تقف الصين اليوم بوصفها فاعلاً بارزاً في بنية القوة العالمية. وقد وضعها التقدم الكبير الذي أحرزته في السنوات الأخيرة في هذه المكانة، لكنه لا يرضيها. ووفقاً لميرشايمر [1]، ستسعى الصين إلى امتلاك ما يلزم من قوة إلى أن ترسخ نفسها بوصفها قوةً مهيمنة إقليمياً، إن لم تكن قد فعلت ذلك بالفعل. غير أننا، وسط دوامة الأحداث الراهنة، لا نرى فقط صيناً أكثر تركيزاً على التجارة ــ من دون الوقوع في الخطأ التحليلي المتمثل في تصورها منفصلة عن التطورات العالمية ــ بل نرى أيضاً صيناً قد لا ينحصر تركيزها في الدائرة المباشرة، وإنما تمارس الإسقاط إلى الخارج، وتحمل فكرةً ومفهوماً يدفعانها إلى الأمام وإلى الوجهة التي تعتزم التحرك نحوها.
ولهذا السبب، على سبيل المثال، لا نجدها فاعلاً عسكرياً رئيسياً في خضم الصراع في الشرق الأوسط. وعلى الرغم من أن بعضهم قد ينظر إلى الصين بوصفها حليفاً لإيران، فإن العلاقة بينهما تظل في المقام الأول علاقةً تجارية. وهذا يفسر، بالتالي، امتناع البلاد عن التدخل في السيناريوهات التي ستكون فيها كلفة الانخراط العسكري أعلى بكثير من الفوائد المتحصلة منه. ومن منظور الواقعية الهجومية، ينسجم هذا مع استراتيجية تمرير العبء [2]، بما يسمح للولايات المتحدة باستنزاف قوتها الهيمنية في المنطقة، بينما تستفيد بكين من الفراغات الناتجة عن ذلك. وهذه المقاربة الجديدة، الأكثر دبلوماسية إذا شئتم، دفعت الصين ــ إلى جانب باكستان ــ إلى طرح مقترح يهدف إلى جمع الأطراف ووضع حد لصراع يضر بها، لكنه لا يضرها بالدرجة التي تبرر انخراطاً عسكرياً مباشراً. وعلى أي حال، فإن المقترح النهائي قُدِّم من قبل باكستان، إلا أن تأثير الصين فيه لا ينبغي إغفاله. فاحتياطيات الصين كافية لتمكينها من الصمود لفترة طويلة بينما تستمر الأزمة، إلى درجة أن إيران تسمح للسفن الصينية بالإبحار عبر مضيق هرمز. كما أن طريقها الحريري الجديد وسياساتها الخارجية على امتداد العقود الأخيرة قد أسهما في بناء شبكة من الاعتماد المتبادل المعقد تحمي الصين من السياقات الدولية المضطربة، مثل قضية الشرق الأوسط، التي لا يبدو للوهلة الأولى أن لها حلاً سريعاً.
وتُعد هذه الوضعية الصينية الجديدة تجاه الصراعات مدخلاً إلى القضية التي أدعوكم إلى التفكير فيها، وهي موقف الصين من تايوان. ففي الأسابيع الأخيرة، شهدت الساحة تفاعلات توحي بترسيخ نهائي لمبدأ «الصين الواحدة». وفي الأيام الأخيرة، أفادت تقارير بأن بكين اقترحت توفير الحماية للطاقة لتايوان مقابل إعادة النظر في إمكان مناقشة التوحيد عبر الوسائل الدبلوماسية. ويُظهر هذا العرض كيف يسعى العملاق الآسيوي إلى التخفيف من أثر الردع الذي يوفره «الدرع السيليكوني» التايواني، أي شبكة أشباه الموصلات لديه، من خلال توظيف الاعتماد الاقتصادي المتبادل. ومن جهة أخرى، قام زعيم المعارضة التايوانية، المنتمي إلى حزب الكومينتانغ (KMT)، بزيارة إلى الصين، في أول زيارة رسمية بين شخصيات سياسية من هذين الطرفين بعد سنوات عدة من التوتر.
في ضوء هذا الاحتمال، تبدو الكيفية التي تتصرف بها الصين، وهي التي تمتلك القدرة المادية على محاولة فرض إعادة التوحيد، شديدة الأهمية من زاوية اختيارها السعي إلى بدائل من منظور دبلوماسي. فمن منظور الحسابات البنيوية، فإن أي هجوم برمائي ينطوي على مخاطر كارثية من شأنها أن تقوض بصورة خطيرة تراكم قوتها. وإدراكاً منها لذلك، تختار بكين مساراً سيكون أكثر فائدة بكثير، ليس فقط من حيث تحقيق هدفها بسرعة، بل أيضاً من حيث إضفاء الشرعية على موقعها الدولي. وبهذه الطريقة، تنجح في توسيع نفوذها وقوتها على المستوى العالمي من خلال القوة الناعمة، التي يفهمها جوزيف ناي (2004) على أنها «القدرة على تشكيل تفضيلات الآخرين»، متجنبةً الأساليب المثيرة للجدل المتمثلة في الدمار الحربي، وهي الأساليب التي تلجأ إليها روسيا، على سبيل المثال، في محيطها.
ومن هذا المنظور، فإن أحد المفكرين الذين تتيح لنا فئاتهم الأنطولوجية الكشف عن الجوهر الأعمق لهذه الظاهرة هو هيغل. فأفكاره تساعدنا على فهم هذا الروح الصيني (Geist)، الذي يُتصوَّر، وفقاً لمصطلحات الفيلسوف الألماني، بوصفه فولكسغايست (Volksgeist) أو روح الشعب، مع ملاحظة روح عصر معينة (Zeitgeist) وسط صيرورة جدلية متواصلة.
ولا تهدف هذه السطور إلى شرح الفلسفة الهيغلية على نحو مجرد، بل إلى وضعها في المجال الدولي إلى جانب النظريات البنيوية، من أجل تحليل واقع يمكن فهمه من خلال هذه المفاهيم. فمبدأ شي جين بينغ نفسه، المتمثل في «الحلم الصيني بالنهضة الوطنية»، يؤطر ضمَّ تايوان، على المستوى الإمبريقي، لا باعتباره نزوة، بل بوصفه ضرورة غير قابلة للتصرف من ضرورات الروح الوطنية. ومن ثم، فإنني أدعو، من خلال هذه الكلمات، إلى التأمل في الآتي: هل تُعد فكرة «الصين الواحدة» تعبيراً عن فولكسغايست الفاعل نفسه؟ وهل تكون تايوان، إذن، فاعلاً غير معترف به يؤدي أنطولوجياً دور اللحظة-لذاتها بالنسبة إلى الصين، بحيث إن التركيب الجدلي الحتمي (Aufheben) سيحسم هذا الانقسام التاريخي؟ وهل يمكننا في نهاية المطاف أن نتحدث عن جدلية إعادة التوحيد؟
الصين في ذاتها: الأطروحة التي تفتح التفكير
عندما نتحدث عن الأمة الآسيوية، فإننا لا نشير فقط إلى تلك التي تؤدي اليوم دور أحد أهم الهيمنات الإقليمية، وتمتلك القدرة على تحديد القضايا الأساسية في النظام الدولي والتأثير فيها، حتى وإن لم تلجأ دائماً إلى الإكراه المباشر من أجل ذلك. فالصين توسع نفوذها عبر طريق الحرير الجديد وعبر دبلوماسية واثقة، بدا أثرها مؤخراً في الاستخدام المنهجي لحق النقض في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، كما أنها محصنة تاريخياً بالقرار 2758 لعام 1971، الذي يمثل محطة تأسيسية في إنكار الاعتراف الدولي بالجزيرة.
وترى الصين نفسها اليوم أمةً لا يضيق أفقها، بل يواصل الاتساع. وهنا تدخل تايوان على الخط، لا بوصفها شيئاً منفصلاً عما تكونه الصين، بل بوصفها جزءاً كامناً فيها، ضمن تشكيل كيان موحد من شأنه أن يؤكد الموقع الذي لا يمكن إنكاره للعملاق الآسيوي.
ما وراء حقيقة أن الصين لا “تحتاج” إلى تايوان حاجةً حيوية من حيث البقاء المادي المباشر، وبصرف النظر عن التحليلات التي تؤكد أهمية جزيرة فورموزا في الإنتاج العالمي لأشباه الموصلات، فإن الجذر الحقيقي لطبيعة الدولة الصينية ينبغي البحث عنه في عملية جدلية لا تزال جارية. فحتى قبل انتصار الحزب الشيوعي الصيني في نهاية الحرب الأهلية عام 1949، لم يكن “أبو” الصين الحديثة، سون يات-سن ــ وهي شخصية يتنازعها جانبا المضيق ــ يتصور الصين منفصلة عن تايوان، بل كانت تُفهم بوصفها جزءاً تأسيسياً لا يتجزأ منها. أما الانقسام اللاحق فيكمن، على المستوى الواقعي، في النزاعات الأهلية التي أعادت تشكيل الجغرافيا السياسية في ذلك الوقت، بوصفها انشطاراً جدلياً لإقليم أصلي واحد. وفي الواقع، لا يزال دستور جمهورية الصين (تايوان) حتى اليوم يطالب رسمياً بالسيادة على البر الرئيسي، بما يعزز فرضية وجود ضرورة قومية مشتركة.
وإذا نظرنا إلى الصين من هذا المنظور، اتضح لنا كيف يتشكل روحها. ففي البدء يظهر الروح الذاتي، أي وعي الأمة بذاتها، ذلك الوعي الذي يسعى إلى حريته وتحقيقه لذاته. وينبغي ألا يُخلط هذا الروح (Geist) مع الإرادات البيروقراطية المعزولة، بل إنه يعمل بوصفه فولكسغايست (Volksgeist)، أي روح الأمة، التي تولد، وتتوسع، وتخضع لتناقضات متواصلة، وتسعى إلى تحقيقها المطلق. وبعبارة أبسط، يعني هذا أن الهوية العميقة، والتاريخ الممتد عبر آلاف السنين، والبنية الثقافية، تعمل كلها بوصفها قوة توحيدية لا مفر منها تربط بين بكين وتايبيه، متجاوزةً الانقسامات السياسية المؤقتة. إنها خصوصية فريدة، وهي تربط الصين وتايوان معاً لأنهما تشتركان فيها في أصل تكوّنهما. إنها روح الدولة ذاتها وهي تسعى إلى التعبير عن نفسها وتشييئها في المسار التاريخي.
وهنا يكمن السبب الذي يجعلنا نؤكد أن الصين تقف في لحظة الكينونة-في-ذاتها (Ansichsein): فهي الجهد والكمون الكامنان في مرحلة أصلية، مرحلة تبرز، مدفوعةً بالمسارات الجدلية، بوصفها الجوهر المادي الذي سيصبح موضع نزاع من أجل بلوغ الوعي الذاتي الكامل. وبعبارة أخرى، تفترض هذه المقدمة أن العملاق الآسيوي لا يزال يمر بمرحلة من التماسك الداخلي وتراكم القدرات، ينضج فيها الشروط الضرورية قبل أن يواجه الخارجي ليؤكد هويته النهائية. إن موقع الصين في العالم وتقدمها في تعظيم القوة ــ أي “قوتها الكامنة” وفقاً لتعبير ميرشايمر، وهي تتحول تدريجياً إلى إسقاط فعلي للقوة ــ ليس سوى تجلٍّ لهذا الروح. أما المصلحة النهائية، التي تتجاوز مجرد تأمين الهيمنة الإقليمية المادية، فستقود الصين إلى الحل الفلسفي لكيانها الخاص. وهكذا تعمل القوة بوصفها أداةً لا مهرب منها لتحقيق وعي الروح بذاته.
وفي الصياغة المفهومية الخالصة للجدلية الهيغلية، نرى الصين وهي تسعى إلى أن تتموضع بوصفها السيد. غير أن تايوان لا تتقمص طوعاً دور العبد، أو التابع. ففي علاقتها بالغيرية الدولية، جُرّدت الجزيرة من وضعها الطبيعي بوصفها جمهورية الصين، واختُزلت اصطلاحاً إلى مجرد “تايوان” [3]. وتبرز الصين هنا وتؤكد نفسها في مواجهة هذه المقاومة، محاولةً ضمان أن ينتصر الفولكسغايست الوحدوي على الخصوصيات التي أفرزتها الحرب الأهلية. وفي هيغل، يطالب السيد بالاعتراف، بينما يخضع العبد بدافع الخوف من الموت، أي من اختفاء روحه الخاصة. غير أن الفاعل التايواني، في ديناميات الاعتماد المتبادل المعقدة المعاصرة، يستخدم الاختلالات الكامنة في قطاعه التكنولوجي لرفع كلفة هذا الخضوع إلى مستويات هائلة. ولتوضيح هذا المفهوم، يكفي النظر إلى هيمنة الجزيرة على التصنيع العالمي لأشباه الموصلات المتقدمة، وهي هيمنة تجعل من أي استيعاب قسري خطراً قد يؤدي إلى شلل اقتصادي عالمي، وبذلك تمنح “العبد” درعاً مادياً يتحدى تفوق “السيد” ويكبحه.
وبناءً على ذلك، فإن تراكم القوة لدى العملاق الآسيوي يسعى إلى ترسيخ التفوق الضروري لتحقيق هذا التركيب. وكما يقول هيغل نفسه في فينومينولوجيا الروح: «إن الوعي بالذات لا يوجد إلا من خلال اعتراف الآخر به». ومن دون استيعاب تايوان، يظل الوعي الإمبراطوري الصيني بذاته، كما يظل اعتراف النظام الدولي به، غير مكتملين. ومع ذلك، تسعى الصين إلى تفضيل القنوات الدبلوماسية والتجارية على القنوات العسكرية الصرفة، نظراً إلى العقلانية البنيوية التي تحكم القوى المراجِعة. فأي تقدم عسكري مبكر ــ ولا سيما في ظل عامل الردع الأميركي المتمثل في «الغموض الاستراتيجي» ــ سيكون كارثياً بالنسبة إلى تراكم قوتها النسبية على المدى الطويل. ولذلك، تعطي بكين الأولوية للدبلوماسية، وتطرح أشكالاً من الاحتواء التجاري، مثل عروض الحماية في مجال الطاقة التي برزت مؤخراً، لفتح مسارات أقل خطورة نحو إعادة التوحيد.
ولما كانت تايوان ليست فاعلاً معترفاً به اعترافاً كاملاً من الناحية القانونية، لكنها تعمل بحكم الأمر الواقع بوصفها دولة حديثة مندمجة في سلاسل القيمة العالمية، فإن محور النظرية الدولية يتبدل. فتايوان تقف على هامش النظام المؤسسي، لكنها تعمل في داخله بوصفها قطعة تكتونية مؤثرة. وفي هذا السياق المعقد، تظهر بوصفها الغيرية الضرورية للصيرورة الجدلية الخاصة بالصين: بُعدان من نظام واحد يتنازعان حول بلوغ الوعي الذاتي النهائي لفولكسغايست وحدوي.
تايوان، اللحظة-لذاتها: الوحدة التي تواجه روح الصين وتشكلها
لا يمكن فهم الفاعل الجزيري من خلال التصورات الكلاسيكية للقوة، لأنه لا يمتلك القدرة على خوض ذلك الصراع بمنطق التعظيم، ولا في إطار منازلة جدلية على قدم المساواة. فتايوان ليست قوة مراجِعة كبرى، بل هي دولة بقاء تجعل الردع أولوية لها. ولهذا السبب، لجأت مؤخراً إلى وسائل دبلوماسية واقتصادية غير متماثلة، مثل «دبلوماسية أشباه الموصلات» والثقل البنيوي لشركات مثل TSMC [4]، من أجل بلورة تصورها الخاص وضمان بقائها في مواجهة الاختلال العسكري الساحق القادم من البر الرئيسي.
غير أن الزيارة الأخيرة لرئيسة حزب الكومينتانغ (KMT)، تشنغ لي-وِن، إلى الصين القارية تؤكد وجود آخر لا يكتفي بإثبات وجوده الذاتي، بل يطلق أيضاً دينامية هذا المسار الجدلي، بما يشكل صيرورة المسألة الصينية. وتحت عدسة جدلية السيد والعبد، لم تعد تايوان قادرة على تحدي السيادة على الصعيد الدولي الرسمي، لأن النظام المؤسسي ــ بقيادة الأمم المتحدة ــ منح بكين الصفة الرسمية بوصفها الحائز المعترف به لهذا الموقع. ومع ذلك، لا تزال جمهورية الصين (تايوان) تؤدي دور الموازنة الأنطولوجية لجمهورية الصين الشعبية. فمجرد وجودها يولد وجوداً متبادلاً، وبذلك تتكون الأجزاء الرئيسية وغير القابلة للتجزئة من هذه العملية الجدلية.
ولهذا السبب نضعها في موضع اللحظة الصينية-لذاتها (Für-sich-sein)؛ فهي التجسد المادي لروح موضوعية متمايزة، لها مؤسساتها الخاصة ونظامها القانوني الخاص، تدخل في نزاع مع الإطار المؤسسي للبر الرئيسي، بما ينتج التناقضات الضرورية لكي تحدد الصين وجودها الخاص ووعيها بذاتها. وبعبارة أخرى، تفترض هذه المقدمة أن تايوان ليست مجرد بقايا إقليمية منشطرة، بل هي تجلٍّ سياسي ناضج، وبما أنها تمتلك نموذجها التنظيمي والديمقراطي الخاص، فإنها تؤدي دور الغيرية التي لا غنى عنها والتي يتعين على بكين أن تواجه نفسها من خلالها لكي تضبط حجمها الحقيقي وتحدده. وهذه المعارضة المنطقية، بحكم طبيعتها، تولد الصراع، لأن تصورات متمايزة صادرة عن الفولكسغايست الأصلي نفسه تتواجه لكي تتجاوز ذاتها. وعلى المستوى الواقعي، يترجم ذلك إلى صراع وجودي، حيث يدعي نظامان متعارضان في الحكم لأنفسهما الشرعية التاريخية لتجسيد الحضارة الصينية وقيادتها، بما يجعل الاحتكاك ضرورة بنيوية لا مجرد حادث جيوسياسي عابر. ولهذا السبب، تمثل الدبلوماسية بين الطرفين، مثل تقاربات الكومينتانغ السياسية، محاولة لتوجيه هذه المواجهة نحو تركيب منطقي، مع تجنب اللجوء إلى القوة الغاشمة، وهي مقاربة تنسجم في آن واحد مع حسابات القوة البنيوية ومع الإطار الجدلي المبين هنا.
تشير الدبلوماسية الجديدة التي يوظفها الطرفان إلى أن العملية تمر عبر تناقضات لا تقود بالضرورة إلى صراع عسكري مفتوح، بل تتفاعل من خلال الحوار أو الاحتواء الاقتصادي سعياً إلى الاقتراب من ذلك الروح المطلق، أو من تحقق الوعي الذاتي المنشود. ونستذكر هنا أننا وصفنا تايوان بأنها روح موضوعية جزئية: فبما أنها لا تشكل دولة معترفاً بها بالكامل على المستوى الدولي، فإنها تعمل بوصفها التجلي المؤسسي للتناقض الصيني، الذي أُقيم تاريخياً لمنازعة اللحظة الأولى في ذاتها الخاصة بالبر الرئيسي.
وعلى خلاف الجدليات التقليدية بين دول قومية متمايزة، ثمة في الحالة الصينية خصوصية تتمثل في أن الحرب الأهلية ولدت تجلياً إقليمياً ونظامياً لهذه المعارضة. وإذا فهمنا تايوان بوصفها اللحظة-لذاتها، فإن السعي الدائم من جانب بكين إلى هدف «الصين الواحدة» بوصفه هدفاً غير قابل للتصرف يغدو مبرراً فلسفياً. فالسعي إلى الوعي الذاتي للروح يشكل تايوان، في المسار التاريخي، بوصفها الموقع المقابل الظاهر الذي ولّد على مدى عقود لحظات جدلية جديدة إلى أن تبلور في الوضع القائم المعقد اليوم.
وبمجرد أن يستوعب الطرفان موقعهما على رقعة الشطرنج التاريخية هذه، ستنتقل تايوان من موقع «العبد» أو التابع التكنولوجي الذي يضفي الشرعية على وجود الصين من خلال المعارضة، إلى أن تُدمج عبر مفهوم الرفع الهيغلي (Aufhebung) وتكوّن روحاً واحدة. وبعبارة أبسط، يعني ذلك أن حل الصراع لن يقتضي مجرد إلغاء هوية الجزيرة أو امتصاصها تدميرياً، بل سيأخذ شكل تركيب تكاملي تُحفَظ فيه القدرات الاستراتيجية التايوانية وخصوصياتها وتُرفع، في الوقت نفسه، عبر اندماجها العضوي مع البنية القارية. وهذا الفاعل الموحد الجديد، في تفاعله مع القوى الأخرى، سيولد جدليات عالمية جديدة، ولكن انطلاقاً هذه المرة من تحقق روح مطلق وواعٍ بذاته، يترجم جيوسياسياً في صورة هيمنة إقليمية غير قابلة للجدال. وعلى المستوى الواقعي، يترجم ذلك إلى فكرة أن الصين الموحدة، بعد أن تكون قد حسمت نهائياً تناقضها الوجودي الرئيسي وأمنت محيطها البحري المباشر، ستتمكن من إسقاط كامل قوتها الكامنة داخل النظام الدولي من دون الثغرات الإقليمية التي تحد اليوم من صعودها، فتعمل أخيراً من دون قيود بوصفها قطب القوة المهيمن في منطقة آسيا-المحيط الهادئ.
وفي الوقت الراهن، لا تتحرك تايوان بمنطق توسيع القوة، بل تسعى إلى البقاء داخل قسوة الواقع البنيوي وإطالة أمد التوتر الجدلي. وهنا تتقاطع نظرية ميرشايمر مع النظرية الهيغلية وتتكامل معها: فالقوى مثل الولايات المتحدة تدعم الجزيرة من دون اعتراف دبلوماسي رسمي بها، وتعمل وفق منطق «الموازن من الخارج» [5]. وليس هدف واشنطن حل هذه الجدلية، بل إدامة النزاع من أجل منع الصين من تأمين محيطها وكسب مزيد من القوة الإقليمية فوق ما تملكه بالفعل، وبذلك إحباط تركيبها الهيغلي ومنعها من تحدي الهيمنة العالمية الأميركية.
ومن ثم، فإن تايوان تمثل قطعة أساسية داخل رقعة شطرنج تعمل فوقها القوى الكبرى، لكنها تظل، على نحو أو آخر، مشروطة بدورها الذي لا مفر منه بوصفها محور التنازع الجدلي المركزي للصين. ولا تستعجل بكين العملية عسكرياً لأنها تدرك، على نحو عقلاني، أن الصيرورة التاريخية هي التي تولد النزاع، وهي التي ستقوده إلى خاتمته في اللحظة الاستراتيجية المناسبة. كما أن العروض الدبلوماسية، إلى جانب زيادتها من القوة الناعمة الصينية، تؤكد الفرضية الأنطولوجية المركزية: لا يمكن لتايوان أن تكون تايوان من دون الصين، والعكس صحيح.
ويبقى أمامنا أن نراقب كيف ستحاول الصين، في هذه اللعبة الكبرى للقوة البنيوية، إدماج تايوان ضمن مدارها، وكيف تتأرجح الجزيرة بين الفاعلين النظاميين من دون أن تحظى باعتراف رسمي. غير أن كلا الضفتين تدركان على نحو جوهري أن لبَّ وجودهما التاريخي يكمن داخل هذا النزاع، وفي تركيبه المحتمل في نهاية المطاف: أي في التحقق النهائي لروحهما المطلق.
إشكاليات الرفع الهيغلي: البحث عن لحظة الكينونة في ذاتها ولذاتها
نصل هنا إلى المرحلة الحاسمة في التفكير في خاتمة لحظة الكينونة في ذاتها ولذاتها (An-und-für-sich-sein) وتحقيقها النهائي. فكل من الصين وتايوان يجسدان، كما جرى بيانه سابقاً، فئات متأصلة في جدلية واضحة؛ غير أن التعقيد الشديد لمفهوم الرفع الهيغلي (Aufheben)، أي الرفع أو التركيب، هو ما يؤخر تحقق هذه العملية التاريخية. وبعبارة أبسط، يعني ذلك أن بلوغ الوحدة المطلقة لا يتمثل في مجرد ضم إقليمي، بل في التحدي المعقد المتمثل في تركيب واقعين سياسيين واقتصاديين متباينين للغاية على نحو منسجم، من دون تدمير الغنى المادي والرمزي لأي من الطرفين.
ولكي تبلغ الصين وعيها الذاتي الكامل، لا بد لها من حسم هذا النزاع مع نقيضها الأنطولوجي، وجعل الرفع الهيغلي ممكناً، وتجاوز التجزؤ القائم. وبعبارة أخرى، تفترض هذه المقدمة أن بكين لن تكون قادرة على ترسيخ نفسها بصورة كاملة بوصفها المركز الهيمني الذي لا جدال فيه لحضارتها ما دامت هناك جهة قائمة، خارج سيطرتها المعيارية، تجسد وتُسقط نسخة بديلة من الهوية الصينية نفسها. غير أنه، إلى جانب الاستحالة الواقعية لفرض هذه اللحظة فوراً من دون عواقب كارثية، ثمة متغير لا مفر منه، هو روح العصر (Zeitgeist) في النظام الدولي. فالبنية الفوضوية المعاصرة تحدد، على نحو أو آخر، شروط الإمكان التي يمكن أن تحدث في ظلها هذه اللحظات. وعلى المستوى الواقعي، يترجم ذلك إلى فكرة أن ديناميات القوة الحديثة، المشكَّلة بالردع النووي، والتحالفات الاستراتيجية بين القوى المتنافسة، وسلاسل الإمداد المتشابكة، تفرض قيوداً شديدة على العمل العسكري الأحادي، وتستبعد الغزو المباشر بوصفه مساراً قابلاً للتطبيق نحو التركيب. ومع أن هذا العمل لا يهدف إلى استنفاد تحليل روح العصر الراهنة، وهي مهمة تتطلب دراسة مستقلة بحد ذاتها، فإنه من الضروري أخذها في الاعتبار لفهم أن تجلي الروح المطلق الصيني يظل مشروطاً برقعة شطرنج عالمية قائمة على الاعتماد المتبادل.
وفي إطار دائرية التاريخ، حيث تتكشف جدليات متعددة بصورة خطية وتدفع التاريخ الكوني إلى الأمام، اخترت أن أعزل هذه الحالة بوصفها دراسة حالة. ولا ينبع هذا الاختيار من مجرد نزعة اختزالية، بل من قناعة بأن الصراع في المضيق يتجاوز خصوصيته الذاتية، ويؤدي وظيفة مصفوفة استدلالية يمكن تطبيقها على تحليلات نظامية أخرى.
وصحيح أن هيغل صاغ فلسفته للدولة واضعاً الملكية البروسية في عهد فريدريك وليم الثالث أفقاً لها، بل وتبريراً لها، إذ لا يمكن فصل المؤلف عن خصوصية عصره. غير أنه، وبصرف النظر عن الانتقادات التاريخية، فإن مقولته الأنطولوجية الشهيرة، «كل ما هو واقعي فهو عقلاني، وكل ما هو عقلاني فهو واقعي»، تجد صدى لافتاً في الواقعية البنيوية المعاصرة. فهذه المقدمة الهيغلية ترتبط مباشرة بالافتراض القائل إن الدول فاعلون عقلانيون على نحو صارم؛ عقلانية تتجه نحو البقاء وتعظيم القوة، وتحدد سلوكها بصورة حتمية. ويقدم الإطار الهيغلي أساساً فلسفياً بالغ المتانة، بحيث إنه، كما عدّله كارل ماركس ليلائم علاقات الإنتاج، يصبح بالغ الكشف عندما يُسقَط على فوضى المجال الدولي.
حتى في ما يتعلق بالنظرية المطروحة هنا، يطوّر هيغل نفسه تصوراً مفاهيمياً للإمبريالية يمكن لنا أن نُسقطه على الأفعال المعاصرة لقوى مثل روسيا، والصين، والولايات المتحدة. وعلى الرغم من أن الفيلسوف الألماني يكتب من منظور أوروبيّ النزعة على نحو لا يمكن إنكاره، فإن هذه الأقطاب الثلاثة للقوة هي التي تجسد اليوم الجوهر الداخلي لفكرته. ففي محاضراته الشهيرة في فلسفة التاريخ العالمي، جرى تصور أفريقيا وأميركا بوصفهما جغرافيتين غير ناضجتين، غير قادرتين على تجاوز مباشرة الوجود الحسي، وهو ما وفر تبريراً للمشروع الاستعماري.
وبالمثل، وفي ما يخص الولايات المتحدة، فقد استشرف هيغل في توسعها الإقليمي ــ نحو ما سماه «أرض المستقبل» ــ آليةً لتخفيف تناقضات المجتمع المدني وتوتراته من خلال تصدير نمط حياتها الخاص. وبهذا، فإن هذه الإمبريالية الفلسفية، كما فُصّلت في أصول فلسفة الحق، تؤدي دور الأساس النظري للقوة التي نراها اليوم لدى الهيمنات الإقليمية المعاصرة.
وعندما ننقل مركز التركيز التاريخي بعيداً عن أوروبا، فإن الحق المزعوم في التوسع والهيمنة على الفاعلين الذين «لم يبلغوا المستوى العقلاني» أو الذين «يتحدون الوحدة» يخفي، تحت مقدمته الغائية، أكثر المنطقات واقعيةً وخشونة. وكما يلاحظ ميرشايمر بحق في مأساة سياسات القوى العظمى، فإن الدول لا تعترف أبداً في الساحة الدولية بأنها تتحرك بدافع غريزة افتراسية؛ بل إنها، على العكس، تُخفي دائماً حتمية بقائها، وتعظيمها للقوة، وسعيها إلى الهيمنة الإقليمية، وراء خطاب ليبرالي، أو لغة قانونية، أو، في هذه الحالة، وراء حتمية تاريخية-فلسفية.
ولم يكن الهدف النهائي من هذه الصفحات كتابةَ مؤلَّف في الفلسفة الهيغلية، بل توظيفها أداةً لفك شيفرة الوقائع النظامية، والتفكير خارج الأعراف الأرثوذكسية، والكشف عن المنطقات العميقة التي تحدد سلوك الدول. وحتى عندما تبدو قرارات القوى الكبرى وكأنها تتحدى الحس المشترك، فإن تأسيس تحليل القوة على منطق جدلي يضفي كثافةً مفهومية على استخدامها، أو على عدم استخدامها. إن إضفاء المعنى على هذه الصراعات، والبحث عن اللوغوس الكامن خلف السيف، يفرض علينا أن نناقش، من الجذور، الأسئلة الجيوسياسية التي تشغلنا يومياً.
أما في ما يتعلق بحالة التحليل الخاصة بنا، فإن الصين، من خلال استراتيجياتها الأخيرة ــ مثل عرض الحماية في مجال الطاقة مقابل إعادة فتح القنوات الدبلوماسية، حتى في ظل الرفض الأولي، وتشجيع زيارة زعيم الكومينتانغ ــ تفتتح بوضوح أفقاً جديداً. فهذه المناورات تزيد من إمكان استيعاب نظيرها من خلال الاعتماد المتبادل والاحتواء، بما يرسخ هيمنتها.
أما تايوان، فمن جهتها، فتتأرجح بين المصالح المتعارضة لكل من واشنطن وبكين. وفي سعيها إلى البقاء داخل بيئة عدائية تفتقر إلى الاعتراف الرسمي الكامل، فإنها تخضع، عن قصد أو بحكم البنية، للهوامش التي تتيحها لها القوى الكبرى، محاولةً الحفاظ على مستوى من الاستقلالية يسمح لها بالتفاوض على وجودها الخاص. ويُعدّ فتح الباب مجدداً أمام الحوار عبر المضيق مناورة مثيرة للجدل، لكنها ضرورية من الناحية الاستراتيجية، وهو ما تدفع الولايات المتحدة، بوصفها قوة موازِنة، إلى الرد عليه باستخدام أدوات ردع أكبر، لمنع تحقق تركيب هيغلي من شأنه أن يُخرج نفوذها من غرب المحيط الهادئ.
وتدرك بكين أن الساعة التاريخية تعمل لمصلحتها. فحالات الاضطراب والتوتر الداخلي الأخيرة التي يعيشها المهيمن الأميركي تُثير الشكوك داخل المجتمع الدولي، وتفتح فراغات في القيادة يبدأ عندها الفاعلون الطرفيون في النظر إلى الصين بوصفها دولة شديدة العقلانية، تمتلك قدرات توسعية وتحمل بديلاً على مستوى النظام.
وفي خضم هذه العملية الجدلية، نشهد النزاع الكامن بين جمهورية الصين الشعبية وجمهورية الصين. فهذا الصراع المستمر يحمل حتماً التوتر الضروري لفرض الرفع الهيغلي (Aufheben). وبعبارة أبسط، يعني هذا أن الاحتكاك الدائم والأزمات الدورية في المضيق لا تمثل شذوذاً في السياسة الدولية، بل تشكل محفزات تاريخية لا غنى عنها تدفع الكيانين معاً نحو الحسم الذي لا مفر منه لتناقضاتهما الأصلية. واليوم، لا يترجم هذا التركيب بالضرورة إلى إعادة توحيد مادي فوري، بل إن تجاوز هذه المرحلة قد يحدث وقد لا يحدث. وعندها سنرى كيف تتطور الجدلية، إما أن تتبلور في نظام إقليمي جديد، أو أن تعود فتتحول إلى دورة متجددة من النزاعات بين الكينونة في ذاتها والكينونة لذاتها، إلى أن تنضج في لحظة الكينونة في ذاتها ولذاتها معاً.
ويبقى السؤال الأساسي قائماً: هل ستأتي لحظة الصين في ذاتها ولذاتها؟ وهل سيُختتم النزاع الجدلي بإعادة التوحيد المنشودة، بما يسمح للفولكسغايست الممزق بأن يبلغ أخيراً الوعي الذاتي بالروح المطلق للأمة؟ وفي دوامة الحاضر المعاصر، حيث تسود المباشرة التحليلية، من الضروري أن نتذكر أن هذه العمليات لا تستجيب لمنطقات الظرف اليومي المحددة، بل للأزمنة الطويلة للتاريخ.
إننا نتحدث عن عمليات في ثورة دائمة؛ عن تناقضات تتيح للأمم لا أن تثبت ذاتها في مواجهة الآخر فحسب، بل أن تتجاوز ذاتها أيضاً، لتبلغ مراحل أعلى. وفي فوضى النظام الدولي، تتخلق هذه اللحظات باستمرار في ظل القوة الإمبيريقية. وغالباً ما يمنع طغيان الحسابات المادية تركيزنا التحليلي من إدراج البعد الفلسفي، لكن خلف الممارسة الخام للقوة يكمن دائماً لوغوس حاسم.
إن المنطقات التي تحكم عالمنا هي منطقات البقاء والقوة، وصعود الصين يؤكد ذلك، لكن هذه المقالة سعت إلى تجاوز الأثر الإمبيريقي المحض من أجل إضاءة الآلة الأنطولوجية التي تدفع القوى الكبرى. ولا مفر من أن نظل نعيش وسط هذه التناقضات النظامية، غير أن فتح الباب أمام هذا التأمل يدعونا إلى طرح الأسئلة التالية: هل سيصل الرفع الهيغلي إلى مضيق تايوان؟ وما العمليات الجدلية الأخرى التي تختبئ داخل الجغرافيا السياسية العالمية؟ وأخيراً، حين نحلل حتمية «الصين الواحدة» بما يتجاوز العلاقة الصارمة لمصالح القوة، هل يمكننا أن نجازف بالقول بوجود جدلية حقيقية لإعادة التوحيد؟
Related
ملاحظات وهوامش
المراجع
Máximo Gonzalez Cabañas
ماكسيمو غونزاليس كابانياس طالب في برنامج البكالوريوس في العلاقات الدولية بجامعة بلغرانو (مدينة بوينس آيرس المستقلة، الأرجنتين). يُكمّل تدريبه الأكاديمي مشاركته الفعّالة في إدارة الفعاليات، بما في ذلك تنظيم منتديات مع السلك الدبلوماسي ونموذج الأمم المتحدة (MONUB). وهو أيضًا عضو نشط في مدرسة كورينتس الفكرية. تتسم اهتماماته البحثية بالتنوع، إذ تشمل التاريخ والنظرية السياسية، وديناميات القوة في نصف الكرة الأرضية، والسياسة الخارجية للقوى الكبرى.
