أعادت حكومة السلفادور صياغة سياسة الأمن في البلاد بشكل شامل، ونجحت في إنهاء عنف العصابات، ما أزال ما كان يُعتقد أنه القيد الرئيسي على الاقتصاد. وقد سُجلت تحسينات قابلة للقياس في مجالات مثل الهجرة إلى الخارج، والصادرات، والاستثمار، لكن النمو لم يتحسن حتى الآن إلا بشكل محدود.
السلفادور دولة صغيرة يبلغ عدد سكانها 6.4 ملايين نسمة، وتجاور غواتيمالا وهندوراس ونيكاراغوا. ويُعد رئيسها، نجيب بوكيلي، واحداً من أكثر القادة شعبية، ولكنه أيضاً من أكثرهم إثارة للجدل في نصف الكرة الغربي. وقد وضعت سياساته بلاده مراراً في دائرة الاهتمام الدولي، بدءاً من اعتماد العملة المشفرة بيتكوين كعملة قانونية، وصولاً إلى بناء دولة أمنية واسعة النطاق.
وعلى خلاف اعتماد بيتكوين، الذي حظي بتغطية إعلامية واسعة من دون أن يحقق مكاسب مادية تُذكر، فإن الحملة على العصابات غيّرت الحياة اليومية بصورة جذرية في بلد كان، حتى وقت قريب، من بين أكثر دول العالم عنفاً.
وعلى مدى عقود، اتفق الباحثون على أن الجريمة كانت أحد القيود الرئيسية على اقتصاد السلفادور. فقد دفع العنف السكان إلى الهجرة، وأحبط الاستثمار، ورفع تكاليف ممارسة الأعمال، وأسهم في إبقاء البلاد عالقة في فترة ممتدة من النمو المنخفض.
وقد أزالت السياسة الأمنية للرئيس بوكيلي هذا القيد إلى حد كبير. وإذا كان التشخيص السابق صحيحاً، فمن المفترض أن يشهد اقتصاد السلفادور طفرة قوية. لكن الأدلة حتى الآن لا تزال غير حاسمة. فقد انهارت معدلات القتل والسرقة في الشوارع، وتباطأت الهجرة إلى الخارج، وارتفع الاستثمار، لكن النمو لم يتحسن إلا بشكل محدود، ولا تزال قاعدة الصادرات في البلاد ضيقة.
وتحمل حالة السلفادور دلالات أوسع بالنسبة إلى دول في أمريكا الوسطى مثل المكسيك، التي لا تزال تعاني مشكلات متجذرة في الجريمة والعنف. وعلى الرغم من أنه لا يزال من المبكر استخلاص استنتاجات حاسمة، فإن تجربة السلفادور توضح أن الأمن، وإن كان ضرورياً لتحقيق الازدهار، لا يشكل بمفرده استراتيجية للنمو.
الفخ القديم: كيف أعاقت الحرب الأهلية تقدم السلفادور؟
لم تتعافَ السلفادور بالكامل من حربها الأهلية، التي استمرت من عام 1979 إلى عام 1992 وأودت بحياة ما يُقدّر بنحو 75 ألف شخص. وعلى الرغم من أن الاقتصاد نما بصورة مطردة منذ أوائل تسعينيات القرن الماضي، فإن مستوى المعيشة النسبي في البلاد لم يتحسن إلا بالكاد.
وقبل اندلاع الصراع، كان دخل الفرد في السلفادور يعادل نحو 11-12% من مستواه في الولايات المتحدة، ما يعني أن الأمريكيين كانوا أكثر ثراءً بنحو ثمانية أو تسعة أضعاف (انظر الشكل 1). وخلال الحرب، انهار الدخل النسبي في السلفادور إلى نحو 6-7% من المستوى الأمريكي. وتمكنت البلاد في نهاية المطاف من استعادة مستوى دخلها المطلق الذي كان سائداً قبل الأزمة، لكنها لم تسترجع سوى جزء صغير من الفجوة التي خسرتها مقارنة بالاقتصادات الأكثر ثراءً.
الشكل 1: نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي في السلفادور مقارنة بالولايات المتحدة (بالدولار الثابت لعام 2015)

المصدر: حسابات المؤلف باستخدام مؤشرات التنمية العالمية
وتروي صادرات السلفادور قصة مماثلة. فمنذ نهاية الحرب الأهلية، لم تنجح البلاد في تطوير قطاع جديد قادر على تحقيق انطلاقة اقتصادية كبيرة. وقد تراجعت المنسوجات، التي لطالما كانت من أهم الصناعات التصديرية في البلاد، على مدى عقد كامل من حيث حصتها في السوق العالمية، بعد أن شهدت حالة من الركود خلال العقد السابق، في حين ظل قطاع الزراعة مستقراً بشكل عام، وبقيت القطاعات الأخرى محدودة الحجم (انظر الشكل 2).
أما أداء السلفادور في مؤشر التعقيد الاقتصادي، الذي يقيس مدى تطور القدرات الإنتاجية لكل دولة مقارنة بغيرها، فيبدو إيجابياً، ولكن بصورة سطحية فقط. فعلى الرغم من أن السلفادور تقدمت في التصنيف متجاوزة 11 دولة أخرى، فإن عدد السلع الجديدة التي أُضيفت إلى سلة صادراتها لا يتجاوز حفنة قليلة، كما أن مساهمتها في دخل الفرد كانت ضئيلة للغاية، إذ بلغت نحو 7 دولارات فقط للفرد سنوياً.
الشكل 2: الحصة من السوق العالمية حسب القطاع، 1995-2024

المصدر: أطلس التعقيد الاقتصادي، حسابات المؤلف
ملاحظة: تشمل الخطوط الرمادية الخدمات، والمواد الكيميائية، والمعادن، والإلكترونيات، والمواد الخام، ومنتجات الحجر، والآلات، والمركبات.
ارتفعت الصادرات بنحو 11 نقطة مئوية خلال السنوات العشرين الماضية، لتصل إلى 33% من الناتج المحلي الإجمالي. لكن تركيبة هذا الارتفاع ليست مثالية. فلم تأتِ هذه المكاسب من صادرات التصنيع والصناعة، وهي قطاعات تولد آثاراً اقتصادية إيجابية غير مباشرة، إذ ظلت راكدة بالقيمة الحقيقية للفرد.
وبدلاً من ذلك، جاءت الزيادة بشكل أساسي من السفر والسياحة، حيث ارتفعت من نحو 30 دولاراً للفرد في عام 1995 إلى قرابة 550 دولاراً في عام 2024، وهو إنجاز مهم لبلد كان معروفاً في السابق بالعنف المتفشي (انظر الشكل 3).
ومع ذلك، فمن غير المرجح أن يكون النمو القائم على السياحة وحده كافياً لتحقيق مكاسب في الإنتاجية، وتطوير شبكات الموردين، ونقل التكنولوجيا، وتنمية المهارات، وهي آثار ترتبط عادةً بالقطاعات القابلة للتجارة الأكثر تعقيداً.
الشكل 3: الصادرات الحقيقية للفرد حسب القطاع، 1995-2024

المصدر: حسابات المؤلف باستخدام مؤشرات التنمية العالمية
وقد جرى تشخيص هذا الركود بشكل واضح. فقبل وصول بوكيلي إلى السلطة، كانت المؤسسات الوطنية والدولية المعنية بالتنمية، والباحثون الأكاديميون، ومحللو السياسات، يصفون السلفادور على نطاق واسع بأنها عالقة في «توازن منخفض النمو» يعزز نفسه بنفسه. فقد شجعت معدلات الجريمة والعنف المرتفعة على الهجرة إلى الولايات المتحدة وغيرها، وقللت الاستثمار والاستهلاك المحليين، وأجبرت الشركات على الإنفاق على الحماية ودفع أموال الابتزاز، كما دفعت الدولة إلى تخصيص مواردها المحدودة للأمن.
ثم أدى ضعف النمو، وانخفاض خلق الوظائف، ومحدودية الاستثمار العام إلى تغذية البطالة والجريمة والمزيد من الهجرة من جديد. وكانت النتيجة بلداً يعاني نقصاً في الاستثمار، وارتفاعاً في معدلات الهجرة، وضعفاً في نمو الإنتاجية، ومحدودية في الحيز المالي المتاح للدولة.
كيف أثرت التغييرات في السياسة الأمنية على السلفادور؟
بعد وقت قصير من توليه منصبه، طبق بوكيلي سياسة أمنية لا يمكن وصفها إلا بأنها شديدة القسوة. فمن خلال اعتقال وسجن أعداد هائلة من الأشخاص المشتبه في انتمائهم إلى العصابات، إلى حد كبير من دون ضمانات كافية للإجراءات القانونية الواجبة، نجحت الحكومة في تقليص نفوذ العصابات التي كانت تسيطر على الأحياء، وتبتز الشركات، وتؤثر في تفاصيل الحياة اليومية على مدى عقود.
لكن التكلفة على صعيد حقوق الإنسان كانت باهظة. فقد أدت صلاحيات حالة الاستثناء المستخدمة لتنفيذ الاعتقالات إلى إضعاف الضمانات القانونية الأساسية، وشملت عمليات الاحتجاز الجماعي أعداداً كبيرة من الأشخاص من دون محاكمة، كما تآكل مبدأ قرينة البراءة بصورة شبه كاملة.
ومع ذلك، أثبتت هذه السياسة فعالية استثنائية وحظيت بشعبية واسعة. فقد انخفض معدل جرائم القتل العمد في السلفادور من أكثر من 50 جريمة لكل 100 ألف نسمة إلى نحو جريمتين فقط خلال بضع سنوات. وأصبحت البلاد اليوم أكثر أماناً بشكل واضح من الدول المجاورة لها (انظر الشكل 4).
الشكل 4: معدل جرائم القتل العمد حسب الدولة

المصادر: مؤشرات التنمية العالمية؛ مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة (UNODC)؛ الشرطة الوطنية المدنية
من الصعب المبالغة في أهمية هذا التحول. ففي بيئة ترتفع فيها معدلات الجريمة، تواجه الشركات التكاليف المعتادة لرأس المال والأجور والضرائب، إلى جانب مجموعة من التكاليف الخفية مثل الابتزاز، والإنفاق على الأمن، وتقييد حرية الحركة، والتهديدات التي يتعرض لها العمال، وعدم اليقين بشأن إمكانية حماية الاستثمارات. وتواجه الأسر قيوداً مشابهة.
وبناءً على ذلك، من المفترض أن يؤدي الانخفاض الحاد في نشاط العصابات إلى تسهيل العمل، والتنقل، وبدء المشاريع التجارية، والاستمرار في التعليم، والاستثمار. وإلى جانب التحسن الواضح في جودة الحياة الناتج عن انخفاض الجريمة، هناك أيضاً أثر اقتصادي هيكلي أوسع.
كما تباطأت الهجرة إلى الخارج بشكل ملحوظ. فخلال الحرب الأهلية وبعدها، غادر السلفادوريون البلاد بأعداد كبيرة، إذ كان ما بين 0.5% و2% من السكان يغادرون في أي عام معين. ويساعد هذا النزوح في تفسير وجود نحو 2.5 مليون سلفادوري في الولايات المتحدة، مقارنة بنحو 6.4 ملايين شخص يعيشون في السلفادور نفسها.
واليوم، يقترب صافي الهجرة كنسبة من عدد السكان من أدنى مستوياته منذ عام 1970 (انظر الشكل 5). ومن المرجح أن يكون انخفاض الجريمة جزءاً من تفسير ذلك، رغم أن تشديد الرقابة على الحدود بين المكسيك والولايات المتحدة لعب دوراً أيضاً.
الشكل 5: صافي الهجرة كنسبة من سكان السلفادور، 1960-2024

المصدر: حسابات المؤلف باستخدام مؤشرات التنمية العالمية
كما ارتفع الاستثمار بشكل كبير. فقبل تولي بوكيلي منصبه، كان تكوين رأس المال الثابت الإجمالي يتراوح عموماً بين 15% و18% من الناتج المحلي الإجمالي، وكان أدنى من مستوياته في بعض دول المنطقة النظيرة. أما الآن، فقد ارتفع إلى نحو 23% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو مستوى قريب تقريباً من هندوراس ونيكاراغوا (انظر الشكل 6).
وتكتسب هذه الزيادة أهمية لأنها تشير إلى أن الشركات والأسر و/أو الدولة تخصص حصة أكبر من موارد الاقتصاد للمستقبل، بدلاً من الاكتفاء باستهلاك الفائض الناتج عن انخفاض مستويات العنف. ومع ذلك، لا يزال من المبكر تحديد القطاعات التي تستقبل هذا الاستثمار بدقة.
الشكل 6: الاستثمار الثابت كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي، 2010-2024

المصدر: حسابات المؤلف باستخدام مؤشرات التنمية العالمية
ماذا عن النمو الاقتصادي الأوسع؟
إذا كان التشخيص السابق صحيحاً، فمن المفترض أن تؤدي هذه التغيرات الثلاثة — انخفاض الجريمة، وتراجع الهجرة إلى الخارج، وارتفاع الاستثمار — إلى تسارع كبير في النمو الاقتصادي. فالبلد الذي أصبح أكثر أماناً، ويحتفظ بعدد أكبر من العمال، ويستثمر بصورة أكبر، يُفترض أن ينمو بوتيرة أسرع.
وقد نما اقتصاد السلفادور بالفعل بوتيرة أسرع، لكن التحسن كان أقل مما قد يوحي به حجم التحول الأمني. فقبل جائحة كوفيد-19، وقبل تطبيق سياسة بوكيلي الأمنية الجديدة، كان نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي ينمو بمعدل سنوي مركب يبلغ نحو 2.2%. أما في فترة ما بعد الجائحة، التي شهدت انهياراً في معدلات الجريمة، فقد بلغ المعدل المقارن 2.8%، وهو تحسن معتدل (انظر الشكل 7).
وقد أدى ذلك إلى تقليص المدة اللازمة لمضاعفة مستويات المعيشة من نحو 32 عاماً إلى نحو 25 عاماً، لكنه لا يمثل انطلاقة اقتصادية حاسمة.
الشكل 7: نمو نصيب الفرد الحقيقي من الناتج المحلي الإجمالي، 2015-2025

المصدر: حسابات المؤلف باستخدام مؤشرات التنمية العالمية
هناك تفسيرات غير مقلقة لهذا الأمر. إذ يستغرق تحويل تحسن الظروف إلى خطط استثمارية وقتاً، كما تحتاج هذه الاستثمارات بدورها إلى وقت قبل أن تتحول إلى إنتاج اقتصادي فعلي. فالشركات تحتاج إلى تحديد الفرص، وتأمين التمويل، وتوظيف العمال، وبناء المنشآت، ودخول الأسواق. وقد يستجيب قطاع السياحة لتحسن الوضع الأمني بسرعة أكبر، لكن التصنيع والخدمات اللوجستية والخدمات ذات القيمة المضافة الأعلى تحتاج إلى فترات أطول. وقد يكون التحسن الظاهر في النمو خلال عام 2025 دليلاً على أن العوائد بدأت بالظهور.
لكن بيانات الاستثمار الأجنبي المباشر أقل تشجيعاً. فلم يشهد الاستثمار الأجنبي المباشر ارتفاعاً كبيراً حتى الآن. بل تعافى فقط بعد تراجعه في عام 2022، عندما كانت الأسواق المالية تسعّر مخاطر مرتفعة لتخلف الدولة عن سداد ديونها، وسط مخاوف بشأن السياسة المالية وتجربة بيتكوين (انظر الشكل 8). ولا يمثل ذلك حتى الآن الزيادة المستدامة التي يمكن توقعها إذا كانت الشركات الأجنبية تتجه بأعداد كبيرة إلى بناء قدرات إنتاجية جديدة في السلفادور.
وتكمن أهمية ذلك في أن الاستثمار الأجنبي المباشر لا يجلب رأس المال فقط، بل ينقل أيضاً التكنولوجيا، والخبرات الإدارية، والوصول إلى الأسواق، وعلاقات الموردين، والتدريب، وهي عوامل يمكن أن تمتد آثارها الإيجابية إلى الاقتصاد الأوسع.
الشكل 8: تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي، 2010-2024

المصدر: حسابات المؤلف باستخدام مؤشرات التنمية العالمية
تشير بيانات الصادرات الحديثة إلى الاتجاه نفسه. فقد يكون انخفاض الجريمة قد جعل السلفادور أكثر أماناً وجاذبية، لكن تحولاً واسعاً في القطاعات القابلة للتجارة في البلاد لم يظهر بعد. وتصدر البلاد خدمات أكثر، ولا سيما في مجال السياحة، لكنها لم تنتقل حتى الآن إلى مجموعة أوسع من السلع والخدمات الأكثر تعقيداً. وتكتسب هذه التفرقة أهمية لأن الاقتصاد الأكثر أماناً قد يشهد طفرة في الاستهلاك والسياحة من دون أن يصبح أكثر إنتاجية بدرجة كبيرة.
ما القيود الجديدة التي قد تعيق السلفادور؟
من الممكن أن يكون النموذج السياسي نفسه الذي نجح في تحسين الأمن قد أوجد مخاطر اقتصادية جديدة. ففي عهد بوكيلي، تعرضت المؤسسات الديمقراطية في السلفادور لتآكل كبير. فقد أقدم حزب نويفاس إيدياس الحاكم وحلفاؤه على عزل واستبدال الغرفة الدستورية في المحكمة العليا، وأتاحوا إعادة انتخاب الرئيس رغم وجود حظر دستوري، وجددوا أنظمة الطوارئ التي تعلق ضمانات أساسية، كما أضعفوا استقلال القضاء.
وتُظهر بيانات منظمة فريدوم هاوس تراجعاً في معظم مؤشرات الحريات المدنية والحقوق السياسية، كما يقدم مؤشر الديمقراطية الصادر عن وحدة الاستخبارات الاقتصادية التابعة لمجلة The Economist صورة مماثلة (انظر الشكل 9).
الشكل 9: درجات الفئات الفرعية للحريات المدنية، 2012-2024

المصدر: بيانات منظمة فريدوم هاوس، تقرير الحرية في العالم
تقوم الفكرة على أنه في حين يقدّر المستثمرون انخفاض معدلات الجريمة، فإنهم يقدّرون أيضاً سيادة القانون. فالحكومة القادرة على التحرك بحزم ضد العصابات يمكنها أيضاً أن تتحرك بالحزم نفسه ضد القضاة، والمعارضين، والشركات، والعقود، وحقوق الملكية.
وعلى المدى القصير، قد تفوق فوائد حرية الحكومة في اتخاذ القرار تكاليفها، لكن على المدى الطويل يمكن أن تؤدي السلطة التنفيذية غير المقيدة إلى قدر كبير من عدم اليقين. وقد تتقبل الشركات التي تقوم باستثمارات صغيرة وقابلة للتراجع هذا النوع من المخاطر، لكن الشركات التي تنفذ استثمارات كبيرة وغير قابلة للتراجع، ولا سيما في الصناعات التحويلية، قد تتردد ما لم تكن تثق بالمحاكم، والسلطات الضريبية، والجهات التنظيمية، والحكومات المستقبلية.
وفي الخلفية، ازدادت القيود المالية في السلفادور أيضاً. فاقتصاد البلاد يعتمد على الدولار الأمريكي كعملة رئيسية، ما يحد من المرونة النقدية. وإضافة إلى ذلك، تجاوز الدين العام الآن 100% من الناتج المحلي الإجمالي، أي ما يعادل ضعف مستواه قبل الجائحة، كما تكلف مدفوعات الفائدة السنوية البلاد نحو 5% من الناتج المحلي الإجمالي.
وفي فبراير/شباط 2025، وافق صندوق النقد الدولي على قرض بقيمة 1.4 مليار دولار، بعد سنوات من تعثر المفاوضات، مقابل تراجع الحكومة عن مشروع بيتكوين وخفض عجز الموازنة بما يعادل 3.5% من الناتج المحلي الإجمالي خلال ثلاث سنوات. ومن شأن البرنامج أن يدعم استقرار الاقتصاد الكلي، لكن القيود المالية تحد من قدرة الدولة على الاستثمار في المشاريع التي تعزز الإنتاجية ويحتاج إليها النمو.
هل يكفي انخفاض الجريمة لتعزيز التنمية الاقتصادية؟
حققت السلفادور إنجازاً لافتاً. فعلى حساب حقوق الإنسان والإجراءات القانونية الواجبة، نجحت في جعل بلد ذي تاريخ مؤلم من العنف أكثر أماناً بصورة كبيرة، وفي تعطيل حالة «التوازن منخفض النمو» القديمة. فقد انهارت معدلات الجريمة، وتباطأت الهجرة إلى الخارج، وارتفع الاستثمار.
لكن الأدلة المتاحة حتى الآن تشير إلى أن تحسن الأمن يمثل بداية مرحلة جديدة في التنمية الاقتصادية للبلاد، وليس نهايتها. فقد تحسن النمو، لكن ليس بالقدر الذي يشير إلى تحول حاسم. وتعافى الاستثمار الأجنبي المباشر، لكنه لم يشهد طفرة. كما نمت السياحة والخدمات، لكن لا توجد حتى الآن أدلة على تحول إنتاجي أوسع.
وتوضح هذه التجربة أن الأمن ليس سوى جزء من مشكلة التنمية. فالسلفادور تتمتع اليوم بظروف أفضل للنمو مما كانت عليه قبل عقد، لكنها لا تزال بحاجة إلى بناء الصناعات، والمهارات، والمؤسسات، والشركات القادرة على تحويل هذه الظروف الأفضل بشكل لافت إلى مكاسب في الإنتاجية.
لقد جعل انخفاض الجريمة العديد من الاستثمارات ممكناً. لكن تحسن الأمن وحده لا يستطيع دفع القطاعات الواعدة إلى الأمام، أو تدريب واستقطاب المهارات الأساسية، أو بناء شبكات الموردين، أو الحفاظ على مؤسسات موثوقة، أو ضمان استقرار الاقتصاد الكلي.
وبالنسبة إلى مؤيدي بوكيلي، فقد تم حل أصعب مشكلة في البلاد، ومن المفترض أن تتراكم المكاسب الاقتصادية بمرور الوقت. أما المتشككون، فيرون أن الدولة الأمنية جلبت السلام على حساب المؤسسات، وأن ذلك سيؤدي في النهاية إلى ردع الاستثمارات اللازمة لتحقيق التنمية.
وفي حين أن السلفادور نجحت في تهيئة الظروف لتسارع اقتصادي، فإنها لا تزال بحاجة إلى استراتيجية نمو للاستفادة من هذه الفرصة. فالدول الأكثر أماناً لا تصبح أكثر ثراءً تلقائياً. بل يتعين عليها أن تنافس في السوق العالمية على الاستثمار والصادرات، وهو ما يتطلب تخطيطاً نشطاً وتنفيذاً مستمراً.
