Close up of Canada, United States and Mexico flags on North America map. Source: Shutterstock

أميركا الشمالية تدخل عصرًا من (عدم) اليقين (غير) المُدار

أصبح قرار الولايات المتحدة عدم اللجوء إلى التجديد التلقائي لمدة ١٦ عامًا لاتفاقية التجارة بين المكسيك والولايات المتحدة وكندا «T-MEC»، المعروفة بالإنجليزية باسم «USMCA»، واحدًا من أكثر الأحداث الاقتصادية تداولًا خلال الأسابيع الأخيرة. وقد خلقت العناوين الإعلامية انطباعًا بأن اتفاقية التجارة الحرة في أميركا الشمالية تقف فعليًا على شفا الانهيار، وربما يدفعك الاطلاع عليها إلى ترديد أغنية فرقة «Europe» القديمة The Final Countdown.

لكن الواقع مختلف. فالأمر لا يتعلق بنهاية الاتفاقية، بل ببدء آلية مختلفة تقوم على مراجعات سنوية على مدى السنوات العشر المقبلة.

وفي الوقت نفسه، تظل اتفاقية «T-MEC» سارية المفعول، وتستمر التجارة الحرة بين الدول الثلاث، كما يظل النظام التفضيلي وقواعد المنشأ قائمين. غير أن طبيعة الاتفاقية نفسها آخذة في التغير. ففي حين كانت الشركات تنظر إليها سابقًا بوصفها إطارًا مستقرًا نسبيًا وطويل الأجل، أصبح عدم اليقين اليوم من أبرز سماتها، فيما يتحول التكامل في أميركا الشمالية إلى مساحة لمفاوضات سياسية دائمة ومرهقة وضغوط تتجدد سنويًا.

لمحة تاريخية

دخلت اتفاقية التجارة الحرة لأميركا الشمالية «نافتا»، المعروفة بالإسبانية باسم Tratado de Libre Comercio de América del Norte أو «TLCAN»، حيز التنفيذ عام ١٩٩٤، وظلت من دون تغييرات جوهرية تقريبًا لأكثر من ربع قرن.

وخلال تلك الفترة، شهد الاقتصاد العالمي عولمة الإنتاج وسلاسل الإمداد، والنمو الاقتصادي غير المسبوق للصين، وتطور التجارة الإلكترونية، والتحول التكنولوجي في القطاع الصناعي.

ومع مرور الوقت، لم تعد اتفاقية «TLCAN» بصيغتها الأصلية تعكس الواقع الاقتصادي الجديد بصورة كافية.

وكان دونالد ترامب قد تبنى هذه الحجة تحديدًا خلال حملته الرئاسية الأولى عام ٢٠١٦، عندما وصف الاتفاقية بأنها «أسوأ صفقة» بالنسبة إلى الولايات المتحدة.

واتهم المكسيك وكندا بالحصول على فوائد غير متناسبة من الاتفاقية. ومن وجهة نظره، استغلت الدولتان الاتفاق لتحقيق مكاسب على حساب الصناعة الأميركية، ولذلك كان ينبغي للولايات المتحدة الانسحاب منه.

وأصبحت هذه الحجة أحد الشعارات الرئيسية لحملة ترامب الانتخابية، وأسهمت في حشد شريحة من الناخبين.

وكان تهديد الولايات المتحدة بالانسحاب من اتفاقية التجارة الحرة لأميركا الشمالية جديًا إلى حد كبير في ذلك الوقت.

فقد سبق لدونالد ترامب أن أظهر استعداده لتقويض الهياكل التجارية الدولية عندما سحب الولايات المتحدة من اتفاق الشراكة عبر المحيط الهادئ.

وفي نهاية المطاف، اضطرت المكسيك وكندا إلى الموافقة على إعادة التفاوض بشأن الاتفاقية، وهو ما أدى إلى إنشاء اتفاقية «T-MEC».

وفي ذلك الوقت أُدرج في نص الاتفاق الجديد ما يُعرف بـ«بند الغروب»، أي آلية المراجعة الدورية للاتفاقية.

وكانت واشنطن تصر في البداية على أن تنتهي اتفاقية «T-MEC» تلقائيًا كل خمس سنوات. وكان ذلك سيجعل التخطيط طويل الأجل شبه مستحيل بالنسبة إلى الشركات.

لكن مكسيكو سيتي وأوتاوا تمكنتا من انتزاع حل وسط من الولايات المتحدة: بدلًا من انتهاء الاتفاقية تلقائيًا، تخضع لآلية تقييم منتظم لمدى تنفيذها.

ومن الناحية الرسمية، لم يكن النقاش إذن يدور حول بدء المفاوضات من الصفر في كل مرة، بل حول مراجعة آليات التنفيذ المختلفة وتعديلها عند الحاجة.

وبدأت مفاوضات اتفاقية «T-MEC» عام ٢٠١٧ وانتهت في أواخر عام ٢٠١٨، إلا أن الاتفاقية المحدَّثة لم تدخل حيز التنفيذ إلا عام ٢٠٢٠.

ومع عودة دونالد ترامب إلى الرئاسة عام ٢٠٢٥، بدأ المنطق السياسي مرة أخرى يطغى على المنطق القانوني، ما أدى إلى تعقيد التعاون بين أطراف الاتفاقية بدرجة كبيرة.

اربطوا أحزمة الأمان: ندخل منطقة اضطرابات

توفر اتفاقية «T-MEC» في جوهرها مسارين محتملين: إما أن تمدد الأطراف الاتفاقية تلقائيًا لمدة ١٦ عامًا، أو أن تنتقل إلى مراجعات سنوية خلال العقد التالي.

وقد اختارت واشنطن المسار الثاني.

ورغم أن الشريكين كانا يتوقعان أن تشير الولايات المتحدة مسبقًا إلى عدم نيتها تجديد الاتفاقية تلقائيًا، في ضوء ادعاءات البيت الأبيض بأن المكسيك وكندا انتهكتا عددًا من التزاماتهما، فإن القرار جاء مع ذلك مفاجأة غير سارة للدول المشاركة.

ومن أبرز الأمثلة على المطالب الأميركية تجاه المكسيك النزاع بشأن الذرة المعدلة وراثيًا.

ففي عامي ٢٠٢٣ و٢٠٢٤، طعنت الولايات المتحدة في مرسوم مكسيكي يفرض قيودًا على استخدام هذا المحصول.

وفي ديسمبر ٢٠٢٤، حكمت هيئة التحكيم التابعة لاتفاقية «T-MEC» بالكامل لصالح الموقف الأميركي، وخلصت إلى أن الإجراءات المكسيكية لم تستند إلى تقييم علمي للمخاطر، وأنها لا تتوافق مع التزامات المكسيك بموجب الاتفاقية.

أما فيما يتعلق بكندا، فجادلت واشنطن بأن طريقة توزيع الحصص الجمركية على واردات منتجات الألبان حرمت المنتجين الأميركيين من مستوى الوصول إلى السوق الكندية الذي كان قد وُعدوا به.

ومع ذلك، يظل هذا القرار جزءًا من الآلية القانونية التي أنشأتها الاتفاقية نفسها.

فالمادة ٣٤.٧ من اتفاقية «T-MEC» تنص على أن الاتفاقية تظل سارية لمدة ١٦ عامًا من تاريخ دخولها حيز التنفيذ، أي من ٢٠٢٠ إلى ٢٠٣٦، ما لم تتفق الأطراف على تمديدها أو تعديلها.

وتُجرى مراجعة مشتركة بعد ست سنوات من دخول الاتفاقية حيز التنفيذ.

وخلال هذه العملية، يتعين على كل دولة أن تحدد ما إذا كانت ترغب في تمديد الاتفاقية لمدة ١٦ عامًا إضافية.

وإذا وافقت الدول الثلاث، تبدأ فترة جديدة مدتها ١٦ عامًا تلقائيًا اعتبارًا من تاريخ اكتمال المراجعة التي تُجرى بعد ست سنوات.

أما إذا رفض طرف واحد على الأقل التمديد، فلا تنتهي الاتفاقية فورًا.

وبدلًا من ذلك، تبدأ اللجنة المشتركة بعقد اجتماعات سنوية لتقييم تنفيذ الاتفاقية، ومناقشة اعتراضات الأطراف، وتحديد التغييرات التي يمكن أن تساعد على إبقائها سارية.

كما تظل أمام الأطراف إمكانية الاتفاق على تمديد «T-MEC» في أي اجتماع سنوي لاحق.

وإذا لم يتم التوصل إلى توافق، تظل الاتفاقية سارية حتى انتهاء فترة السنوات الست عشرة الأصلية.

وعليه، فإن المراجعة السنوية ليست آلية تلقائية لإنهاء الاتفاقية، بل نظامًا للرقابة المستمرة.

غير أن الشركات تدرك جيدًا النقطة التي ينتهي عندها الاستقرار القانوني وتبدأ التعقيدات البيروقراطية وحالة عدم اليقين السياسي، وهو أمر بالغ الأهمية بالنسبة إليها.

فحتى إذا ظلت الامتيازات الجمركية قائمة رسميًا، سيظل المستثمرون مضطرين إلى متابعة كل اجتماع للجنة، وأخذ احتمال تعديل بعض أحكام الاتفاقية في الحسبان.

ومن المرجح أن تتمثل أكثر القضايا حساسية في قواعد المنشأ، ومعايير العمل، وآليات تسوية النزاعات التجارية.

فالشركات لا تحتاج إلى نظام معفى من الرسوم الجمركية فحسب، بل تحتاج أيضًا إلى القدرة على معرفة نسبة المكونات التي يجب تصنيعها في أميركا الشمالية مسبقًا، والوثائق المطلوبة لإثبات منشئها، والتكاليف التي قد تنشأ إذا تغيرت المتطلبات.

ويشكل ذلك تحديًا خاصًا للصناعات التي تمتد عمليات إنتاجها عبر عدة دول، ولا سيما صناعتا السيارات والإلكترونيات، حيث تعبر المكونات حدود الدول الأعضاء في الاتفاقية مرات متعددة.

ومن هذه الزاوية، تتجاوز أهمية «T-MEC» كونها مجرد اتفاقية جمركية.

فالوثيقة تنظم جزءًا كبيرًا من العلاقات الاقتصادية بين الدول الثلاث، بدءًا من التجارة الرقمية والخدمات المالية، وصولًا إلى الالتزامات العمالية والمعايير البيئية.

ولذلك، يمكن لأي تعديل في أحكامها أن يؤثر ليس فقط في المصدرين، بل أيضًا في القرارات المتعلقة بمواقع إنشاء المنشآت الإنتاجية الجديدة.

وكما يوضح النص الرسمي لاتفاقية «T-MEC»، أُدرجت آلية المراجعة بهدف الحفاظ على مواكبة الاتفاقية للتطورات، وليس باعتبارها أداة لإعادة النظر سنويًا في جميع أحكامها.

غير أن الممارسة السياسية قد تمنح هذه الآلية معنى مختلفًا.

فإذا بدأ أحد الأطراف في استخدام اجتماعات اللجنة لطرح مطالب لا ترتبط بصورة مباشرة بتنفيذ الاتفاقية، فسوف تتحول المراجعة الفنية سريعًا إلى أداة للضغط.

ولهذا السبب، لا تكتسب المفاوضات التي بدأت في ٢٠ يوليو أهميتها من التنازلات المحددة المطروحة فقط، بل أيضًا من كونها ستحدد حدود التأثير السياسي المقبول على النظام التجاري.

وعلى نطاق أوسع، يعكس قرار الولايات المتحدة عدم تمديد «T-MEC» تلقائيًا فلسفة جديدة في السياسة التجارية الأميركية في عهد دونالد ترامب.

إذ يُراد للضغط المستمر أن يتحول إلى أداة متكاملة للسيطرة على الشركاء، بينما يُنظر إلى التجارة بدرجة أقل باعتبارها نشاطًا اقتصاديًا محايدًا، وبدرجة أكبر بوصفها أداة للسياسة الصناعية والمنافسة التكنولوجية والمواجهة الجيوسياسية.

أما بالنسبة إلى الشركات، فيكمن التحدي في تغير قواعد اللعبة وتزايد حالة عدم اليقين.

فالمشروعات الاستثمارية الكبرى في قطاعات التصنيع والسيارات والطاقة والتكنولوجيا المتقدمة تُخطط عادة قبل ١٥ إلى ٢٠ عامًا.

ويتطلب بناء المصانع، وتنظيم سلاسل الإمداد، وتوظيف العاملين، وتوطين الإنتاج، مستوى مرتفعًا من القدرة على التنبؤ على المدى الطويل.

وعندما تخضع الاتفاقية للمراجعة سنويًا، يصبح المستثمرون مضطرين إلى أخذ خطر التغير المستمر في شروط التجارة في الحسبان.

ومع ذلك، لم يرصد الخبراء حتى الآن نزوحًا واسع النطاق للاستثمارات من المكسيك.

وعلى العكس، لا يزال الاستثمار الأجنبي المباشر في ارتفاع.

كما كان رد فعل الأسواق هادئًا تجاه القرار الأميركي، إذ لم تُظهر أسواق العملات أو الأسهم مستويات ملحوظة من القلق.

لكن المشكلة تكمن في موضع آخر.

فعدم اليقين لن يدمر الاقتصاد فورًا بطبيعة الحال، لكنه قد يحد بمرور الوقت بصورة كبيرة من إمكانات النمو طويل الأجل.

وقد تصبح الشركات أكثر حذرًا، وتتأجل قرارات الاستثمار، ويبدأ قطاع الأعمال في التعامل مع المخاطر السياسية بوصفها عاملًا دائمًا.

وبذلك، يمكن أن تتحول حالة عدم اليقين نفسها إلى أداة من أدوات السياسة الاقتصادية.

الرسوم الجمركية، والمزيد من الرسوم، والاعتماد المتبادل، والعامل الصيني

من المفارقات أن الضغوط التي مارستها واشنطن هي التي عززت في نهاية المطاف الأهمية العملية لاتفاقية «T-MEC» بالنسبة إلى الدول الأخرى المشاركة فيها.

فبعد أن فرضت الولايات المتحدة رسومًا جمركية أحادية الجانب، اضطرت شركات كثيرة إلى الالتزام بصورة أكثر صرامة بقواعد الاتفاقية، إذ أصبح تنظيم الشحنات بموجب «USMCA» والتقيد الدقيق بآلياتها أكثر جدوى من حيث التكلفة، بل أصبح في حالات كثيرة السبيل الوحيد للحفاظ على المعاملة التفضيلية.

وفي عام ٢٠٢٤، استخدمت المكسيك وكندا الامتيازات التي توفرها اتفاقية «T-MEC» في أقل من نصف تجارتهما. أما اليوم، فتشير تقديرات صندوق النقد الدولي إلى أن معدل الاستفادة من الاتفاقية تجاوز ٨٠ في المئة.

وأصبحت الرسوم الجمركية جزءًا من الاستراتيجية الصناعية الأميركية.

ففرض الرسوم خارج إطار «T-MEC» جعل الالتزام بأحكام الاتفاقية أكثر ربحية للشركات، بينما أثبت البديل أنه أعلى تكلفة بكثير.

ويقوم منطق إدارة ترامب على فكرة بسيطة: إذا كانت هناك اتفاقية تجارية، فعلى الشركاء الالتزام الصارم بأحكامها ومتطلبات الإنتاج الواردة فيها.

ويتعلق ذلك بصورة رئيسية بقواعد المنشأ. إذ تسعى واشنطن إلى زيادة توطين التصنيع داخل أميركا الشمالية، وهو ما يشكل بدوره جزءًا من الاستراتيجية الصناعية الأوسع للبيت الأبيض.

وكانت الرسوم المفروضة بموجب المادة ٢٣٢ من القانون الأميركي مرهقة بصورة خاصة لقطاعات السيارات والصلب والمعدات الثقيلة وصناعة الشاحنات.

وتتعرض هذه الصناعات حاليًا لأكبر قدر من الضغط.

وبدأت الصادرات المكسيكية من السيارات والمنتجات المعدنية إلى الولايات المتحدة بالتراجع بالفعل.

وكما أشار وزير الاقتصاد المكسيكي مارسيلو إبرارد، تركز المفاوضات مع الولايات المتحدة بصورة رئيسية على خفض الرسوم المفروضة على السيارات والصلب والألومنيوم، نظرًا إلى أن إلغاءها بالكامل يبدو غير مرجح في الظروف الراهنة.

ويتمثل الهدف الأساسي للمكسيك في تحقيق أكبر خفض ممكن في الرسوم الحالية.

ورغم التشدد السياسي الذي تبديه واشنطن، يبقى إنهاء الاتفاقية احتمالًا غير مرجح.

ويرجع ذلك إلى عمق التكامل بين اقتصادات أميركا الشمالية.

فقد أصبحت المكسيك بالفعل أكبر شريك تجاري للولايات المتحدة، متجاوزة الصين وكندا.

كما تنفذ الولايات المتحدة استراتيجية واسعة النطاق لتطوير مراكز البيانات، وصناعة أشباه الموصلات، وموارد المعادن الحيوية.

وفي هذه المجالات، تحتفظ المكسيك بميزة تنافسية رغم حالة عدم اليقين العامة.

إضافة إلى ذلك، ترتبط الصادرات المكسيكية ارتباطًا وثيقًا بالإنتاج الأميركي.

ووفقًا للخبير الاقتصادي في كلية دارتموث ألونسو دي غورتاري، تمثل القيمة المضافة الأميركية في المتوسط نحو ٣٠ سنتًا من كل دولار من الصادرات الصناعية المكسيكية إلى الولايات المتحدة، سواء في صورة مكونات أو تقنيات أو مواد أو خدمات.

وفي صناعة السيارات، تصل هذه النسبة إلى نحو ٤٠ سنتًا لكل دولار من الصادرات.

أما الصادرات الصينية إلى الولايات المتحدة، فلا تكاد تحتوي على أي قيمة مضافة أميركية.

وهذا يعني أن تعطيل سلاسل الإنتاج في أميركا الشمالية لن يضر المكسيك وحدها، بل سيضر الولايات المتحدة نفسها أيضًا.

وتدرك الشركات الأميركية هذا الاعتماد جيدًا.

ولهذا السبب، لا تزال هناك قيود مؤسسية على سلطة الرئيس داخل الولايات المتحدة.

فالعديد من الإجراءات التجارية تتطلب التشاور مع قطاعات الأعمال، إلى جانب النقاش والموافقة داخل الكونغرس، كما أن للاقتصاد الأميركي مصلحة قوية في الحفاظ على التكامل مع المكسيك وكندا.

وفي جوانب كثيرة، يرتبط التحول الحالي في اتفاقية «T-MEC» بدرجة أقل بإعادة تقييم فوائد الاتفاق التجاري نفسه، وبدرجة أكبر بالتنافس العالمي بين الولايات المتحدة والصين.

فواشنطن تنظر بصورة متزايدة إلى أميركا الشمالية باعتبارها منصة صناعية موحدة قادرة على منافسة الصناعة الصينية، ولا سيما في مجالات البنية التحتية الحيوية.

وفي الوقت نفسه، لا تسعى إدارة ترامب إلى تغيير نموذج التكامل في أميركا الشمالية نفسه، بل إلى تعديل القواعد التي تحدد كيفية توزيع مكاسبه.

ولهذا الغرض، تستخدم الرسوم الجمركية، والتهديد بإعادة التفاوض بشأن الاتفاقية، وغيرها من أدوات الضغط السياسي والاقتصادي، لإجبار شركائها على الامتثال الدقيق للمتطلبات الأميركية وزيادة توطين الإنتاج داخل الولايات المتحدة.

والهدف النهائي هو جعل اتفاقية «T-MEC» أكثر فائدة للولايات المتحدة، وفي الوقت نفسه جعل شركائها أكثر قابلية للتوجيه والضغط.

ولهذا السبب، يرى كثير من المحللين أن المكسيك لا تزال تتمتع بمزايا كبيرة في مجال «التوريد القريب»، أي نقل الإنتاج إلى مواقع أقرب إلى السوق الأميركية.

وحتى في ظل حالة عدم اليقين، لدى الولايات المتحدة مصلحة موضوعية في تطوير سلاسل الإمداد داخل أميركا الشمالية.

ومن هذا المنظور، تتحول اتفاقية «T-MEC» تدريجيًا من مجرد اتفاق تجاري إلى أداة للمنافسة الجيواقتصادية.

استراتيجية «الانتظار والترقب»

لا يزال خطر الإضعاف التدريجي للاتفاقية قائمًا.

فإذا تحولت المراجعات السنوية إلى آلية لانتزاع تنازلات متكررة لصالح واشنطن، فقد تفقد اتفاقية «T-MEC» تماسكها تدريجيًا.

وقد تؤدي كل مراجعة جديدة إلى تغيير قواعد المنشأ، أو الأنظمة الجمركية، أو المتطلبات البيئية، أو الآليات التنظيمية الخاصة بقطاعات معينة.

وبذلك، قد تظل الاتفاقية قائمة رسميًا، بينما تتآكل بنيتها الأصلية تدريجيًا.

ولهذا، تتمثل المهمة الرئيسية للمكسيك في منع المراجعات السنوية من التحول إلى عملية لا تنتهي من الضغوط السياسية.

أما المشكلة الأصعب بالنسبة إلى المفاوضين المكسيكيين، فهي عدم القدرة على التنبؤ بمواقف دونالد ترامب.

فحتى إذا توصلت الفرق الفنية إلى اتفاقات مع مكتب الممثل التجاري الأميركي، فإن القرار النهائي يظل بيد الرئيس الأميركي.

وقد يتغير موقفه بصورة حادة تبعًا للظروف السياسية، أو حتى لمزاجه الشخصي.

وفي ظل هذه الظروف، تتبنى المكسيك نهجًا حذرًا وبراغماتيًا.

فتحاول إدارة كلوديا شينباوم تجنب المواجهة العلنية، مع الحفاظ في الوقت نفسه على هامش للمناورة والتفاوض.

وتقوم الاستراتيجية الأساسية على عدم القبول التلقائي بجميع المطالب الأميركية، واستخدام عامل الوقت لمصلحة المكسيك.

وتكتسب عدة تطورات سياسية مرتقبة في الولايات المتحدة أهمية بالنسبة إلى المكسيك، من بينها انتخابات التجديد النصفي، واحتمال تغير ميزان القوى داخل الكونغرس، والحملة الرئاسية المقبلة.

إضافة إلى ذلك، يتعين على مكسيكو سيتي مراعاة قضية حساسة أخرى، وهي العلاقات مع الصين.

فواشنطن تصر بصورة متزايدة على الحد من وجود المكونات والاستثمارات الصينية داخل سلاسل الإنتاج في أميركا الشمالية.

غير أن الإمدادات الصينية لا تزال بالغة الأهمية للصناعة المكسيكية.

وقد تؤدي القيود المفرطة إلى الإضرار بالشركات المكسيكية نفسها.

مرحلة جديدة من التكامل في أميركا الشمالية

ستكون السنوات المقبلة حاسمة في تحديد ما إذا كانت أميركا الشمالية قادرة على الحفاظ على نموذج للتكامل يقوم على قواعد مستقرة نسبيًا، أم أنها ستتجه نحو نموذج من المفاوضات الدائمة التي تطغى عليها الاختلالات السياسية بين أعضائها.

ولا تمثل مراجعة الاتفاقية سوى المرحلة الأولى من عملية قد تمتد طوال العقد المقبل.

ومن ثم، لا يكمن الخطر الرئيسي في احتمال انهيار اتفاقية «T-MEC»، بل في حالة عدم اليقين التي بدأت بالفعل تتحول تدريجيًا إلى واقع جديد للتكامل في أميركا الشمالية.

وإذا أصبحت هذه الحالة دائمة، فقد تفقد المنطقة إحدى الخصائص التي دعمت نجاحها الاقتصادي على مدى عقود، وهي وجود قواعد أعمال مستقرة وشفافة تشجع الاستثمار والابتكار والتنمية الصناعية.

ومع ذلك، لا تزال التوقعات العامة تبدو متفائلة إلى حد معقول.

فيمكن النظر إلى التطورات الحالية باعتبارها بداية مرحلة جديدة من التكامل، ومن الصعب تصور اختفاء اتفاقية «T-MEC» بعد عشر سنوات.

فالسبيل الوحيد أمام الولايات المتحدة لتعزيز قدرتها التنافسية في مواجهتها مع الصين يمر عبر التعاون مع حلفائها، ومن ثم فإن الفوز في هذه المعركة التجارية العالمية من دون المكسيك وكندا يبدو مستحيلًا.

أما السيناريوهات السلبية والمثيرة للذعر، فتبدو أقرب إلى التهويل الإعلامي.

فالتدفقات التجارية، وفرص العمل، وسلاسل الإنتاج باتت بالفعل منظمة حول نموذج أميركا الشمالية، ومن المرجح أن يصل إلى السلطة، عاجلًا أم آجلًا، قادة أكثر براغماتية قادرون على إعادة قدر من النظام إلى الفوضى الراهنة.

First published in: Russian International Affars Council (RIAC) Original Source
Tatyana Rusakova

Tatyana Rusakova

تاتيانا روساكوفا، حاصلة على درجة الدكتوراه في العلوم السياسية، وباحثة أولى في مركز الدراسات السياسية التابع لمعهد دراسات أمريكا اللاتينية التابع للأكاديمية الروسية للعلوم (ILA RAS)، ومحاضرة أولى في قسم نظرية وممارسة اللغات الأجنبية، معهد اللغات الأجنبية، جامعة رودن.

Leave a Reply