حيث ارتفع انخراط الشركات الصينية في مشاريع الطاقة المتجددة في الخارج مرة أخرى، إلا أن هذا النمو كان أقل من التوسع الذي شهدته استثمارات النفط والغاز.
ففي العام الماضي، وصل حجم مشاركة الشركات الصينية في 150 دولة منخرطة في مبادرة الحزام والطريق إلى أعلى مستوى له منذ إطلاق المبادرة قبل 12 عامًا. وبلغت قيمة عقود البناء التي شاركت فيها الشركات الصينية نحو 128 مليار دولار أمريكي، بزيادة قدرها 81٪ مقارنة بعام 2024، بينما وصلت الاستثمارات المباشرة إلى نحو 85 مليار دولار، بارتفاع قدره 62٪.
وقد كشفت عن هذا الازدهار غير المسبوق بيانات سنوية صادرة عن معهد غريفيث آسيا، وهو مركز أبحاث أسترالي، ومركز التمويل والتنمية الخضراء في جامعة فودان في شنغهاي. وقال كريستوف نيدوبيل وانغ، مؤلف التقرير، خلال إطلاق التقرير عبر الإنترنت: “لم أكن أتوقع العام الماضي أن يكون عام 2025 قويًا إلى هذا الحد بالنسبة لمشاركة مبادرة الحزام والطريق.”
ويشير مصطلح “المشاركة” في التقرير إلى نوعين من الأنشطة: استثمارات الشركات الصينية التي تمنحها حصة ملكية في المشاريع، وكذلك عقود البناء والهندسة التي تُمنح لها لتنفيذ البنية التحتية والمشاريع المختلفة.
ويأتي هذا الارتفاع الكبير بعد سنوات من الرسائل الحكومية والتوقعات التحليلية التي أشارت إلى أن المبادرة ستتجه نحو مشاريع “صغيرة ولكن جميلة” بدلًا من المشاريع الضخمة التي ميّزت بدايات المبادرة. إلا أن وانغ أوضح أن هذا التوجه أصبح إلى حد كبير من الماضي، مشيرًا إلى الارتفاع الكبير في القيمة الإجمالية للمشاريع وكذلك زيادة متوسط قيمة المشروع الواحد.
كما شهد عام 2025 تحولات ملحوظة في القطاعات التي تستهدفها الشركات الصينية عالميًا. فقد ارتفعت مشاركتها في مشاريع الطاقة المتجددة، لكنها لم تنمُ بالسرعة نفسها التي شهدها قطاع النفط والغاز، وهو أمر يثير قلق العديد من المراقبين. وفي الوقت نفسه، أظهرت الزيادة السريعة في قطاع التعدين وكذلك في قطاع التكنولوجيا والتصنيع كيف تطورت مبادرة الحزام والطريق منذ إطلاقها عام 2013.
وفي نهاية المطاف، أصبحت إفريقيا الوجهة الأولى لنشاط الشركات الصينية في الخارج ضمن إطار المبادرة، مما يعكس تحولًا مهمًا في خريطة الاستثمارات الصينية العالمية.
طفرة مبادرة الحزام والطريق في عام 2025
حجم المشاركة السنوية بمليارات الدولارات الأمريكية

نهاية مشاريع “الصغيرة والجميلة”؟
شهد العام الماضي عودة واضحة إلى المشاريع الأكبر حجمًا ضمن مبادرة الحزام والطريق. فقد بلغ متوسط قيمة الاستثمارات نحو 939 مليون دولار أمريكي، مقارنة بـ 672 مليون دولار في عام 2024، وهو ما يعادل ثلاثة أضعاف حجم الصفقات قبل خمس سنوات خلال فترة انكماش المبادرة أثناء جائحة كوفيد-19. كما بلغ متوسط قيمة عقود البناء حوالي 964 مليون دولار، بعد أن كان 496 مليون دولار في العام السابق.
ويرى الباحث كريستوف نيدوبيل وانغ أن هذه الأرقام تشير إلى نهاية مرحلة مشاريع مبادرة الحزام والطريق المعروفة باسم “الصغيرة والجميلة”، وهو المصطلح الذي روجت له الحكومة الصينية كرد فعل على الضغوط المالية والمشكلات البيئية والاجتماعية التي ظهرت خلال السنوات الخمس الأولى من المبادرة.
ومع ذلك، فإن الخطاب الرسمي للحكومة الصينية لم يتخلَّ عن هذا المفهوم بالكامل. ففي 27 يناير ذكرت صحيفة الشعب، وهي الصحيفة الرسمية للحزب الشيوعي الصيني، أن أكثر من 700 مشروع مساعدات خارجية تم تنفيذها في عام 2025، بما في ذلك مشاريع معيشية صغيرة وجميلة تهدف إلى تحسين حياة السكان في الدول الشريكة.
ازدهار الطاقة المتجددة – وكذلك الوقود الأحفوري
عاد قطاع الطاقة ليكون مرة أخرى القطاع الأبرز في أنشطة مبادرة الحزام والطريق، حيث استحوذ على نحو 43٪ من إجمالي المشاركة في دول المبادرة. وقد بلغ إجمالي الانخراط في مشاريع الطاقة حوالي 93.9 مليار دولار أمريكي، وهو أعلى مستوى يتم تسجيله حتى الآن.
ومع ذلك، ورغم أن مشاريع الطاقة المتجددة كانت تمثل قبل بضع سنوات ما يقارب نصف مشاريع الطاقة الخارجية، فإن حصتها في عام 2025 انخفضت إلى نحو 21٪ فقط، في حين استحوذت مشاريع الوقود الأحفوري على أكثر من 75٪ من إجمالي المشاريع في قطاع الطاقة.
نمو النفط والغاز يتجاوز نمو الطاقة المتجددة
حجم المشاركة السنوية في مبادرة الحزام والطريق بمليارات الدولارات الأمريكية

يرى كريستوف نيدوبيل وانغ أن الزيادة الكبيرة في مشاريع النفط والغاز ضمن مبادرة الحزام والطريق تحمل مخاطر متعددة.
وقال في تصريح لمنصة Dialogue Earth إن الارتفاع السريع في الانخراط في مشاريع النفط والغاز يمثل خطرًا بيئيًا بسبب الانبعاثات المرتبطة بها، كما قد يتحول إلى خطر اقتصادي في ظل السيناريوهات المتوقعة لانخفاض الطلب على الوقود الأحفوري، والتي قد تنتج عن التوسع في كهرباء وسائل النقل وزيادة الاعتماد على الكهرباء الخضراء، وهو ما قد يؤدي في النهاية إلى تراجع الطلب على النفط والغاز.
كما يشير هيمنة مشاريع النفط والغاز إلى أن التركيز بات يميل أكثر نحو استخراج الطاقة بدلًا من توليدها. ووفقًا لتفصيلات التقرير، بلغت قيمة الاستثمارات والعقود في مشاريع الاستخراج نحو 51.4 مليار دولار أمريكي، في حين بلغت قيمة المشاريع المتعلقة بتوليد الطاقة حوالي 25.8 مليار دولار فقط.
ومع ذلك، فإن مشاركة الشركات الصينية في مشاريع النفط والغاز تتم في الغالب عبر عقود البناء والهندسة وليس من خلال الملكية المباشرة للأسهم في هذه المشاريع، وهو ما قد يخفف من بعض المخاطر الاقتصادية التي أشار إليها نيدوبيل وانغ.
وعندما يتعلق الأمر بمشاريع الطاقة المتجددة، فعلى الرغم من أنها شكلت نسبة أصغر من إجمالي الانخراط في قطاع الطاقة عام 2025، فإنها شهدت زيادة واضحة من حيث القيمة الفعلية. فقد بلغت قيمة المشاركة في هذه المشاريع خلال العام الماضي حوالي 21.4 مليار دولار أمريكي، مقارنة بـ 12.3 مليار دولار في عام 2024.
وخلال إطلاق التقرير قال نيدوبيل وانغ إن عام 2025 كان في الوقت نفسه العام الأكثر خضرة والأكثر اعتمادًا على الوقود الأحفوري في تاريخ مبادرة الحزام والطريق.
وبطبيعتها، تسهم مشاريع الطاقة المتجددة في توليد الطاقة بدلًا من استخراجها. فقد شهد العام الماضي تنفيذ مشاريع بطاقة إنتاجية تبلغ 23.8 غيغاواط من الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والطاقة الكهرومائية، مقارنة بنحو 15 غيغاواط في عام 2024.
من جهتها، تشير فيكايو أكيريدولو، الباحثة في سياسات المناخ والعدالة المناخية في جامعة بريستول، إلى أنها لا ترى في هذا الارتفاع عودة مباشرة إلى التوسع في الوقود الأحفوري. فهي توضح أن مشاريع النفط والغاز شكّلت نسبة كبيرة من قيمة عقود البناء في عام 2025، لكن الاستثمار الأجنبي المباشر الصيني لا يزال يدعم مشاريع الطاقة المتجددة. كما أن القروض المقدمة من بنوك السياسة الصينية المدعومة من الحكومة تُستخدم في تمويل مشاريع نقل الكهرباء، خاصة في إفريقيا. وتستند هذه البيانات إلى قاعدة بيانات القروض الصينية لإفريقيا التي نشرها مركز سياسة التنمية العالمية في جامعة بوسطن.
وترى أكيريدولو أن ما يحدث ليس تراجعًا عن توجه الصين نحو التحول في قطاع الطاقة، بل هو بالأحرى تقسيم في أدوات التمويل والاستثمار بين قطاعات مختلفة، وليس تغييرًا في الاتجاه العام للسياسة الطاقوية الصينية.
الصعود في سلاسل القيمة
كان قطاع التكنولوجيا والتصنيع أحد القطاعات الرئيسية التي شهدت نموًا في عام 2025. ويشمل هذا القطاع كلاً من الصناعات التقليدية والمجالات التكنولوجية المتقدمة مثل الطاقة الشمسية الكهروضوئية والبطاريات. ويعكس هذا النمو تطور مبادرة الحزام والطريق خلال السنوات الاثنتي عشرة الماضية، حيث انتقلت من التركيز الأساسي على البنية التحتية إلى اهتمام متزايد بإنشاء قواعد تصنيع في الخارج.
وقد سجل هذا القطاع نموًا بنسبة 27٪ مقارنة بالعام السابق، وهو في حالة توسع مستمر منذ عام 2023، رغم أن المشاركة في التكنولوجيا الخضراء مثل الطاقة الشمسية والبطاريات شهدت انخفاضًا طفيفًا مقارنة بعام 2024. وقال نيدوبيل وانغ لمنصة Dialogue Earth إن الدور المتزايد للتكنولوجيا والتصنيع يعكس قدرة الصين المتنامية على بناء وإدارة المصانع حول العالم، خاصة المصانع المرتبطة بالتقنيات المتقدمة. وأضاف أن المشاركة في مبادرة الحزام والطريق كانت في بدايتها تتركز في مشاريع البنية التحتية، أما اليوم فإن النسخة الجديدة من المبادرة تشهد توسع القاعدة الصناعية الصينية في الأسواق الخارجية.
كما شهد قطاع المعادن والتعدين نشاطًا قويًا في عام 2025، حيث بلغ حجم المشاركة فيه 32.6 مليار دولار وهو مستوى قياسي. وقد هيمنت على هذا الرقم عقود البناء لمشروعين عملاقين في الألمنيوم والصلب في كازاخستان بقيمة إجمالية بلغت 19.5 مليار دولار، إضافة إلى صفقات كبيرة في مناطق أخرى، خصوصًا في القارة الإفريقية.
ومن المثير للاهتمام أن بيانات التقرير تظهر نسبة أكبر من المشاركة في منشآت معالجة المعادن مقارنة بمشاريع الاستخراج نفسها. وتُعد معالجة المعادن خطوة مهمة بالنسبة للعديد من الدول الغنية بالموارد، لأنها تساعدها على الارتقاء في سلاسل القيمة، خاصة في الصناعات المرتبطة بالتقنيات الخضراء. ومع ذلك، لا يزال من غير الواضح ما إذا كانت هذه البيانات تعكس اتجاهًا طويل المدى أم مجرد ظاهرة مؤقتة.
في المقابل، يشهد قطاع البنية التحتية للنقل تراجعًا واضحًا، حيث بلغت قيمة المشاريع فيه 13.3 مليار دولار فقط، وهو أدنى مستوى منذ إطلاق مبادرة الحزام والطريق التي كانت في البداية تُطرح كمشروع عالمي لتعزيز الترابط والاتصال بين الدول. ويرى نيدوبيل وانغ أن هذا التراجع قد يكون مرتبطًا بصعوبة تأمين التمويل لمشاريع البنية التحتية التقليدية، بما في ذلك انخفاض الإقراض من بنوك التمويل التنموي الصينية.
صعود إفريقيا
في عام 2025 أصبحت إفريقيا أكبر سوق لنشاط الشركات الصينية ضمن مبادرة الحزام والطريق. فقد بلغت قيمة مشاركة الشركات الصينية في دول المبادرة داخل القارة حوالي 61.2 مليار دولار، وهو ما يمثل زيادة بنسبة 283٪ مقارنة بعام 2024، وفقًا للتقرير. وكان الجزء الأكبر من هذا النشاط في شكل عقود بناء وتنفيذ مشاريع بدلاً من استثمارات مباشرة.
ويشير نيدوبيل وانغ إلى أن هذا التوجه قد يرتبط بمحاولة الشركات الصينية تجنب الرسوم الجمركية الأمريكية. ومن جهتها ترى فيكايو أكيريدولو من جامعة بريستول أن أحد الأسباب الأخرى لهذا الارتفاع هو الدور المتزايد لإفريقيا في تأمين الموارد الطبيعية في ظل التغيرات والتجزؤ المتزايد في سلاسل التوريد العالمية.
وتضيف أكيريدولو أن مدى استفادة الحكومات الإفريقية من هذا التوسع يعتمد على قدرتها التفاوضية. فإذا تمكنت الدول من فرض شروط مثل نسبة مكون محلي، أو إضافة قيمة صناعية داخلية، أو تقاسم الإيرادات، فقد تتحول هذه المشاريع إلى فرص تنموية حقيقية. أما إذا اقتصر التعاون على مشاريع جاهزة للتسليم تنفذها الشركات الصينية دون نقل للتكنولوجيا أو مشاركة في الملكية، فإن الفوائد التنموية ستكون محدودة.
Related
Tom Baxter
توم باكستر هو مدير مشروع برنامج الصين العالمي والتعلم التابع لمنظمة "حوار الأرض"، ومقره لندن. انضم إلى المنظمة عام ٢٠١٨، وكان مقره في بكين حتى عام ٢٠٢٢. يحمل توم شهادة ماجستير في التاريخ من جامعة غلاسكو، وشهادة ماجستير في السياسة الاقتصادية من كلية الدراسات الشرقية والأفريقية (SOAS) بجامعة لندن. عمل في الصين لمدة عشر سنوات، ويتحدث ويقرأ اللغة الصينية. تشمل اهتمامات توم التفاعلات بين المناخ والتنمية، ودور الصين في التنمية العالمية والحوكمة البيئية، والقضايا الاجتماعية والاقتصادية مثل التصنيع والهجرة والعمل.
