بعد أن اختبرته طائرات الحوثيين المسيّرة، وقوضته مناشدات الرياض لواشنطن وتل أبيب، يواجه التحالف التاريخي خياراً حاسماً مع تهديد النزاع الإقليمي بتجاوز حدود غرب آسيا والامتداد إلى جنوب آسيا.
في أغسطس/آب، وقف ولي العهد محمد بن سلمان ورئيس الوزراء شهباز شريف والرئيس رجب طيب أردوغان في قاعات قصر الصفا لتوقيع ميثاق دفاعي ثلاثي تاريخي. وكان هدف التحالف واضحاً إلى حد كبير: التعاون الاستراتيجي، والتحالف الدفاعي، والسلام. لكن لم تمر سوى ستة أسابيع حتى وضع الحوثيون المدعومون من إيران مصداقية التحالف على المحك، قبل أن تتمكن تركيا أو باكستان حتى من المصادقة على نص الاتفاق.
وعلى غرار نموذج الدفاع الجماعي لحلف شمال الأطلسي، جمع اتفاق مكة للدفاع المشترك السعودية وتركيا وباكستان تحت مظلة أمنية واحدة. وكان تقسيم الأدوار بسيطاً: الرياض، الغنية بالنفط، توفر عائدات النفط؛ وأنقرة، التي تمتلك ثاني أكبر جيش دائم في حلف الناتو، توفر الأسلحة المتطورة والتكنولوجيا العسكرية؛ أما إسلام آباد، المسلحة نووياً، فتقدم القوة البشرية العسكرية على الخطوط الأمامية.
لكن عندما وُقع الميثاق في مكة في 7 أغسطس/آب، لم يكن في وسع أنقرة أو إسلام آباد أن تتوقعا أنه في السادس عشر من الشهر التالي ستعترض الرياض طائرات مسيّرة حوثية جنوب المدينة المقدسة نفسها التي يستمد منها الاتفاق اسمه.
وقبل ذلك، كانت صواريخ أنصار الله قد وجهت بالفعل ضربات قوية إلى منشآت النفط السعودية، وألحقت أضراراً بالبنية التحتية للطاقة وأصابت عشرات الأشخاص. وبحلول فجر 19 سبتمبر/أيلول، وصل أحد الصواريخ إلى عاصمة المملكة نفسها، حيث جرى اعتراضه فوق مطار الملك خالد الدولي مباشرة.
وعلى الرغم من الإدانات الدبلوماسية المتكررة للجماعة المسلحة والتأكيد المنسق على دعم الرياض، لم يتخذ أي من الشريكين حتى الآن إجراءً جوهرياً للوساطة أو التدخل في الأزمة المتصاعدة. كما أن أنقرة وإسلام آباد لا تتحملان حتى الآن أي مسؤولية قانونية «للتدخل»، إذ لا يزال الميثاق الدفاعي ينتظر المصادقة البرلمانية الرسمية في العاصمتين، كما أن الرياض لم تطلب منهما رسمياً حتى الآن تقديم «مساعدة عسكرية».
ولي العهد يتصل بواشنطن وتل أبيب
لكن هذا الصمت يكشف عن مفارقة استراتيجية أعمق. وتشير تقارير إعلامية أمريكية إلى أن ولي العهد السعودي محمد بن سلمان ضغط على إدارة ترامب من أجل تدخل واشنطن في الحرب مرتين خلال يوم واحد، عبر مكالمات هاتفية خاصة، وحثها على اتخاذ إجراء عسكري ضد الحوثيين مع اقترابهم من مضيق باب المندب، إلا أن الرئيس الأمريكي رفض ذلك.
وفي الوقت نفسه، أفادت مصادر دبلوماسية من القدس بأن الرياض تواصلت بصورة غير مباشرة، عبر القيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM)، مع تل أبيب لطلب المساعدة في تبادل المعلومات الاستخباراتية.
وتثير هذه الاتصالات غير المعلنة سؤالاً واضحاً: لماذا امتنعت الرياض عن ممارسة ضغط علني مماثل، ولو بنصف هذه القوة، على شريكتها الاستراتيجية التقليدية إسلام آباد وحليفتها الجديدة أنقرة؟
والأهم أن ميثاق مكة ليس حتى الآلية الوحيدة التي تستطيع الرياض اللجوء إليها. فقبل أسبوع واحد فقط من توقيع المعاهدة، جمعت السعودية 14 دولة، من بينها تركيا وباكستان، ضمن تحالف دفاع بحري متعدد الجنسيات أُنشئ تحديداً لتأمين البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن في مواجهة تهديدات الحوثيين.
لذلك، لم تنفق الرياض عاماً كاملاً في التفاوض على هذه الاتفاقات لكي تبقى مجرد وثائق على الرف بوصفها إشارة سياسية فحسب. فقد صُممت بحيث يلتزم دفاع أنقرة الاستراتيجي والقدرات العسكرية لإسلام آباد سياسياً بالدفاع عن السعودية فور اندلاع أزمة من هذا النوع.
ومع ذلك، عندما اندلعت الأزمة، ظل رد الفعل التلقائي للرياض متجهاً نحو واشنطن.
المحاولة غير المتبناة لاستهداف الحجاز
غير أن هذا التوجه قد لا يصمد بعد ما حدث في 16 سبتمبر/أيلول.
فقد اعترضت قوات الدفاع الجوي الملكي السعودي طائرة مسيّرة حوثية جنوب مكة قبل دخولها المجال الجوي المحظور للحجاز، ما أدى إلى تفعيل حالة التأهب الأمني في المدينة للمرة الأولى منذ عام 2017.
ووصف المتحدث باسم التحالف تركي المالكي أمن الحرمين الشريفين بأنه «خط أحمر».
من جانبهم، نفى الحوثيون استهداف مكة من الأساس، ووصفوا الادعاء بأنه معلومات مضللة، فيما اتهم عبد الملك الحوثي السعودية بترويج «كذبة كبيرة».
وبين روايتين متعارضتين، لا يهم كثيراً بالنسبة إلى 1.9 مليار مسلم حول العالم أي الطرفين يقول الحقيقة، لأن أي هجوم يعرّض الحجاز للخطر يتجاوز خطاً لا يمكن لأي هجوم على مصفاة نفط أن يتجاوزه.
أنقرة تتحرك بينما تتردد إسلام آباد
أصدر الشريكان إدانات شديدة، حيث أدلى وزير الدفاع الباكستاني خواجة آصف بتصريح حاد قال فيه: «لا يوجد أي غموض على الإطلاق بشأن تطبيق الميثاق إذا جرى انتهاك السلامة الإقليمية أو الحدود الجغرافية لأي من الدول الثلاث.»
لكن عندما سُئلت وزارة الخارجية عن كيفية تنفيذ ذلك عملياً، تراجعت خلف لغة رسمية مبهمة، قائلة إن «سرية العمليات تقتضي منا التحفظ».
وفي خطوة لافتة، أعلن يوم السبت وزير الخارجية التركي هاكان فيدان علناً استعداد تركيا لتقديم مساعدة عسكرية للسعودية في إطار ميثاق الدفاع الثلاثي، مضيفاً أن أي احتياجات عسكرية يُرجح أن تتركز على مجالات تقنية محددة.
تحذير بـ«قبضة من حديد» من الحوثيين
ورداً على ذلك، أصدر الحوثيون المدعومون من إيران يوم الاثنين تحذيراً مباشراً لأنقرة وإسلام آباد، وهددوا برد حاسم إذا تدخل أي من البلدين عسكرياً إلى جانب السعودية.
وقال محمد البخيتي، عضو المكتب السياسي للحوثيين، في مقابلة مع قناة تلفزيونية عراقية: «والله، إذا تدخلت تركيا وباكستان، فسنضربهما بقبضة من حديد.»
وفي اليوم التالي، أطلق زعيم الحوثيين عبد الملك الحوثي تحذيراً مماثلاً عبر قناة المسيرة، داعياً البلدين إلى عدم السماح لـ«المصالح السياسية أو الاقتصادية» مع الرياض بجرهما إلى حرب تنتهي، بحسب تعبيره، بمجرد أن تتوقف السعودية عن القصف وترفع الحصار.
ولم ترد أنقرة أو إسلام آباد حتى الآن على أي من تلك التهديدات. غير أن وصول صاروخ إلى الرياض، وانطلاق صفارات الإنذار في الحجاز، وقيام جماعة مسلحة بتسمية باكستان وتركيا مباشرة، كلها مؤشرات على أن نقطة التحول ربما لم تعد مجرد احتمال نظري.
التأثير على جنوب آسيا
قد لا يكون من المبالغة افتراض أن إسلام آباد وأنقرة قد تضطران إلى دفع برلمانيهما نحو المصادقة على الميثاق عاجلاً لا آجلاً.
وأي رد عسكري لاحق ضد قوات الحوثيين سيؤدي حتماً إلى إدخال طهران في مواجهة مباشرة مع كل من إسلام آباد وأنقرة.
فبالنسبة إلى إيران، يمثل الحوثيون ركناً أساسياً من منظومتها الأمنية الإقليمية وأداة للنفوذ الإقليمي أمضت ما يقرب من عقدين في بنائها.
أما بالنسبة إلى إسلام آباد، فإن أي قطيعة مع إيران من شأنها أن تزعزع استقرار حدودها الغربية، وهو أمر لا تستطيع الدولة تحمله في وقت تشهد فيه حدودها مع أفغانستان توترات مرتفعة بالقدر نفسه بعد الضربات الجوية الأخيرة.
وبالنسبة إلى أنقرة، فإن الوقوف في مواجهة إيران قد يهدد توازنها الاستراتيجي للقوة في دمشق.
وأي مواجهة من هذا النوع لن تبقى محصورة في غرب آسيا وحده. بل من شأنها أن تقوض الحدود الجغرافية التقليدية بين غرب آسيا وجنوب آسيا، وأن تنهي موقف الحياد الذي تتبناه قوى إقليمية غير موقعة على الاتفاق، فضلاً عن التسبب في صدمات اقتصادية مدمرة، في وقت أدت فيه الاضطرابات في البحر الأحمر والخليج العربي بالفعل إلى ارتفاع حاد في أسعار النفط الخام وتكاليف الشحن.
وتجد العواصم الثلاث نفسها الآن عالقة في معضلة صنعتها بنفسها.
فإضفاء الطابع الرسمي على الميثاق والتدخل عسكرياً يحملان خطر إشعال حرب إقليمية وتقويض الحياد الهش لجنوب آسيا.
لكن عدم القيام بأي شيء يجعل ميثاقهم الاستراتيجي «التاريخي» بلا جدوى، لا سيما بعد أن صدر تهديد صريح يذكر اثنتين من الدول الثلاث الموقعة عليه بالاسم.
ومع استمرار الطائرات المسيّرة الحوثية في اختبار المجال الجوي السعودي، تواجه القوى الثلاث مهمة دقيقة تتمثل في الحفاظ على الوزن الاستراتيجي للاتفاق من دون التسبب في تصعيد إقليمي يصعب تصور عواقبه.
ولن يكون الاختبار الحقيقي أمام الرياض وأنقرة وإسلام آباد هو ما إذا كانت قادرة على إطلاق حملة عسكرية مشتركة أم لا، بل ما إذا كانت تستطيع استخدام ثقلها الدبلوماسي المشترك وميثاقها الدفاعي لفرض الاستقرار في المنطقة من دون الانجرار إلى صراع يصعب احتواؤه.
