كانت الزيارة الأخيرة التي قامت بها رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي إلى الهند أول زيارة رسمية لها منذ توليها منصبها، كما كانت ثاني لقاء مباشر لها مع رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي. وتأتي هذه الزيارة في إطار استمرار الجهود المشتركة الرامية إلى تعزيز الشراكة الاستراتيجية والخاصة والعالمية بين الهند واليابان، والتي شكلت الإطار لانعقاد القمة السنوية اليابانية-الهندية. وأظهرت القمة تنامي الشراكة بين البلدين بما يتجاوز التعاون الاقتصادي، لتشمل تعاوناً قائماً على قضايا محددة في مجالات الأمن البحري، وقابلية التشغيل البيني الدفاعي، والقدرة على الصمود في مجال الطاقة.
وجاءت القمة في ظل استمرار الضغوط الأمنية الإقليمية في بحر الصين الجنوبي، مع تكرار ممارسات الصين القسرية، إلى جانب الاضطرابات التي شهدتها إمدادات الطاقة العالمية بسبب أزمة الطاقة في غرب آسيا. كما يوفر إطلاق هيكل جديد للمراقبة البحرية في منطقة المحيطين الهندي والهادئ خلال الاجتماعات الأخيرة لوزراء خارجية دول الحوار الأمني الرباعي “كواد” توجهاً جديداً للأمن الإقليمي، من خلال إرساء آليات عملية للتعاون بين الدول المتقاربة في الرؤى. وفي هذا السياق الأوسع، تكتسب القمة الهندية-اليابانية أهمية خاصة في تطوير حلول مشتركة عبر الشراكة في ثلاثة مجالات مترابطة داخل منطقة المحيطين الهندي والهادئ التي تشهد تنافساً متزايداً: هيكل الأمن البحري، والتعاون الدفاعي، وشبكة سلاسل إمداد قادرة على الصمود في قطاع الطاقة.
الركائز الأساسية لبناء الهيكل البحري
يتألف مجال الأمن البحري في منطقة المحيطين الهندي والهادئ من مؤسسات مثل منتدى الآسيان الإقليمي ورابطة الدول المطلة على المحيط الهندي، إلا أن قدرتها على تنسيق الجوانب السياسية والعملية للحوكمة البحرية لا تزال محدودة. ولا تحتاج منطقة المحيطين الهندي والهادئ إلى المزيد من الآليات الإقليمية بقدر ما تحتاج إلى استجابة منسقة من الدول المتقاربة في الرؤى لمواجهة أي محاولات أحادية الجانب لتغيير الوضع القائم في المنطقة. وهذا هو الأساس الذي تقوم عليه مبادرة التعاون في المراقبة البحرية لمنطقة المحيطين الهندي والهادئ (IPMSC)، حيث يعتمد تبادل المعلومات على إطار مراقبة منسق عبر خطوط الاتصال البحرية، بما يضمن استدامة قابلية التشغيل البيني بين دول كواد. كما يتماشى ذلك مع نهج التعاون القائم على قضايا محددة، بما يدعم فعالية سياسات المراقبة الهادفة إلى تأمين المجال البحري في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.
وفي حين تمنح هذه المبادرات الهند واليابان قدرات متكاملة، فإن تنفيذ سياساتهما يظل جهداً تعاونياً. فمن خلال إطارَي الأمن والنمو للجميع في المنطقة (SAGAR) والتقدم المتبادل والشامل من أجل الأمن والنمو عبر المناطق (MAHASAGAR)، وسعت الهند على مدى عقد من الزمن إطارها المعياري، بما أتاح لها تعزيز حضورها المؤسسي في أنحاء المحيط الهندي. ويكمل ذلك مركز الأمن البحري الإقليمي، مركز دمج المعلومات لمنطقة المحيط الهندي (IFC-IOR)، الذي أسسته الهند ويدعم بالفعل الوعي بالمجال البحري. وفي إطار تعزيز الأمن متعدد الأطراف، قامت اليابان أيضاً بإضفاء طابع مؤسسي على الوعي بالمجال البحري من خلال نشر ضباط ارتباط في مركز IFC-IOR. وبالمثل، فإن خبرة اليابان في تقنيات المراقبة المتقدمة، مثل الوعي بالمجال البحري المدعوم بالأقمار الصناعية من خلال القمر ALOS-4 أو Daichi-4، تعزز قدرتها على مراقبة السفن بغض النظر عن الظروف الجوية. إلا أن تحويل التصور المشترك للتهديد إلى ردع موثوق في مواجهة الموقف الصيني المتزايد حزماً في المحيط الهندي يتطلب بناء قابلية تشغيل دفاعية متبادلة إلى جانب الوعي البحري، بما يساهم في الحفاظ على نظام إقليمي قائم على القواعد.
سد الفجوة الدفاعية
لا تكفي المراقبة البحرية وحدها من دون تنسيق فعال بين قطاعي الدفاع في البلدين. فالشراكة بين الهند واليابان متطورة في مجالات المناورات البحرية والحوارات الدفاعية، لكن لا تزال هناك فجوة في التعاون الصناعي الدفاعي الذي يدعم قابلية التشغيل البيني البحري. ومنذ توليها منصبها، اتجهت تاكايتشي إلى تعزيز البصمة الدفاعية اليابانية وترسيخها. ومن خلال اتفاقيات الوصول المتبادل مع دول مجاورة مثل أستراليا والفلبين، تسعى اليابان إلى الاضطلاع بدور عملياتي أكثر نشاطاً في المنطقة. ومن نشر قوات الدفاع الذاتي اليابانية في سلسلة الجزر الأولى إلى تحديث إطارها الخاص بمنطقة حرة ومفتوحة في المحيطين الهندي والهادئ، تجاوزت اليابان دورها السابق كمراقب أمني سلبي في المجال البحري.
وأكدت القمة الهندية-اليابانية مجدداً أهمية الحوار الدوري بصيغة 2+2 بين وزراء الدفاع والخارجية، وهو ما عزز إضفاء الطابع المؤسسي على تنسيق السياسات الدفاعية. وينعكس ذلك أيضاً في تطور التعاون الصناعي الدفاعي بين الهند واليابان، بما في ذلك تعزيز اتصالات السفن الحربية الهندية، من خلال أول مشروع مشترك لتطوير معدات دفاعية، وهو مشروع الهوائي اللاسلكي المركب الموحد (UNICORN). ويمثل ذلك تحولاً في التعاون الدفاعي من مجرد الشراء إلى التطوير المشترك. كما أن القواعد البحرية الهندية الممتدة على طول الدول الساحلية من سابانغ إلى الدقم، إلى جانب دبلوماسية زيارات الموانئ القائمة على بناء حسن النية، وفرت لليابان نفوذاً عملياتياً من خلال اتفاقية الاستحواذ والخدمات المتبادلة بين الهند واليابان (ACSA)، وساعدتها في تأمين المرتكز الغربي الذي كانت تفتقر إليه. ويعكس ذلك أيضاً تقارباً في نقاط القوة المتكاملة لبناء جاهزية دفاعية أكثر فاعلية. إلا أن الحفاظ على قدرة دفاعية مستدامة يتطلب شبكة مستقرة لإمدادات الطاقة تدعم الصمود العملياتي البحري في مياه المحيطين الهندي والهادئ التي تشهد تنافساً متزايداً.
نحو تعزيز القدرة على الصمود في مجال الطاقة
أثارت التداعيات المتسلسلة لصدمات الطاقة القادمة من غرب آسيا مخاوف بشأن هشاشة شبكة سلاسل إمداد الطاقة وتأثيرها المحتمل في التجارة البحرية. وتُعد طوكيو من كبار مستوردي الطاقة، ولا سيما النفط الخام والغاز الطبيعي المسال، خصوصاً بعد كارثة فوكوشيما والتحول من الاعتماد على الطاقة النووية إلى الوقود الأحفوري، وهو ما يبرز محدودية موارد الطاقة المحلية لديها. ولذلك، فإن أي اضطراب في مصادر الطاقة يرتبط بصورة مباشرة بالاقتصاد الياباني. وفي مواجهة هذه التحديات، تعمل اليابان على إعادة موازنة محفظة الطاقة لديها من خلال تنويع الموردين والاستثمارات الاستراتيجية.
وقد أبرمت شركة JERA، أكبر شركة لتوليد الطاقة في اليابان، اتفاقاً استثمارياً طويل الأجل لمدة 20 عاماً مع الولايات المتحدة لشراء الغاز الطبيعي المسال، مع الحفاظ في الوقت نفسه على ترتيباتها مع قطر للطاقة رغم العقبات المرتبطة بالحرب والتي تؤثر في قطاع الطاقة. ويؤكد ذلك استراتيجية اليابان لتنويع الموردين، وهي الاستراتيجية التي ظهرت أيضاً في البيان المشترك بشأن القدرة على الصمود في مجال الطاقة، والذي يهدف إلى تحسين جاهزية المخزونات واحتياطيات النفط الخام للحد من آثار أي اضطرابات مستقبلية. وإدراكاً لمستقبل التحول في قطاع الطاقة، جددت الهند واليابان تأكيد الحاجة إلى تعزيز التعاون المتقدم في مجال الطاقة النظيفة واستكشاف المعادن الحرجة من أجل دعم أنظمة الطاقة المتجددة. وبالمثل، ساهم برنامج الحوافز المرتبطة بالإنتاج في الهند لتصنيع الطاقة الشمسية، إلى جانب طموحها لأن تصبح منتجاً ومصدراً للهيدروجين الأخضر، في ترسيخ موقعها كركيزة داعمة للابتكار الصناعي والتكنولوجي الياباني، بما يعزز قدرة منطقة المحيطين الهندي والهادئ على الصمود في مجال الطاقة.
إن التنافس في منطقة المحيطين الهندي والهادئ أصبح واقعاً لا مفر منه بالنسبة إلى دول إقليمية مثل اليابان والهند، والتعامل مع هذا التعقيد يتطلب الحفاظ على نظام بحري آمن ومستقر. ويشير تطور الشراكة بين البلدين من التجارة والمساعدات التقليدية إلى تقارب في رؤيتهما لمنطقة المحيطين الهندي والهادئ إلى اصطفاف جيوسياسي أعمق لصالح منطقة حرة ومفتوحة.
وفي حين يعمل الحوار الوزاري بصيغة 2+2 على إضفاء الطابع المؤسسي على التنسيق في مستوى قابلية التشغيل البيني البحري، لا تزال هناك عدة تحديات هيكلية. وقد ساهمت القمة في ربط بعض جوانب الأمن البحري والدفاع والقدرة على الصمود في مجال الطاقة ضمن شراكة تركز على معالجة مواطن الضعف المشتركة.
غير أن المعيار الحقيقي لنجاح الشراكة الهندية-اليابانية يتجاوز مجرد توقيع مذكرات التفاهم. فالديمقراطيتان تظلان ملتزمتين بالضرورة المشتركة المتمثلة في بناء منطقة أكثر قدرة على الصمود في المحيطين الهندي والهادئ، مع العمل في الوقت نفسه على تطوير أجندة استراتيجية متجددة تستند إلى شبكة إقليمية للمرونة والصمود.
