President Donald Trump meets with Argentina’s President Javier Milei at the Gaylord National Resort & Convention Center in Oxon Hill, Maryland, on Saturday, February 22, 2025. (Official White House Photo by Molly Riley). White House, Public domain, via Wikimedia Commons

ما الذي تكسبه الأرجنتين وما الذي تتنازل عنه في اتفاق ترامب؟

لقد وصلت الأرجنتين إلى محطة جديدة في مسار اصطفافها المتجدد مع واشنطن. قبل بضعة أسابيع، قام مسؤولون من البلدين بإبرام ما يُعرف باتفاقية الإطار للتجارة والاستثمار المتبادل (ARTI). وقد جرى الاحتفاء بتوقيع الاتفاق في بوينس آيرس باعتباره انتصاراً للانفتاح الاقتصادي وخطوة حاسمة نحو إعادة اندماج البلاد في الاقتصاد العالمي. غير أن هذه الاتفاقية تتجاوز بكثير كونها مجرد اتفاق تعريفي جمركي بسيط. فمن حيث نطاقها ومتطلباتها، تمثل مثالاً واضحاً لما تسعى إليه الولايات المتحدة حالياً في “نصف كرتها الغربي”، وما هي مستعدة لتقديمه في المقابل.

منذ عودة دونالد ترامب إلى السلطة، شهدت السياسة الخارجية الأمريكية تحولات كبيرة هزّت الساحة الدولية، وعادت أمريكا اللاتينية لتكون مرة أخرى في صلب اهتمام البيت الأبيض. ففي غضون عام واحد فقط، أدت أحداث غير مسبوقة مثل اعتقال نيكولاس مادورو والتوترات مع قادة إقليميين آخرين إلى إطلاق موجة من القلق. إلا أن واشنطن لا تعتمد فقط على المواجهة واستخدام القوة. فالمفاوضات الهادئة والاتفاقيات الدبلوماسية مثل اتفاق ARTI تمثل الوجه الآخر لهذه الاستراتيجية، وهي عنصر أساسي لفهم النظام الجديد الذي يجري تشكيله في الجزء الجنوبي من القارة.

الاتفاق محلّ الدراسة

على الرغم من محدودية المعلومات الرسمية المتاحة حول المعاهدة، ولا تزال الموافقات البرلمانية اللازمة لدخولها حيّز التنفيذ قيد الانتظار، فإن الإرشادات التي نشرتها حكومتا البلدين تتيح تحديد طبيعة ما تم توقيعه. ويولي الوثيقـة التي نشرها مكتب الممثل التجاري للولايات المتحدة (USTR) اهتماماً خاصاً بالشقّ التجاري، حيث تفصّل شروط دخول المنتجات الأرجنتينية إلى السوق الأميركية. وبصورة عامة، لا تُحدث المفاوضات تغييرات كبيرة في تدفق التجارة الحالي بين البلدين، إلا أن هناك فائدة بارزة لأميركا الجنوبية تتمثل في تجارة لحوم الأبقار.

يرفع الاتفاق الحصة السنوية من المستوى الحالي البالغ 20 ألف طن إلى حد أقصى يبلغ 100 ألف طن. وهذه الزيادة، التي تعني مضاعفة القدرة التصديرية خمس مرات، تضمن تدفقاً إضافياً من العملة الصعبة، وهو أمر بالغ الأهمية للأرجنتين في سعيها للوفاء بالتزاماتها تجاه الدائنين الخارجيين وتحقيق الاستقرار المالي.

وإلى جانب القضايا الجمركية البحتة، تحصل الأرجنتين من خلال هذا الاتفاق على صفة “حليف رئيسي من خارج الناتو”. وبعيداً عن الطابع الرمزي لهذه الصفة، فإنها تمنح البلاد حماية مهمة من ما يُعرف بالمادة 232 من قانون توسيع التجارة الأميركي، وهي الآلية القانونية التي يستند إليها الرئيس ترامب لفرض رسوم جمركية تقديرية على خصومه بدعوى الأمن القومي.

بالنسبة لقصر كاسا روسادا، تكمن القيمة الأساسية للاتفاق في إنشاء إطار من اليقين في التجارة الثنائية. فالهدف هو حماية الصادرات الأرجنتينية ومنع خضوعها لرسوم مفاجئة، حتى وإن لم تكن معزولة تماماً عن التوترات بين البيت الأبيض والسلطة القضائية. وبهذا الشكل، يسعى الاتفاق إلى ضمان قدر من الاستقرار يتجاوز التقلبات السياسية الراهنة.

وبعيداً عن التجارة، يتضمن الاتفاق أيضاً التزاماً من واشنطن بدعم مشاريع استثمارية من خلال مؤسسات مالية مثل مؤسسة تمويل التنمية (DFC) وبنك التصدير والاستيراد (EXIM). ومن المهم التوضيح أن هذا الدعم لا يتمثل في تحويلات مالية مباشرة، بل في التزام سياسي بدعم المشاريع في الموارد الاستراتيجية، حيث تبرز صناعة الليثيوم كهدف رئيسي يحظى باهتمام خاص من واشنطن.

وينص الاتفاق على أن هذا الدعم سيتحقق بشرط مشاركة شركات أميركية في هذه المشاريع. وبالنسبة لبوينس آيرس، يمثل هذا الشرط فرصة تضمن إدخال إنتاجها التعديني مباشرة في سلسلة التوريد الأميركية، مما يوفر مشترياً رئيسياً واستقراراً للصادرات. إلا أنه في المقابل يضع حدوداً لما يمكن للأرجنتين التفاوض عليه مع أطراف أخرى مهتمة بمواردها.

قيود الاصطفاف: ثمن التماهي

في هذه النقطة تحديداً تكشف اتفاقية ARTI عن بعدها السياسي الأكثر وضوحاً، من خلال القيود والشروط المفروضة على الأرجنتين. فهذه القيود تتماشى مع الهدف المركزي للبيت الأبيض في المنطقة، والمتمثل في تقليص نفوذ الصين داخل نصف الكرة الغربي. وتشير بنود الاتفاق إلى مجموعة من الالتزامات والقيود التي يتعين على الشركاء الإقليميين قبولها مقابل الحصول على وصول تفضيلي إلى السوق الأميركية.

ومن أبرز هذه البنود التزام الأرجنتين باستخدام موردين من “دول موثوقة” فقط في القطاعات الحيوية. ويذكر الاتفاق صراحة قطاعي التكنولوجيا النووية والاتصالات، وهو ما يعني عملياً استبعاد إمكانية الحصول على مفاعلات نووية صينية أو استخدام تكنولوجيا الجيل الخامس الصينية. وفي الوقت نفسه، يتضمن الاتفاق ما يُعرف بـ”بند المرآة” في ما يتعلق بالعقوبات، حيث يتوجب على بوينس آيرس تطبيق إجراءات تقييدية مماثلة لتلك التي تعتمدها واشنطن، فضلاً عن بذل أقصى جهد لضمان عدم التفاف الشركات العاملة داخل الأرجنتين على القواعد الأميركية للوصول إلى السوق الأميركية، وهو ما تؤكده نصوص الاتفاق التي تنص على تبني إجراءات مماثلة لحماية الأمن الاقتصادي أو القومي الأميركي .

ولا يقتصر التحكم على ذلك، بل يمتد أيضاً إلى تدفقات رأس المال الأجنبي. إذ تلتزم الأرجنتين بإبلاغ الولايات المتحدة بالاستثمارات القادمة لتقييم مخاطرها على الأمن القومي، كما تُطالب بمواجهة ممارسات الشركات المملوكة للدول الأخرى، في إشارة واضحة إلى الشركات الصينية. وبهذا، تحصل الأرجنتين على التكنولوجيا والتمويل الأميركيين مقابل الحد من الاستثمارات الصينية في القطاعات التي تعتبرها واشنطن حساسة.

استراتيجية الكماشة ونهاية الغموض

هذا النظام من الحوافز والقيود الذي تجسده اتفاقية ARTI لا يمثل حدثاً معزولاً، بل يشكل جزءاً أساسياً من الاستراتيجية الأمنية القومية الجديدة للولايات المتحدة. فالوثائق الرسمية تؤكد أن نصف الكرة الغربي أصبح أولوية، وأن وجود قوى خارجية فيه لم يعد مقبولاً.

وفي هذا السياق، تعتمد واشنطن استراتيجية “الكمّاشة” في تعاملها مع المنطقة. فمن جهة، تستخدم أدوات الدبلوماسية التجارية، كما في اتفاقية ARTI، لتقديم مكافآت للدول المتحالفة عبر فتح الأسواق وتوفير التمويل. ومن جهة أخرى، تلجأ إلى أدوات الضغط أو القوة في المناطق التي تعتبرها تهديداً مباشراً لمصالحها.

وتعكس التطورات الأخيرة في المنطقة هذا النهج بوضوح، حيث تُظهر الإجراءات الصارمة أن المصالح الاستراتيجية للولايات المتحدة تتقدم على الاعتبارات الدبلوماسية التقليدية. ولم يعد مقبولاً، وفق هذا المنطق، أن تستفيد دول المنطقة من المظلة الأمنية الأميركية مع استمرار علاقاتها الاقتصادية الوثيقة مع الصين.

وبذلك، لم تعد السياسة التجارية الأميركية قائمة على مبادئ التجارة الحرة بقدر ما أصبحت أداة من أدوات الأمن القومي: مزايا للحلفاء، وعزلة للآخرين. وقد دخلت الأرجنتين طوعاً في هذا الإطار، لكن الثمن كان التخلي عن جزء من استقلالها في تنويع شراكاتها الدولية.

لقد أدركت الولايات المتحدة تصاعد النفوذ الصيني في “مجالها الحيوي”، وتسعى إلى احتوائه عبر هذه الاستراتيجية المزدوجة: إما الاصطفاف الاقتصادي المشروط، أو مواجهة ضغوط أشد. وهكذا، تجد دول الجنوب نفسها أمام خيار حاسم، حيث سيعتمد مستقبلها على قدرتها على تحديد موقعها في علاقتها مع واشنطن قبل أن تُحكم هذه الكماشة إغلاقها بالكامل.

First published in: Latinoamérica21 (L21) Original Source
Facundo Fredes

Facundo Fredes

حاصل على درجة البكالوريوس في الاقتصاد (جامعة رينو) مع دراسات عليا في الجغرافيا السياسية (جامعة نويفو ليون). يتابع حاليًا تخصصًا في الهيكل الاقتصادي الأرجنتيني (جامعة داف).

اترك رد