أولًا: المقدمة
في أواخر ديسمبر/كانون الأول 2025، اندلعت احتجاجات واسعة في أنحاء إيران نتيجة الغضب الشعبي من تفاقم الأزمة الاقتصادية. وقد بدأت هذه الاحتجاجات بقيادة تجار البازار وأصحاب المتاجر في طهران، لكنها سرعان ما امتدت إلى الجامعات والمدن الكبرى مثل شيراز وأصفهان ومشهد، لتتحول إلى أكبر موجة اضطرابات منذ احتجاجات مهسا أميني عام 2022. ومع مرور الوقت، تجاوزت الحركة مطالبها الاقتصادية لتشمل مطالب بالحرية، بل وفي بعض الحالات الدعوة إلى إسقاط النظام، حيث ردد المتظاهرون شعارات مناهضة للحكومة مثل «الموت للديكتاتور».
وردًا على ذلك، شنت قوات الأمن الإيرانية منذ أواخر ديسمبر/كانون الأول 2025 حملة قمع عنيفة ضد المعارضين. كما أقدمت الحكومة الإيرانية على قطع خدمات الإنترنت والاتصالات الهاتفية في محاولة لمنع المحتجين من التنظيم والتواصل. واتهمت السلطات الإيرانية الولايات المتحدة وإسرائيل بالوقوف وراء تأجيج الاحتجاجات، وهو ما يرى بعض المحللين أنه قد يكون محاولة لتعزيز استعداد قوات الأمن لاستخدام العنف ضد المتظاهرين. ووفقًا لتقرير نشرته صحيفة صنداي تايمز استنادًا إلى معلومات من أطباء داخل إيران، فقد قُتل أكثر من 16,500 شخص وأصيب أكثر من 330,000 خلال الاحتجاجات الجماهيرية، في حين أكدت وزارة الداخلية الإيرانية مقتل 3,117 شخصًا خلال هذه الأحداث.
ورغم أن هذه الاحتجاجات، التي تعد الأكبر في تاريخ الجمهورية الإسلامية الممتد لـ46 عامًا، قد تراجعت مؤقتًا نتيجة القمع الحكومي العنيف، فإن التوترات لا تزال قائمة. فقد هدد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بـ«الضرب بقوة شديدة» إذا تصاعد الوضع في إيران، ما أعاد المخاوف من احتمال تدخل أمريكي في المنطقة. بل إن ترامب وصف المرشد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي في مقابلة مع موقع بوليتيكو في 17 يناير/كانون الثاني 2026 بأنه «رجل مريض»، وقال: «حان الوقت للبحث عن قيادة جديدة في إيران»، وهو ما بدا كأول دعوة صريحة منه لإنهاء حكم خامنئي.
وعلى الرغم من تهديداته المتكررة بمهاجمة إيران إذا استمرت السلطات في قتل المتظاهرين، فإن ترامب امتنع حتى الآن عن اتخاذ عمل عسكري مباشر ضد الجمهورية الإسلامية. وتشير تقارير إلى أن الولايات المتحدة أرسلت مجموعة حاملة الطائرات يو إس إس أبراهام لينكولن إلى الشرق الأوسط في 15 يناير/كانون الثاني 2026، لكن الرئيس الأمريكي لم يوضح بعد الخطوات التي قد يتخذها لاحقًا.
إلا أن ترامب كتب في 28 يناير/كانون الثاني 2026 عبر وسائل التواصل الاجتماعي: «أسطول ضخم يتجه إلى إيران… وهو أكبر أسطول، تقوده حاملة الطائرات العظيمة أبراهام لينكولن، من ذلك الذي أُرسل إلى فنزويلا. وكما حدث مع فنزويلا، فهو جاهز وراغب وقادر على تنفيذ مهمته بسرعة وعنف إذا لزم الأمر». وأكد أن الوقت ينفد، مطالبًا إيران بالتفاوض فورًا على اتفاق نووي، كما أشار إلى أن أي هجوم أمريكي جديد قد يكون أشد من الهجوم الذي وقع في العام الماضي.
وردًا على ذلك، حذر المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي من أن أي هجوم أمريكي على بلاده سيؤدي إلى «حرب إقليمية»، في ظل حشد الولايات المتحدة لأصولها العسكرية في الشرق الأوسط.
ومع تصاعد التوتر بين واشنطن وطهران، عقد الطرفان محادثات نووية في 6 فبراير/شباط 2026 في سلطنة عمان. ورغم عدم التوصل إلى اتفاق، فقد اتفق الجانبان على مواصلة المفاوضات. وفي حال فشل الولايات المتحدة وإيران في التوصل إلى اتفاق، ثم أقدمت الولايات المتحدة على تنفيذ ضربات عسكرية ضد إيران، يبرز سؤال جوهري: ما الذي قد يحدث بعد ذلك؟ وهل يمكن أن تسهم الضربات العسكرية الأمريكية في إحداث انتقال ديمقراطي في إيران؟
تتناول هذه الورقة هذا السؤال من خلال عرض نظرية الانتقال الديمقراطي أولًا، ثم تحليل ما إذا كانت الضربات العسكرية الأمريكية ضد إيران يمكن أن تخلق الظروف التي تسمح بانتقال ديمقراطي داخل البلاد.
ومن منظور علم السياسة، يُقصد بالانتقال الديمقراطي المرحلة التي يتحول فيها نظام سياسي من حكم سلطوي إلى نظام ديمقراطي قائم على الانتخابات الحرة والمؤسسات السياسية التعددية. وغالبًا ما تشمل هذه العملية تفكيك النظام السلطوي، وإقامة مؤسسات ديمقراطية، وتنظيم انتخابات تنافسية، ثم ترسيخ النظام الديمقراطي بمرور الوقت.
ثانيًا: نظرية الانتقال الديمقراطي
يوجد قدر كبير من الأدبيات الأكاديمية التي تناولت نظريات الانتقال الديمقراطي، ويمكن تصنيف هذه النظريات بصورة عامة ضمن عدة اتجاهات رئيسية. فهناك المقاربات البنيوية التي ترى أن نشوء الديمقراطية يرتبط بعوامل هيكلية مثل مستوى التنمية الاقتصادية، كما طرح ليبست عام 1959 وأودونيل عام 1979، وكذلك بعوامل الثقافة السياسية كما ناقشها ألموند وفيربا عام 1963، إضافة إلى دور المجتمع المدني والصراعات الطبقية كما أوضح مور عام 1966. وتنطلق هذه المقاربة من فكرة أن التحولات السياسية الكبرى لا تحدث بمعزل عن البنية الاجتماعية والاقتصادية للمجتمع، بل ترتبط بتطور الطبقات الاجتماعية وتغير أنماط الإنتاج ومستوى التعليم والتحديث الاقتصادي.
وفي المقابل، تركز مقاربات «الاختيار الاستراتيجي» على القرارات والحسابات التي تتخذها النخب السياسية خلال لحظات التحول، كما أشار روستو عام 1970 وبراتون وفان دي فالي عام 1997 وبورتون وهيغلي عام 1987. فوفقًا لهذه المقاربة، لا يحدث الانتقال الديمقراطي فقط نتيجة عوامل اقتصادية أو اجتماعية، بل أيضًا نتيجة قرارات واعية تتخذها النخب الحاكمة أو المعارضة عندما تدرك أن استمرار النظام السلطوي أصبح مكلفًا أو غير قابل للاستمرار. وتشمل هذه القرارات التفاوض، أو تقديم تنازلات سياسية، أو الدخول في تسويات تاريخية تفتح المجال أمام إصلاحات ديمقراطية تدريجية.
أما المقاربات المؤسسية، فتركز على تأثير المؤسسات السياسية في صياغة السياسات وأنماط السلوك السياسي، كما يوضح ليفتويتش عام 2017. وترى هذه المقاربة أن طبيعة المؤسسات، مثل النظام الانتخابي، واستقلال القضاء، وبنية الدولة، يمكن أن تسهم في تعزيز أو إعاقة فرص التحول الديمقراطي. فالمؤسسات القوية والقادرة على فرض القواعد القانونية تخلق بيئة أكثر ملاءمة لترسيخ الديمقراطية، بينما تؤدي المؤسسات الضعيفة أو الخاضعة للسلطة التنفيذية إلى استمرار الأنظمة السلطوية.
كذلك هناك مقاربات الاقتصاد السياسي التي تؤكد أهمية العوامل الاقتصادية في تفسير التغيرات السياسية وعمليات التحول الديمقراطي، خاصة تأثير الأزمات الاقتصادية، كما ناقشها هاغارد وكوفمان عام 1995 وغو عام 1999. وترى هذه المقاربة أن الأزمات الاقتصادية الحادة قد تقوض شرعية الأنظمة السلطوية وتدفع قطاعات واسعة من المجتمع إلى المطالبة بالإصلاح أو التغيير السياسي، ما يخلق ظروفًا مواتية للتحول الديمقراطي.
وتشير الدراسات التطبيقية والحالات المقارنة، مثل دراسة هاغارد وكوفمان عام 1995، إلى أنه لا توجد نظرية واحدة قادرة على تفسير جميع حالات الانتقال الديمقراطي. ففي معظم الحالات، يحدث التحول نتيجة تفاعل مجموعة من العوامل البنيوية والسياسية والاقتصادية والمؤسسية في الوقت نفسه.
وفي دراسة أجراها إدريس عام 2016 حول خمس حالات انتقال ديمقراطي — جنوب أفريقيا عام 1986، وغانا عام 2000، والفلبين عام 1986، وإندونيسيا عام 1999، وأوكرانيا عام 2004 — تم تحديد مجموعة من العوامل التي ساهمت في ظهور الأنظمة الديمقراطية. ومن أبرز هذه العوامل وجود نظام حاكم غير محبوب. ففي معظم الحالات، باستثناء غانا، كانت الأنظمة الحاكمة تعاني من فقدان واسع للشرعية نتيجة انتهاكات حقوق الإنسان والفساد وسوء الإدارة وحرمان المواطنين من الحريات السياسية. كما أدى انهيار ما يُعرف بـ«الصفقة السلطوية» في الفلبين وإندونيسيا — التي تقوم على توفير النمو الاقتصادي مقابل الحد من الديمقراطية — إلى تصاعد المعارضة الشعبية ضد الأنظمة القائمة.
كما لعب الوضع الاقتصادي دورًا مهمًا في العديد من حالات التحول الديمقراطي، لكن تأثيره كان متفاوتًا. ففي إندونيسيا، مثلًا، كانت الأزمة المالية الآسيوية عام 1997 عاملًا حاسمًا في دفع البلاد نحو التحول الديمقراطي. أما في أوكرانيا، فقد كان النمو الاقتصادي قويًا نسبيًا، لكن تفشي الفساد واتساع الفجوة الاجتماعية أديا إلى تنامي الاستياء الشعبي. ومع ذلك، فإن نظرية التحديث التي طرحها ليبست عام 1959 — والتي تفترض أن النمو الاقتصادي شرط مسبق للتحول الديمقراطي — لم تنطبق في كثير من الحالات.
ومن العوامل المهمة أيضًا قدرة المعارضة على التوحد حول هدف مشترك، خاصة عندما تقف خلف قيادات سياسية قوية. فقد لعبت شخصيات مثل كوري أكينو في الفلبين، ونيلسون مانديلا في جنوب أفريقيا، وفيكتور يوشينكو في أوكرانيا دورًا محوريًا في توحيد قوى المعارضة وتوجيهها نحو تحقيق التحول الديمقراطي.
كما كان للمجتمع المدني القوي والمنظم دور أساسي في تعبئة الجماهير، ومراقبة أداء الحكومات — مثل كشف التلاعب بالانتخابات — والتصدي لمحاولات القمع الحكومي. ففي أوكرانيا، مثلًا، شارك العديد من قادة «الثورة البرتقالية» عام 2004 في احتجاجات مناهضة للحكومة في مطلع الألفية، بينما نظمت منظمات المجتمع المدني في جنوب أفريقيا حملات فعالة للعصيان المدني ضد نظام الفصل العنصري.
وتُعد التعبئة الشعبية الواسعة أحد العوامل الحاسمة في نجاح عمليات الانتقال الديمقراطي، كما ظهر في جنوب أفريقيا وأوكرانيا والفلبين وإندونيسيا. وقد ساعد انتشار المعلومات عبر وسائل الإعلام مثل التلفزيون والراديو والإنترنت، إضافة إلى دور منظمات المجتمع المدني، في توسيع نطاق الاحتجاجات الشعبية. وغالبًا ما أدت هذه الاحتجاجات الجماهيرية إلى خلق زخم لا يمكن التراجع عنه نحو التغيير، كما دفعت بعض عناصر قوات الأمن إلى الانشقاق أو رفض استخدام العنف ضد المتظاهرين.
وأخيرًا، لعب الضغط أو الدعم الدولي دورًا مهمًا في العديد من حالات الانتقال الديمقراطي. فالضغوط العسكرية أو الدبلوماسية أو الاقتصادية — بما في ذلك ضغوط المؤسسات الدولية مثل صندوق النقد الدولي — يمكن أن تدفع الأنظمة السلطوية إلى تقديم تنازلات عندما تعجز العوامل الداخلية وحدها عن تحقيق ذلك. وتُعد حالة جنوب أفريقيا مثالًا واضحًا على ذلك، إذ إن العقوبات الدولية والإدانة العالمية لنظام الفصل العنصري كانت عاملًا مهمًا في دفعه نحو الإصلاح والتحول الديمقراطي. كما أن التحول الديمقراطي في غانا ارتبط إلى حد كبير بضغوط صندوق النقد الدولي. كذلك لعبت المساعدات الدولية الداعمة للديمقراطية دورًا في تعزيز الوعي بالقيم الديمقراطية وتقوية قدرات منظمات المجتمع المدني. ففي أوكرانيا، مثلًا، ساهم عقد كامل من الدعم الخارجي في تمكين منظمات المجتمع المدني من مراقبة الانتخابات وكشف عمليات التزوير التي ارتكبتها حكومة كوتشما.
ثالثًا: حالة إيران
تُعد الضربات العسكرية الأمريكية المحتملة ضد إيران شكلًا من أشكال الضغط أو الدعم الدولي الذي تناولته هذه الدراسة بوصفه أحد العوامل التي قد تسهم في ظهور الأنظمة الديمقراطية. فمن هذا المنظور، يمكن النظر إلى التدخل العسكري الأمريكي بوصفه عنصرًا مهمًا قد يسهم في تهيئة الظروف لانتقال ديمقراطي داخل إيران. وبناءً على ذلك، تبدأ هذه الدراسة أولًا باستعراض الحشد العسكري الأمريكي الجاري استعدادًا لاحتمال مهاجمة النظام الإيراني، ثم تبحث فيما إذا كانت الضربات العسكرية الأمريكية يمكن أن تسهم فعلًا في تحقيق انتقال ديمقراطي في إيران.
1. الحشد العسكري الأمريكي
مع دراسة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إمكانية توجيه ضربة كبيرة لإيران، تشير بيانات المصادر المفتوحة إلى أن الجيش الأمريكي كثّف خلال الأسابيع الأخيرة عملية تعزيز واسعة للمعدات والقدرات العسكرية في الشرق الأوسط. ويُظهر هذا الحشد العسكري استعدادًا متزايدًا لاحتمال تنفيذ عملية عسكرية ضد إيران.
وكما يوضح الشكل (1)، فإن وصول مجموعة حاملة الطائرات «لينكولن» الضاربة، الموجودة حاليًا في شمال بحر العرب، يمثل أبرز تحول في الانتشار العسكري الأمريكي في المنطقة. وتضم هذه المجموعة حاملة الطائرات «يو إس إس أبراهام لينكولن» إلى جانب ثلاث مدمرات مزودة بصواريخ موجهة، إضافة إلى جناح جوي يضم أسرابًا من مقاتلات F-35C Lightning II ومقاتلات F/A-18E Super Hornet وطائرات الحرب الإلكترونية EA-18G Growler.
كما تمتلك البحرية الأمريكية ثلاث مدمرات أخرى منتشرة في المنطقة بشكل منفصل عن مجموعة حاملة الطائرات، وهي: USS McFaul و USS Delbert D. Black و USS Mitscher.
إلى جانب ذلك، توجد ثلاث سفن قتالية ساحلية — USS Santa Barbara و USS Canberra و USS Tulsa — متمركزة في البحرين، ويمكن استدعاؤها للقيام بمهام إزالة الألغام البحرية في حال قررت إيران استخدام هذا النوع من الأسلحة.
الشكل (1): الوجود العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط
(المصدر: خدمة أبحاث الكونغرس، Airframes.io، وFlightRadar24)
في الأيام الأخيرة، قامت الولايات المتحدة أيضًا بنشر عدد من أنظمة الدفاع الجوي في المنطقة، بما في ذلك أنظمة الدفاع الصاروخي على ارتفاعات عالية (THAAD) الإضافية، إضافة إلى أنظمة صواريخ باتريوت التي ظهرت الأسبوع الماضي في قاعدة العديد الجوية في قطر. وتُعد هذه الأنظمة عنصرًا أساسيًا في مواجهة أي ضربات صاروخية انتقامية قد تشنها إيران، إذ يمكن استخدامها لاعتراض الصواريخ التي قد تستهدف الأصول العسكرية الأمريكية أو حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة.
كما أن المدمرات المزوّدة بصواريخ موجهة، سواء تلك المرافقة لمجموعة حاملة الطائرات «لينكولن» أو المنتشرة في مواقع أخرى في المنطقة، تمتلك قدرة هجومية كبيرة. فكل مدمرة من هذه المدمرات قادرة على حمل عشرات من صواريخ توماهوك الهجومية البرية التي يصل مداها إلى نحو 1000 ميل وتحمل رأسًا حربيًا تقليديًا يزن نحو 1000 رطل.
إضافة إلى ذلك، تعمل مجموعات حاملات الطائرات التابعة للبحرية الأمريكية عادةً إلى جانب غواصة هجومية يمكنها أيضًا إطلاق صواريخ توماهوك، غير أن وجود هذه الغواصات غالبًا ما يبقى سريًا ولا يتم الإعلان عنه رسميًا.
وفي حين توفر حاملة الطائرات قاعدة عائمة للعمليات العسكرية، تمتلك الولايات المتحدة كذلك عددًا من المواقع العسكرية الدائمة في المنطقة التي تتجه إليها أنواع مختلفة من الطائرات العسكرية.
وكما يوضح الشكل (2)، ووفقًا لمجلس العلاقات الخارجية، تمتلك الولايات المتحدة ما لا يقل عن 19 قاعدة عسكرية في الشرق الأوسط، من بينها ثماني قواعد دائمة.
وتحافظ الولايات المتحدة على وجود عسكري كبير في إسرائيل وقطر والبحرين والكويت والعراق والأردن والسعودية وسوريا وعُمان والإمارات العربية المتحدة. كما تحتفظ الولايات المتحدة بقواعد عسكرية كبيرة في جيبوتي وتركيا تخدم قيادات عسكرية إقليمية مختلفة، لكنها تسهم أيضًا في العمليات المرتبطة بالشرق الأوسط.
ووفقًا لمسؤولين في وزارة الدفاع الأمريكية، يوجد حاليًا حوالي 40 ألف جندي أمريكي منتشرين في منطقة الشرق الأوسط.
ويقع نحو ربع هذا العدد في قاعدة العديد الجوية في قطر، التي تستضيف طائرات قتالية وطائرات للتزود بالوقود جوًا وقدرات استخباراتية مختلفة. وتُعد قاعدة العديد أكبر قاعدة عسكرية أمريكية في المنطقة، إذ تضم نحو 10 آلاف جندي.
أما القاعدة العسكرية الثانية من حيث عدد الأفراد فهي القاعدة البحرية في البحرين. إذ تستضيف البحرين نحو 9000 جندي أمريكي، وهي مقر الأسطول الخامس للبحرية الأمريكية المسؤول عن العمليات في الخليج العربي وبحر العرب والبحر الأحمر وأجزاء من المحيط الهندي.
وتستضيف الكويت كذلك معسكر عريفجان (Camp Arifjan)، الذي يُعد المقر التكتيكي المتقدم للجيش الأمريكي المركزي، وهو تشكيل عسكري يمثل المكون البري لقيادة القيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM). كما تقع في الكويت أيضًا قاعدة علي السالم الجوية بالقرب من الحدود العراقية، إضافة إلى معسكر بوهرينغ (Camp Buehring) الذي يُستخدم كنقطة انطلاق للوحدات العسكرية المتجهة إلى سوريا والعراق. وبشكل إجمالي، يتمركز في الكويت حوالي 13,500 جندي أمريكي.

الشكل (2): أعداد القوات الأمريكية في الشرق الأوسط
(المصدر: موقع ميدل إيست آي)
تستضيف دولة الإمارات العربية المتحدة نحو 3500 جندي أمريكي، إضافة إلى قاعدة الظفرة الجوية التي تُعد منشأة عسكرية مشتركة بين الولايات المتحدة والإمارات. وقد استُخدمت هذه القاعدة خلال العمليات العسكرية ضد تنظيم الدولة الإسلامية، كما تُستخدم كذلك في تنفيذ مهام الاستطلاع والمراقبة الجوية في مختلف أنحاء المنطقة.
أما الوجود العسكري الأمريكي في العراق فيشمل قاعدة عين الأسد الجوية في محافظة الأنبار، وهي القاعدة التي استهدفتها إيران بصواريخ باليستية بعد قيام الولايات المتحدة باغتيال الجنرال الإيراني البارز قاسم سليماني. كما توجد قاعدة أربيل الجوية في إقليم كردستان شبه المستقل، والتي تُستخدم بشكل أساسي لإجراء التدريبات العسكرية وتقديم الدعم اللوجستي للقوات الأمريكية وحلفائها.
وفي المملكة العربية السعودية يتمركز ما يقارب 2700 جندي أمريكي يقدمون قدرات دفاع جوي وصاروخي للمملكة. وتُعد قاعدة الأمير سلطان الجوية بالقرب من العاصمة الرياض مركزًا رئيسيًا للقوات الجوية الأمريكية في البلاد، حيث تتمركز فيها بطاريات صواريخ باتريوت التي تُستخدم في الدفاع الجوي والصاروخي.
أما في الأردن، فتُعد قاعدة موفق السلطي الجوية الواقعة في منطقة الأزرق المحور الأساسي للعمليات العسكرية الأمريكية في منطقة المشرق. وتستضيف القاعدة الجناح الجوي الاستكشافي رقم 332 التابع للقوات الجوية الأمريكية، الذي يتولى تنفيذ عمليات الدعم الجوي والمهام العسكرية المختلفة في المنطقة.
وفي تركيا، توجد قاعدة عسكرية رئيسية تُدار بشكل مشترك بين القوات الأمريكية والتركية وهي قاعدة إنجرليك الجوية الواقعة في مدينة أضنة جنوب البلاد. وتشير تقارير عديدة إلى أن هذه القاعدة تستضيف رؤوسًا نووية أمريكية ضمن ترتيبات الردع النووي التابعة لحلف شمال الأطلسي.
وقد شهد حجم القواعد العسكرية الأمريكية وعدد القوات والمعدات فيها تغيرات ملحوظة خلال السنوات والأشهر الأخيرة، وهو ما يعكس تغير الأولويات الاستراتيجية للولايات المتحدة في المنطقة. ففي بداية الولاية الثانية للرئيس دونالد ترامب، غادرت عدة سفن حربية أمريكية منطقة الشرق الأوسط لدعم عمليات عسكرية أمريكية في مناطق أخرى من العالم. إلا أن التطورات الأخيرة تشير إلى عكس هذا الاتجاه، إذ يجري حاليًا تعزيز القدرات البحرية والجوية الأمريكية في المنطقة في إطار الاستعداد لاحتمال تنفيذ ضربة عسكرية ضد إيران.
ففي 29 يناير 2026 وصلت طائرة E-11A إلى قاعدة العديد الجوية في قطر، وهي إحدى الطائرات الحيوية التي تعتمد عليها القوات الأمريكية لتنسيق العمليات العسكرية المعقدة. وفي اليوم نفسه، وصلت إلى المنطقة طائرة نقل عسكرية معدلة لتنفيذ عمليات البحث والإنقاذ القتالي. كما تم مؤخرًا نشر سرب من مقاتلات F-15E Strike Eagle القادرة على حمل مجموعة واسعة من القنابل الموجهة والصواريخ جو-أرض، وذلك ضمن عملية تدوير روتينية للقوات.
وفي الوقت ذاته، استمرت طلعات المراقبة والاستطلاع التي تنفذها الطائرات المسيرة الأمريكية وطائرات الاستطلاع في مضيق هرمز والخليج العربي. فمنذ بداية الأسبوع الماضي، تقوم طائرات الاستطلاع بالتحليق بشكل متواصل انطلاقًا من القواعد الأمريكية في البحرين وقطر وحتى من مواقع أخرى خارج الشرق الأوسط.
كما تم نشر نسخ معدلة من طائرات الاستطلاع RC-135 القادرة على رصد الآثار الإشعاعية وتحليل الإشارات الكهرومغناطيسية، وهو ما يعزز قدرات الولايات المتحدة الاستخباراتية في المنطقة.
وفي 29 يناير 2026 أيضًا عبرت ما لا يقل عن ثماني طائرات للتزود بالوقود جوًا المحيط الأطلسي وهبطت في قاعدة مورون الجوية في إسبانيا، وهي طائرات تستخدم لتزويد الطائرات العسكرية الصغيرة بالوقود أثناء الطيران. كما عبرت ست مقاتلات من طراز F-35 المحيط الأطلسي وهبطت في قاعدة لاجيس الجوية في البرتغال.
وفي ظل التوترات المتصاعدة نتيجة التهديدات الأخيرة للرئيس ترامب، أعلنت القيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM) في 27 يناير 2026 أنها أجرت عدة أيام من التدريبات العسكرية في مختلف أنحاء الشرق الأوسط بهدف إظهار قدرتها على نشر القوة القتالية وتوزيعها والحفاظ عليها في أي وقت. [6]
2. هل ستؤدي الضربات الأمريكية على إيران إلى انتقال ديمقراطي في إيران؟
عقدت إيران والولايات المتحدة محادثات حول البرنامج النووي الإيراني يوم 6 فبراير 2026 في سلطنة عمان. ومع ذلك، لم يتم التوصل إلى اتفاق في اللحظة الأخيرة، رغم اتفاق الطرفين على استئناف المفاوضات في وقت لاحق. وإذا فشلت هذه المفاوضات ولم يتم التوصل إلى اتفاق، ثم قامت الولايات المتحدة بتنفيذ ضربات عسكرية ضد إيران، فإن السؤال المطروح هو: ماذا سيحدث بعد ذلك؟ وهل يمكن أن تؤدي هذه الضربات إلى انتقال ديمقراطي داخل إيران؟
وفقًا لدراسة إدريس (2016) التي تناولت حالات التحول الديمقراطي في جنوب أفريقيا (1986)، وغانا (2000)، والفلبين (1986)، وإندونيسيا (1999)، وأوكرانيا (2004)، هناك مجموعة من العوامل التي تساعد على ظهور الأنظمة الديمقراطية. ومن أبرز هذه العوامل وجود نظام حاكم غير محبوب من قبل الشعب، وتعرض النظام لضغوط أو دعم دولي يدفعه إلى تقديم تنازلات سياسية، إضافة إلى وجود وضع اقتصادي سيئ أو أزمة اقتصادية عميقة تؤدي إلى تآكل شرعية السلطة الحاكمة.
كما تُعد التعبئة الجماهيرية الواسعة عاملًا مهمًا في تحقيق التحول الديمقراطي، حيث يؤدي خروج أعداد كبيرة من المواطنين إلى الشوارع للاحتجاج إلى خلق ضغط سياسي يصعب على النظام تجاهله. كذلك فإن توحيد قوى المعارضة حول قيادة سياسية قوية يمثل عنصرًا أساسيًا في نجاح عملية الانتقال الديمقراطي، إذ يسهم ذلك في توجيه الحراك الشعبي وتنسيقه.
ومن العوامل المهمة أيضًا وجود مجتمع مدني قوي ومنظم قادر على تعبئة المواطنين ومراقبة أداء الحكومة وكشف الانتهاكات السياسية والانتخابية. وغالبًا ما يؤدي تفاعل هذه العوامل مجتمعة إلى خلق بيئة سياسية واجتماعية تسمح بحدوث التحول الديمقراطي.
وفي هذا السياق، يعرض الجدول (1) تحليلًا لمدى توفر أو غياب هذه العوامل الستة التي تسهم في ظهور الديمقراطية داخل الحالة الإيرانية.

من بين الشروط الستة المسبقة لحدوث انتقال ديمقراطي، تشير المعطيات إلى أن أربعة شروط متوفرة في الحالة الإيرانية، بينما يغيب شرطان. ويعكس ذلك وجود بعض العوامل التي قد تهيئ البيئة السياسية للتحول الديمقراطي، إلى جانب استمرار معوقات بنيوية وسياسية قد تحد من إمكانية حدوث هذا التحول في المستقبل القريب.
أول هذه الشروط هو وجود نظام حاكم غير محبوب، وهو شرط يبدو متحققًا في الحالة الإيرانية. فالنظام السياسي في إيران، وعلى رأسه المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي، يواجه حالة متكررة من السخط الشعبي والاضطرابات السياسية منذ سنوات. وقد شهدت البلاد موجات احتجاج واسعة منذ عام 2017، ما يشير إلى وجود حالة عميقة من عدم الرضا بين قطاعات كبيرة من المجتمع الإيراني تجاه النظام السياسي القائم. فقد شهدت إيران سلسلة متواصلة من الاحتجاجات المناهضة للحكومة، من أبرزها احتجاجات 2017–2018، والإضرابات والاحتجاجات العامة بين 2018 و2019، ثم احتجاجات 2019–2020 المرتبطة بالأوضاع الاقتصادية والسياسية. كما اندلعت احتجاجات أخرى في 2021–2022 بسبب نقص المياه والأزمة الاقتصادية، إضافة إلى احتجاجات أسعار الغذاء عام 2022. وتُعد احتجاجات مهسا أميني في 2022–2023 واحدة من أكبر موجات الاحتجاج التي شهدتها البلاد في العقود الأخيرة. كما استمرت التوترات الاجتماعية والسياسية مع احتجاجات أزمة المياه في عام 2025 بين مايو وأغسطس، ثم الاحتجاجات الواسعة بين 2025 و2026 التي ارتبطت بالمطالب السياسية والاقتصادية وقضايا حقوق الإنسان. وتشير البيانات المنشورة في موسوعة ويكيبيديا إلى أن أكثر من ثلاثة آلاف احتجاج مناهض للحكومة كانت تحدث سنويًا في إيران خلال عقد العشرينيات من القرن الحادي والعشرين، وهو ما يعكس حجم السخط الشعبي المتراكم تجاه النظام الحاكم.
أما الشرط الثاني فهو وجود ضغط أو دعم دولي يدفع باتجاه التغيير السياسي، ويبدو أن هذا العامل حاضر أيضًا في الحالة الإيرانية. فالرئيس الأمريكي دونالد ترامب أبدى استعدادًا واضحًا لتنفيذ ضربات عسكرية ضد النظام الإيراني بهدف تغيير سلوكه السياسي وربما إضعافه أو إعادة تشكيل التوازنات السياسية في البلاد. ويُنظر إلى هذا النوع من الضغط الخارجي في بعض الأدبيات السياسية باعتباره عاملًا يمكن أن يساهم في إضعاف الأنظمة السلطوية ودفعها نحو تقديم تنازلات سياسية، خاصة إذا تزامن مع ضغوط داخلية قوية.
أما الشرط الثالث فهو وجود وضع اقتصادي سيئ أو أزمة اقتصادية حادة، وهو عامل واضح في الحالة الإيرانية أيضًا. إذ تعاني إيران من أزمة اقتصادية عميقة، ويُعد التضخم المرتفع للغاية من أخطر المشكلات الاقتصادية التي تواجه البلاد. فوفقًا للبيانات الاقتصادية، ارتفع معدل التضخم في إيران إلى أكثر من 48.6% في أكتوبر 2025، ثم سجل نحو 42.2% في ديسمبر 2025. وقد أصبح التضخم المرتفع ظاهرة مزمنة خلال عقد العشرينيات من القرن الحادي والعشرين، الأمر الذي أدى إلى تآكل القدرة الشرائية للأسر الإيرانية بشكل كبير وزيادة الضغوط الاقتصادية على المجتمع. وقد ساهم هذا الوضع الاقتصادي المتدهور في تأجيج حالة السخط الشعبي وتعزيز احتمالات اندلاع موجات احتجاج جديدة، كما أنه يعد أحد العوامل التي غالبًا ما ترتبط تاريخيًا بعمليات التحول السياسي في العديد من الدول.
وتوضح الشكل (3) الارتفاع الحاد في معدلات التضخم في إيران خلال السنوات الأخيرة، وهو ما يعكس حجم الضغوط الاقتصادية التي يواجهها المجتمع الإيراني في الوقت الراهن.

الشكل (3): معدل التضخم في إيران
(المصدر: المركز الإحصائي الإيراني)
علاوة على ذلك، وكما يوضح الشكل (4)، شهدت أسعار المواد الغذائية في إيران ارتفاعًا ملحوظًا خلال عقد العشرينيات من القرن الحادي والعشرين. فقد أدى التضخم المستمر وتراجع قيمة العملة المحلية إلى زيادة كبيرة في تكاليف المعيشة، الأمر الذي أثر بشكل مباشر على القدرة الشرائية للأسر الإيرانية وأدى إلى تصاعد الضغوط الاقتصادية على المجتمع.
فعلى سبيل المثال، ارتفع سعر الأرز بنحو 2.11 مرة بين عامي 2012 و2023، في حين شهد سعر الخبز زيادة أكبر حيث ارتفع بمقدار 3.4 مرات بين عامي 2011 و2023. كما تضاعف سعر البطاطس ثلاث مرات خلال الفترة نفسها، وهو ما يعكس الارتفاع الكبير في أسعار المواد الغذائية الأساسية التي يعتمد عليها المواطنون في حياتهم اليومية. إضافة إلى ذلك، ارتفع سعر صدور الدجاج بمقدار 2.06 مرة بين عامي 2010 و2023.
وتشير هذه الزيادات الكبيرة في أسعار الغذاء إلى أن الأزمة الاقتصادية في إيران لا تقتصر فقط على المؤشرات المالية العامة مثل التضخم أو انخفاض قيمة العملة، بل تمتد أيضًا إلى الحياة اليومية للمواطنين، حيث أصبحت تكاليف الغذاء والسلع الأساسية تمثل عبئًا متزايدًا على ميزانيات الأسر. ويؤدي هذا الوضع غالبًا إلى تعزيز مشاعر الاستياء الاجتماعي وتغذية الاحتجاجات الشعبية، وهو ما يفسر جزئيًا تكرار موجات الاحتجاج في إيران خلال السنوات الأخيرة.

الشكل (4): مؤشر أسعار الغذاء في إيران
إلى جانب الارتفاع الكبير في أسعار المواد الغذائية، تواجه إيران أيضًا أزمة طاقة حادة تتجلى في انقطاعات متكررة للكهرباء، وتخفيضات في إمدادات الغاز، وضغوط متزايدة على البنية التحتية للطاقة، وذلك على الرغم من امتلاك البلاد احتياطيات ضخمة من النفط والغاز. وتُعد أزمة الطاقة في إيران مشكلة معقدة ومتعددة الأبعاد، تفاقمت نتيجة مجموعة من العوامل، من بينها ضعف الإدارة الحكومية، والإخفاقات في السياسة الخارجية، إضافة إلى هيمنة الحرس الثوري الإيراني (IRGC) على قطاعات صناعية رئيسية.
فبحلول نوفمبر 2024 كانت إيران تواجه واحدة من أشد أزمات الطاقة التي شهدتها منذ عقود، حيث أصبحت انقطاعات الكهرباء المتكررة وتعطل إمدادات الغاز الطبيعي ظاهرة يومية. وتعاني البنية التحتية للطاقة في البلاد من التقادم وسوء الصيانة، إذ تعمل العديد من المصافي ومحطات توليد الكهرباء بأقل من طاقتها الإنتاجية. ونتيجة لذلك، أصبحت إمدادات الطاقة غير مستقرة، مع انقطاعات متكررة تؤثر على الحياة اليومية للمواطنين وعلى عمل الصناعات والخدمات الأساسية.
وقد أسهمت سيطرة الحرس الثوري الإيراني على قطاعات حيوية، مثل توليد الكهرباء وتوزيعها، في إضعاف الإدارة الفعالة والتخطيط الاستراتيجي لقطاع الطاقة. كما أن تركيز النظام السياسي على الاعتبارات السياسية والأمنية على حساب الكفاءة الاقتصادية وتطوير البنية التحتية أدى إلى تفاقم الأزمة. ومن الأمثلة البارزة على ذلك الاستخدام الواسع للكهرباء من قبل الحرس الثوري في تعدين العملات الرقمية، وهو ما يؤدي إلى استنزاف كميات كبيرة من الطاقة وترك العديد من المناطق في البلاد في الظلام. [8]
وعلى الرغم من النقص المستمر في الكهرباء داخل البلاد، تواصل إيران تصدير الكهرباء إلى الخارج، حيث ارتفعت صادراتها بنسبة تقارب 92% خلال الأشهر الأربعة الأولى من عام 2023 مقارنة بالفترة نفسها من عام 2022. وقد أدت هذه الأزمة إلى تعطّل نحو 50% من النشاط الصناعي في البلاد، مما زاد من الضغوط الاقتصادية والاجتماعية.
وفي يناير وفبراير 2025، تم تنفيذ عمليات انقطاع كهرباء متكررة أثرت على المدارس والقطاع الصناعي في إيران. ومنذ فبراير 2025 أصبحت البلاد تعاني من انقطاعات يومية للكهرباء تستمر ما بين ثلاث إلى أربع ساعات يوميًا.
ولا تؤثر أزمة الطاقة على جميع فئات المجتمع بشكل متساوٍ. ففي طهران مثلًا، لم تتجاوز نسبة انقطاع الكهرباء في الأحياء الشمالية الثرية 1%، في حين عانت الأحياء الجنوبية الفقيرة من انقطاعات بلغت 32%. [9] وقد أدى هذا التفاوت في توزيع الأعباء إلى زيادة مشاعر الظلم الاجتماعي وتعميق حالة الغضب الشعبي تجاه السلطات.
وقد ساهمت أزمة الطاقة، إلى جانب التضخم المرتفع، في زيادة معدلات البطالة داخل البلاد. ووفقًا للبيانات الاقتصادية، بلغ متوسط معدل البطالة في إيران نحو 11.04% خلال الفترة الممتدة من عام 2001 حتى عام 2024، كما يوضح الشكل (5). وعلى الرغم من أن معدل البطالة انخفض إلى 7.20% في الربع الرابع من عام 2024 مقارنة بـ 7.50% في الربع الثالث من العام نفسه، فإن هذه النسبة لا تزال مرتفعة نسبيًا وتعكس استمرار الضغوط الاقتصادية التي يعاني منها المجتمع الإيراني.

الشكل (5): معدل البطالة في إيران
(المصدر: البنك المركزي الإيراني)
وبشكل خاص، يُعد معدل البطالة بين الشباب من أكثر المشكلات الاقتصادية والاجتماعية خطورة في إيران. فكما يوضح الشكل (6)، بلغ متوسط معدل البطالة بين الشباب نحو 25.01% خلال الفترة الممتدة من 2011 إلى 2024، وهو مستوى مرتفع يعكس الصعوبات التي يواجهها الجيل الشاب في الدخول إلى سوق العمل.
وعلى الرغم من أن معدل البطالة بين الشباب انخفض نسبيًا إلى 20.2% في الربع الرابع من عام 2024، فإنه لا يزال مرتفعًا بشكل كبير مقارنة بالمعدلات الطبيعية في الاقتصادات المستقرة. ويشير هذا الوضع إلى وجود اختلالات هيكلية في الاقتصاد الإيراني، بما في ذلك ضعف القدرة على خلق فرص عمل جديدة، وتباطؤ النمو الاقتصادي، إضافة إلى تأثير العقوبات الاقتصادية والقيود المفروضة على الاستثمارات الأجنبية.
وتزداد خطورة المشكلة عندما نأخذ في الاعتبار ما ورد في تقارير مجلس الشورى الإسلامي (البرلمان الإيراني)، والتي تشير إلى أن نحو 50% من الرجال الذين تتراوح أعمارهم بين 25 و40 عامًا عاطلون عن العمل ولا يبحثون حتى عن وظائف. [10] ويعكس هذا الرقم مستوى عميقًا من الإحباط وفقدان الأمل بين فئات واسعة من الشباب، حيث يشعر الكثير منهم بأن فرص العمل محدودة للغاية أو غير متاحة أساسًا.
ويُعد هذا الوضع مؤشرًا على أزمة اجتماعية واقتصادية أعمق، إذ إن ارتفاع البطالة بين الشباب لا يؤثر فقط على الاقتصاد، بل ينعكس أيضًا على الاستقرار الاجتماعي والسياسي. فالشباب الذين يواجهون صعوبات في إيجاد فرص عمل مستقرة غالبًا ما يكونون أكثر عرضة للمشاركة في الاحتجاجات السياسية أو الحركات المعارضة، خاصة عندما تتزامن هذه الأزمة مع ارتفاع تكاليف المعيشة وتدهور الخدمات العامة. لذلك، يمكن اعتبار البطالة المرتفعة بين الشباب أحد العوامل المهمة التي تسهم في تغذية حالة السخط الشعبي داخل المجتمع الإيراني.

لشكل (6): معدل البطالة بين الشباب في إيران
(المصدر: البنك المركزي الإيراني)
وفي ظل ارتفاع معدلات التضخم والبطالة، تفاقمت الأوضاع المعيشية بشكل كبير داخل المجتمع الإيراني. ففي مارس 2025 أشارت التقديرات إلى أن ما بين 22% و50% من الإيرانيين يعيشون تحت خط الفقر، وهو ارتفاع حاد مقارنة بالوضع في عام 2022. [11] وتعكس هذه الأرقام التدهور السريع في الظروف الاقتصادية والاجتماعية في البلاد، حيث أصبحت شريحة واسعة من السكان غير قادرة على تلبية احتياجاتها الأساسية.
وقد أدى هذا الوضع الاقتصادي الصعب إلى زيادة ملحوظة في عدد الأشخاص الذين لا يستطيعون الحصول على نظام غذائي صحي ومتوازن. فكما يوضح الشكل (7)، ارتفع عدد الأشخاص الذين يعانون من سوء التغذية إلى أكثر من 14 مليون شخص في عام 2022. ويعكس هذا الرقم حجم التحديات الغذائية التي يواجهها المجتمع الإيراني نتيجة ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية.
وفي عام 2024 أعلنت وزارة الرفاه الاجتماعي الإيرانية أن نحو 57% من الإيرانيين يعانون من درجات مختلفة من سوء التغذية، وهو مؤشر مقلق على تدهور الأمن الغذائي في البلاد. ولا يقتصر تأثير هذه الأزمة على الفئات الفقيرة فحسب، بل يمتد ليشمل شرائح واسعة من الطبقة الوسطى التي بدأت تعاني أيضًا من صعوبة توفير الغذاء الصحي نتيجة الضغوط الاقتصادية المتزايدة.
وتشير هذه التطورات إلى أن الأزمة الاقتصادية في إيران تجاوزت كونها مشكلة مالية أو اقتصادية فحسب، لتصبح أزمة اجتماعية وإنسانية تؤثر بشكل مباشر على صحة السكان ومستوى معيشتهم، كما تسهم في زيادة حالة الاستياء والغضب الشعبي تجاه السياسات الاقتصادية للحكومة.

الشكل (7): عدد الأشخاص الذين يعانون من سوء التغذية في إيران
لقد أدت هذه الأزمات الاقتصادية المتفاقمة إلى اندلاع احتجاجات واسعة النطاق في جميع أنحاء إيران خلال عامي 2025–2026. فالتضخم المرتفع، وارتفاع معدلات البطالة، واتساع رقعة الفقر، إلى جانب أزمة الطاقة المتصاعدة، جميعها ساهمت في زيادة حالة الغضب الشعبي ودفع أعداد كبيرة من المواطنين إلى الخروج إلى الشوارع للاحتجاج ضد السياسات الحكومية والظروف المعيشية الصعبة.
ويُعد الشرط الرابع من شروط التحول الديمقراطي، وهو التعبئة الجماهيرية الواسعة (Mass Mobilization)، متحققًا أيضًا في الحالة الإيرانية. فقد اندلعت موجة من الاحتجاجات المناهضة للحكومة نتيجة الأزمة الاقتصادية في الفترة 2025–2026، ورغم أن هذه الاحتجاجات قد تراجعت نسبيًا في الآونة الأخيرة، فإنها تُعد من أكبر موجات الاضطرابات التي شهدتها البلاد. ووفقًا لتقرير نشرته صحيفة صنداي تايمز، قُتل أكثر من 16,500 شخص وأُصيب أكثر من 330,000 آخرين خلال هذه الاحتجاجات الجماهيرية، وهو ما يعكس حجم العنف الذي رافق عمليات قمع المتظاهرين.
كما تشير البيانات المتاحة إلى أن الاحتجاجات المناهضة للحكومة في إيران ليست ظاهرة جديدة، بل هي جزء من نمط مستمر من الاضطرابات السياسية والاجتماعية منذ عام 2017. فقد شهدت البلاد سلسلة من الاحتجاجات المتواصلة خلال السنوات الماضية، من أبرزها احتجاجات 2017–2018 التي اندلعت بسبب الأوضاع الاقتصادية، ثم الإضرابات العامة والاحتجاجات في 2018–2019. كما شهدت إيران احتجاجات واسعة بين 2019 و2020 ذات طابع اقتصادي وسياسي، تلتها احتجاجات أخرى في 2021–2022 بسبب نقص المياه وتدهور الاقتصاد. وفي عام 2022 اندلعت احتجاجات مرتبطة بارتفاع أسعار الغذاء، ثم جاءت احتجاجات مهسا أميني بين 2022 و2023 التي تحولت إلى حركة احتجاجية واسعة ضد النظام السياسي. كما شهدت البلاد احتجاجات أزمة المياه في عام 2025 بين مايو وأغسطس، إضافة إلى الاحتجاجات المستمرة بين 2025 و2026 التي ارتبطت بالمطالب السياسية والاقتصادية وقضايا حقوق الإنسان.
وتُظهر الشكل (8) عدد الاحتجاجات المناهضة للحكومة في إيران منذ عام 2016، حيث تشير البيانات إلى أن أكثر من 3000 احتجاج سنويًا كانت تحدث في إيران خلال عقد العشرينيات من القرن الحادي والعشرين. وتعكس هذه الأرقام مستوى مرتفعًا من التعبئة الشعبية والاستياء الاجتماعي، وهو ما يشير إلى وجود قاعدة اجتماعية واسعة مستعدة للاحتجاج ضد النظام الحاكم.

الشكل (8): عدد الاحتجاجات المناهضة للحكومة في إيران
(المصدر: ويكيبيديا)
ومع ذلك، فإن الشرطين الخامس والسادس من شروط الانتقال الديمقراطي — وهما وجود معارضة موحدة وقيادات قوية، ووجود مجتمع مدني قوي ومنظم — لا يبدو أنهما متوفران في الحالة الإيرانية. فبحسب مريم علم زاده، الأستاذة في جامعة أكسفورد، تمكن النظام الإيراني خلال العقود الماضية من قمع أي محاولة لتشكيل معارضة منظمة داخل البلاد، حيث تم اعتقال قادة المعارضة وإسكاتهم بشكل منهجي. ونتيجة لذلك، لا توجد في إيران منظمة معارضة رئيسية أو شخصية قيادية بارزة يمكن مقارنتها بحركة المؤتمر الوطني الأفريقي (ANC) أو بالزعيم نيلسون مانديلا في جنوب أفريقيا.
كما أن النظام الإيراني لم يقتصر في سياساته القمعية على الأحزاب السياسية فقط، بل امتد ذلك إلى المنظمات غير الحكومية غير السياسية، والجماعات الطلابية، والنقابات العمالية، وأي مبادرات يمكن أن تمثل شكلاً من أشكال التنظيم الشعبي من القاعدة إلى القمة. وقد تم تفكيك هذه الهياكل أو إضعافها بشكل كبير. ونتيجة لذلك، لا يمكن الاعتماد على وجود قيادة سياسية واضحة أو تنظيمات شعبية راسخة تقود الحركات الاحتجاجية. ولذلك غالبًا ما تعتمد الاحتجاجات في إيران على مبادرات فردية أو جماعية عفوية من قبل المتظاهرين دون وجود قيادة مركزية أو تنظيم سياسي واضح. [12]
3. تحليل احتمالات الانتقال الديمقراطي في إيران
كما أوضحت هذه الدراسة، فإن أربعة من الشروط الستة اللازمة للانتقال الديمقراطي متوفرة في إيران، بينما يغيب شرطان أساسيان. ولذلك فإن مسألة إمكانية حدوث انتقال ديمقراطي في إيران تظل غير واضحة أو مؤكدة.
ويبدو أن العامل الأكثر تأثيرًا في تحديد مستقبل التحول الديمقراطي في إيران هو احتمال التدخل العسكري الأمريكي. فإمكانية التحول الديمقراطي في إيران قد تعتمد إلى حد كبير على مدى التدخل العسكري الأمريكي وطبيعة الخيارات العسكرية التي قد تعتمدها الولايات المتحدة.
أ. السيناريو الأول: قيام الولايات المتحدة بضربات دقيقة ومحدودة
قدّر وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو أن النظام الإيراني ربما أصبح أضعف مما كان عليه في أي وقت سابق. وفي هذا السياق، قد تقوم القوات البحرية والجوية الأمريكية بتنفيذ ضربات محدودة ودقيقة تستهدف قواعد عسكرية تابعة لـ الحرس الثوري الإيراني (IRGC)، إضافة إلى وحدات الباسيج شبه العسكرية التي تخضع لسيطرة الحرس الثوري، وكذلك مواقع إطلاق وتخزين الصواريخ الباليستية، فضلًا عن منشآت مرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني.
وفي هذا السيناريو، قد يؤدي إضعاف النظام الإيراني — الذي يعاني أصلًا من ضغوط داخلية — إلى سقوطه في نهاية المطاف، الأمر الذي قد يفتح المجال أمام انتقال سياسي نحو نظام ديمقراطي حقيقي يمكن أن يعيد إيران إلى الاندماج في المجتمع الدولي.
غير أن هذا السيناريو يُعد متفائلًا للغاية، كما أنه غير مرجح إلى حد كبير. فالتجارب السابقة للتدخلات العسكرية الغربية في العراق وليبيا لم تؤدِّ إلى انتقال ديمقراطي سلس. وعلى الرغم من أن هذه التدخلات أسقطت أنظمة استبدادية في كلا البلدين، فإنها أدت أيضًا إلى سنوات من الفوضى والعنف وعدم الاستقرار.
وقد صرح مسؤول إسرائيلي رفيع المستوى بأن إسرائيل لا تعتقد أن الضربات الجوية الأمريكية وحدها يمكن أن تسقط النظام الإسلامي في إيران إذا كان هذا هو الهدف النهائي لواشنطن. كما يشير خبراء عسكريون إلى أن حملة جوية أمريكية طويلة الأمد تبدو غير مرجحة، خاصة في ظل التقارير التي تشير إلى أن الرئيس ترامب يفضل تنفيذ ضربة محدودة وحاسمة.
وفي هذا السياق، قال جيسون برودسكي، وهو عضو في مشروع استراتيجية إيران التابع للمجلس الأطلسي، إن الرئيس ترامب كان يميل تاريخيًا إلى تنفيذ عمليات عسكرية سريعة ودقيقة ومحددة وذات تأثير كبير، مشيرًا إلى الضربات الجوية الأمريكية التي استهدفت سوريا خلال ولايته الأولى.
ومع ذلك، حتى حملة عسكرية تستمر عدة أشهر قد لا تضمن سقوط النظام الإيراني. فقد أوضح مايكل هورويتز، وهو خبير دفاعي مستقل في إسرائيل، أن حملة جوية أمريكية مستمرة يمكن أن تضعف القدرات العسكرية التقليدية لإيران بشكل كبير من خلال تدمير مراكز القيادة والسيطرة والبنية التحتية العسكرية الثابتة، لكنها من غير المرجح أن تؤدي وحدها إلى انهيار قوات الأمن الإيرانية، التي يمكنها التشتت وإخفاء قدراتها والتحول إلى أساليب قمع داخلي منخفضة الظهور. [13]
وأضاف هورويتز في تصريح لوكالة رويترز أن إسقاط النظام الإيراني يتطلب نشر قوات برية على الأرض، مشيرًا إلى أنه حتى في حال اغتيال المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي، فإن إيران قد تشهد ببساطة ظهور قائد جديد يحل محله. [14]
كما أشار جيسون برودسكي إلى أن أي تدخل عسكري أمريكي قد يتضمن استهداف القيادة السياسية إلى جانب ضرب البنية التحتية العسكرية والأمنية الإيرانية. ومع ذلك، حذر برودسكي من أن النظام السياسي الإيراني مصمم بحيث يستطيع البقاء حتى في حال فقدان قياداته العليا. وقال: إن الجمهورية الإسلامية أكبر من أي شخص واحد، موضحًا أن هناك مؤسسات وآليات دستورية للخلافة يمكنها ملء أي فراغ في السلطة، حتى لو أدى إقصاء المرشد الأعلى إلى حالة من عدم الاستقرار المؤقت. [15]
علاوة على ذلك، وعلى الرغم من أن القيادة الإيرانية قد تعرضت لقدر من الضعف نتيجة الاحتجاجات الواسعة التي شهدتها البلاد، فإنها ما زالت تحتفظ بسيطرة قوية على مؤسسات الدولة، وذلك رغم الأزمة الاقتصادية العميقة التي كانت أحد الأسباب الرئيسية وراء اندلاع تلك الاحتجاجات. وقد حذر داني سيترينوفيتش، وهو مسؤول سابق في الاستخبارات الإسرائيلية يعمل حاليًا في المجلس الأطلسي، من أن الضربات العسكرية الأمريكية قد تأتي بنتائج عكسية. فبحسب رأيه، قد تؤدي أي هجمات أمريكية إلى تعزيز موقف المتشددين داخل النظام الإيراني بدلاً من إضعافه. ويرى سيترينوفيتش أن الهجوم الخارجي قد يدفع النخب السياسية إلى التكاتف حول النظام الحاكم، كما قد يؤدي إلى تهميش المحتجين وتعزيز الرواية الرسمية للنظام التي تقوم على فكرة أن البلاد تتعرض لـ«حصار خارجي».
وفي السياق ذاته، أشار أليكس فاتانكا، مدير برنامج إيران في معهد الشرق الأوسط، إلى أن الاحتجاجات داخل إيران، على الرغم من شجاعتها، تبقى غير متكافئة في مواجهة قوة الدولة ما لم تحدث انشقاقات كبيرة داخل المؤسسة العسكرية أو الأمنية. ويرى فاتانكا أن تغيير المسار السياسي في إيران يتطلب مزيجًا من الضغط الخارجي ووجود معارضة داخلية منظمة وقادرة على القيادة.
إلا أن الواقع يشير إلى أن المعارضة الإيرانية تعاني من انقسامات أيديولوجية حادة. فهي تضم طيفًا واسعًا من القوى السياسية المختلفة، مثل الملكيين والجمهوريين والقوميين العلمانيين والشيوعيين والاشتراكيين، إضافة إلى حركات انفصالية عرقية مثل بعض الجماعات القومية الكردية، وكذلك مؤيدين للديمقراطية الليبرالية الغربية، فضلًا عن تيارات إسلامية معارضة للنظام تشمل بعض الشيعة المنشقين وكذلك جماعات سلفية سنية وإسلاميين أكراد. وبسبب هذا التنوع الأيديولوجي الكبير، تعاني المعارضة من تشرذم واضح وخلافات داخلية عميقة حول شكل النظام السياسي الذي يجب أن يحكم إيران بعد سقوط الجمهورية الإسلامية. [16]
ومن ناحية أخرى، تجنب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشكل واضح دعم أي شخصية محددة لخلافة المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي. كما أن رضا بهلوي، ولي العهد الإيراني السابق المقيم في المنفى، لا يحظى بقدر كافٍ من الدعم داخل إيران يمكنه من تولي القيادة فورًا في حال سقوط النظام. [17] ورغم أن بعض وسائل الإعلام الغربية أشارت إلى رضا بهلوي — نجل شاه إيران الذي أطيح به في ثورة 1979 — بوصفه احتمالًا بديلاً، خاصة بعد دعوته المتظاهرين للنزول إلى الشوارع ضد حكم خامنئي، فإن العديد من المحللين يرون أنه لا يمتلك المقومات اللازمة لقيادة حركة سياسية وطنية واسعة. كما أن شريحة من الإيرانيين تنظر إليه بوصفه شخصية قريبة جدًا من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الأمر الذي يقلل من جاذبيته لدى قطاعات من المجتمع الإيراني.
وفي هذا السياق، تقول الصحفية الإيرانية فاطمة كريمخان إن رضا بهلوي نفسه لا يبدو متحمسًا للعودة إلى إيران لتولي السلطة. وتشير كريمخان إلى أنه على الرغم من وجود بعض المؤيدين للملكية داخل إيران، فإن عددهم وتأثيرهم أقل بكثير مما يُصوَّر في بعض وسائل الإعلام.
ب. السيناريو الثاني: الضربات الجوية الأمريكية متبوعة بإرسال قوات برية لتغيير النظام
يرى العديد من الخبراء أن احتمال إرسال الولايات المتحدة قوات برية إلى إيران يبقى ضعيفًا للغاية. ففي رأي مهران أكبرزاده، من غير المرجح أن يقدم الرئيس ترامب على مثل هذه الخطوة، لأنه لا يؤمن بمشاريع بناء الدول أو الالتزامات العسكرية طويلة الأمد. ويقول أكبرزاده: إن ترامب ليس مهتمًا بإعادة بناء الدول أو نشر الديمقراطية بالقوة العسكرية، مشيرًا إلى أنه أنهى المشاركة الأمريكية في الحرب الطويلة في أفغانستان، وبالتالي فمن غير المتوقع أن يوافق على نشر قوات برية في إيران، خاصة أن تكلفة مثل هذا التدخل ستكون باهظة للغاية. [18]
وقد تحركت الولايات المتحدة بالفعل في عهد ترامب لإنهاء الحرب الطويلة في أفغانستان التي بدأت عام 2001. ففي عام 2020، وخلال ولاية ترامب الأولى، وقّع المسؤولون الأمريكيون وممثلو حركة طالبان اتفاق الدوحة بعد أشهر من المفاوضات في قطر بهدف إنهاء الحرب. أما الانسحاب الفعلي للقوات الأمريكية فقد تم في عام 2021 خلال رئاسة جو بايدن.
والأهم من ذلك أن الولايات المتحدة تواجه صعوبة كبيرة في غزو إيران عسكريًا. [19] فتنفيذ غزو عسكري لأي دولة يتطلب توفر أحد خيارين: إما الغزو البري عبر الحدود أو الغزو البحري البرمائي. غير أن الولايات المتحدة لا تستطيع عمليًا تنفيذ أي من هذين الخيارين في الحالة الإيرانية. [20]
فالغزو البري غير ممكن لأن الولايات المتحدة لا تسيطر على أي أراضٍ تشترك بحدود مباشرة مع إيران. وكما يوضح الشكل (9)، فإن معظم الدول المجاورة لإيران ليست حليفة للولايات المتحدة في هذا السياق. فإيران تتشارك حدودًا برية مع ثماني دول (بما في ذلك إقليم ناغورنو كاراباخ المتنازع عليه)، لكن لا توجد أي دولة من هذه الدول وافقت على استخدام أراضيها كنقطة انطلاق لغزو بري لإيران.
كما أن الولايات المتحدة تفتقر إلى القواعد العسكرية الإقليمية الكافية التي يمكن استخدامها لشن غزو واسع النطاق يهدف إلى تدمير القوات المسلحة الإيرانية وإسقاط النظام الثوري. وحتى الحلفاء التقليديون للولايات المتحدة في الخليج، مثل المملكة العربية السعودية، لا يرغبون في استخدام أراضيهم أو مجالهم الجوي لشن هجمات أمريكية مباشرة على إيران.
أما العراق، فعلى الرغم من وجود قوات أمريكية على أراضيه، فإنه يحتفظ بعلاقات سياسية واقتصادية وثيقة مع النظام الإيراني في الوقت الحالي. ولذلك فمن المستبعد جدًا أن تسمح الحكومة العراقية للقوات الأمريكية باستخدام أراضيها كنقطة انطلاق لغزو إيران. كما أن العراق وأفغانستان لم يعودا تحت احتلال عسكري أمريكي مباشر كما كان الحال في السابق. [21]

الشكل (9): الدول المجاورة لإيران ومعظمها غير متحالف مع الولايات المتحدة
بديلًا عن الغزو البري، قد تفكر الولايات المتحدة نظريًا في تنفيذ غزو برمائي عبر البحر باتجاه الأراضي الإيرانية. غير أن مثل هذه العملية ستكون ضخمة للغاية، وقد تُعد أكبر عملية إنزال برمائي منذ عملية يوم الإنزال (D-Day) خلال الحرب العالمية الثانية. ومن المرجح أن يؤدي هذا النوع من العمليات إلى خسائر بشرية كبيرة في صفوف القوات الأمريكية على السواحل الإيرانية، وهو أمر قد لا يكون مقبولًا سياسيًا داخل الولايات المتحدة.
تمتلك إيران قدرات عسكرية كبيرة يمكن أن تجعل أي غزو مباشر مكلفًا للغاية. فهي تمتلك أعدادًا كبيرة من الصواريخ الباليستية وصواريخ الكروز، إضافة إلى واحدة من أكبر مخزونات المدفعية في العالم. كما أن إيران قد تحصل على دعم عسكري من حلفائها مثل الصين وروسيا وكوريا الشمالية في حال وقوع غزو أمريكي واسع النطاق. ولهذا فإن أي عملية عسكرية بهذا الحجم ستكون صعبة ومعقدة ومكلفة للغاية.
وحتى لو كانت الولايات المتحدة مستعدة لتحمل خسائر كبيرة، فإن القوات الأمريكية ستواجه تحديًا جغرافيًا إضافيًا. فالوصول إلى العاصمة طهران يتطلب عبور مناطق جبلية وعرة وتضاريس صعبة داخل إيران. وقد شبّه بعض المحللين هذا السيناريو بالقتال في غابات فيتنام خلال حرب فيتنام، لكن في ظروف أصعب بكثير.
وللمقارنة، فقد قُتل أكثر من 50 ألف جندي أمريكي خلال نحو ثماني سنوات من الحرب في فيتنام. وفي حالة حرب شاملة مع إيران، يعتقد بعض الخبراء أن عدد القتلى الأمريكيين قد يصل إلى عشرات الآلاف سنويًا. ومن ثم يبرز سؤال مهم: هل ستكون الحكومة الأمريكية والرأي العام الأمريكي مستعدين لتحمل مثل هذه الخسائر؟
إن خسائر بهذا الحجم لم تشهدها الولايات المتحدة منذ حرب فيتنام أو الحرب الكورية، وربما منذ الحرب العالمية الثانية. وفي حال اندلاع حرب واسعة مع إيران، فمن المرجح أن تنشأ معارضة شعبية كبيرة داخل الولايات المتحدة. وقد يؤدي ذلك إلى ظهور أكبر حركة مناهضة للحرب منذ حقبة فيتنام، وهو ما قد يثير أيضًا خلافات سياسية داخلية حول قضايا أخرى مثل الهجرة والسياسات الداخلية. ولذلك يتعين على صناع القرار في واشنطن أخذ هذه الاعتبارات بعين الاعتبار عند التفكير في خيار تغيير النظام بالقوة العسكرية. [23]
كما توجد اعتبارات جيوسياسية إقليمية مهمة. فالدول الحليفة للولايات المتحدة في المنطقة، مثل المملكة العربية السعودية، لا تدعم حاليًا اندلاع حرب واسعة ضد إيران. كما أن إيران تمتلك القدرة على استهداف الأصول العسكرية الأمريكية المنتشرة في المنطقة، بما في ذلك القواعد الموجودة في الكويت والبحرين والأردن وغيرها. وهذه الدول الخليجية لا ترغب في أن تتحول أراضيها إلى ساحة حرب، كما أنها تخشى تعرض منشآتها النفطية والطاقة لهجمات إيرانية.
إضافة إلى ذلك، هناك احتمال أن يؤدي أي صراع عسكري أمريكي-إسرائيلي ضد إيران إلى توسع الصراع ليصبح مواجهة دولية أوسع. فالصين، على سبيل المثال، تعتمد على منطقة الخليج لتأمين نحو 40% من وارداتها النفطية. وفي حال تعطلت إمدادات الطاقة من الخليج بسبب حرب واسعة، فمن غير المرجح أن تبقى الصين مكتوفة الأيدي. وفي الحد الأدنى قد تقوم الصين بتزويد إيران بالأسلحة أو الدعم اللوجستي للدفاع عن نفسها، وهو ما قد يزيد من خطر تحول الصراع إلى مواجهة عالمية. كما أن نحو ثلث إمدادات الطاقة العالمية تمر عبر هذه المنطقة الحيوية، ما يجعل أي حرب واسعة هناك ذات تأثير عالمي كبير.
لذلك، يبدو أن نشر قوات برية أمريكية في إيران أمر غير مرجح إلى حد كبير، وهو ما يعني أن خيار تغيير النظام بالقوة العسكرية وإحداث انتقال ديمقراطي في إيران يظل احتمالًا ضعيفًا للغاية.
رابعًا: الخلاصة
طرحت هذه الدراسة سؤالًا رئيسيًا مفاده: هل يمكن أن تؤدي الضربات العسكرية الأمريكية ضد إيران إلى انتقال ديمقراطي داخل البلاد؟ وللإجابة عن هذا السؤال، قامت الدراسة أولًا باستعراض النظريات المختلفة المتعلقة بعمليات التحول الديمقراطي والشروط المسبقة التي تسهم في حدوثها. ثم قامت بتحليل الحالة الإيرانية وتقييم ما إذا كانت هذه الشروط متوفرة فيها.
وقد أظهرت الدراسة أن أربعة من الشروط الستة اللازمة لحدوث انتقال ديمقراطي متوفرة في إيران، وهي: عدم شعبية النظام الحاكم، ووجود ضغوط دولية، وسوء الأوضاع الاقتصادية، ووجود تعبئة جماهيرية واسعة. في المقابل، يفتقر النظام السياسي الإيراني إلى شرطين أساسيين هما وجود معارضة موحدة ذات قيادة قوية ووجود مجتمع مدني قوي ومنظم.
وفي ضوء هذا التحليل، يتضح أن التدخل العسكري الأمريكي قد يسهم في إضعاف النظام الإيراني، لكنه لا يضمن بالضرورة حدوث انتقال ديمقراطي. فالتجارب السابقة في دول مثل العراق وليبيا تشير إلى أن إسقاط الأنظمة بالقوة العسكرية قد يؤدي إلى فترات طويلة من عدم الاستقرار والصراع الداخلي بدلاً من إقامة نظام ديمقراطي مستقر.
وبناءً على ذلك، يمكن القول إن الضربات العسكرية الأمريكية قد تؤثر في موازين القوى داخل إيران، لكنها ليست عاملًا كافيًا بحد ذاتها لتحقيق انتقال ديمقراطي مستدام، خاصة في ظل غياب معارضة سياسية موحدة قادرة على قيادة مرحلة ما بعد النظام الحالي.
Related
First published in:
World & New World Journal
World & New World Journal Policy Team