الخطر الحقيقي الذي يواجه جميع المجتمعات وجميع الدول هو أن تُفرَّغ الديمقراطية من مضمونها من الداخل، في الوقت الذي تتعرض فيه للهجوم من الخارج.
ولهذا السبب، لا يمكن أن يكون ردنا مجرد رد دفاعي. فليس كافياً أن نقاوم فحسب، بل يجب أن نبادر، ويجب أن نقود، ويجب أن نُثبت أن الديمقراطية لا تُدافَع عنها فقط، بل تُعزَّز وتُصقَل يوماً بعد يوم.
هذه هي الروح التي يقوم عليها هذا الاجتماع. ولهذا السبب حددنا ثلاث أولويات كبرى تشكل، في الحقيقة، جزءاً من أجندة واحدة.
الأولوية الأولى هي التعددية الأطراف، التعددية الأطراف.
نحن نؤمن بنظام دولي قائم على القواعد، وبالتعاون، وبالمؤسسات الشرعية. لكننا نعلم أيضاً أن النظام متعدد الأطراف يحتاج بصورة عاجلة إلى الإصلاح، وأن علينا أن نشرع في عملية إصلاح شاملة وعميقة.
ونحن نعلم أنه لا يمكن لهذا النظام أن يستمر إلا إذا أصلح نفسه ليعكس واقع عالم القرن الحادي والعشرين، كما قال الرئيس لولا مراراً. يجب أن يصبح أكثر فاعلية، وأكثر كفاءة، وأكثر شفافية، وأكثر ديمقراطية، وأكثر شمولاً، وأكثر تمثيلاً. وباختصار، يجب أن يجسد القيم التي نتمسك بها داخل هذه المجموعة.
ولهذا نرى أن الوقت قد حان لكي تُبعث الأمم المتحدة من جديد، وأن تُصلح، ولم لا، أن تقودها امرأة. فالمسألة ليست مجرد مسألة عدالة، مع أن ذلك جزء منها بالتأكيد، بل هي أيضاً مسألة مصداقية، مصداقية.
وإلى جانب أجندة التعددية الأطراف، تأتي الأولوية الثانية: الحوكمة الرقمية.
وأعتقد أن هذا القلق مشترك بين جميعنا نحن ممثلي الحكومات المجتمعين حول هذه الطاولة. فالتكنولوجيا يمكن بلا شك أن تكون أداة للتقدم، لكنها لا تحكم نفسها بنفسها، كما أن المصالح المختلفة المطروحة لا تتجه كلها في الاتجاه نفسه. ومن دون قواعد، فإن التكنولوجيا تفرقنا وتجعلنا أكثر تبعية.
ولذلك، لا يمكننا أن نقبل بأن يواصل التضليل تشكيل مجتمعاتنا على النحو الذي يفعله حالياً، ولا يمكننا أن نقبل بأن يواصل تشكيل الخطاب العام في بلداننا، أو أن تكافئ الخوارزميات الكراهية، والاستقطاب، والمواجهة، والرسائل العنيفة، أو أن تبقى القوة التكنولوجية خارج نطاق الرقابة الديمقراطية.
وقبل ما يزيد قليلاً على عام، أعلنت إسبانيا بصوت عالٍ وواضح، في منتدى دولي: «لنجعل وسائل التواصل الاجتماعي عظيمة من جديد». ومنذ ذلك الحين ونحن نعمل على ذلك. فنحن ندفع بأجندة تشريعية تهدف إلى مساءلة المنصات الرقمية ومسؤوليها التنفيذيين، والتصدي للتلاعب الخوارزمي وانتشار المحتوى غير القانوني، وقياس أثر الكراهية والاستقطاب ومكافحته. وسوف نحمي، وبالطبع سنحمي، أطفالنا وشبابنا من خلال الحد من وصولهم إلى وسائل التواصل الاجتماعي.
مائدة الحوار حول الديمقراطية الرقمية، أيها الأصدقاء الأعزاء، تنطلق هنا في برشلونة من خلال فعالية جانبية لتبادل الخبرات وتنسيق جهودنا من أجل تحسين الحوكمة الرقمية. وبذلك، فإننا نفي بالالتزام الذي قطعناه في نيويورك، سيادة الرئيس لولا، في سبتمبر الماضي.
وهناك أمر واحد، في رأيي، يجب أن نكون واضحين بشأنه: إن الإنترنت لا يعرف حدوداً، ولذلك فإما أن نتقدم معاً، أو لن يتقدم أحد. إما أن نضع قواعد مشتركة، أو سيفرضها آخرون علينا، لأن الفضاء الرقمي إما أن يكون ديمقراطياً، أو لن يكون على الإطلاق.