INSTC, International North–South Transport Corridor, political map. Network for moving freight, with Moscow as north end and Mumbai as south end, replacing the standard route across Mediterranean Sea.

ممر النقل الدولي بين الشمال والجنوب: التداعيات الجيوسياسية ومستقبل التجارة الأوروبية

الملخص
يُعد ممر النقل الدولي بين الشمال والجنوب (INSTC) شبكة نقل متعددة الوسائط بطول 7,200 كيلومتر تربط بين الهند وإيران وأذربيجان وروسيا وآسيا الوسطى وأوروبا، وتوفر بديلًا أقصر وأقل تكلفة لقناة السويس. وقد تأسس هذا الممر عام 2000، ويشهد توسعًا من خلال مشاريع بنية تحتية رئيسية مثل خط سكة حديد رشت–أستارا، ويهدف إلى زيادة كبيرة في حجم التجارة بحلول عام 2030 من خلال تسهيل حركة البضائع بشكل أسرع وأقل تكلفة وتعزيز التكامل الاقتصادي في أوراسيا. ويُعد التعاون بين روسيا وإيران عنصرًا محوريًا في هذا المشروع، إذ يوفر طريقًا تجاريًا قادرًا على تجاوز آثار العقوبات الدولية ويحد من الهيمنة الغربية، كما يدعم النمو الاقتصادي في الدول التي يمر بها الممر.

كما يوفر الممر فوائد بيئية، إذ يساهم في خفض انبعاثات الغازات الدفيئة مقارنة بالنقل البحري عبر المسافات الطويلة. ومن الناحية الاستراتيجية، يساعد المشروع على تنويع شبكات النقل الروسية وتقليل الاعتماد على المسارات الغربية المعرضة للمخاطر، كما يعزز الروابط الجيوسياسية ضمن إطار مجموعة بريكس (BRICS). ومع ذلك، لا تزال هناك تحديات قائمة، مثل نقص البنية التحتية، والعقوبات الدولية، والصراعات الإقليمية. بالنسبة للاتحاد الأوروبي، يطرح ممر INSTC فرصًا لتجارة أقل تكلفة، لكنه في الوقت نفسه يحمل مخاطر تتعلق بتراجع النفوذ الجيوسياسي الأوروبي، مما يتطلب استجابات استراتيجية للحفاظ على الاتصال الأوراسي وفعالية نظام العقوبات.

الكلمات المفتاحية: التجارة الدولية، الشمال، الجنوب، أوروبا، الجغرافيا السياسية.

المقدمة

يُعد ممر النقل الدولي بين الشمال والجنوب (INSTC) شبكة نقل متعددة الوسائط بطول 7,200 كيلومتر تشمل النقل البحري والسكك الحديدية والطرق البرية، وقد صُممت لتسهيل حركة البضائع بين الهند وإيران وأذربيجان وروسيا وآسيا الوسطى وأوروبا.[1] وقد أُنشئ هذا الممر في سبتمبر عام 2000 بموجب اتفاقية وُقِّعت في سانت بطرسبورغ من قبل الهند وإيران وروسيا، ثم توسع لاحقًا ليشمل أعضاء إضافيين مثل بيلاروسيا وأذربيجان وعدد من دول آسيا الوسطى.[2] ويتمثل الهدف الرئيسي لهذا المشروع في تعزيز الترابط التجاري من خلال ربط مدن رئيسية مثل مومباي وطهران وباكو وموسكو وما بعدها، مع توفير مسار أقصر وأكثر كفاءة من حيث التكلفة مقارنة بالطرق التجارية التقليدية، بما في ذلك قناة السويس.[3]

fig1 4

في عام 2025 تضاعفت تقريبًا حركة حاويات الشحن على طول المسار الشرقي (عبر كازاخستان وتركمانستان)، بدعم من خصومات تراوحت بين 15% و80% على الشحنات، وقد تم تمديد هذه الحوافز حتى عام 2026.[4] وحدث إنجاز مهم في نوفمبر 2025 عندما نقل قطار شحن قادم من شمال موسكو 62 حاوية إلى إيران عبر آسيا الوسطى، وهو ما أبرز قابلية هذا المسار لدعم التجارة بين الهند وآسيا الوسطى.[5] وبشكل عام، بلغ حجم الشحن عبر ممر النقل الدولي بين الشمال والجنوب 26.9 مليون طن في عام 2024 (بزيادة 19% مقارنة بالسنوات السابقة)، حيث تعاملت السكك الحديدية مع أكثر من 12.9 مليون طن من هذه الكمية، بينما تهدف التوقعات إلى الوصول إلى 15 مليون طن سنويًا بحلول عام 2027.[6]

ويعمل ممر النقل الدولي بين الشمال والجنوب من خلال عدة مسارات مترابطة.
المسار الغربي: يبدأ من الهند عبر البحر إلى ميناء بندر عباس الإيراني، ثم ينتقل شمالًا عبر الطرق أو السكك الحديدية داخل إيران إلى أذربيجان ومن هناك إلى روسيا.
المسار الأوسط: يعتمد على العبور عبر بحر قزوين من الموانئ الإيرانية مثل بندر أنزلي إلى الموانئ الروسية مثل أستراخان.
المسار الشرقي: يربط الشبكة عبر كازاخستان وتركمانستان من خلال طرق برية تصل إلى روسيا.

وتتيح هذه البنية نقل البضائع بكفاءة أكبر، حيث تلعب السكك الحديدية دورًا محوريًا في هذا النظام، بما في ذلك مشاريع قيد التنفيذ مثل خط سكة حديد رشت–أستارا في إيران، الذي يهدف إلى استكمال الربط الكامل لشبكة الممر.[7]

قناة السويس وأهميتها الجيوسياسية

تُعد قناة السويس واحدة من أهم نقاط الاختناق البحرية الاستراتيجية في العالم، إذ تربط البحر الأبيض المتوسط بالبحر الأحمر وتشكل شريانًا حيويًا للتجارة العالمية وأمن الطاقة. ومنذ افتتاحها عام 1869، أحدثت القناة تحولًا جذريًا في أنماط التجارة البحرية العالمية والعلاقات الجيوسياسية. فهي توفر أقصر طريق بحري بين أوروبا وآسيا، مما يلغي الحاجة إلى الإبحار الطويل حول رأس الرجاء الصالح في أفريقيا. وقد جعل هذا الموقع الاستراتيجي القناة محورًا للتنافس الدولي وبنية تحتية حيوية ذات أهمية كبيرة للاقتصاد العالمي.[8]

ولا يمكن المبالغة في تقدير الأهمية الاقتصادية لقناة السويس. فالممر المائي يستوعب ما يقارب 12% إلى 15% من التجارة العالمية ونحو 30% من حركة الحاويات العالمية، حيث تمر عبره بضائع تزيد قيمتها على تريليون دولار سنويًا. ويعبر القناة يوميًا في المتوسط من 50 إلى 60 سفينة تحمل بضائع تتراوح قيمتها بين 3 مليارات و9 مليارات دولار.[9] هذا التركيز الكبير لتدفقات التجارة يجعل القناة نقطة محورية في سلاسل الإمداد العالمية، خصوصًا للتجارة بين آسيا وأوروبا.[10]

ولا يقتصر الدور الاستراتيجي للقناة على نقل البضائع العامة فحسب، بل يمتد أيضًا إلى قطاع الطاقة العالمي. إذ تمر عبرها نحو 9% من تدفقات النفط المنقول بحرًا في العالم (ما يقارب 9.2 ملايين برميل يوميًا) إضافة إلى نحو 8% من تجارة الغاز الطبيعي المسال عالميًا.[11] ويضاعف هذا البعد الطاقوي من الأهمية الجيوسياسية للقناة، لأن أي تعطّل فيها يمكن أن يؤثر مباشرة في أسواق الطاقة العالمية وأسعارها.[12] وقد أظهرت حادثة إغلاق القناة عام 2021 بسبب سفينة الحاويات “إيفر غيفن” مدى هشاشة هذا الممر الحيوي، حيث تسببت الحادثة في اضطراب سلاسل الإمداد العالمية وكشفت المخاطر النظامية التي تشكلها نقاط الاختناق البحرية.[13]

ولطالما اعتُبرت قناة السويس أصلًا استراتيجيًا ذا أهمية قصوى. فالتاريخ يُظهر أن السيطرة على القناة كانت عنصرًا أساسيًا في إسقاط القوة الإمبراطورية والإقليمية، خصوصًا خلال فترة هيمنة الإمبراطورية البريطانية عندما اعتُبرت القناة “الوريد الوداجي للإمبراطورية”.[14] وقد تجلت أهميتها الاستراتيجية بوضوح خلال أزمة السويس عام 1956 وكذلك خلال إغلاق القناة بين عامي 1967 و1975، وهي أحداث أعادت تشكيل الجغرافيا السياسية في المنطقة وأظهرت كيف يمكن استخدام الوصول إلى القناة كأداة ضغط سياسي واستراتيجي.[15]

تُبرز التحديات الأمنية المعاصرة أيضًا مدى هشاشة قناة السويس من الناحية الاستراتيجية. فقد أدت التهديدات الجيوسياسية الأخيرة في البحر الأحمر، بما في ذلك الهجمات على السفن التجارية، إلى إثارة مخاوف بشأن أمن القناة واحتمال أن تؤدي الصراعات الإقليمية إلى تعطيل التجارة العالمية.[16] وتوضح هذه التهديدات الهجينة كيف تظل القناة نقطة توتر محتملة يمكن أن تتحول فيها الاضطرابات الإقليمية إلى عواقب اقتصادية عالمية واسعة النطاق.[17]

وباختصار، تظل قناة السويس في الوقت الحالي عنصرًا لا غنى عنه في البنية التحتية البحرية العالمية، حيث تتجاوز أهميتها الجيوسياسية بكثير أبعادها المادية. فدورها في تسهيل التجارة الدولية، ونقل الطاقة، والحركة الاستراتيجية يجعل من أمن القناة وإمكانية الوصول إليها مسألة ذات أهمية دولية حيوية. ومع تطور أنماط التجارة العالمية وظهور تحديات جديدة، تستمر الأهمية الاستراتيجية للقناة في تشكيل العلاقات بين الدول والتأثير في حسابات القوى الإقليمية والعالمية.

التعاون الإيراني–الروسي: هل يمكن أن يشكّل ممر الشمال–الجنوب بديلاً قابلاً للتطبيق لقناة السويس؟

في ديسمبر/كانون الأول 2025، اجتمع مسؤولون إيرانيون وروس في طهران لتسريع تنفيذ الممر، مع التركيز على إزالة العوائق الإدارية واستكمال الأطر القانونية اللازمة لتشغيله. وتشمل المشاريع الرئيسية خط السكك الحديدية رشت–آستارا المتوقع اكتماله بحلول منتصف عام 2026، إلى جانب تطوير الموانئ الإيرانية مثل بندر عباس.[18]

ويعدّ التعاون بين روسيا وإيران محورياً في تشغيل ممر النقل الدولي بين الشمال والجنوب (INSTC)، حيث يشمل تطوير البنية التحتية المشتركة والاستثمارات المالية والتنسيق السياسي لمعالجة فجوات الاتصال.[19] وفي هذا السياق موّلت روسيا خط السكك الحديدية رشت–آستارا بطول 162 كيلومتراً في إيران عبر قرض بقيمة 1.3 مليار يورو، مع استهداف اكتماله بحلول عام 2027، وهو مشروع يعالج الحلقة المفقودة في المسار الغربي من خلال ربط شبكة السكك الحديدية الأذربيجانية بإيران، ما يتيح عبوراً سلساً من بحر قزوين إلى الخليج العربي.[20] وفي المقابل، قامت إيران بتحديث موانئ مثل بندر عباس وتشابهار (الأخير عبر اتفاقية مدتها عشر سنوات مع الهند وُقعت في مايو/أيار 2024 باستثمارات تبلغ 2.1 مليار دولار لرفع القدرة الاستيعابية إلى 8.5 مليون طن)، بينما قامت روسيا بتحديث موانئ بحر قزوين مثل أستراخان وأوليا، إضافة إلى تطوير طرق سريعة مثل M6 كاسبيان وM29 القوقاز. وتشير التقديرات إلى أن روسيا ساهمت بحوالي 35٪ من إجمالي تمويل الممر مقابل 34٪ من إيران، مع تركيز الاستثمارات على كهربة السكك الحديدية وتوسعة الموانئ وإدخال أدوات رقمية مثل وثائق الشحن الإلكترونية لتبسيط إجراءات الحدود، ما يساعد على تقليل زمن التصدير وتكاليفه التي لا تزال أعلى حالياً بنحو 5 إلى 7 مرات مقارنة بمتوسطات الاتحاد الأوروبي. كما تدعم الاتفاقيات الثنائية، مثل اتفاق النقل الروسي–الإيراني لعام 1992 والاتفاقيات اللوجستية متعددة الوسائط الحديثة (مثل الاتفاق بين السكك الحديدية الروسية وشركة CONCOR الهندية لنقل الفحم عبر الممر في يونيو/حزيران 2024)، تدفقات التجارة غير المتكافئة، حيث تهيمن صادرات الآلات والمواد الكيميائية من روسيا شمالاً إلى الجنوب، بينما تصدر إيران المواد الغذائية في الاتجاه المعاكس.

ومن حيث التجارة الدولية، يعزز هذا التعاون قابلية ممر الشمال–الجنوب للتوسع، إذ قد تصل طاقته إلى ما بين 14.6 و24.7 مليون طن سنوياً بحلول عام 2030، منها ما بين 5.9 و11.9 مليون طن من الحاويات (أي نحو 325 إلى 662 ألف حاوية مكافئة). وتشكل الحبوب جزءاً كبيراً من هذه الحركة بما يتراوح بين 8.7 و12.8 مليون طن، خاصة عبر المسار الشرقي الذي يمر عبر كازاخستان وتركمانستان. أما بالنسبة للهند، فيفتح الممر فرص تصدير غير مستغلة قد تصل قيمتها إلى 180 مليار دولار إلى روسيا وآسيا الوسطى، أي ما يعادل تسعة أضعاف مستويات التجارة الحالية، في حين أدى توجه روسيا نحو الأسواق الجنوبية مثل الخليج والهند وأفريقيا إلى ارتفاع تجارتها الثنائية مع الهند إلى أكثر من 30 مليار دولار في عام 2022 مدفوعة بصادرات الطاقة. ويمكن لدور إيران كمركز عبور أن يحقق إيرادات نقل تتجاوز عائدات النفط، مع إمكانية زيادتها بنحو 20 ضعفاً من مليار دولار، الأمر الذي قد يدعم النمو الاقتصادي في ظل التضخم المرتفع الذي بلغ 54.6٪ في عام 2023 ومعدل البطالة البالغ 9.7٪. كما أن التكامل مع ممرات أخرى مثل باكو–تبليسي–قارص (BTK) وبرنامج التعاون الاقتصادي الإقليمي لآسيا الوسطى (CAREC) يمكن أن يضيف ما بين 127 ألفاً و246 ألف حاوية مكافئة إلى حركة الشحن، ما يعزز التكامل الاقتصادي الأوراسي.

جيوسياسياً، تجعل العلاقات الروسية-الإيرانية من ممر النقل الدولي بين الشمال والجنوب (INSTC) أداة لمواجهة الهيمنة الغربية من خلال إنشاء طريق تجاري قادر على الصمود أمام العقوبات ويتجنب الممرات البحرية الخاضعة لنفوذ الولايات المتحدة، خصوصاً في ظل حرب أوكرانيا والعقوبات الأمريكية المفروضة على البلدين. ويعكس هذا التوجه ما يمكن وصفه بـ “التحول نحو الجنوب” من قبل روسيا وإيران، حيث يسعيان إلى ترسيخ موقعهما كجسر يربط أوراسيا، مما يقلل الاعتماد على قناة السويس التي تمر عبرها نسبة كبيرة من التجارة العالمية المعرضة للمخاطر، ويعزز في الوقت نفسه شبكات اتصال بديلة خارج الأطر الغربية مثل مشروع TRACECA. ومع ذلك، لا تزال هناك تحديات قائمة، مثل الضغط على البنية التحتية (إذ تم نقل 8.8 مليون طن من البضائع عام 2022 رغم محدودية الطاقة الاستيعابية)، وغياب التنسيق في السياسات، واختلاف مقاييس السكك الحديدية، إضافة إلى تأثير العقوبات على التأمين والوصول إلى الموانئ، رغم أن الاستثناءات المتعلقة بميناء تشابهار تساعد على تخفيف بعض هذه القيود. وبشكل عام، لا يقتصر التعاون الروسي-الإيراني على معالجة هذه العقبات عبر الاستثمارات الموجهة والتنسيق الرقمي، بل يضع الممر أيضاً كبديل مستدام يتمتع بمزايا بيئية، منها خفض انبعاثات الغازات الدفيئة بنسبة 25٪ نتيجة التحول إلى النقل بالسكك الحديدية مقارنة بالنقل البحري التقليدي.

كيف يخدم ممر INSTC المصالح الأمنية لروسيا؟

في تحليل حديث للموضوع، يقدم الباحث بروخور تيبين ملاحظات مهمة حول الأهمية الاستراتيجية لممر الشمال–الجنوب ضمن إطار الأمن القومي الروسي في ظل تصاعد التنافس بين القوى الكبرى. ويرى الكاتب أن أمن روسيا وقدرتها على الصمود اقتصادياً يعتمدان على تطوير شبكة نقل أوراسية متكاملة من خلال نهج حكومي شامل ينسق بين الوزارات المختلفة والسلطات الإقليمية والشركاء الدوليين. وتشمل هذه الشبكة بنية تحتية داخلية قوية وممرات دولية متنوعة، ويعد ممر INSTC أحد أهم هذه المسارات لأنه يربط روسيا بجنوب القوقاز وآسيا الوسطى وإيران.[21]

وبحسب تيبين، فإن مفهوم الأمن القومي الروسي لا يقتصر على الجوانب العسكرية فحسب، بل يشمل أيضاً التنمية الاجتماعية والاقتصادية. فالبنية التحتية القوية للنقل تُعد ضرورية لضمان الأمن الاقتصادي، وتسهيل التعبئة العسكرية، والاستجابة السريعة للأزمات، خاصة في ظل تراجع العمق الاستراتيجي لروسيا وتزايد التهديدات على عدة جبهات، بما في ذلك توسع حلف الناتو غرباً وعدم الاستقرار جنوباً. وفي هذا السياق، يبرز الاعتماد الكبير على ممرات النقل الغربية المعرضة للمخاطر، مثل بحر البلطيق والبحر الأسود، كعامل يدفع موسكو إلى البحث عن بدائل مثل ممر الشمال–الجنوب والممر البحري الشمالي لضمان المرونة الاستراتيجية في حال حدوث حصار أو اضطرابات.

كما يشدد تيبين على أهمية إنشاء شبكة نقل مترابطة بدلاً من الاعتماد على ممرات منفصلة، داعياً إلى تنسيق الجهود عبر مجموعة حكومية مشتركة بين المؤسسات المختلفة من أجل تحسين تخصيص الموارد وتحديد الأولويات الاستراتيجية. ورغم وجود مشاريع إقليمية بديلة مثل ممر زنغزور والممرات عبر بحر قزوين، يرى أن على روسيا ألا تعارضها بشكل مطلق، بل ينبغي لها تعزيز تنافسية مشاريعها الخاصة والعمل على دعم الاستقرار الإقليمي، لأن وجود جيران مستقرين يساهم في تعزيز الأمن الروسي على المدى الطويل.

يعد دور إيران في ممر النقل الدولي بين الشمال والجنوب (INSTC) محورياً بسبب موقعها الجغرافي الاستراتيجي وإمكاناتها الاقتصادية. فدعم استقرار إيران من خلال هذا الممر يسهم في تقليل المخاطر الإقليمية مثل الهجرة الجماعية والإرهاب، كما يوفر لروسيا اتصالاً مهماً مع الجنوب العالمي ويقلل اعتمادها على الطرق البحرية التي تسيطر عليها دول حلف الناتو. وعلى الرغم من أن حجم الشحن عبر الممر لا يزال محدوداً نسبياً في الوقت الحالي، فإن أهميته الاستراتيجية كبيرة بالنسبة لروسيا، إذ يساعدها على تنويع روابط النقل، وتعزيز أمنها العسكري والاقتصادي، ودعم التكامل الأوراسي في بيئة جيوسياسية معقدة تتسم بتنافس طويل الأمد بين القوى الكبرى.

ويرى باحثون آخرون مثل فينوكوروف وأهونباييف وزابوييف أن ممر الشمال–الجنوب يتمتع بأهمية استراتيجية وإمكانات كبيرة للتطوير، باعتباره شبكة نقل متعددة الوسائط تربط شمال غرب أوروبا والدول الإسكندنافية بآسيا الوسطى والخليج العربي وجنوب آسيا. ووفقاً لهؤلاء الباحثين، يشكل الممر بديلاً مهماً لطرق التجارة التقليدية شرق–غرب، إذ يوفر زمن نقل أسرع، ويدعم التكامل الاقتصادي الأوراسي، ويعزز الترابط الاقتصادي للدول غير الساحلية داخل الاتحاد الاقتصادي الأوراسي (EAEU)، حيث إن أربع دول من أصل خمس أعضاء في الاتحاد لا تمتلك منافذ بحرية.

وتشير تقديرات هؤلاء الباحثين إلى أنه بحلول عام 2030 قد يصل إجمالي حركة الشحن عبر الممر، سواء للحاويات أو البضائع غير المعبأة في حاويات، إلى ما بين 15 و25 مليون طن سنوياً، مع احتمال زيادة حركة الحاويات بما يصل إلى عشرين ضعفاً. وتشمل السلع الرئيسية المنقولة عبر الممر المنتجات الغذائية والمعادن والآلات والمنسوجات والحبوب، وتعد الحبوب أهم البضائع غير المنقولة بالحاويات. كما يتميز النقل بالسكك الحديدية داخل الممر بميزة بيئية واضحة مقارنة بالنقل البري أو الجوي، إذ ينتج عنه انبعاثات أقل بكثير من الغازات الدفيئة.

ومع ذلك، يواجه الممر عدة تحديات، منها عدم تنسيق سياسات النقل بين الدول الأعضاء، والعقوبات الدولية خاصة على إيران، واختناقات البنية التحتية، والتباينات القانونية والتنظيمية، وتأخيرات عبور الحدود، واختلاف مقاييس السكك الحديدية. ويتطلب تجاوز هذه العقبات تعزيز التنسيق بين الدول، وزيادة الاستثمارات في البنية التحتية، وتوسيع استخدام الحلول الرقمية، وتبسيط الإجراءات الجمركية وسياسات التعرفة.

وخلاصة القول، إن التشغيل الكامل لممر الشمال–الجنوب يمكن أن يحوله من مجرد ممر نقل إلى ممر للتنمية الاقتصادية، يعزز الترابط الإقليمي ويوسع التجارة ويدعم النمو المستدام في مختلف أنحاء أوراسيا. كما قد يسهم في تحويل الدول غير الساحلية إلى دول مرتبطة برياً بالموانئ العالمية بدلاً من كونها معزولة جغرافياً، مما يعزز فرصها الاقتصادية ويدمجها في سلاسل القيمة العالمية. وفي هذا السياق، يثير تطور الممر تساؤلات حول مستقبل دور الاتحاد الأوروبي كفاعل جيوسياسي ضمن التوازن الأوسع بين الغرب ودول البريكس.

2
المراجع
[1] International North–South Transport Corridor. (n.d.). Wikipedia. Retrieved October 2, 2026, from https://en.wikipedia.org/wiki/International_North%E2%80%93South_Transport_Corridor [2] Cross-border Infrastructure International North-South Transport Corridor (INSTC). (n.d.). Asia Regional Integration Center. Retrieved October 2, 2026, from https://aric.adb.org/initiative/international-north-south-transport-corridor [3] Vinokurov, E. Y., Ahunbaev, A., & Zaboev, A. I. (2022). International North–South Transport Corridor: Boosting Russia’s “pivot to the South” and Trans-Eurasian connectivity. Russian Journal of Economics, 8(2), 159–173. https://doi.org/10.32609/j.ruje.8.86617 [4] Aliyev, N. (2025, December 19). Russia’s Pivot to the Eastern Route: Balancing Azerbaijan with Kazakhstan and Turkmenistan? Iddle. https://ridl.io/russia-s-pivot-to-the-eastern-route-balancing-azerbaijan-with-kazakhstan-and-turkmenistan/ [5] Wani, A. (2025, November 27). INSTC Eastern Corridor: India’s Gateway to Central Asia. Observer Research Foundation. https://www.orfonline.org/expert-speak/instc-eastern-corridor-india-s-gateway-to-central-asia [6] Bochkarev, D. (2025, November 27). The North–South Transport Corridor and Energy-Related Exports. Energy Intelligence. https://www.energyintel.com/0000019a-c479-d672-a9be-c77f8c740000 [7] International North–South Transport Corridor. (n.d.). Wikipedia. Retrieved October 2, 2026, from https://en.wikipedia.org/wiki/International_North%E2%80%93South_Transport_Corridor [8] Helwa, R., & Al-Riffai, P. (2025, March 20). A lifeline under threat: Why the Suez Canal’s security matters for the world. Atlantic Council. https://www.atlanticcouncil.org/in-depth-research-reports/issue-brief/a-lifeline-under-threat-why-the-suez-canals-security-matters-for-the-world/ [9] Ibidem. [10] Ducruet, C. (2016). The polarization of global container flows by interoceanic canals: geographic coverage and network vulnerability. Maritime Policy & Management, 43(2), 242–260. https://doi.org/10.1080/03088839.2015.1022612 [11] Helwa, R., & Al-Riffai, P. (2025, March 20). A lifeline under threat: Why the Suez Canal’s security matters for the world. Atlantic Council. https://www.atlanticcouncil.org/in-depth-research-reports/issue-brief/a-lifeline-under-threat-why-the-suez-canals-security-matters-for-the-world/ [12] Rodrigue, J.-P. (2005). Straits, Passages and Chokepoints A Maritime Geostrategy of Petroleum Distribution. Erudit, 48(135). https://doi.org/https://doi.org/10.7202/011797ar [13] Lee, J. M., & Wong, E. Y. (2021). Suez Canal blockage: an analysis of legal impact, risks and liabilities to the global supply chain. MATEC Web Conf., 339. https://doi.org/https://doi.org/10.1051/matecconf/202133901019 [14] Morewood, S. (1992). Protecting the Jugular Vein of Empire: The Suez Canal in British Defence Strategy, 1919–1941. War & Society, 10(1), 81–107. https://doi.org/10.1179/072924792791198995 [15] Bhattacharya, S. S. (1982). Strategic Importance of the Suez Canal. Strategic Analysis, 5(12), 686–693. https://doi.org/10.1080/09700168209427575 [16] Kotait, A., & Ismail, A. (2025). Geopolitical Threats in the Red Sea: The Future of the Suez Canal amid Regional and International Challenges. EKB Journal Management System. https://doi.org/10.21608/jces.2025.435103 available here: https://www.researchgate.net/publication/393195669_Geopolitical_Threats_in_the_Red_Sea_The_Future_of_the_Suez_Canal_amid_Regional_and_International_Challenges [17] Lott, A. (2022). Hybrid Threats and the Law of the Sea Use of Force and Discriminatory Navigational Restrictions in Straits. Brill. https://doi.org/https://doi.org/10.1163/9789004509368 [18] Iran, Russia Push To Fast-Track North-South Trade Corridor. (2025, December 17). The Media Line. https://themedialine.org/headlines/iran-russia-push-to-fast-track-north-south-trade-corridor/#:~:text=Iran%20and%20Russia%20announced%20that%20they%20aim,Pushing%20the%20project%20into%20an%20operational%20phase [19] Vinokurov, E. Y., Ahunbaev, A., & Zaboev, A. I. (2022). International North–South Transport Corridor: Boosting Russia’s “pivot to the South” and Trans-Eurasian connectivity. Russian Journal of Economics, 8(2), 159–173. https://doi.org/10.32609/j.ruje.8.86617 [20] Rawandi-Fadai, L. (2023, August 3). What North-South International Transport Corridor Means for Iran. RIAC Russian International. https://russiancouncil.ru/en/analytics-and-comments/analytics/what-north-south-international-transport-corridor-means-for-iran/ [21] Tebin, P. Y. (2026). The International North–South Transport Corridor in Russian National Security Optics. Russia in Global Affairs, 24(1), 134–148. https://doi.org/10.31278/1810-6374-2026-24-1-134-148 Vinokurov, E. Y., Ahunbaev, A., & Zaboev, A. I. (2022). International North–South Transport Corridor: Boosting Russia’s “pivot to the South” and Trans-Eurasian connectivity. Russian Journal of Economics, 8(2), 159–173. https://doi.org/10.32609/j.ruje.8.866171 [22] Fillingham, Z. (2024, September 10). Geopolitics of the International North-South Transport Corridor (INSTC). Geopolitical Monitor. https://www.geopoliticalmonitor.com/geopolitics-of-the-international-north-south-transport-corridor-instc/ [23] Kausch, K. (2026, February 11). Corridor Politics. Charting Europe’s de-risking route through Eurasia. G M F. https://www.gmfus.org/news/corridor-politics [24] Ghanem, D., & Sánchez-Cacicedo, A. (2024, June 18). From hype to horizon: what the EU needs to know to bring IMEC to life. European Union Institute for Security Studies. https://www.iss.europa.eu/publications/briefs/hype-horizon-what-eu-needs-know-bring-imec-life [25] Kausch, K. (2026, February 11). Corridor Politics. Charting Europe’s de-risking route through Eurasia. G M F. https://www.gmfus.org/news/corridor-politics [26] Delivorias, A., & Falkenberg, D. (2024). India's connectivity initiatives: A multi-faceted strategy (EPRS Briefing No. PE 762.471). European Parliamentary Research Service. https://www.europarl.europa.eu/thinktank/en/document/PE-762.471
First published in: World & New World Journal
Krzysztof Sliwinski

Krzysztof Sliwinski

"الدكتور كريستوف فيليكس سليفينسكي أستاذ مشارك في قسم العلوم السياسية والدراسات الدولية بجامعة هونغ كونغ المعمدانية (بروفيسور كريستوف سليفينسكي)، ويشغل كرسي جان مونيه. حصل على درجة الدكتوراه من معهد العلاقات الدولية بجامعة وارسو عام ٢٠٠٥. ومنذ عام ٢٠٠٨، يعمل في جامعة هونغ كونغ المعمدانية. يُحاضر بانتظام في مجالات التكامل الأوروبي، والأمن الدولي، والعلاقات الدولية، والدراسات العالمية. تشمل اهتماماته البحثية الرئيسية السياسة الخارجية البريطانية واستراتيجية الأمن، والسياسة الخارجية البولندية واستراتيجية الأمن، والدراسات الأمنية والاستراتيجية، وقضايا الأمن التقليدية وغير التقليدية، والذكاء الاصطناعي والعلاقات الدولية، والسياسة الأوروبية والاتحاد الأوروبي، ونظريات التكامل الأوروبي، والجغرافيا السياسية، والتعليم والتعلم."

Leave a Reply