتائج بإيجاز
قبل التعمق في وضع كل دولة على حدة، من الضروري إبراز النتائج التي حققتها اتفاقية الولايات المتحدة–المكسيك–كندا (USMCA) حتى الآن. وتشير دراسة تحليلية مفصلة صادرة عن CSIS إلى ثلاث نتائج أساسية للاتفاقية.
أولاً، التدفقات التجارية الثلاثية الإجمالية، التي بلغت 1.93 تريليون دولار في عام 2024، أي بزيادة قدرها 37% مقارنة بعام 2019.
ثانياً، نمو الوظائف، إذ ارتفع العدد من 13.8 مليون وظيفة في عام 2019 إلى 16.3 مليون وظيفة في عام 2024.
ثالثاً، الاستثمار، حيث ارتفعت تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر من 329 مليار دولار في عام 2019 إلى 380 مليار دولار في عام 2024.
غير أن هذه المكاسب تخفي، تحت السطح، تصاعداً في الاحتكاكات السياسية والتنظيمية.

الشكل 1: تجارة السلع الأميركية مع شركاء النافتا: 1993–2016
المصدر: فياريال، إم. أنخيليس (2017)، اتفاقية التجارة الحرة لأميركا الشمالية (NAFTA)، من congress.gov.
وإضافة إلى ذلك، تركزت التجارة في أميركا الشمالية حول المركبات وقطع الغيار، لتصبح أكثر السلع قيمة، إذ بلغت في عام 2024 نحو 270 مليار دولار. وفي هذا السياق، استوردت الولايات المتحدة من كندا والمكسيك مركبات وقطع غيار سيارات بقيمة 189 مليار دولار، في حين لم تتجاوز صادراتها في هذا القطاع 81 مليار دولار. وإلى جانب المركبات وقطع الغيار، تشمل السلع العشر الأولى الحواسيب ومعدات تكنولوجيا المعلومات، والنفط وأنواع الوقود الأخرى، والآلات، والبنود ذات التصنيف الخاص، والمنتجات البلاستيكية، وأجهزة القياس والاختبار، والحديد والصلب، وأجزاء الطائرات والمركبات الفضائية، والأثاث. ويمكن الرجوع إلى الشكل 3 للاطلاع على معلومات أكثر تفصيلاً.
وتكتسب هذه السلع أهمية كبيرة لأنها تمثل وتضيف تريليونات الدولارات إلى اقتصاد الدول كل عام، ولذلك فإن الترابط بين اقتصادات الدول الثلاث يشكل ركيزة أساسية لهذه البلدان ولمستقبلها. غير أن هذا الترابط يمكن أيضاً أن يضاعف من الهشاشة أمام النزاعات التنظيمية بين الدول المعنية.





